الوحي

من إمامةبيديا
(بالتحويل من وحي)

تمهيد

اصطفى الله جماعة من البشر وبعثهم لهداية بقية أفراد نوعهم إلى الكمال والسعادة الحقيقية ولتعليمهم القوانين التي يحتاجونها لتكميل معارفهم العقلية.

إبلاغ التعاليم الدينية للناس هي من الوظائف الأساسية للنبي، ومن البديهي يسبق هذا الإبلاغ أن يعلم النبي بتلك التعاليم.

هنا السؤال: ما هي منابع علم النبي؟

هل يتعلّم النبي تلك التعاليم باجتهاده الفكري الشخصي؟

أو عن طريق دراسة آثار السابقين وتجاربهم؟

الحق أنّ منبع تعاليم الأنبياء لا يُمكن أن يكون من منابع المعرفة البشرية العادية (الحسّ، التجربة، العقل)، بل إنّ منبعها هو إدراك خاص يُعبَّر عنه بالوحي، إنّ الإدراك الوحياني هو من أهم ميزات الأنبياء.[١]

ما هو الوحي؟

تُعدّ مسألة الوحي من المسائل المهمة في النبوة العامة، إلا أنّ المتكلمين - القدماء خصوصاً- لم يبحثوها كما ينبغي، بل لم تُذكر في كثير من المتون الكلامية واكتفى البعض الآخر بتعريفها، كالتعريف الذي ذكره الحكيم اللاهيجي للوحي حيث قال: المراد من الوحي سماع الكلام سواء في اليقظة أو في المنام، سواء برؤية الملك أو عدمه[٢].

الواقع أننا لا نعلم حقيقة الوحي لأنه نوع من الإدراك مختص بالأنبياء، ولا طريق للبشر العاديين إليه أو إلى تجربته، إن حالنا في فهم حقيقة الوحي حال ذلك الأعمى الذي يُريد أن يتعرف على الألوان، فيحصل على تصور مبهم للألوان من خلال بعض المفاهيم التي يُبيّنها لها ذلك البصير الذي شاهد الألوان وعايَنها، كذلك نحن يُمكننا التعرّف من بعيد وبشكل مُجمل على هذا النوع من الإدراك من خلال تلك المفاهيم التي تحكي بعض أبعاد الإدراك الوحياني وخصوصياته والحال أننا قاصرون عن الوصول إلى حقيقته. من هنا يُمكن القول في تعريف الوحي: أنه نوع إدراك خاص يختلف عن الإدراكات البشرية المتعارفة اختلافاً كاملاً ولا يحصل عن طريق الحسّ والحدس أو التعقّل والتفكّر. إنّ الله ينقل حقائق ومعارف دينية إلى النبي(ع) بواسطة هذا الإدراك الخاص، كما أنّ النبي(ع) لا يُخطئ أو يشك في مُدركاته[٣]، ويحصل هذا الإدارك بعدّة طرق سنُشير إليها في البحث القرآني.[٤]

إمكان الوحي

بالالتفات إلى التصور المُجمل الذي حصلنا عليه عن الوحي يتبيّن أنّ الوحي هو نوع من الارتباط الخاص بين الإنسان الموجود في عالم الطبيعة مع ماوراءها، من خلال هذا الارتباط تنتقل حقائق من العوالم العليا إلى النبي. قد تطرح شبهة هنا وهي أنّ الوحي بالمعنى المذكور أمرٌ غير ممكن، وذلك لأنّ حصول كل ارتباط مرهون بالتناسب والسنخية بين الطرفين، في حين لا توجد بين الإنسان الموجود في عالم الطبيعة وماوراء الطبيعة تلك السنخية المطلوبة في تحقيق الارتباط!

