الإسلام في تعاليم الإمام الحسين وسيرته
التعريف
المعنى اللغوي
قال ابن فارس: «سلم: السين واللام والميم، معظم بابه من الصحة والعافية... ومن الباب أيضاً الإسلام، وهو الانقياد؛ لأنّه يسلم من الإباء والامتناع»[١].
ويرى الراغب الإصفهاني أنّ «الإسلام» يعني الدخول للسلم[٢].
وبهذا الشأن قال العلامة المصطفوي: «إن الأصل الواحد في هذه المادّة: هو ما يقابل الخصومة، وهو الموافقة الشديدة في الظاهر والباطن بحيث لا يبقى خلاف في البين، ومن لوازم هذا المعنى مفاهيم الانقياد والصلح والرضا.
ولما كان أصل المادّة لازماً فيكون مفهومه حصول الوفاق ورفع الخلاف والخصومة في نفس الشيء، سواء يلاحظ في نفسه أو بالنسبة إلى غيره.
وإذا لوحظ في نفسه من حيث هو يلازمه الاعتدال والنظم والمحفوظية من النقص والعيب والعاهة والآفة، وهذا معنى السلامة والصحة في نفس الشيء وفي أجزائه، لفقدان الخلاف فيما بين الأجزاء والأعضاء، وحصول الوفاق الكامل والنظم والاعتدال فيها، فالصحة تكون من مصاديق الأصل بهذا المعنى»[٣].
ثمّ يواصل كلامه: «فظهر أنّ الإسلام عبارة عن جعل شيء سلماً، أي موافقاً متلائماً لا يبقى خلاف ولا ترى جهة مغايرة ومنافرة»[٤].[٥]
المعنى الاصطلاحي للإسلام
روي عن الإمام الصادق(ع) أنّه قال: «الْإِسْلَامُ هُوَ الظَّاهِرُ الَّذِي عَلَيْهِ النَّاسُ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ وَ إِقَامُ الصَّلَاةِ وَ إِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَ حِجُّ الْبَيْتِ وَ صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ»[٦].
وروي عنه أيضاً: «الْإِسْلَامُ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَ التَّصْدِيقُ بِرَسُولِ اللهِ(ص) بِهِ حُقِنَتِ الدِّمَاءُ وَ عَلَيْهِ جَرَتِ الْمَنَاكِحُ وَ الْمَوَارِيثُ وَ عَلَى ظَاهِرِهِ جَمَاعَةُ النَّاسِ»[٧].
وقال العلامة الطباطبائي: «إن الإسلام على ما تداول بيننا من لفظه، ويتبادر إلى أذهاننا من معناه أوّل مراتب العبودية، وبه يمتاز المنتحل من غيره، وهو الأخذ بظاهر الاعتقادات والأعمال الدينية، أعم من الإيمان والنفاق»[٨].
وقال الفخر الرازي: «إنّا بيّنا أن الإسلام عبارة عن الإقرار الدال على الاعتقاد ظاهراً»[٩].
وفصّل ابن تيمية قائلاً: «قد فرق النبي(ص) في حديث جبريل(ع) بين مسمّى (الإسلام) ومسمى (الإيمان) ومسمى (الإحسان)، فقال: «الْإِسْلَامُ: أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَ تُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَ تُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَ تَصُومَ رَمَضَانَ، وَ تَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً»، وقال: «الْإِيمَانُ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَ مَلَائِكَتِهِ، وَ كُتُبِهِ، وَ رُسُلِهِ، وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ، وَ تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَ شَرِّهِ»[١٠].
بعد هذه النبذة الموجزة علينا أن نعطف جهة البحث لبيان ما ورد من أحاديث عن الإمام الحسين(ع) تطرّقت بنحو من الأنحاء للإسلام.[١١]
صور وجوب الشهادة
تتمثّل حقيقة الإسلام بالشهادة الله سبحانه بالوحدانية وللنبي(ص) بالنبوة والإمامة والمعاد، ومن لا يشهد بإمامة أهل البيت(ع) فهو - إن لم يكن عن تعصب وعناد - يعدّ في الظاهر مسلماً، ويجري عليه حكم الإسلام في حفظ الأنفس والأموال والأعراض، وهذا المعنى لا يصعب استنتاجه على من خبر الروايات وعاش في أجوائها، كما سنشير إليه فيما بعد.
الشهادة لله سبحانه بالتوحيد
ذكر ابن أعثم في فتوحه: «وصية الحسين لأخيه محمد: فكتب:
«بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى أَخِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ الْمَعْرُوفِ وَلَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: إِنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيِّ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ...»[١٢].
إذ نستنتج أن من المناسب جدّاً عند الوصية الابتداء بالأمور التي نعتقد بها ومن بينها الوحدانية الله تبارك وتعالى. لقد روى جابر عن رسول الله(ص) قوله: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ- حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ- فَإِذَا قَالُوهَا فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَ أَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَ حِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾»[١٣].
نقل أبو مالك عن أبيه أنّه قال: سمعت رسول الله(ص) يقول: «مَن قالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَفَرَ بما يُعْبَدُ مَن دُونِ اللهِ، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ علَى اللهِ»[١٤].
وقال أسامة بن زيد: «بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ (صل) فِي سَرِيَّةٍ فَصَبَّحْنَا الْحُرُقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ فَأَدْرَكْتُ رَجُلاً فَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فَطَعَنْتُهُ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ (صل) فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صل) أَ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَ قَتَلْتَهُ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفاً مِنَ السِّلَاحِ قَالَ أَ فَلَا شَقَقْتَ قَلْبَهُ حَتَّى تَعْلَمَ أَ قَالَهَا أَمْ لَا فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ»[١٥].
وقال أمير المؤمنين(ع) في إحدى خطبه: «وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً مُمْتَحَناً إِخْلَاصُهَا مُعْتَقَداً مُصَاصُهَا نَتَمَسَّكُ بِهَا أَبَداً مَا أَبْقَانَا وَ نَدَّخِرُهَا لِأَهَاوِيلِ مَا يَلْقَانَا فَإِنَّهَا عَزِيمَةُ الْإِيمَانِ وَ فَاتِحَةُ الْإِحْسَانِ وَ مَرْضَاةُ الرَّحْمَنِ وَ مَدْحَرَةُ الشَّيْطَانِ»[١٦].
الشهادة للنبي(ص) بالعبودية
في الفتوح قال ابن أعثم: وصية الحسين لأخيه محمد: «إِنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيِّ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، جَاءَ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِهِ...»[١٧].
حيث يتحصّل من شهادة الإمام(ع) هذه أن على جميع الناس حتى أولياء الله الشهادة بعبودية نبي الإسلام(ص). أمير المؤمنين(ع) وفي خطبة من خطبه قال: «وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِالدِّينِ الْمَشْهُورِ وَ الْعَلَمِ الْمَأْثُورِ وَ الْكِتَابِ الْمَسْطُورِ وَ النُّورِ السَّاطِعِ وَ الضِّيَاءِ اللَّامِعِ وَ الْأَمْرِ الصَّادِعِ إِزَاحَةً لِلشُّبُهَاتِ وَ احْتِجَاجاً بِالْبَيِّنَاتِ وَ تَحْذِيراً بِالْآيَاتِ وَ تَخْوِيفاً بِالْمَثُلَاتِ»[١٨].
الشهادة للنبي(ص) بالرسالة
عوداً إلى حديث الإمام الحسين(ع) السابق لنستنتج منه كذلك ضرورة الشهادة للنبي بالرسالة ووجوبها على الجميع بما فيهم أولياء الله.
نقل البخاري بسنده عن عبد الله بن عمر أنّ رسول الله(ص) قال: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ وَ يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَ أَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَ حِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ»[١٩].
قال أمير المؤمنين(ع): «فَكَانَ أَوَّلُ مَا قَيَّدَهُمْ بِهِ الْإِقْرَارَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَ الرُّبُوبِيَّةِ وَ الشَّهَادَةَ بِأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فَلَمَّا أَقَرُّوا بِذَلِكَ تَلَاهُ بِالْإِقْرَارِ لِنَبِيِّهِ(ص) بِالنُّبُوَّةِ وَ الشَّهَادَةِ لَهُ بِالرِّسَالَةِ»[٢٠].
الشهادة لأمير المؤمنين(ع) بالولاية
سليم بن قيس الهلالي نقل عن الإمام الحسين(ع) قوله في إحدى خطبه موجهاً كلامه لبني هاشم ونخبة من المجتمع في أرض منى: «أَنْشُدُكُمُ اللهَ أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ(ص) نَصَبَهُ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ فَنَادَى لَهُ بِالْوَلَايَةِ وَ قَالَ (لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ)؟ قَالُوا اللهُمَّ نَعَمْ. قَالَ أَنْشُدُكُمُ اللهَ أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ(ص) قَالَ لَهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ (أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى وَ أَنْتَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدِي)؟ قَالُوا اللهُمَّ نَعَمْ»[٢١].
فمن ملاحظة ما أخذ عليهم الإمام من إقرارهم واعترافهم به نتوصل إلى أنّ الشهادة بالولاية لأمير المؤمنين(ع) واجبة أيضاً على الجميع حالها حال الشهادة بالتوحيد والنبوة.
ولتتمّ الفائدة يحسن بنا أن نعطف الكلام في هذه المسألة إلى مواضع النزاع والخلاف بين المسلمين باعتبارها من المسائل العقائدية البالغة الأهمية عند الشيعة الإمامية على وجه التحديد، إذ تحتل مسألة الإمامة وخلافة النبي(ص) منزلة خاصّة في الفكر الشيعي ومكانة مرموقة، وكيف لا تكون كذلك وهم يرونها امتداداً لخط النبوة في بيانه للشريعة وتوضيحها وتطبيقها حتى عدت من أصول الدين، على عكس ما عليه أهل السنة حيث لم يولوها اهتماماً، ولذا أدرجوها ضمن فروع الدين.
ونرى من المناسب هنا تسليط الضوء على تشعبات هذه المسألة التي تشكّل البنية التحتية التي تتقوّم بها حياة الأمّة المادية والمعنوية لتتكشف بذلك الحقيقة وتتميّز عما سواها.
وقع الاختلاف بين الطوائف الإسلامية في أنّ الإمامة أهي من الأصول أم الفروع؟ وفيما إذا كانت من الأصول فهل هي من أصول الدين أو المذهب؟
وأصول الدين هي عبارة عن مجموعة من الأمور ذات العلاقة بالعقيدة الإسلامية، ولا يصح التقليد فيها، وإنما يجب على كل مكلف تحصيل القناعة الذاتية فيها، وبلوغ درجة القطع الوجداني بها عن طريق العقل والفطرة ومن خلال التأمل والتدبر في الأدلة.
وفروع الدين هي تكاليف وأحكام ذات جنبة عملية تتعلّق بأفعال وتصرّفات المكلفين أدائهم. وأما أصول المذهب فهي المعتقدات التي تمثل ركائزه وأركانه التي يتقوّم بها.
ما كان موضع اتّفاق عليه بين جميع المسلمين من أصول الدين هو «التوحيد والنبوة والمعاد»، ولكن هناك اختلاف في الإمامة، واستقراءً للأقوال في المسألة نجدها ثلاثة:
القول الأوّل: الإمامة من فروع الدين
وعلى هذه العقيدة عامة أهل السنّة، والخوارج، والمرجئة، وغالب جمهور المعتزلة، والزيدية من الشيعة، حيث إنّهم عدّوا الإمامة من فروع الدين والمسائل العائدة إلى أفعال المكلّفين:
فقال التفتازاني: «لا نزاع في أنّ مباحث الإمامة بعلم الفروع أليق...»[٢٢].
وصرّح السيّد الشريف الجرجاني بأنّها: «ليست من أصول الديانات والعقائد خلافاً للشيعة، بل هي (عندنا من الفروع) المتعلقة بأفعال المكلّفين؛ إذ نصب الإمام عندنا واجب على الأمة سمعاً (و إنما ذكرناها في علم الكلام تأسياً بمن قبلنا)»[٢٣].
وقال الفضل بن روزبهان: «اعلم أن مبحث الإمامة عند الأشاعرة ليست من أصول الديانات والعقائد، بل هي عند الأشاعرة من الفروع المتعلّقة بأفعال المكلّفين»[٢٤].
واستدل القائلون بأنّ الإمامة من الفروع بعدّة أدلة نستعرضها واحداً تلو الآخر، ونرد كل واحد منها:
١. إنّ الإمامة رئاسة دنيوية لنظم أمور العباد؛ لهذا وجب على المسلمين وجوباً كفائياً أن يختاروا من يقوم بهذا الأمر لحفظ أمورهم ونظمهم.
الجواب: إنّ الإمامة كما سنثبتها لاحقاً ليست رئاسة دنيوية أو دينية وحسب، وإنّما منصب إلهي عظيم يهدي نفوس البشر للكمال المطلوب ومن شؤونه الرئاسة الدينية والدنيوية.
٢. لا فرق عند الشيعة بين خصوصيات النبي(ص) والمتصدي للإمامة، ويتمتّع بما يتمتّع به، وهذا يعني أنّ الإمامة عند الشيعة ترادف النبوة، بينما أدلة الخاتمية قد أغلقت الطريق أمام هذا الاحتمال.
الجواب: أن تكون خصوصيات الإمامة وشروطها هي نفسها خصوصيات النبوّة وشروطها لا يعني أنّ الإمام هو نبي، فالشيعة يعتقدون أن المجتمع الإسلامي بعد النبي(ص) بحاجة إلى أشخاص يواصلون طريقه على صعيد تبيين الشريعة وتطبيقها، وهذا ما اقتضى اتّصاف من يكون إماماً بخصوصيات وصفات هي ضرورية للنبي كالعصمة وعلم الغيب وغيرها من الصفات، وهذا لا يتنافى مع عقيدته بختم النبوة بالرسول الأكرم(ص) فلا يأتي نبي بعده، كما أنّ الوح التشريعي انقطع بموته.
٣. لقد قام النبي(ص) بجميع مهامه على مستوى تشريع الأحكام، وعلى أحسن وجه حتى نزل قوله عزوجل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾[٢٥].
ومعه لا تبقى حاجة إلى الإمامة كأصل من أصول الدين، مع أنّ في جعلها فرعاً من فروع الدين كفاية، حيث يحدد وظيفة الناس في انتخاب الحاكم عن طريق الشورى أو البيعة.
الجواب: الاستدلال أعلاه يعتمد على تفسير كلمة «الدين» الواردة في الآية بالأحكام الشرعية الفرعية، وكلمة «إكمال» بمعنى بيانها، وهذا المعنى مبتلى بعدّة إشكالات:
- و في موضعه سنفصّل البحث بإسهاب من أنّ جميع مفسّري الشيعة وبعض محدثي أهل السنّة يرون أنّ آية الإكمال نزلت يوم الغدير في حجة الوداع، بيد أنّ هناك الكثير من الأحكام والفرائض قد أنزلت على النبي(ص) خلال هذه الفترة بين الغدير حتّى وفاته(ص) يبلّغها للأمة، كأحكام الكلالة التي جاء ذكرها في آخر سورة النساء، وآيات الربا الواردة في سورة البقرة.