في الجواب يُمكن القول أنّ الإنسان ليس موجوداً مادياً صرفاً، بل له بُعدان، بُعد مادي وآخر روحي مجرد عن المادة، وبسبب ذلك البُعد الروحي يُمكنه الارتباط بماوراء الطبيعة. لا ينبغي الغفلة عن أن كون روح الإنسان مجردة غير كافٍ في تلقي الوحي، وإلا لكان كل إنسان لديه القابلية لتلقيه؛ بل يلزم أن تكون تلك الروح في غاية الطهارة وفي أوج القوّة والكمال. من هنا أختُص الوحي بجماعة من البشر أي: الأنبياء، حيث يفتقد غيرهم تلك القابلية الروحية.[٥]

الوحي عند علماء الطبيعة

حاول البعض أن يذكر تفسيراً آخر لظاهرة الوحي مؤكّداً على أنها معلولة لخصوصيات شخص النبي، فقال بعضهم أنّ النبي كان من أعظم نوابغ التاريخ، إنّ نبوغه الزائد عن الوصف هو السبب في ابتداع طرق حل جديدة لمعالجة مشاكل الناس الاجتماعية في زمانه فقام بطرح أفكاره الجديدة في قالب تعاليم دينية. وادّعى آخرون بالاستناد إلى ما توصل إليه علم النفس الحديث والطب النفسي أنّ الوحي ليس إلا ظهور الشعور الباطني للأنبياء وضميرهم الباطن، إنهم يبيّنون تلك المشاعر للبشر في قالب ألفاظ وتصاوير خاصّة. ومن الملفت أن القائلين بهذه الأقوال ليسوا جميعهم من الملحدين أو منكريّ النبوّة، بل هناك من بينهم علماء مسلمين. ولعلّ أصحاب التفسير الأخير قد اتجهوا إلى هذا التفسير الخاطئ بسبب انفعالهم أمام العلوم التجريبية الحديثة وخضوعهم المفرط لها، مع عدم الالتفات إلى الأصول الماورائية للمعارف الدينية. فمن يؤمن بعالم الغيب ويتأمل جيداً في أحوال الأنبياء يدرك أنّ الوحي ظاهرة ماورائية ونتاج علاقة خاصّة بين الله عزّوجل وأنبيائه. إنّ نقد هذه الآراء بالتفصيل يحتاج إلى مجال أوسع، لذلك سنكتفي بالتأكيد على أنّ هذه التفاسير للوحي لا تنسجم مع الواقع بأيّ وجه من الوجوه وتشهد على بطلانها الكثير من الآيات والروايات[٦].[٧]

مقالات ذات صلة

المراجع والمصادر

  1. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي

الهوامش

  1. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الإسلامي، ص ٤٠٧.
  2. اللاهيجي، گوهر مراد، ص۲۹۸.
  3. ذكر الفلاسفة المشاء تحليلاً خاصاً للإدراك الوحياني يتناسب مع مبانيهم الفلسفية، يعتقدون أن (العقل الفعال) آخر العقول المجردة في السلسلة النزولية للعقول، هو مخزن تمام العلوم والمعارف وهو المسؤول عن إفاضة الصور العينية والعلمية إلى العالم المادي. يرتبط الأنبياء بالعقل الفعال وذلك بسبب قوة وكمال نفوسهم ويحصلون على الحقائق، يرى هؤلاء الفلاسفة أن حقيقة الوحي هي تلقي الحقائق من العقل الفعّال، طبعاً بإذن الله ومشيئته وبما يتوافق مع مراتب وقوى نفس النبي التي تختلف من نبي إلى آخر، يتجلى الله له بصورة معارف وصور وأصوات.
  4. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الإسلامي، ص ٤٠٧-٤٠٨.
  5. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الإسلامي، ص ٤٠٩.
  6. للاطلاع أكثر؛ راجع: جعفر السبحاني، الإلهيات على هدي الكتاب والسنة والعقل، ج۳، ص۱۴۵.
  7. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الإسلامي، ص ٤٠٩-٤١٠.