- ما استعمل من كلمات في الآية الشريفة، مثل: يأس الكفار وإكمال الدين وإتمام النعمة لا تنسجم إطلاقاً مع هذا المدعى؛ لأنّ بيان بعض الأحكام في حجة الوداع لا يقتضي يأس الكفار من الدين الإسلامي، حيث بيّن النبي(ص) قبل ذلك الكثير من الأحكام للناس ولم ييأس الكفار من القضاء على الإسلام أبداً.
ولا يبقى إلا احتمال واحد ممكن أن يطرح، وهو أنّ إكمال الدين وإتمام النعمة كان بإعلان ولاية أمير المؤمنين(ع)، وهذا هو الشيء الوحيد الذي يصلح سبباً لإنهاء أطماع المشركين ونواياهم الخبيثة تجاه الإسلام وإصابتهم باليأس. يقودنا ما لاحظناه إلى نتيجة مفادها: أنّ الآية الشريفة أعلاه ترى الإمامة أصلاً من أصول الدين؛ ولهذا عُدّت إكمالاً للدين وإتماماً للنعمة.
القول الثاني: الإمامة من أصول المذهب
ذهب بعض المتأخرين من علماء الشيعة إلى القول بأنّ الإمامة من أصول المذهب لا من أصول الدين ولا من فروعه، وكان من الوجوه التي استدلوا بها على مدّعاهم هذا:
١. إنّ الإمامة ثابتة عند أتباع المذهب الذين يعتقدون بها، ولما كان غيرهم لا يقبلونها بمعناها الثابت عند الشيعة صار من الصعوبة بمكان عدّها من أصول الدين.
الجواب: إنّ ثبوت الإمامة بمعناها الخاص لدى الشيعة دون غيرهم لا يشكّل دليلاً على أنّها ليست من أصول الدين؛ إذ اتّصاف أيّ أصل بذلك تابع للدليل، وإن لم تقبله بعض الفرق الإسلامية.
٢. الاعتقاد بأنّ الإمامة من أصول الدين يستلزم خروج المنكر له عن الدين، بينما لا يلزم هذا المحذور إن قلنا أنّ الإمامة من أصول المذهب.
الجواب: لم يكن الفرار من المحذور يوماً ما دليلاً على جواز مخالفة الدليل القائم في المسألة ورفع اليد عنه، خصوصاً إذا لاحظنا ما يذكر للخروج من الدين من مراتب عديدة، إذ من الممكن اللجوء لهذا التبرير فراراً من الإشكال.
القول الثالث: الإمامة من أصول الدين
اتّفق علماء الإمامية - ما عدا بعض المتأخرين - على أنّ الإمامة أصل من أصول الدين.
أفاد الشيخ محمد رضا المظفر قائلاً: «نعتقد أنّ الإمامة أصل من أصول الدين لا يتمّ الإيمان إلا بالاعتقاد بها، ولا يجوز فيها تقليد الآباء والأهل والمربين مهما عظموا وكبروا، بل يجب النظر فيها كما يجب النظر في التوحيد والنبوة...
كما نعتقد أنّها كالنبوّة لطف من الله تعالى، فلا بدّ أن يكون في كلّ عصر إمام هاد يخلف النبي في وظائفه من هداية البشر وإرشادهم إلى ما فيه الصلاح والسعادة في النشأتين، وله ما للنبي من الولاية العامّة على الناس لتدبير شؤونهم ومصالحهم وإقامة العدل بينهم ورفع الظلم والعدوان من بينهم.
وعلى هذا فالإمامة استمرار للنبوّة، والدليل الذي يوجب إرسال الرسل وبعث الأنبياء هو نفسه يوجب أيضاً نصب الإمام بعد الرسول.
فلذلك نقول: إنّ الإمامة لا تكون إلا بالنص من الله تعالى على لسان النبي أو لسان الإمام الذي قبله، وليست هي بالاختيار والانتخاب من الناس»[٢٦].
واستدل على هذا القول بوجوه:
الوجه الأوّل: لا نزاع في أنّ الإمامة تعني خلافة رسول الله(ص)، وعليه ستكون من توابع النبوّة وفروعها، ومثلما كانت النبوة من أصول الدين ستكون الإمامة هي الأخرى من أصول الدين أيضاً.
قال المحقق اللاهيجي: «و جمهور الإمامية يذهبون إلى أنّ الإمامة من أصول الدين، وعلى هذا جعلوا بقاء الدين والشريعة متوقفاً على وجود الإمام، كما أنّ بداية الشريعة متوقفة على وجود النبي، فحاجة الدين للإمام بمنزلة حاجة الدين للنبي، وقد تمّ بيانه في الفصل الأوّل، وأيضا الحديث المستفيض المقبول عند الفرقين والذي يبدو أنّ الأمّة مجمعة على مضمونه، وهو قوله(ص): من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) مؤيّد كما لا يخفى» [٢٧].
الوجه الثاني: خطاب الله تعالى لرسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾[٢٨].
بما أنّ هذه الآية قد نزلت للإبلاغ عن ولاية وإمامة أمير المؤمنين(ع)، وجعلت التبليغ به من الأهمية بحيث إن النبي(ص) لو لم يبلّغه كان كمن لم يؤدّ رسالته ومهامه الملقاة على عاتقه كنبي مرسل، وفي هذا دلالة واضحة على أنّ الإمامة من أصول الدين وأسسه، ولذا جاء التأكيد على هذا النحو من التشديد لضمان إبلاغه للأمّة من قبل النبي الأكرم(ص).
الوجه الثالث: يقول الله عزّت آلاؤه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾[٢٩].
طبقاً للروايات هذه الآية قد نزلت على النبي الأكرم(ص) بعدما أتمّ إبلاغ الناس بولاية أمير المؤمنين(ع).
ومفاد الآية أنّ الإمامة هي سبب كمال الدين وإتمام النعمة الإلهية، وذلك أنّ الله جل وعلا يريد الإسلام مع الإمامة ولا يرضى به دونها أبداً.
الوجه الرابع: روي عن النبي(ص) أنّه قال: «مَنْ مَاتَ وَ لَمْ يَعْرِفْ إِمَامَ زَمَانِهِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»[٣٠].
حيث يستفاد من الحديث أنّ معرفة الإمام حقيقة متى ما تحققت لدى الإنسان ثبت دينه، وإلا كان دينه جاهلياً، ومع هذه التعبيرات كيف يمكن عدّ الإمامة من فروع الدين أو من أصول المذهب؟!
الوجه الخامس: نقل الحاكم النيسابوري بسنده عن حنش الكناني: «سمعت أبا ذر يقول وهو آخذ بباب الكعبة: أيها الناس، من عرفني فأنا من عرفتم، ومن أنكرني فأنا أبو ذر سمعت رسول الله(ص) يقول: «مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي مَثَلُ سَفِينَةِ نُوحٍ مَنْ رَكِبَهَا نَجَا، وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ»»[٣١].
يدلنا هذا الحديث على أنّ كلّ من لم يقل بإمامة أهل البيت(ع) ولم يتخذهم أئمة وقدوة له ولم يتبعهم في أمور الدين فهو على ضلال، ومصيره إلى الهلاك.
الوجه السادس: ورد في بعض روايات صحاح أهل السنة أنّ جماعة كثيرة من الصحابة قد ارتدوا ورجعوا القهقرى بعد رحيل النبي(ص)، وعند التأمّل في أحداث وتاريخ ما بعد وفاة النبي(ص) نتوصّل إلى أنّ السبب وراء ارتداد أولئك ليس إلا إعراضهم عن أمر استخلاف أمير المؤمنين(ع) وانتهاك حرمة ولايته.
فقد روى البخاري بسنده عن أبي هريرة أنّ رسول الله(ص) قال: «يَرِدُ عَلَيَّ الْحَوْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِي فَيُحَلَّئُونَ عَنِ الْحَوْضِ فَأَقُولُ يَا رَبِّ يَا رَبِّ أَصْحَابِي أَصْحَابِي فَيُقَالُ إِنَّكَ لَا عِلْمَ لَكَ بِمَا أَحْدَثُوا إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ الْقَهْقَرَى»[٣٢].
ومن المعلوم أنّ تعبيرات بهذا النحو لا تنسجم إلا مع عدّ الإمامة من أصول الدين.
ففي حديث الإمام الرضاء(ع) لـعبد العزيز بن مسلم جاء فيه: «هَلْ يَعْرِفُونَ قَدْرَ الْإِمَامَةِ وَ مَحَلَّهَا مِنَ الْأُمَّةِ فَيَجُوزَ فِيهَا اخْتِيَارُهُمْ إِنَّ الْإِمَامَةَ أَجَلُّ قَدْراً وَ أَعْظَمُ شَأْناً وَ أَعْلَى مَكَاناً وَ أَمْنَعُ جَانِباً وَ أَبْعَدُ غَوْراً مِنْ أَنْ يَبْلُغَهَا النَّاسُ بِعُقُولِهِمْ أَوْ يَنَالُوهَا بِآرَائِهِمْ أَوْ يُقِيمُوا إِمَاماً بِاخْتِيَارِهِمْ إِنَّ الْإِمَامَةَ خَصَّ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهَا إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ(ع) بَعْدَ النُّبُوَّةِ وَ الْخُلَّةِ مَرْتَبَةً ثَالِثَةً وَ فَضِيلَةً شَرَّفَهُ بِهَا وَ أَشَادَ بِهَا ذِكْرَهُ فَقَالَ ﴿إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً﴾ فَقَالَ الْخَلِيلُ(ع) سُرُوراً بِهَا: ﴿وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾[٣٣]. فَمَنْ ذَا الَّذِي يَبْلُغُ مَعْرِفَةَ الْإِمَامِ أَوْ يُمْكِنُهُ اخْتِيَارُهُ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ضَلَّتِ الْعُقُولُ وَ تَاهَتِ الْحُلُومُ وَ حَارَتِ الْأَلْبَابُ وَ خَسَأَتِ الْعُيُونُ وَ تَصَاغَرَتِ الْعُظَمَاءُ وَ تَحَيَّرَتِ الْحُكَمَاءُ وَ تَقَاصَرَتِ الْحُلَمَاءُ وَ حَصِرَتِ الْخُطَبَاءُ وَ جَهِلَتِ الْأَلِبَّاءُ وَ كَلَّتِ الشُّعَرَاءُ وَ عَجَزَتِ الْأُدَبَاءُ وَ عَيِيَتِ الْبُلَغَاءُ عَنْ وَصْفِ شَأْنٍ مِنْ شَأْنِهِ أَوْ فَضِيلَةٍ مِنْ فَضَائِلِهِ وَ أَقَرَّتْ بِالْعَجْزِ وَ التَّقْصِيرِ وَ كَيْفَ يُوصَفُ بِكُلِّهِ أَوْ يُنْعَتُ بِكُنْهِهِ أَوْ يُفْهَمُ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِهِ أَوْ يُوجَدُ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ وَ يُغْنِي غِنَاهُ لَا كَيْفَ وَ أَنَّى وَ هُوَ بِحَيْثُ النَّجْمُ مِنْ يَدِ الْمُتَنَاوِلِينَ وَ وَصْفِ الْوَاصِفِينَ فَأَيْنَ الِاخْتِيَارُ مِنْ هَذَا وَ أَيْنَ الْعُقُولُ عَنْ هَذَا وَ أَيْنَ يُوجَدُ مِثْلُ هَذَا؟...»[٣٤].
الشهادة بأنّ المعاد حق
قال ابن أعثم في فتوحه: «وصية الحسين لأخيه محمد: «... إنَّ الحُسَينَ بنَ عَلِيٍّ يَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّااللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَأنَّ مُحَمَّداً عَبدُهُ ورَسولُهُ، جاءَ بالحَقِّ مِن عِندِهِ، وَأَنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ، وَأنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيبَ فيها، وأنَّ اللهَ يَبعَثُ مَن فِي القُبورِ...»[٣٥].
فمن شهادة الإمام(ع) ندرك ضرورة الشهادة بأنّ المعاد حق على الجميع حتّى أولياء الله جلّت أسماؤه.
ونقرأ في زيارة آل ياسين: «أُشْهِدُكَ يَا مَوْلَايَ أَنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ... وَ أَنَّ الْمَوْتَ حَقٌّ، وَ أَنَّ مُنْكَراً وَ نَكِيراً حَقٌّ، وَ أَنَّ النَّشْرَ حَقٌّ، وَ الْبَعْثَ حَقٌّ، وَ أَنَّ الصِّرَاطَ حَقٌّ وَ الْمِرْصَادَ حَقٌّ، وَ أَنَّ الْمِيزَانَ حَقٌّ، وَ الْحِسَابَ حَقٌّ، وَ أَنَّ الْجَنَّةَ وَ النَّارَ حَقٌّ، وَ الْجَزَاءَ بِهِمَا لِلْوَعْدِ وَ الْوَعِيدِ حَقٌّ...»[٣٦].
الشهادة بكونه على ملّة رسول الله(ص)
ذكر الخوارزمي في مقتله: «فَصَاحَ بِهِ الْحُصَيْنُ بْنُ مَالِكٍ السَّكُونِيُّ فَقَالَ يَا ابْنَ فَاطِمَةَ وَ بِمَا ذَا يَنْتَقِمُ لَكَ مِنَّا قَالَ يُلْقِي بَأْسَكُمْ بَيْنَكُمْ وَ يَسْفِكُ دِمَاءَكُمْ ثُمَّ يَصُبُّ عَلَيْكُمُ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ. ثُمَّ جعل يقاتل حتى أصابته اثنتان وسبعون جراحة، فوقف يستريح وقد ضعف عن القتال، فبينا هو واقف إذ أتاه حجر فوقع على جبهته، فسالت الدماء من جبهته، فأخذ الثوب ليمسح عن جبهته فأتاه سهم محمد مسموم له ثلاث شعب فوقع في قلبه، فقال الحسين(ع): «بِسْمِ اللهِ وَ بِاللهِ وَ عَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ وَ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَ قَالَ إِلَهِي إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقْتُلُونَ رَجُلاً لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ابْنُ نَبِيٍّ غَيْرُهُ»»[٣٧].
إذ يتحصل من عبارته(ع) «وَ عَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ» أن من اللائق بالإنسان الإقرار بأمور منها أنه على ملة رسول الله.
فقد روي عن الإمام الصادق(ع) أنّ علي بن الحسين(ع) كان يقول: «مَا أُبَالِي إِذَا قُلْتُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ لَوِ اجْتَمَعَ عَلَيَّ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ: بِسْمِ اللهِ وَ بِاللهِ وَ مِنَ اللهِ وَ إِلَى اللهِ وَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَ عَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ(ص) اللهُمَّ إِلَيْكَ أَسْلَمْتُ نَفْسِي وَ إِلَيْكَ وَجَّهْتُ وَجْهِي وَ إِلَيْكَ أَلْجَأْتُ ظَهْرِي وَ إِلَيْكَ فَوَّضْتُ أَمْرِي اللهُمَّ احْفَظْنِي بِحِفْظِ الْإِيمَانِ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَ مِنْ خَلْفِي وَ عَنْ يَمِينِي وَ عَنْ شِمَالِي وَ مِنْ فَوْقِي وَ مِنْ تَحْتِي وَ مِنْ قِبَلِي وَ ادْفَعْ عَنِّي بِحَوْلِكَ وَ قُوَّتِكَ فَإِنَّهُ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ»[٣٨].
الشهادة بحقيقة الإيمان بالعجز عن شكر النعم الإلهية
ابتهل الإمام الحسين(ع) في دعاء عرفة متضرعاً لله جلّت أسماؤه: «فَأَنَا أَشْهَدُ يَا إِلَهِي بِحَقِيقَةِ إِيمَانِي... وَ اجْتَهَدْتُ مَدَى الْأَعْصَارِ وَ الْأَحْقَابِ لَوْ عُمِّرْتُهَا أَنْ أُؤَدِّيَ شُكْرَ وَاحِدَةٍ مِنْ أَنْعُمِكَ مَا اسْتَطَعْتُ ذَلِكَ إِلَّا بِمَنِّكَ الْمُوجِبِ عَلَيَّ بِهِ شُكْرَكَ أَبَداً جَدِيداً وَ ثَنَاءً طَارِفاً عَتِيداً»[٣٩].
بما أنّ متعلّق شهادة سيّد الشهداء(ع) هنا هو العجز عن شكر النعم الإلهية، يستنتج أنّه تلزم الشهادة بحقيقة الإيمان بالعجز عن شكر واحدة من النعم الإلهية أو القسم بها على العجز عن شكر الله سبحانه.
ورغم أنّ الشهادة بهذا الشأن وبخصوص ما تقدّمه لا تبلغ رتبة الشهادة بالتوحيد والنبوّة، ولكنها لمّا وردت بهذا التعبير في قول الإمام(ع) جاء ذكرها هنا.
وروي عن الإمام السجاد(ع) أنّه عندما يتلو هذه الآية: ﴿وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾[٤٠] كان يقول: «سُبْحَانَ مَنْ لَمْ يَجْعَلْ فِي أَحَدٍ مِنْ مَعْرِفَةِ نِعَمِهِ إِلَّا الْمَعْرِفَةَ بِالتَّقْصِيرِ عَنْ مَعْرِفَتِهَا كَمَا لَمْ يَجْعَلْ فِي أَحَدٍ مِنْ مَعْرِفَةِ إِدْرَاكِهِ أَكْثَرَ مِنَ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُهُ فَشَكَرَ جَلَّ وَ عَزَّ مَعْرِفَةَ الْعَارِفِينَ بِالتَّقْصِيرِ عَنْ مَعْرِفَةِ شُكْرِهِ فَجَعَلَ مَعْرِفَتَهُمْ بِالتَّقْصِيرِ شُكْراً كَمَا عَلِمَ عِلْمَ الْعَالِمِينَ أَنَّهُمْ لَا يُدْرِكُونَهُ فَجَعَلَهُ إِيمَاناً عِلْماً مِنْهُ أَنَّهُ قَدُّ وُسْعِ الْعِبَادِ فَلَا يَتَجَاوَزُ ذَلِكَ فَإِنَّ شَيْئاً مِنْ خَلْقِهِ لَا يَبْلُغُ مَدَى عِبَادَتِهِ وَ كَيْفَ يُبْلَغُ مَدَى عِبَادَتِهِ مَنْ لَا مَدَى لَهُ وَ لَا كَيْفَ تَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً»[٤١].[٤٢]
تقسيمات الشهادة
يستفاد من مجموع روايات سيد الشهداء(ع) أن الشهادة من الممكن أن تقع على أنواع:
اللفظية والمكتوبة
فلقد توجه الإمام الحسين(ع) في دعاء العشرات مخاطباً رب العزة والجلالة: «اللهُمَّ اكْتُبْ لِي هَذِهِ الشَّهَادَةَ عِنْدَكَ»[٤٣].
ونستنتج من مضمون هذه الجملة ملاحظتين في هذا الإطار:
- الشهادات التي أقر بها الله تعالى وكتبها ستبقى ثابتة.
- ضرورة الطلب من الله عزوجل أن يكتب شهادتنا بالعقائد الحقة ويدّخرها لنا عنده.
ونفس المضمون جاء في زيارة الإمامين العسكريين(ع): «اللهُمَّ اكْتُبْ هَذِهِ الشَّهَادَةَ وَ الزِّيَارَةَ لِي عِنْدَكَ فِي عِلِّيِّينَ، وَ بَلِّغْنِي بَلَاغَ الصَّالِحِينَ، وَ انْفَعْنِي بِحُبِّهِمْ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ»[٤٤].
اللفظية والباطنية
ابتهل الإمام الحسين(ع) في دعاء عرفة متضرعاً لله سبحانه: «فَأَنَا أَشْهَدُ يَا إِلَهِي بِحَقِيقَةِ إِيمَانِي...»[٤٥].
بما أنّ سيّد الشهداء(ع) في هذا المقطع من دعاء عرفة يشهد بأمور لم تكن لفظية توصلنا إلى أن للشهادة أنواعاً، منها اللفظي ومنها الباطني.
فالشهادة اللفظية هي نفس ذلك الإقرار اللفظي ببعض الأمور التي أشير إليها سابقاً، وأمّا الشهادة الباطنية فهي عبارة عن التصديق القلبي بتلك الأمور.
الإمام(ع) يشهد في هذه الجملة بحقيقة الإيمان وتصديقه بأمور يأتي على ذكرها في تتمة كلامه.
ورغم الاختلاف بين الإسلام والإيمان مفهوماً ولكن القدر المشترك بين جميع الأقوال هو بترتب الآثار والأحكام الشرعية كحفظ النفس والمال على الإقرار القولي واللفظي، سواء كان الإقرار شرطاً أو جزءاً، بيد أنّ الإقرار يمثّل طريقاً شرعياً وحيداً لترتيب الآثار الشرعية على الإسلام والإيمان بين الناس، ومن جملة الذين يرون الإقرار شرطاً لترتب الآثار الشرعية الغزنوي الحنفي في «كتاب أصول الدين»[٤٦].
قال أبو بكر الكاساني: «وجه القياس أنّ الأحكام مبنية على الإقرار بظاهر اللسان لا على ما في القلب؛ إذ هو أمر باطن لا يوقف عليه. وجه الاستحسان أنّ أحكام الكفر مبنية على الكفر، كما أنّ أحكام الإيمان مبنية على الإيمانّ والإيمان والكفر يرجعان إلى التصديق والتكذيب، وإنّما الإقرار دليل عليهما»[٤٧].
يرى السيّد الشريف الجرجاني: «(لا نزاع في أنّه)، أي التصديق اللساني (يسمّى إيماناً لغة)؛ لدلالته على التصديق القلبي، (و) لا في (أنّه يترتب عليه) في الشرع (أحكام الإيمان ظاهراً)، فإنّ الشارع جعل مناط الأحكام الأمور الظاهرة المنضبطة، والتصديق القلبي أمر خفي لا يطلع عليه، بخلاف الإقرار باللسان فإنّه مكشوف بلا سترة فيناط به الأحكام الدنيوية»[٤٨].
إنّ الذين يناقشون باشتراط العمل في تحقق الإيمان ناظرون إلى ترتب الأثر الأخروي على ذلك لا الأثر الدنيوي، إلا إن وقعت هناك مخالفة عملية للإقرار بالشهادتين.
لهذا أسهبت الروايات في مصادر الشيعة والسنّة في ذكر الآثار الدنيوية المترتبة على الإقرار اللفظي وهو الإقرار بالشهادتين.
نقل أنس بن مالك عن رسول الله(ص) أنّه قال: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ وَ يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا قَالُوهَا حَقَنُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَ أَمْوَالَهُمْ- وَ حِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ»[٤٩].
روى محمد بن مسلم عن الإمام الباقر أو الإمام الصادق(ع) قوله: «الْإِيمَانُ إِقْرَارٌ وَ عَمَلٌ وَ الْإِسْلَامُ إِقْرَارٌ بِلَا عَمَلٍ»[٥٠].
يقول سماعة: «قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ(ع): أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ وَ الْإِيمَانِ أَ هُمَا مُخْتَلِفَانِ فَقَالَ إِنَّ الْإِيمَانَ يُشَارِكُ الْإِسْلَامَ وَ الْإِسْلَامَ لَا يُشَارِكُ الْإِيمَانَ فَقُلْتُ فَصِفْهُمَا لِي فَقَالَ- الْإِسْلَامُ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَ التَّصْدِيقُ بِرَسُولِ اللهِ(ص) بِهِ حُقِنَتِ الدِّمَاءُ وَ عَلَيْهِ جَرَتِ الْمَنَاكِحُ وَ الْمَوَارِيثُ وَ عَلَى ظَاهِرِهِ جَمَاعَةُ النَّاسِ وَ الْإِيمَانُ الْهُدَى وَ مَا يَثْبُتُ فِي الْقُلُوبِ مِنْ صِفَةِ الْإِسْلَامِ وَ مَا ظَهَرَ مِنَ الْعَمَلِ بِهِ وَ الْإِيمَانُ أَرْفَعُ مِنَ الْإِسْلَامِ بِدَرَجَةٍ إِنَّ الْإِيمَانَ يُشَارِكُ الْإِسْلَامَ فِي الظَّاهِرِ وَ الْإِسْلَامَ لَا يُشَارِكُ الْإِيمَانَ فِي الْبَاطِنِ وَ إِنِ اجْتَمَعَا فِي الْقَوْلِ وَ الصِّفَةِ»[٥١].
نقل حمران بن أعين عن الإمام الباقر(ع) أنّه قال: «الْإِيمَانُ مَا اسْتَقَرَّ فِي الْقَلْبِ وَ أَفْضَى بِهِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ صَدَّقَهُ الْعَمَلُ بِالطَّاعَةِ لِلَّهِ وَ التَّسْلِيمِ لِأَمْرِهِ وَ الْإِسْلَامُ مَا ظَهَرَ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ وَ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَةُ النَّاسِ مِنَ الْفِرَقِ كُلِّهَا وَ بِهِ حُقِنَتِ الدِّمَاءُ وَ عَلَيْهِ جَرَتِ الْمَوَارِيثُ وَ جَازَ النِّكَاحُ وَ اجْتَمَعُوا عَلَى الصَّلَاةِ وَ الزَّكَاةِ وَ الصَّوْمِ وَ الْحَجِّ فَخَرَجُوا بِذَلِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَ أُضِيفُوا إِلَى الْإِيمَانِ»[٥٢].
نقل عبد الله بن مسكان عن عدّة من أصحابه عن الإمام الصادق(ع) أنّه وضّح دين الله بقوله: «دِينُ اللهِ اسْمُهُ الْإِسْلَامُ، وَ هُوَ دِينُ اللهِ قَبْلَ أَنْ تَكُونُوا حَيْثُ كُنْتُمْ وَ بَعْدَ أَنْ تَكُونُوا فَمَنْ أَقَرَّ بِدِينِ اللهِ فَهُوَ مُسْلِمٌ وَ مَنْ عَمِلَ بِمَا أَمَرَ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ»[٥٣].[٥٤]
شريعة الإسلام
تبين لنا بعض الروايات المنقولة عن سيّد الشهداء(ع) أنّ هناك شريعة للإسلام، وهذه الشريعة ذات خصوصيات، من بينها:
أنّ للإسلام طريقاً ومسلكاً
لقد جاء في دعاء الإمام الحسين(ع) في عرفة: «أَتَى بِالْكِتَابِ الْجَامِعِ وَ بِشَرْعِ الْإِسْلَامِ»[٥٥].
و«الشرع» و«الشريعة» بمعنى الطريق والسبيل، ومن خلال إضافته لكلمة «الإسلام» يتّضح أنّ هناك طريقاً يوصلنا للإسلام ألا وهو الدين المتمثّل بالتعاليم الشرعية.
يقول تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً﴾[٥٦].
يقول الإمام علي(ع): «أَلَا وَ إِنَّ شَرَائِعَ الدِّينِ وَاحِدَةٌ وَ سُبُلَهُ قَاصِدَةٌ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا لَحِقَ وَ غَنِمَ وَ مَنْ تَوَقَّفَ عَنْهَا ضَلَّ وَ نَدِمَ»[٥٧].
وفي هذا الشأن قال العلامة الطباطبائي: «معنى الشريعة كما عرفت هو الطريقة، والدين وكذلك الملّة طريقة متخذة، لكن الظاهر من القرآن أنّه يستعمل الشريعة في معنى أخص من الدين، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾[٥٨]، وقوله تعالى: ﴿وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾[٥٩]، إذا انضما إلى قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجا﴾[٦٠] وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها﴾[٦١].
فكأن الشريعة هي الطريقة الممهّدة لأمة من الأمم أو لنبي من الأنبياء الذين بعثوا بها كشريعة نوح وشريعة إبراهيم وشريعة موسى وشريعة عيسى وشريعة محمد(ص) والدين هو السنة والطريقة الإلهية العامة لجميع الأمم، فالشريعة تقبل النسخ دون الدين بمعناه الوسيع.
وهناك فرق آخر وهو أنّ الدين ينسب إلى الواحد والجماعة كيفما كانا، ولكن الشريعة لا تنسب إلى الواحد إلا إذا كان واضعها أو القائم بأمرها، يقال: دين المسلمين ودين اليهود وشريعتهم، ويقال دين الله وشريعته ودين محمد وشريعته، ويقال: دين زيد وعمرو، ولا يقال: شريعة زيد وعمرو، ولعل ذلك لما في لفظ الشريعة من التلميح إلى المعنى الحدثي وهو تمهيد الطريق ونصبه، فمن الجائز أن يقال: الطريقة التي مهّدها الله أو الطريقة التي مهّدت للنبي أو للأمة الفلانية، دون أن يقال: الطريقة التي مهدت لزيد إذ لا اختصاص له بشيء.
وكيف كان فالمستفاد منها أنّ الشريعة أخص معنى من الدين، وأما قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾[٦٢] فلا ينافي ذلك؛ إذ الآية إنّما تدل على أنّ شريعة محمّد(ص) المشروعة لأمّته هي مجموع وصايا الله سبحانه لنوح وإبراهيم وموسى وعيسى مضافاً إليها ما أوحاه إلى محمد (ص) وعليهم، وهو كناية إما عن كون الإسلام جامعاً لمزايا جميع الشرائع السابقة وزيادة، أو عن كون الشرائع جميعاً ذات حقيقة واحدة بحسب اللب وإن كانت مختلفة بحسب اختلاف الأمم في الاستعداد، كما يشعر به أو يدل عليه قوله بعده: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾[٦٣].
فنسبة الشرائع الخاصّة إلى الدين – وهو واحد والشرائع تنسخ بعضها بعضاً - كنسبة الأحكام الجزئية في الإسلام فيها ناسخ ومنسوخ إلى أصل الدين، فالله سبحانه لم يتعبّد عباده إلا لدين واحد وهو الإسلام له، إلا أنه سلك بهم لنيل ذلك مسالك مختلفة وسن لهم سنناً متنوعة على حسب اختلاف استعداداتهم وتنوّعها، وهي شرائع نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد (ص) وعليهم، كما أنّه تعالى ربما نسخ في شريعة واحدة بعض الأحكام ببعض لانقضاء مصلحة الحكم المنسوخ وظهور مصلحة الحكم الناسخ كنسخ الحبس المخلد في زنا النساء بالجلد والرجم وغير ذلك، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَ لَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ لكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ﴾[٦٤].
وأمّا الملّة فكان المراد بها السنّة الحيوية المسلوكة بين الناس، وكان فيها معنى الإملال والإملاء فيكون هي الطريقة المأخوذة من الغير، وليس الأصل في معناه واضحاً ذاك الوضوح، فالأشبه أن تكون مرادفة للشريعة بمعنى أنّ الملّة كالشريعة هي الطريقة الخاصّة بخلاف الدين، وإن كان بينهما فرق من حيث إنّ الشريعة تستعمل فيها بعناية أنّها سبيل مهده الله تعالى لسلوك الناس إليه، والملة إنّما تطلق عليها لكونها مأخوذة عن الغير بالاتباع العملي، ولعله لذلك لا تضاف إلى الله سبحانه كما يضاف الدين والشريعة، يقال: دين الله وشريعة الله، ولا يقال: ملة الله.
بل إنّما تضاف إلى النبي مثلاً من حيث إنّها سيرته وسنّته أو إلى الأمّة من جهة أنّهم سائرون مستنّون به قال تعالى: ﴿مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾[٦٥]، وقال تعالى حكاية عن يوسف(ع): ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾[٦٦]، وقال تعالى حكاية عن الكفار في قولهم لأنبيائهم: ﴿لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾)[٦٧].
فقد تلخص أنّ الدين في عرف القرآن أعم من الشريعة والملّة، وهما كالمترادفين مع فرق ما من حيث العناية اللفظية»[٦٨].
إنّ شريعة الإسلام تتصف بالنورانية
ورد عن الإمام الحسين(ع) في دعاء عرفة قوله: ﴿أَتَى بِالْكِتَابِ الْجَامِعِ وَ بِشَرْعِ الْإِسْلَامِ النُّورِ السَّاطِعِ﴾[٦٩].
إنّ أوّل ما يلوح للمتأمّل من الإتيان بالصفة والموصوف في قوله(ع): «و بشرع الإسلام النور الساطع» اتّصاف شرع الإسلام بنور معنوي، كما يستنتج من وصف ذلك النور بالسطوع سعة إشراق تلك الشريعة بحيث أنارت تعاليمها ووصاياها جميع أصعدة الحياة وزواياها.
قال الإمام أمير المؤمنين علي(ع): «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَعَ الْإِسْلَامَ فَسَهَّلَ شَرَائِعَهُ لِمَنْ وَرَدَهُ وَ أَعَزَّ أَرْكَانَهُ عَلَى مَنْ غَالَبَهُ فَجَعَلَهُ أَمْناً لِمَنْ عَلِقَهُ وَ سِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ وَ بُرْهَاناً لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ وَ شَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ عَنْهُ وَ نُوراً لِمَنِ اسْتَضَاءَ بِهِ وَ فَهْماً لِمَنْ عَقَلَ وَ لُبّاً لِمَنْ تَدَبَّرَ وَ آيَةً لِمَنْ تَوَسَّمَ وَ تَبْصِرَةً لِمَنْ عَزَمَ وَ عِبْرَةً لِمَنِ اتَّعَظَ وَ نَجَاةً لِمَنْ صَدَّقَ وَ ثِقَةً لِمَنْ تَوَكَّلَ وَ رَاحَةً لِمَنْ فَوَّضَ وَ جُنَّةً لِمَنْ صَبَرَ فَهُوَ أَبْلَجُ الْمَنَاهِجِ وَ أَوْضَحُ الْوَلَائِجِ مُشْرَفُ الْمَنَارِ مُشْرِقُ الْجَوَادِّ مُضِيءُ الْمَصَابِيحِ كَرِيمُ الْمِضْمَارِ رَفِيعُ الْغَايَةِ جَامِعُ الْحَلْبَةِ مُتَنَافِسُ السُّبْقَةِ شَرِيفُ الْفُرْسَانِ التَّصْدِيقُ مِنْهَاجُهُ وَ الصَّالِحَاتُ مَنَارُهُ وَ الْمَوْتُ غَايَتُهُ وَ الدُّنْيَا مِضْمَارُهُ وَ الْقِيَامَةُ حَلْبَتُهُ وَ الْجَنَّةُ سُبْقَتُهُ»[٧٠].[٧١]
أنواع الإسلام
ثمّة اختلاف بين المسلمين تشير إليه روايات سيد الشهداء(ع) في شدّة إسلامهم وتدرجهم فيه، فمنه ما كان واقعياً حقيقياً ومنه ما كان لسانياً لا يتعدّى الحروف.
فقد صرّح الإمام الحسين(ع) أثناء مسيره إلى كربلاء: «إِنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا قَدْ تَغَيَّرَتْ وَ تَنَكَّرَتْ وَ أَدْبَرَ مَعْرُوفُهَا فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ وَ خَسِيسُ عَيْشٍ كَالْمَرْعَى الْوَبِيلِ أَ لَا تَرَوْنَ أَنَّ الْحَقَّ لَا يُعْمَلُ بِهِ وَ أَنَّ الْبَاطِلَ لَا يُتَنَاهَى عَنْهُ لِيَرْغَبَ الْمُؤْمِنُ فِي لِقَاءِ اللهِ مُحِقّاً فَإِنِّي لَا أَرَى الْمَوْتَ إِلَّا سَعَادَةً وَ لَا الْحَيَاةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إِلَّا بَرَماً إِنَّ النَّاسَ عَبِيدُ الدُّنْيَا وَ الدِّينُ لَعْقٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ مَعَايِشُهُمْ فَإِذَا مُحِّصُوا بِالْبَلَاءِ قَلَّ الدَّيَّانُونَ»[٧٢].
حيث إنّ كلمة «لعق» مشتقة من «اللعق» وتعني اللحس، وقد تستعمل بمعنى الحرص أيضاً، ويدل كلامه(ع) على أنّ بعض الناس بلغوا من السطحية في دينهم وإسلامهم أنّه لم يتجاوز أطراف ألسنتهم، حرصاً على فتات الدنيا، والمقصود من الدين في هذه الرواية - كما يبدو - هو الإسلام؛ لأنّ الله سبحانه قال في كتابه العزيز: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ﴾[٧٣].
وبخصوص اتّصاف دين بعض الناس وإسلامهم بالسطحية يقول عزوجل: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً﴾[٧٤].
وبهذا الشأن قال الإمام علي(ع): «وَ صَارَ دِينُ أَحَدِكُمْ لُعْقَةً عَلَى لِسَانِهِ صَنِيعَ مَنْ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ وَ أَحْرَزَ [رِضَا] رِضَى سَيِّدِهِ»[٧٥].[٧٦]
آثار الإسلام
لا يكاد المرء أن ينظر في روايات سيّد الشهداء(ع) المتعلّقة بالإسلام حتّى يستنتج وجود مجموعة من الآثار التي تترتب على اعتناق الإسلام، منها:
الشمول بأنواع النعم الإلهية
جاء عن الإمام الحسين(ع) في دعاء عرفة قوله متضرّعاً لله سبحانه: «بِمُحَمَّدٍ نَبِيِّكَ وَ رَسُولِكَ وَ خِيَرَتِكَ مِنْ خَلْقِكَ وَ أَمِينِكَ عَلَى وَحْيِكَ الْبَشِيرِ النَّذِيرِ السِّرَاجِ الْمُنِيرِ الَّذِي أَنْعَمْتَ بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ»[٧٧].
حيث يشير مضمون كلامه(ع) إلى أنّ المسلمين قد شملتهم النعم الإلهية بأنواعها المختلفة ومنها نعمة وجود النبي الأكرم(ص).
فقد قال عزّت آلاؤه بهذا الخصوص: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾[٧٨].
وقال أيضاً: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾[٧٩].
وروي عن الزهراء(س) قولها في خطبتها: «فَأَنْقَذَكُمُ اللهُ بِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ بَعْدَ اللَّتَيَّا وَ الَّتِي»[٨٠].
كما جاء في زيارة النبي(ص) المروية عن الإمام الصادق(ع): «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي اسْتَنْقَذَنَا بِكَ مِنَ الشِّرْكِ وَ الضَّلَالَةِ»[٨١].
اختصاص نعمة الهداية المعنوية بالمسلمين
يستنتج كذلك من حديث الإمام الحسين(ع) السابق أنّ المقصود من النعمة في الحديث لما كان هو النعمة المعنوية بقرينة السياق جاء ذكر المسلمين، إذ إنّ نعمة الهداية المعنوية إنّما تشمل من يعيش حالة السلم والتسليم تجاه أوامر الله سبحانه وحكمه وقضائه.
يقول الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾[٨٢].
فضل الله على المسلمين
روي عن الإمام الحسين(ع) قوله في إحدى خطبه: «... فَأَطِيعُونَا فَإِنَّ طَاعَتَنَا مَفْرُوضَةٌ، إِذْ كَانَتْ بِطَاعَةِ اللهِ (عَزَّ وَ جَلَّ) وَ رَسُولِهِ مَقْرُونَةً، قَالَ اللهُ (عَزَّ وَ جَلَّ): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَ الرَّسُولِ﴾[٨٣]، وَ قَالَ ﴿وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَ لَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلاً﴾[٨٤]»[٨٥].
إذ يقودنا استشهاد الإمام بهاتين الآيتين الكريمتين إلى أنّ هناك تفضلاً خاصاً من الحق عزّت آلاؤه على الأمّة الإسلامية. فقد قال تبارك وتعالى واصفاً حال الأمّة الإسلامية: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾[٨٦].
وقال عزوجل أيضاً: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾[٨٧].
وتحسس أمير المؤمنين علي(ع) معالم ذلك الفضل الإلهي بقوله: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى خَصَّكُمْ بِالْإِسْلَامِ وَ اسْتَخْلَصَكُمْ لَهُ وَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْمُ سَلَامَةٍ وَ جِمَاعُ كَرَامَةٍ اصْطَفَى اللهُ تَعَالَى مَنْهَجَهُ وَ بَيَّنَ حُجَجَهُ مِنْ ظَاهِرِ عِلْمٍ وَ بَاطِنِ حُكْمٍ لَا تَفْنَى غَرَائِبُهُ وَ لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ فِيهِ مَرَابِيعُ النِّعَمِ وَ مَصَابِيحُ الظُّلَمِ لَا تُفْتَحُ الْخَيْرَاتُ إِلَّا بِمَفَاتِيحِهِ وَ لَا تُكْشَفُ الظُّلُمَاتُ إِلَّا بِمَصَابِيحِهِ قَدْ أَحْمَى حِمَاهُ وَ أَرْعَى مَرْعَاهُ فِيهِ شِفَاءُ [الْمُشْتَفِي] الْمُسْتَشْفِي وَ كِفَايَةُ الْمُكْتَفِي»[٨٨].
رحمة الله بالمسلمين
كما يتبيّن أيضاً من استشهاد الإمام الحسين(ع) بالآيتين أعلاه أنّ الله عزوجل قد أفاض من لدنه رحمة خاصّة على الأمّة الإسلامية ولا زالت مستمرة.
يقول الإمام علي(ع) واصفاً حال نبي الله(ص): «...أَظْهَرَ بِهِ الشَّرَائِعَ الْمَجْهُولَةَ وَ قَمَعَ بِهِ الْبِدَعَ الْمَدْخُولَةَ وَ بَيَّنَ بِهِ الْأَحْكَامَ الْمَفْصُولَةَ»[٨٩].
ألطاف الله بالمسلمين لإبعادهم عن الشيطان
عندما نلقي نظرة أخيرة على ما استشهد به الإمام الحسين(ع) من القرآن الكريم في الحديث الأخير ندرك أنّ الله تبارك وتعالى ألطافاً خاصّة قد شملت الأمّة الإسلامية جمعاء من أجل إبعادهم عن الشيطان ووقايتهم من الوقوع في شراكه، حيث يقول سبحانه: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾[٩٠].
ويقول تعالى أيضاً: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾[٩١].
ويقول أيضاً: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾[٩٢].[٩٣]
أوّل من أسلم
نقل الشيخ الصدوق بسنده عن الإمام الحسين(ع) أنّه قال مخاطباً من حضر في معسكر عمر بن سعد: «أَنْشُدُكُمُ اللهَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَدَّتِي خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَ أَوَّلُ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِسْلَاماً قَالُوا نَعَمْ... فَأَنْشُدُكُمُ اللهَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ عَلِيّاً كَانَ أَوَّلَهُمْ إِسْلَاماً، وَ أَعْلَمَهُمْ عِلْماً وَ أَعْظَمَهُمْ حِلْماً وَ أَنَّهُ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ قَالُوا اللهُمَّ نَعَمْ»[٩٤].
وهنا الإمام(ع) يصرّح بأنّ الإمام أمير المؤمنين(ع) كان أوّل من أسلم من الرجال والسيدة خديجة(س) كانت أوّل امرأة قد اعتنقت الإسلام.
يدل عليه قول الإمام علي(ع): «وَ لَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الْإِسْلَامِ غَيْرَ رَسُولِ اللهِ(ص) وَ خَدِيجَةَ وَ أَنَا ثَالِثُهُمَا أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَ الرِّسَالَةِ وَ أَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ»[٩٥].
ونُقل عن أبي رافع أنُه قال: «أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الرِّجَالِ عَلِيٌّ، وَ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ النِّسَاءِ خَدِيجَةُ»[٩٦].
وحول إيمان السيّدة خديجة(س) بالنبي الأكرم(ص)، قال إبراهيم محمّد حسن الجمل: «حينما قصّ الرسول(ص) على السيّدة خديجة(س) ما رأى وسمع في غار حراء لم تنزعج لهذا الحديث، ولم تضطرب لغرابة ما يحدّث به زوجها، فلم تسمع من قبل بمثل ما تسمع به الآن، وبالتالي لم يخالجها أدنى شك في صدق ما يقوله محمّد، ولم تظهر على وجهها علامة استفهام تعبّر بها عن حيرة في النفس، ولم يخامرها شك في أنّ الذي جاءه ملك من عندالله سبحانه وتعالى.
لقد سارعت إلى التصديق بإيمان الواثق المؤمن المتبصر بنور الهداية المطلع على بواطن الأمور الموقن بنتيجة ما يقوم به محمّد من عمل وتفكير وقيام وصلاة، وكأنّها درست هذا الأمر مسبقاً، فقد بدت عليها السعادة والفرح العظيم، فقالت ما قالت من منطق الواثق المتأكد. ولمّا أمره ربّه بالإنذار، فكّر فيما يطلبه منه ربه، ولكن بمن سيبتدئ؟ ومن سيطيعه فيما يدعو إليه؟ وهل سيتخلّى الناس عن معتقداتهم وآلهتهم؟ وبينما هو يفكّر وقد ألمّ به شيء من الهم والحزن، استمع إلى صوت السيّدة أمّ المؤمنين وهي تقول: اسمع يا بن عم، فالتفت النبي(ص) إليها فقالت: (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله). فما أن أتمتها حتّى ابتسم(ص)، ونظر إلى أعظم زوجة في هذه الدنيا، فرحل عنه كل ما كان يساوره من همّ، وذهب ما به من حزن، وتفتح الأمل أمامه، وأشرقت الدنيا في وجهه الشريف. وهكذا كانت السيّدة خديجة عظيمة في الجاهلية، وكانت أعظم في الإسلام، وكان إسلامها من أهم الحوادث في تاريخ الدعوة إلى الله»[٩٧].
وقال كذلك: «حتى إذا أخبرها بالنبأ العظيم لم تقف صامتة، ولم يذهب بها التفكير مذاهبه، ولم تفكر لحظة تسترسل فيما قاله الرسول الأعظم، ولم ترجع قوله إلى ما كان مشهوراً في زمانها من الحديث عن الجن والشياطين أو إلى مرض نفسي أو إلى ضعف وتخاذل، وإنّما كانت قوية في إجابتها وفي تعبيرها وفي استنتاجها ممّا يدلّ على أنّها قويّ النفس والجنان، متفتحة العقل، واسعة التفكيرّ سليمة المنطق، فاهمة لقانون الإثابة والعقاب الإلهي...»[٩٨].
قال محمود شلبي: وشهدت فاطمة شيئاً عجباً، شهدت أمّها خديجة تؤمن بالله وبرسوله وتصدّق بما جاء منه، فكانت بذلك أوّل من آمن به(ص)، ثم اشتدّ عجبها، حين جاء أبوها رسول الله(ص) خديجة، فتوضأ لها ليرها كيف الطهور للصلاة، كما أراه جبريل، فتوضأت كما توضأ لها رسول الله(ع)، ثمّ صلى بها رسول الله(ع) كما صلّى به جبريل، فصلّت بصلاته. ما هذا الذي يفعله أبوها وأمّها؟! جعلت الطفلة فاطمة تنظر إليهما في شغف وحنان وشوق أن تفعل كما يفعلان» [٩٩].[١٠٠]
مهام المسلمين
إنّ من يتتبع روايات سيّد الشهداء(ع) يلحظ وجود عدّة مهام ووظائف ملقاة على عاتق المسلمين ينبغي عليهم القيام بها، مثل:
إنقاذ الكفار من الكفر
ممّا جاء عن الإمام الحسين(ع) في دعاء عرفة خطابه للحق عزّت آلاؤه: «يَا مَنِ اسْتَنْقَذَ السَّحَرَةَ مِنْ بَعْدِ طُولِ الْجُحُودِ»[١٠١].
والرسالة المستوحاة من هذه الفقرة هي وجوب إنقاذ الكفرة من كفرهم، رغم أنّ خطاب الإمام(ع) كان موجهاً لله سبحانه؛ لأنّ مقتضى الرسالة هو ذا.
فقد بيّن الإمام علي(ع) أحوال الوقت العصيب الذي تلى وفاة رسول الله(ص) بقوله: «فَمَا رَاعَنِي إِلَّا انْثِيَالُ النَّاسِ عَلَى فُلَانٍ يُبَايِعُونَهُ فَأَمْسَكْتُ [بِيَدِي] يَدِي حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الْإِسْلَامِ يَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دَيْنِ مُحَمَّدٍ(ص) فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الْإِسْلَامَ وَ أَهْلَهُ أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلَايَتِكُمُ الَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَلَائِلَ يَزُولُ مِنْهَا مَا كَانَ كَمَا يَزُولُ السَّرَابُ [وَ] أَوْ كَمَا يَتَقَشَّعُ السَّحَابُ فَنَهَضْتُ فِي تِلْكَ الْأَحْدَاثِ حَتَّى زَاحَ الْبَاطِلُ وَ زَهَقَ وَ اطْمَأَنَّ الدِّينُ وَ تَنَهْنَهَ»[١٠٢].
شكر الله على الهداية للإسلام
نقل الطبراني بسنده عن أبي مجلز: «أَنَّهُ رَأى رَجُلاً رَكِبَ دابَّةً فَقالَ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـذَا وَ مَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾، فَقالَ لَهُ الحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ(ع): وبِهذا اُمِرتَ؟ قَالَ: فَكَيفَ أَقَولُ؟ قالَ: تَقولُ: «الحَمدُ للَّهِ الَّذي هَداني لِلإِسلامِ، ومَنَّ عَلَيَّ بِمُحَمَّدٍ (ص)، وَ جَعَلَني في خَيرِ اُمَّةٍ اُخرِجَت لِلنّاسِ»، فَهذِهِ النِّعمَةُ. فَقالَ: تَبدَأُ بِهذا لِقَولِهِ عز وجل: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَ تَقُولُواْ سُبْحَانَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـذَا وَ مَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾[١٠٣]»[١٠٤].
فمن إسناد «الهداية» لله تبارك وتعالى يتحصّل أنّ الإنسان كان مصداقاً وموضعاً للطف الله سبحانه بهدايته للإسلام بالهداية التشريعية، وهذا ما أوجب عليه الحمد لله والثناء عليه.
فقال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾[١٠٥].
وقال أيضاً: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللهُ﴾[١٠٦].
محبّة الدين الإسلامي
بسنده روى الطبراني عن الإمام الحسين(ع) أنّه قال: «أحِبّونا بِحُبِّ الإِسلامِ، فَإِنَّ رَسولَ اللهِ(ص) قالَ: لا تُعَرِّفوني فَوقَ حَقّي؛ فَإِنَّ اللهَ تَعالَى اتَّخَذَني عَبداً قَبلَ أن يَتَّخِذَني رَسولاً»[١٠٧].
فمن هذا الحديث يتبيّن أنّ على الإنسان أن يكون محبّاً للإسلام.
ويظهر هذا أيضاً ممّا روي عن الإمام السجاد(ع) في قوله: «أَحِبُّونَا حُبَّ الْإِسْلَامِ فَمَا زَالَ حُبُّكُمْ لَنَا حَتَّى صَارَ شَيْناً عَلَيْنَا»[١٠٨].
وعن الإمام الصادق(ع) أنّه قال: «كُلُّ مَنْ لَمْ يُحِبَّ عَلَى الدِّينِ وَ لَمْ يُبْغِضْ عَلَى الدِّينِ، فَلَا دِينَ لَهُ»[١٠٩].
الاستقامة على ملّة الإسلام
روى ابن شعبة الحراني عن الإمام الحسين(ع) أنّه قال مخاطبا أهل الكوفة: «أَلَا وَ إِنَّ الدَّعِيَ ابْنَ الدَّعِيِّ قَدْ رَكَزَ مِنَّا بَيْنَ اثْنَتَيْنِ بَيْنَ الْمِلَّةِ [السَّلَّةِ] وَ الذِّلَّةِ وَ هَيْهَاتَ مِنَّا الدَّنِيئَةُ يَأْبَى اللهُ ذَلِكَ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ حُجُورٌ طَابَتْ وَ أُنُوفٌ حَمِيَّةٌ وَ نُفُوسٌ أَبِيَّةٌ وَ أَنْ نُؤْثِرَ طَاعَةَ اللِّئَامِ عَلَى مَصَارِعِ الْكِرَامِ»[١١٠].
ينبغي على الناس الثبات على طريق الإسلام والصمود عليه، خصوصاً عندما يحين وقت الامتحان والاختبار ويرى الإنسان نفسه واقفاً على مفترق طريقي السعادة والشقاوة، حيث كانت هذه النقطة - أعني الثبات -علامة مائزة في سيرة الإمام الحسين(ع)، وأشار إليها في كلامه هذا؛ إذ إنّه قد ذكر طريقي «ملّة الإسلام» و«الذلّة»، فيلزم الاقتداء به(ع) في ذلك انطلاقاً من كونه(ع) قدوة وأسوة للمجتمع دون شك أو ريب، كما عبّر بقوله: «فَلَكُم فِيَّ أُسْوَةٌ»[١١١].
وقال تعالى بشأن الثبات والاستقامة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾[١١٢].
وقال أيضاً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[١١٣].
وقال كذلك: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾[١١٤].
وقال عزّ من قائل: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾[١١٥].
وقال أيضاً: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾[١١٦].
قال الإمام علي(ع): «الْعَمَلَ الْعَمَلَ ثُمَّ النِّهَايَةَ النِّهَايَةَ وَ الِاسْتِقَامَةَ الِاسْتِقَامَةَ ثُمَّ الصَّبْرَ الصَّبْرَ وَ الْوَرَعَ الْوَرَعَ إِنَّ لَكُمْ نِهَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى نِهَايَتِكُمْ وَ إِنَّ لَكُمْ عَلَماً فَاهْتَدُوا بِعَلَمِكُمْ وَ إِنَّ لِلْإِسْلَامِ غَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى غَايَتِهِ وَ اخْرُجُوا إِلَى اللهِ مِمَّا افْتَرَضَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَقِّهِ وَ بَيَّنَ لَكُمْ مِنْ وَظَائِفِهِ»[١١٧].
الحذر من التشبّه بالكفار في المعتقد
نقل ابن شعبة الحرّاني في «تحف العقول» عن الإمام الحسين(ع) أنّه قال: «أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا هَؤُلَاءِ الْمَارِقَةَ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ اللهَ بِأَنْفُسِهِمْ «يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا» مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بَلْ هُوَ اللهُ «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ»»[١١٨].
والمغزى من هذا الكلام وجوب الحذر من مشابهة المسلمين للكفار وأهل الكتاب في عقائدهم.
يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾[١١٩].
ونقل عن رسول الله(ص) محذّراً من ذلك بقوله: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»[١٢٠].
نقل الشيخ الصدوق بسنده عن الإمام الصادق(ع) أنّه قال: «أَوْحَى اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ لَا تَلْبَسُوا لِبَاسَ أَعْدَائِي وَ لَا تَطْعَمُوا طَعَامَ أَعْدَائِي وَ لَا تَسْلُكُوا مَسَالِكَ أَعْدَائِي فَتَكُونُوا أَعْدَائِي كَمَا هُمْ أَعْدَائِي»[١٢١].
الدعوة للدين الإسلامي
ذكر ابن شهر آشوب في المناقب: «النَّطَنْزِيُّ فِي الْخَصَائِصِ لَمَّا جَاءُوا بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ وَ نَزَلُوا مَنْزِلاً يُقَالُ لَهُ قِنَّسْرِينُ اطَّلَعَ رَاهِبٌ مِنْ صَوْمَعَتِهِ إِلَى الرَّأْسِ فَرَأَى نُوراً سَاطِعاً يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ وَ يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ فَأَتَاهُمْ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَ أَخَذَ الرَّأْسَ وَ أَدْخَلَهُ صَوْمَعَتَهُ فَسَمِعَ صَوْتاً وَ لَمْ يَرَ شَخْصاً قَالَ طُوبَى لَكَ وَ طُوبَى لِمَنْ عَرَفَ حُرْمَتَهُ فَرَفَعَ الرَّاهِبُ رَأْسَهُ وَ قَالَ يَا رَبِّ بِحَقِّ عِيسَى تَأْمُرُ هَذَا الرَّأْسَ بِالتَّكَلُّمِ مَعِي فَتَكَلَّمَ الرَّأْسُ وَ قَالَ يَا رَاهِبُ أَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ قَالَ مَنْ أَنْتَ قَالَ أَنَا ابْنُ مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى وَ أَنَا ابْنُ عَلِيٍّ الْمُرْتَضَى وَ أَنَا ابْنُ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ وَ أَنَا الْمَقْتُولُ بِكَرْبَلَاءَ أَنَا الْمَظْلُومُ أَنَا الْعَطْشَانُ فَسَكَتَ فَوَضَعَ الرَّاهِبُ وَجْهَهُ عَلَى وَجْهِهِ فَقَالَ لَا أَرْفَعُ وَجْهِي عَنْ وَجْهِكَ حَتَّى تَقُولَ أَنَا شَفِيعُكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتَكَلَّمَ الرَّأْسُ فَقَالَ ارْجِعْ إِلَى دِينِ جَدِّي مُحَمَّدٍ(ص) فَقَالَ الرَّاهِبُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ فَقَبِلَ لَهُ الشَّفَاعَةَ فَلَمَّا أَصْبَحُوا أَخَذُوا مِنْهُ الرَّأْسَ وَ الدَّرَاهِمَ فَلَمَّا بَلَغُوا الْوَادِيَ نَظَرُوا الدَّرَاهِمَ قَدْ صَارَتْ حِجَارَةً»[١٢٢].
إنّ المتحصّل من قوله(ع):«ارْجِعْ إِلَى دِينِ جَدِّي مُحَمَّدٍ(ص)» هو ضرورة دعوة من لديه الأرضية والاستعداد لقبول الحقّ إلى الإسلام، ولا شك أنّ نطقها(ع) بهذا الكلام بعد شهادته كان إعجازياً ودليلاً على حجية كلامه بعد شهادته.
يقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾[١٢٣].
إظهار الإسلام
ذكر القندوزي في الينابيع: «ثم دنا من القوم وقال: يا ويلكم، أتقتلوني على سنة بدلتها؟ أم على شريعة غيرتها؟ أم على جرم فعلته؟ أم على حق تركته؟
فقالوا له: إنا نقتلك بغضا لأبيك. فلما سمع كلامهم حمل عليهم فقتل منهم في حملته مائة فارس، ورجع إلى خيمته، وأنشأ عند ذلك يقول:
| خيرة الله من الخلق أبي | بعد جدي فأنا ابن الخيرتين | |
| أمي الزهراء حقا وأبي | وارث العلم ومولى الثقلين | |
| عبد الله غلاما يافعا | و قريس يعبدون الوثنين | |
| يعبدون اللات والعزى معا | و علي قام صلى القبلتين | |
| مع نبي الله سبعا كاملاً | ما على الأرض مصلي غير ذين | |
| جدي المرسل مصباح الدجى | و أبي الموفي له في البيعتين | |
| عروة الدين علي المرتضى | صاحب الحوض معز الحرمين | |
| و هو الذي صدق في خاتمه | حين ساوى ظهره للركعتين | |
| والدي الطاهر والطهر الذي | ردت الشمس عليه كرتين | |
| قتل الأبطال لا برزوا | يوم بدر ثم أحد وحنين | |
| أظهر الإسلام رغما للعدى | بحسام قاطع ذي شفرتين»[١٢٤] |
فمن البيت الأخير يستفاد لزوم إظهار الإسلام وضرورته.
روى أنس بن مالك عن رسول الله(ص) أنّه قال: «أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى يقولوا لا إلَهَ إلَّا اللهُ، فَإِذَا قَالُوهَا، وصَلَّوْا صَلَاتَنَا، واسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا، وذَبَحُوا ذَبِيحَتَنَا، فقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وأَمْوَالُهُمْ، إلَّا بحَقِّهَا وحِسَابُهُمْ علَى اللهِ»[١٢٥].
قال سماعة: «قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ(ع) أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ وَ الْإِيمَانِ أَ هُمَا مُخْتَلِفَانِ فَقَالَ إِنَّ الْإِيمَانَ يُشَارِكُ الْإِسْلَامَ وَ الْإِسْلَامَ لَا يُشَارِكُ الْإِيمَانَ فَقُلْتُ فَصِفْهُمَا لِي فَقَالَ: الْإِسْلَامُ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَ التَّصْدِيقُ بِرَسُولِ اللهِ(ص) بِهِ حُقِنَتِ الدِّمَاءُ وَ عَلَيْهِ جَرَتِ الْمَنَاكِحُ وَ الْمَوَارِيثُ وَ عَلَى ظَاهِرِهِ جَمَاعَةُ النَّاسِ وَ الْإِيمَانُ الْهُدَى وَ مَا يَثْبُتُ فِي الْقُلُوبِ مِنْ صِفَةِ الْإِسْلَامِ وَ مَا ظَهَرَ مِنَ الْعَمَلِ بِهِ وَ الْإِيمَانُ أَرْفَعُ مِنَ الْإِسْلَامِ بِدَرَجَةٍ إِنَّ الْإِيمَانَ يُشَارِكُ الْإِسْلَامَ فِي الظَّاهِرِ وَ الْإِسْلَامَ لَا يُشَارِكُ الْإِيمَانَ فِي الْبَاطِنِ وَ إِنِ اجْتَمَعَا فِي الْقَوْلِ وَ الصِّفَةِ»[١٢٦].
امتلاك الإيمان
ورد عن الإمام الحسين(ع) في دعاء عرفة قوله متضرعاً: «يَا مَنْ هَدَانِي لِلْإِيمَانِ»[١٢٧].
حيث يستنتج من مضمون هذا الدعاء أنّ كل مسلم يجب عليه أن يكون مؤمناً بالمبدأ والمعاد.
وروي أيضاً عن الإمام الحسين(ع) أنّه ابتهل إلى الله في دعاء الاستجابة: «وَ أَنْتَ الَّذِي اسْتَجَبْتَ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ»[١٢٨].
فمن مضمون هذا الخطاب يتحصّل وجوب الإيمان بالله عزوجل.
وفي تعريفه للإيمان قال العلامة الطباطبائي: «الإيمان بأمر هو العلم به مع الالتزام به عملاً، فلو لم يلتزم لم يكن إيماناً وإن كان هناك علم، قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾[١٢٩]، وقال: ﴿وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ﴾[١٣٠]»[١٣١].
ونقل الكليني بسنده عن الإمام الصادق(ع) أنّه قال: «اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ(ص) حَارِثَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ النُّعْمَانِ الْأَنْصَارِيَّ فَقَالَ لَهُ كَيْفَ أَنْتَ يَا حَارِثَةَ بْنَ مَالِكٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ مُؤْمِنٌ حَقّاً فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ(ص) لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ فَمَا حَقِيقَةُ قَوْلِكَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا فَأَسْهَرَتْ لَيْلِي وَ أَظْمَأَتْ هَوَاجِرِي وَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي- [وَ] قَدْ وُضِعَ لِلْحِسَابِ وَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ فِي الْجَنَّةِ وَ كَأَنِّي أَسْمَعُ عُوَاءَ أَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ(ص) عَبْدٌ نَوَّرَ اللهُ قَلْبَهُ أَبْصَرْتَ فَاثْبُتْ»[١٣٢].
كسب الإيمان في الدنيا
روي عن الإمام الحسين(ع) بشأن القيامة وأهوالها أنّه قال خلال وصيته(ع): «...وَ يَوْمَئِذٍ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾[١٣٣]...»[١٣٤].
فيشدّ انتباهنا مغزى هذا الكلام المستل والمستوحى من آيات القرآن الكريم إلى ضرورة اكتساب المسلم للإيمان في هذه الدنيا.
ويفصّل المقال قول أمير المؤمنين(ع): «فَبِالْإِيمَانِ يُسْتَدَلُ عَلَى الصَّالِحَاتِ وَ بِالصَّالِحَاتِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الْإِيمَانِ وَ بِالْإِيمَانِ يُعْمَرُ الْعِلْمُ وَ بِالْعِلْمِ يُرْهَبُ الْمَوْتُ وَ بِالْمَوْتِ تُخْتَمُ الدُّنْيَا وَ بِالدُّنْيَا تُحْرَزُ الْآخِرَةُ وَ بِالْقِيَامَةِ تُزْلَفُ الْجَنَّةُ وَ تُبَرَّزُ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ وَ إِنَّ الْخَلْقَ لَا مَقْصَرَ لَهُمْ عَنِ الْقِيَامَةِ مُرْقِلِينَ فِي مِضْمَارِهَا إِلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى»[١٣٥].[١٣٦]
الأمّة الإسلامية
من العناوين التي كان لها نصيب من الروايات المنقولة عن سيّد الشهداء(ع) عنوان الأمّة الإسلامية وخصائصها، حيث لم تغفل عنها وذكرت بعضها مثل:
الأمّة الإسلامية قدوة للأمم
روى الطبراني بسنده عن أبي مجلز قال: «أنه رأى رجلاً ركب دابة فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾، فقال له الحسين بن علي(ع): وبهذا أمرت؟ قال: فكيف أقول؟ قال: تقول: الحمد لله الذي هداني للإسلام ومن على بمحمد(ص) وجعلني في خير أمة أخرجت للناس، فهذه النعمة، فقال: تبدأ بهذا لقوله عزوجل: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾[١٣٧][١٣٨].
إذ يدلنا قوله(ع): «وَ جَعَلَني في خَيرِ اُمَّةٍ....» على أنّ الأمّة الإسلامية هي أفضل الأمم، بل وقدوة لما سواها، وهذا يقتضي منها الثناء على الله سبحانه وشكره وحمده.
وصرّح بذلك قوله سبحانه في القرآن الكريم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾[١٣٩].
قصر ملّة الرسول(ص) على الشيعة
لقد ذكر عبد الله بن حمزة في كتابه (الشافي): «و قال الحسين(ع): والله ما أجد على ملة محمد(ص) إلا أنتم يا معشر الشيعة، والناس منها براء»[١٤٠].
ودلالة هذا الحديث جليّة على أنّ شيعة أهل البيت(ع) وحدهم السائرون على الإسلام وملّة رسول الله(ص).
كما نُقل عن عوف بن مالك أنّ رسول الله(ص) قال: «كيف أنت يا عوف إذا افترقت هذه الأمه على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة وسائرهن في النار؟!...»[١٤١].
حينما نضم هذا القول إلى حديث السفينة سنخرج بنتيجة مفادها أنّ المقصود بتلك الفرقة الواحدة هم أتباع أهل البيت(ع)، وأما الفرق الأخرى فمخالفوهم.
وأتى ابن الأثير الجزري على ذكر حديث السفينة في مادّة «زخخ» ناقلاً إياه عن النبي(ص) بهذه الصورة: «مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من تخلف عنها زخ به في النار»[١٤٢].
نقل علي بن محمد الخزاز بسنده عن الإمام علي(ع) أنّ رسول الله(ص) قال: «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً مِنْهَا فِرْقَةٌ نَاجِيَةٌ وَ الْبَاقُونَ هَالِكَةٌ وَ النَّاجِيَةُ الَّذِينَ يَتَمَسَّكُونَ بِوَلَايَتِكُمْ وَ يَقْتَبِسُونَ مِنْ عِلْمِكُمْ وَ لَا يَعْمَلُونَ بِرَأْيِهِمْ «فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ»[١٤٣].
ونقل الشيخ المفيد بسنده عن أبي عقيل قال: «كُنَّا عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع) فَقَالَ لَتَفَرَّقَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الْفِرَقَ كُلَّهَا ضَالَّةٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَنِي وَ كَانَ مِنْ شِيعَتِي»[١٤٤].
الظلمة خارجون عن أمّة الإسلام
نقل الطبرسي جواب الإمام الحسين(ع) على كتاب لمعاوية على طريق الاحتجاج حيث قال:
«أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي كِتَابُكَ أَنَّهُ بَلَغَكَ عَنِّي أُمُورٌ إِنَّ بِي عَنْهَا غِنًى وَ زَعَمْتَ أَنِّي رَاغِبٌ فِيهَا وَ أَنَا بِغَيْرِهَا عَنْكَ جَدِيرٌ أَمَّا مَا رُقِيَ إِلَيْكَ عَنِّي فَإِنَّهُ رَقَاهُ إِلَيْكَ الْمَلَّاقُونَ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمَائِمِ الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْجَمْعِ كَذَبَ السَّاعُونَ الْوَاشُونَ مَا أَرَدْتُ حَرْبَكَ وَ لَا خِلَافاً عَلَيْكَ وَ ايْمُ اللهِ إِنِّي لَأَخَافُ اللهَ عَزَّ ذِكْرُهُ فِي تَرْكِ ذَلِكَ وَ مَا أَظُنُّ اللهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بِرَاضٍ عَنِّي بِتَرْكِهِ وَ لَا عَاذِرِي بِدُونِ الِاعْتِذَارِ إِلَيْهِ فِيكَ وَ فِي أُولَئِكَ الْقَاسِطِينَ الْمُلَبِّينَ حِزْبِ الظَّالِمِينَ بَلْ أَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. أَ لَسْتَ قَاتِلَ حُجْرِ بْنِ عَدِيٍّ أَخِي كِنْدَةَ وَ أَصْحَابِهِ الصَّالِحِينَ الْمُطِيعِينَ الْعَابِدِينَ كَانُوا يُنْكِرُونَ الظُّلْمَ وَ يَسْتَعْظِمُونَ الْمُنْكَرَ وَ الْبِدَعَ وَ يُؤْثِرُونَ حُكْمَ الْكِتَابِ وَ لَا يَخَافُونَ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ فَقَتَلْتَهُمْ ظُلْماً وَ عُدْوَاناً بَعْدَ مَا كُنْتَ أَعْطَيْتَهُمُ الْأَيْمَانَ الْمُغَلَّظَةَ وَ الْمَوَاثِيقَ الْمُؤَكَّدَةَ لَا تَأْخُذُهُمْ بِحَدَثٍ كَانَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُمْ وَ لَا بِإِحْنَةٍ تَجِدُهَا فِي صَدْرِكَ عَلَيْهِمْ؟! أَ وَ لَسْتَ قَاتِلَ عَمْرِو بْنِ الْحَمِقِ صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ الَّذِي أَبْلَتْهُ الْعِبَادَةُ فَصَفَّرَتْ لَوْنَهُ وَ نَحَّلَتْ جِسْمَهُ بَعْدَ أَنْ آمَنْتَهُ وَ أَعْطَيْتَهُ مِنْ عُهُودِ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ مِيثَاقِهِ مَا لَوْ أَعْطَيْتَهُ الْعُصْمَ فَفَهَّمْتَهُ لَنَزَلَتْ إِلَيْكَ مِنْ شَعَفِ الْجِبَالِ ثُمَّ قَتَلْتَهُ جُرْأَةً عَلَى اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ اسْتِخْفَافاً بِذَلِكَ الْعَهْدِ؟! أَ وَ لَسْتَ الْمُدَّعِيَ زِيَادَ بْنَ سُمَيَّةَ- الْمَوْلُودَ عَلَى فِرَاشِ عُبَيْدِ عَبْدِ ثَقِيفٍ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ ابْنُ أَبِيكَ وَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ (الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَ لِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ) فَتَرَكْتَ سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ وَ اتَّبَعْتَ هَوَاكَ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللهِ ثُمَّ سَلَّطْتَهُ عَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ فَقَطَعَ أَيْدِيَ الْمُسْلِمِينَ وَ أَرْجُلَهُمْ وَ سَمَلَ أَعْيُنَهُمْ وَ صَلَبَهُمْ عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ كَأَنَّكَ لَسْتَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ لَيْسُوا مِنْكَ؟! أَ وَ لَسْتَ صَاحِبَ الْحَضْرَمِيِّينَ الَّذِينَ كَتَبَ إِلَيْكَ فِيهِمُ ابْنُ سُمَيَّةَ أَنَّهُمْ عَلَى دِينِ عَلِيٍّ وَ رَأْيِهِ فَكَتَبْتَ إِلَيْهِ اقْتُلْ كُلَّ مَنْ كَانَ عَلَى دِينِ عَلِيٍّ(ع) وَ رَأْيِهِ فَقَتَلَهُمْ وَ مَثَلَ بِهِمْ بِأَمْرِكَ وَ دِينُ عَلِيٍّ وَ اللهِ وَ ابْنِ عَلِيٍّ الَّذِي كَانَ يَضْرِبُ عَلَيْهِ أَبَاكَ وَ هُوَ أَجْلَسَكَ بِمَجْلِسِكَ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَكَانَ أَفْضَلَ شَرَفِكَ وَ شَرَفِ أَبِيكَ تَجَشُّمُ الرِّحْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بِنَا مَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَوَضَعَهُمَا عَنْكُمْ. وَ قُلْتَ فِيمَا تَقُولُ انْظُرْ نَفْسَكَ وَ لِدِينِكَ وَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ(ص) وَ اتَّقِ شَقَّ عَصَا هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ أَنْ تَرُدَّهُمْ فِي فِتْنَةٍ فَلَا أَعْرِفُ فِتْنَةً أَعْظَمَ مِنْ وَلَايَتِكَ عَلَيْهَا وَ لَا أَعْلَمُ نَظَراً لِنَفْسِي وَ وُلْدِي وَ أُمَّةِ جَدِّي أَفْضَلَ مِنْ جِهَادِكَ فَإِنْ فَعَلْتُهُ فَهُوَ قُرْبَةٌ إِلَى اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ إِنْ تَرَكْتُهُ فَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِذَنْبِي وَ أَسْأَلُهُ تَوْفِيقِي لِإِرْشَادِ أُمُورِي. وَ قُلْتَ فِيمَا تَقُولُ إِنْ أُنْكِرْكَ تُنْكِرْنِي وَ إِنْ أَكِدْكَ تَكِدْنِي وَ هَلْ رَأْيُكَ إِلَّا كَيْدَ الصَّالِحِينَ مُنْذُ خُلِقْتَ فَكِدْنِي مَا بَدَا لَكَ إِنْ شِئْتَ- فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ لَا يَضُرَّنِي كَيْدُكَ وَ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى أَحَدٍ أَضَرَّ مِنْهُ عَلَى نَفْسِكَ عَلَى أَنَّكَ تَكِيدُ فَتُوقِظُ عَدُوَّكَ وَ تُوبِقُ نَفْسَكَ كَفِعْلِكَ بِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَتَلْتَهُمْ وَ مَثَلْتَ بِهِمْ بَعْدَ الصُّلْحِ وَ الْأَيْمَانِ وَ الْعَهْدِ وَ الْمِيثَاقِ فَقَتَلْتَهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا قُتِلُوا إِلَّا لِذِكْرِهِمْ فَضْلَنَا وَ تَعْظِيمِهِمْ حَقَّنَا بِمَا بِهِ شُرِّفْتُ وَ عُرِفْتُ مَخَافَةَ أَمْرٍ لَعَلَّكَ لَوْ لَمْ تَقْتُلْهُمْ مِتَّ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلُوا أَوْ مَاتُوا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكُوا. أَبْشِرْ يَا مُعَاوِيَةُ بِقِصَاصٍ وَ اسْتَعِدَّ لِلْحِسَابِ وَ اعْلَمْ أَنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ كِتَاباً لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَ لَيْسَ اللهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بِنَاسٍ أَخْذَكَ بِالظِّنَّةِ وَ قَتْلَكَ أَوْلِيَاءَهُ بِالتُّهَمَةِ وَ نَفْيَكَ إِيَّاهُمْ مِنْ دَارِ الْهِجْرَةِ إِلَى الْغُرْبَةِ وَ الْوَحْشَةِ وَ أَخْذَكَ النَّاسَ بِبَيْعَةِ ابْنِكَ غُلَامٍ مِنَ الْغِلْمَانِ يَشْرَبُ الشَّرَابَ وَ يَلْعَبُ بِالْكِعَابِ لَا أَعْلَمُكَ إِلَّا قَدْ خَسَرْتَ نَفْسَكَ- وَ شَرَيْتَ دِينَكَ وَ غَشَشْتَ رَعِيَّتَكَ وَ أَخْزَيْتَ أَمَانَتَكَ وَ سَمِعْتَ مَقَالَةَ السَّفِيهِ الْجَاهِلِ وَ أَخَفْتَ التَّقِيَّ الْوَرِعَ الْحَلِيمَ»[١٤٥].
فتدلنا جملة «كَأَنَّكَ لَسْتَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ لَيْسُوا مِنْكَ» ضمناً أنّ الحكام الظلمة خارجون عن ربقة الأمّة الإسلامية. يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾[١٤٦].[١٤٧]
أسباب ضياع الإسلام
لم تخلو أحاديث سيد الشهداء(ع) عن التطرق إلى العوامل والأسباب التي أدّت إلى خراب الإسلام وضياعه، مثل:
انحراف الناس وانشغالهم بالدنيا
قال جعيد همدان: «أتَيتُ الحُسَينَ بنَ عَلِيٍّ(ع) وعَلى صَدرِهِ سُكينَةُ بِنتُ حُسَينٍ(ع) فَقالَ: يا اُختَ كَلبٍ، خُذِي ابنَتَكِ عَنّي. فَساءَلَني فَقالَ: أخبِرني عَن شَبابِ العَرَبِ أو عَنِ العَرَبِ. قالَ: قُلتُ: أصحابُ جُلاهِقاتٍ وَ مَجالِسَ، قَالَ: فَأَخبِرني عَنِ المَوالي، قالَ: قُلتُ: آكِلُ رِبا أو حَريصٌ عَلَى الدُّنيا. قالَ: فَقالَ: إنّا للَّهِ وإنّا إلَيهِ راجِعونَ، وَاللهِ إنَّهُما لَلصِّنفانِ اللَّذانِ كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَنتَصِرُ بِهِما لِدينِهِ»[١٤٨].
إنّ «استرجاع» الإمام الحسين(ع) بعد جواب جعيد يبيّن أن دمار الإسلام وضياعه رهن انحراف الناس وطلبهم الشديد للدنيا وتكالبهم عليها؛ إذ إنّ الحياة بهذا النحو يفرغها من محتواها وتغدو بلا معنى، وهذا ما يبعث على انزعاج أولياء الله وتضجرهم، وإن كانت العبارة أعلاه قد صدرت من السائل نفسه.
وأيضاً روي عن الإمام الحسين(ع) قوله: «إِنَّ النَّاسَ عَبِيدُ الدُّنْيَا وَ الدِّينُ لَعْقٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ»[١٤٩].
قال أمير المؤمنين علي(ع): «ثُمَّ أَرْسَلْتَ دَاعِياً يَدْعُو إِلَيْهَا فَلَا الدَّاعِيَ أَجَابُوا وَ لَا فِيمَا رَغَّبْتَ رَغِبُوا وَ لَا إِلَى مَا شَوَّقْتَ إِلَيْهِ اشْتَاقُوا أَقْبَلُوا عَلَى جِيفَةٍ قَدِ افْتَضَحُوا بِأَكْلِهَا وَ اصْطَلَحُوا عَلَى حُبِّهَا وَ مَنْ عَشِقَ شَيْئاً أَعْشَى بَصَرَهُ وَ أَمْرَضَ قَلْبَهُ فَهُوَ يَنْظُرُ بِعَيْنٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ وَ يَسْمَعُ بِأُذُنٍ غَيْرِ سَمِيعَةٍ قَدْ خَرَقَتِ الشَّهَوَاتُ عَقْلَهُ وَ أَمَاتَتِ الدُّنْيَا قَلْبَهُ وَ وَلِهَتْ عَلَيْهَا نَفْسُهُ فَهُوَ عَبْدٌ لَهَا وَ لِمَنْ فِي يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا حَيْثُمَا زَالَتْ زَالَ إِلَيْهَا وَ حَيْثُمَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَ عَلَيْهَا لَا يَنْزَجِرُ مِنَ اللهِ بِزَاجِرٍ وَ لَا يَتَّعِظُ مِنْهُ بِوَاعِظٍ وَ هُوَ يَرَى الْمَأْخُوذِينَ عَلَى الْغِرَّةِ حَيْثُ لَا إِقَالَةَ لَهُمْ وَ لَا رَجْعَةَ كَيْفَ نَزَلَ بِهِمْ مَا كَانُوا يَجْهَلُونَ وَ جَاءَهُمْ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا مَا كَانُوا يَأْمَنُونَ وَ قَدِمُوا مِنَ الآْخِرَةِ عَلَى مَا كَانُوا يُوعَدُونَ»[١٥٠].
ظلم رعاة الأمّة وولاتها وفسقهم
ذكر السيّد ابن طاووس في (اللهوف): «قَالَ وَ أَصْبَحَ الْحُسَيْنُ(ع) فَخَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ يَسْتَمِعُ الْأَخْبَارَ فَلَقِيَهُ مَرْوَانُ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ إِنِّي لَكَ نَاصِحٌ فَأَطِعْنِي تُرْشَدْ فَقَالَ الْحُسَيْنُ(ع) وَ مَا ذَاكَ قُلْ حَتَّى أَسْمَعَ فَقَالَ مَرْوَانُ إِنِّي آمُرُكَ بِبَيْعَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَكَ فِي دِينِكَ وَ دُنْيَاكَ فَقَالَ الْحُسَيْنُ(ع) إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ وَ عَلَى الْإِسْلَامِ السَّلَامُ إِذْ قَدْ بُلِيَتِ الْأُمَّةُ بِرَاعٍ مِثْلِ يَزِيدَ وَ لَقَدْ سَمِعْتُ جَدِّي رَسُولَ اللهِ(ص) يَقُولُ الْخِلَافَةُ مُحَرَّمَةٌ عَلَى آلِ أَبِي سُفْيَانَ وَ طَالَ الْحَدِيثُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ مَرْوَانَ حَتَّى انْصَرَفَ مَرْوَانُ وَ هُوَ غَضْبَانُ»[١٥١].
حيث يفضي التدبّر بالمدلول التضمني لعبارة «وَ عَلَى الْإِسْلَامِ السَّلَامُ إِذْ قَدْ بُلِيَتِ الْأُمَّةُ بِرَاعٍ مِثْلِ يَزِيدَ» إلى أنّ تولي الحكام والولاة الظلمة الفسّاق على مقدّرات الأمة الإسلامية سيستلب منها الإسلام، وسيبعث على ضياعه ودماره.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾[١٥٢].
فقد روي عن الإمام الصادق(ع): «لَوْ لَا أَنَّ بَنِي أُمَيَّةَ وَجَدُوا مَنْ يَكْتُبُ لَهُمْ وَ يَجْبِي لَهُمُ الْفَيْءَ وَ يُقَاتِلُ عَنْهُمْ وَ يَشْهَدُ جَمَاعَتَهُمْ لَمَا سَلَبُونَا حَقَّنَا»[١٥٣].[١٥٤]
من حقوق المسلمين
يظهر من التدبّر في أحاديث سيّد الشهداء(ع) أنّ للمسلمين حقوقاً، من قبيل:
عدم المراء مع المسلم
قال الإمام الحسين(ع): «مِنْ دَلَائِلِ عَلَامَاتِ الْقَبُولِ الْجُلُوسُ إِلَى أَهْلِ الْعُقُولِ وَ مِنْ عَلَامَاتِ أَسْبَابِ الْجَهْلِ الْمُمَارَاةُ لِغَيْرِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَ مِنْ دَلَائِلِ الْعَالِمِ انْتِقَادُهُ لِحَدِيثِهِ وَ عِلْمُهُ بِحَقَائِقِ فُنُونِ النَّظَرِ»[١٥٥].
حيث يدلنا مضمون هذا الحديث على مدى قبح المراء والمنازعة مع غير أهل الكفر، بيد أنّ المجادلة مع الكفار إما جائزة أو حسنة.
وقريب منه قول الإمام علي(ع): «انْطَلِقْ عَلَى تَقْوَى اللهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ لَا تُرَوِّعَنَّ مُسْلِماً وَ لَا تَجْتَازَنَّ عَلَيْهِ كَارِهاً وَ لَا تَأْخُذَنَّ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّ اللهِ فِي مَالِهِ»[١٥٦].
عدم التبرّي من المسلم
نقل النعماني بسنده عن عميرة بنت نفيل قالت: «سَمِعْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ(ع) يَقُولُ لَا يَكُونُ الْأَمْرُ الَّذِي تَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يَبْرَأَ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ وَ يَتْفُلُ بَعْضُكُمْ فِي وُجُوهِ بَعْضٍ وَ يَشْهَدَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْكُفْرِ وَ يَلْعَنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَقُلْتُ لَهُ مَا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مِنْ خَيْرٍ. فَقَالَ الْحُسَيْنُ(ع) الْخَيْرُ كُلُّهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ يَقُومُ قَائِمُنَا وَ يَدْفَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ»[١٥٧].
من ينظر بتأمّل في مضمون هذا الحديث يتبيّن له ضرورة تحمّل المسلمين بعضهم بعضاً وتجنبهم تبرّي بعضهم عن بعض. فقد قال الامام علي(ع): «الْفَرَائِضَ الْفَرَائِضَ أَدُّوهَا إِلَى اللهِ تُؤَدِّكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ إِنَّ اللهَ حَرَّمَ حَرَاماً غَيْرَ مَجْهُولٍ وَ أَحَلَّ حَلَالاً غَيْرَ مَدْخُولٍ وَ فَضَّلَ حُرْمَةَ الْمُسْلِمِ عَلَى الْحُرَمِ كُلِّهَا وَ شَدَّ بِالْإِخْلَاصِ وَ التَّوْحِيدِ حُقُوقَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَعَاقِدِهَا فَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَ يَدِهِ إِلَّا بِالْحَقِّ وَ لَا يَحِلُّ أَذَى الْمُسْلِمِ إِلَّا بِمَا يَجِبُ»[١٥٨].[١٥٩]
أمير المؤمنين(ع) من الشخصيات المؤثرة في ظهور الإسلام
ذكر القندوزي: «ثم دنا من القوم وقال: يَا وَيْلَكُمْ أَتَقْتُلُونِي عَلَى سُنَّةٍ بَدَّلْتُها؟ أَمْ عَلَى شَريعَةٍ غَيَّرْتُهَا، أَمْ عَلى جُرْمٍ فَعَلْتُهُ، أَمْ عَلى حَقٍّ تَرَكْتُهُ؟ فَقَالُوا لَهُ: إِنَّا نَقْتُلُكَ بُغْضاً لِأَبِيكَ. فلما سمع كلامهم حمل عليهم فقتل منهم في حملته مائة فارس، ورجع إلى خيمته، وأنشأ عند ذلك يقول:...
[١٦٠].| عروة الدين علي المرتضى | صاحب الحوض معز الحرمين | |
| و هو الذي صدق في خاتمه | حين ساوى ظهره للركعتين | |
| والدي الطاهر والطهر الذي | ردت الشمس عليه كرتين | |
| قتل الأبطال لا برزوا | يوم بدر ثم أحد وحنين | |
| أظهر الإسلام رغماً للعدى | بحسام قاطع ذي شفرتين |
حيث يصرّح في البيت الأخير بدور أمير المؤمنين(ع) في ظهور الإسلام وانتشاره.
نقل عن الإمام علي(ع) أنّه قال في خطبة: «قَدْ رَكَزْتُ فِيكُمْ رَايَةَ الْإِيمَانِ وَ وَقَفْتُكُمْ عَلَى حُدُودِ الْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ»[١٦١].
وقال الكاتب والشاعر المسيحي اللبناني جورج جرداق: «و يتقصى الباحث الفرنسي (البارون كارّا ديفو) الأسباب والعلل في حوادث الإسلام، فيستجلّي حقائق كثيرة بأسلوب متماسك جذاب، ويتحدث عن بطولة علي في حروب المسلمين وقريش حديثاً تملأه عاطفة الإعجاب وتحييه الحماسة، يقول البارون كارّا ديفو: وحارب علي بطلاً مغواراً إلى جانب النبي، وقام بمآثر معجزات، ففي موقعة بدر كان علي، وهو في العشرين من عمره، يشطر الفارس القرشي شطرين اثنين بضربة واحدة من سيفه، وفي أحد تسلّح بسيف النبي ذي الفقار، فكان يشق المغافر بضربات سيفه ويخرق الدروع، وفي الهجوم على حصون اليهود في خيبر، قلقل علي باباً ضخماً من حديد، ثم رفعه فوق رأسه متخذاً منه ترساً مجناً. أمّا النبي فكان يحبّه ويثق به ثقة عظيمة، وقد قال ذات يوم وهو يشير إلى علي: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ»»[١٦٢].[١٦٣]
حكم المسلم
يقودنا التأمل في الآيات الكريمة والروايات الشريفة ومنها أحاديث الإمام الحسين(ع) إلى القول بأنّ المسلم محفوظ حقّه محقون دمه مصان عرضه وماله، وليس لأي أحد التعرّض له.
ذكر اليعقوبي: «وَ قَالَ مُعاوِيَةُ لِلحُسَينِ بنِ عَلِيٍّ(ع): يَا أَبَا عَبدِ اللهِ! عَلِمتَ أنّا قَتَلنا شيعَةَ أبيكَ، فَحَنَّطناهُم وَ كَفَّنّاهُم وَ صَلَّينا عَلَيهِم وَ دَفَنَّاهُم؟ فَقالَ الحُسَينُ: حجركَ [حَجَجتُكَ] وَ رَبِّ الكَعبَةِ، لكِنّا وَاللهِ إن قَتَلنا شيعَتَكَ ما كَفَنّاهُم ولا حَنَّطناهُم ولا صَلَّينا عَليهِم ولا دَفَنّاهُم»[١٦٤].
في بعض النسخ ورد بدل كلمة «حجرك» كلمة «حججتك»، وبناء على هذه النسخة نستنتج ضمناً من تهديد الإمام(ع) لمعاوية على قتله المسلمين أنّ هذا الفعل لا يجوز دون مبرر، ويجب على الجميع حفظ أرواح المسلمين وأموالهم وأعراضهم.
إنّ التوسّل بالعنف والأعمال الإرهابية ضدّ الناس، أفراداً كانوا أم جماعات أم أحزاباً من أجل تحقيق مكتسبات سياسية، بل والتعدّي بصورة مباشرة على أرواح الأبرياء وأموالهم وأعراضهم ومنه التعدّي على النساء والأطفال يعدّ عملاً مشيناً ومستقبحاً من قبل الضمير الإنساني ومصداقاً واضحاً من مصاديق الإرهاب لأيّ هدف كان، فالإسلام لا يجيز قتل الأبرياء ولا ملاحقة الفارين ولا قتل الأسرى ولا النساء والأطفال ولا تخريب الغابات وقطع الأشجار ولا تلويث المياه ولا التعرض للأعراض حتّى في حالة الدفاع المشروع، والآيات القرآنية والكتب الحديثية والتاريخية تصرّح بعدم جواز مثل تلك الأعمال حتّى عند الدفاع الجائز، ونشير هنا إلى نماذج من الآيات القرآنية وروايات الفريقين والتاريخ:
الآيات القرآنية
لقد منع سبحانه في كثير من الآيات عن تكفير وقتل الأخ المؤمن والمسلم الذي نطق بالشهادتين:
- يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾[١٦٥].
- و يقول أيضاً: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾[١٦٦].
- و يقول كذلك: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَ ظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾[١٦٧].
روايات العامّة
- عن أحمد بن حنبل بسنده: «قال رجل للزبير: ألا أقتل لك عليا؟ قال: كيف تقتله؟ قال: أفتك به، قال: لا، قال رسول الله(ص): «الْإِيمَانُ قَيَّدَ الْفَتْكَ، لَا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ»»[١٦٨].
- قال عبد الله بن عدي الأنصاري: إن رسول الله(ص) بينا هو جالس بين ظهراني الناس جاء رجل يستأذنه أن يساره، فأذن له فساره في قتل رجل من المنافقين يستأذنه فيه، فجهر رسول الله(ص) بكلامه، فقال: أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولا شهادة له، قال: أليس يشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: بلى، ولا شهادة له، قال: أليس يصلي؟ قال: بلى، ولا صلاة له، قال: أولئك الذين نهيت عن قتلهم»[١٦٩].
- روى أبو موسى الأشعري عن النبي(ص) أنّه قال: «إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ الْهَرْجُ» قِيلَ: وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: الكذب والقتل، قالوا: أكثر ما نقتل الآن، قال: إنه ليس بقتلكم الكفار، ولكنه قتل بعضكم بعضاً حتى يقتل الرجل جاره، ويقتل أخاه، ويقتل عمه، ويقتل ابن عمه، قالوا: سبحان الله ومعنا عقولنا؟ قال: لا، إلا أنه ينزع عقول أهل ذاكم الزمان حتى يحسب أحدكم أنه على شيء وليس على شيء»[١٧٠].
- نقل أبو هريرة عن رسول الله(ص) أنه قال: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، أفلح من كف يده»[١٧١]. وكتب المناوي في شرحه جملة «أفلح من كف يده»: «(أفلح من كف يده) عن القتال ولسانه عن الكلام في الفتن لكثرة الخطر)»[١٧٢].
- نقل عن النبي(ص) قوله: «أَلَا وَ إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ وَ إِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ فَلَا تَقتتلن بعدي»[١٧٣].
- عن عبد الله بن مسعود أنّ النبي(ص) قال: «أجيبوا الدّاعي ولا تردّوا الهديّة ولا تضربوا المسلمين»[١٧٤].
- نقل عن رسول الله(ص) أنه قال: «أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ الصَّلَاةُ، وأول ما يقضى بين الناس في الدماء»[١٧٥].
- نقل عن أبي هريرة أنّ رسول الله(ص) قال: «أَ تَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَ لَا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَ صِيَامٍ وَ زَكَاةٍ وَ يَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَ قَذَفَ هَذَا، وَ أَكَلَ مَالَ هَذَا وَ سَفَكَ دَمَ هَذَا، وَ ضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ»[١٧٦].
- و هكذا روي عن أبي هريرة أنّ النبي(ص) قال: «لَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ وَ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَ هُوَ مُؤْمِنٌ، لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن... ولا يقتل أحدكم حين يقتل وهو مؤمن، فإياكم إياكم»[١٧٧].
- نقل أبو أيوب الأنصاري عن رسول الله(ص) أنّه قال: «من جاء يعبد الله، ولا يشرك به شيئا ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويجتنب الكبائر كان له الجنة. فسألوه عن الكبائر، فقال: الإشراك بالله، وقتل النفس المسلمة، والفرار يوم الزحف»[١٧٨].
- نقل البراء بن عازب عن النبي(ص) قوله: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق»[١٧٩].
- روى أبو هريرة قول النبي(ص): «لو اجتمع أهل السماء وأهل الأرض على قتل رجل مؤمن لكبهم الله في النار»[١٨٠].
- روي عن أبي بكر أنّ رسول الله(ص) قال: «من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا تخفروا الله في عهده، فمن قتله طلبه الله حتى يكبه في النار على وجهه»[١٨١].
- أبو هريرة عن رسول الله(ص) قال: «لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار»[١٨٢].
- نُقل عن ابن عباس: «أن رجلا أتاه، فقال: أرأيت رجلا قتل رجلا متعمدا؟ قال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾[١٨٣]، قال: لقد أنزلت في آخر ما نزل، ما نسخها شيء حتى قبض رسول الله(ص)، وما نزل وحي بعد رسول الله(ص)، قال: أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحا، ثم اهتدى؟ قال: وأنى له بالتوبة، وقد سمعت رسول الله(ص) يقول: (ثكلته أمه، رجل قتل رجلا متعمداً، يجيء يوم القيامة آخذا قاتله بيمينه أو بيساره، وآخذا رأسه بيمينه أو بشماله، تشخب أوداجه دما في قبل العرش، يقول: يا رب، سل عبدك فيم قتلني؟)»[١٨٤].
- روى أبو بكرة أنّ رسول الله(ص) قال: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَ الْمَقْتُولُ فِي النَّارِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصاً عَلَى قتل صاحبه»[١٨٥].
- أبو مالك عن أبيه عن رسول الله(ص) قال: «من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله»[١٨٦].
- يقول أوس بن أبي أوس الثقفي: «أتيت رسول الله(ص) في وفد ثقيف، فكنا في قبة، فقام من كان فيها غيري وغير رسول الله(ص)، فجاء رجل فساره، فقال: اذهب فاقتله، ثم قال: أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكنه يقولها تعوذا، فقال: رده، ثم قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها حرمت علي دماؤهم وأمواهم إلا بحقها»[١٨٧].
- عن مقداد بن عمرو الكندي أنّه قال الرسول الله(ص): «أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار فاقتتلنا، فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت الله، أأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ فقال رسول الله(ص): لا تقتله، فقال: يا رسول الله، إنه قطع إحدى يدي، ثم قال ذلك بعد ما قطعها؟ فقال رسول الله(ص): لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال»[١٨٨].
- نقل البخاري بسنده عن عبد الله بن عمر عن الرسول(ص) قوله: «إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها، سفك الدم الحرام بغير حله»[١٨٩].
- نقل عبد الله بن عمرو عن رسول الله(ص) أنّه قال: «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم»[١٩٠].
- روى أبو هريرة عن رسول الله(ص) أنّه قال: «من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة لقي الله يوم القيامة مكتوب على جبهته آيس من رحمة الله»[١٩١].
- يقول أبو الدرداء: سمعت رسول الله(ص) يقول: «كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركا، أو مؤمن قتل مؤمنا متعمدا»[١٩٢].
وقد أسهبنا هنا بذكر الروايات عن طريق العامة على خلاف ما اتبعناه من منهجنا بالاكتفاء بالقليل من الآيات والروايات المؤيّدة إظهاراً بما عليه التكفيريون الخطأ والضلال في حكمهم بتكفير المسلمين وجواز قتلهم.
روايات الخاصّة
- نقل عن أمير المؤمنين(ع) أنّه قال: «نَهى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أَنْ يُلْقَى السَّمُ فِي بِلَادِ الْمُشْرِكِينَ»[١٩٣].
- و روي عن الإمام الصادق(ع) قوله: «كَانَ رَسُولُ اللهِ(ص) إِذَا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ سَرِيَّةً دَعَاهُمْ فَأَجْلَسَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ سِيرُوا بِسْمِ اللهِ وَ بِاللهِ وَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَ عَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ لَا تَغُلُّوا وَ لَا تُمَثِّلُوا وَ لَا تَغْدِرُوا وَ لَا تَقْتُلُوا شَيْخاً فَانِياً وَ لَا صَبِيّاً وَ لَا امْرَأَةً وَ لَا تَقْطَعُوا شَجَراً إِلَّا أَنْ تُضْطَرُّوا إِلَيْهَا»[١٩٤].
- نقل عن أبي الصباح الكناني قال: «قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ: إِنَّ لَنَا جَاراً مِنْ هَمْدَانَ يُقَالُ لَهُ الْجَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ يَسُبُّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع) أَ فَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَقْتُلَهُ قَالَ إِنَّ الْإِسْلَامَ قَيْدُ الْفَتْكِ وَ لَكِنْ دَعْهُ فَسَتُكْفَى بِغَيْرِكَ...»[١٩٥].
- قال أبو العباس: «قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ(ع): مَا لِلرَّجُلِ يُعَاقِبُ بِهِ مَمْلُوكَهُ فَقَالَ عَلَى قَدْرِ ذَنْبِهِ قَالَ فَقُلْتُ فَقَدْ عَاقَبْتَ حَرِيزاً بِأَعْظَمَ مِنْ جُرْمِهِ فَقَالَ وَيْلَكَ هُوَ مَمْلُوكٌ لِي وَ إِنَّ حَرِيزاً شَهَرَ السَّيْفَ وَ لَيْسَ مِنِّي مَنْ شَهَرَ السَّيْفَ»[١٩٦].
وقد ذكر الكشّي هذه الرواية بصورة أخرى في ترجمة حذيفة بن منصور بسنده عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: «سَأَلَ أَبُو الْعَبَّاسِ فَضْلٌ الْبَقْبَاقُ لِحَرِيزٍ الْإِذْنَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ(ع) فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ، فَعَاوَدَهُ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ، فَقَالَ أَيَّ شَيْءٍ لِلرَّجُلِ أَنْ يَبْلُغَ مِنْ عُقُوبَةِ غُلَامِهِ قَالَ، قَالَ: عَلَى قَدْرِ ذُنُوبِهِ، فَقَالَ قَدْ عَاقَبْتَ وَ اللهِ حَرِيزاً بِأَعْظَمَ مِمَّا صَنَعَ، قَالَ، وَيْحَكَ إِنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ أَنَّ حَرِيزاً جَرَّدَ السَّيْفَ»[١٩٧].
وقال النجاشي في ترجمة حريز بن عبد الله السجستاني: «من أهل الكوفة، أكثر السفر والتجارة إلى سجستان فعرف بها... وكان ممن شهر السيف في قتال الخوارج بسجستان في حياة أبي عبد الله(ع)، وروي أنّه جفاه وحجبه عنه»[١٩٨].[١٩٩]
الفرق بين المؤمن والمسلم
قال الشيخ المفيد: «وَ تَلَاقَتِ الرُّسُلُ كُلُّهَا عِنْدَهُ فَقَرَأَ الْكُتُبَ وَ سَأَلَ الرُّسُلَ عَنِ النَّاسِ ثُمَّ كَتَبَ مَعَ هَانِئِ بْنِ هَانِئٍ وَ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وَ كَانَا آخِرَ الرُّسُل: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) مِنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ إِلَى الْمَلَإِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُؤْمِنِينَ. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ هَانِئاً وَ سَعِيداً قَدِمَا عَلَيَّ بِكُتُبِكُمْ وَ كَانَا آخِرَ مَنْ قَدِمَ عَلَيَّ مِنْ رُسُلِكُمْ وَ قَدْ فَهِمْتُ كُلَّ الَّذِي اقْتَصَصْتُمْ وَ ذَكَرْتُمْ وَ مَقَالَةُ جُلِّكُمْ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْنَا إِمَامٌ فَأَقْبِلْ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَجْمَعَنَا بِكَ عَلَى الْهُدَى وَ الْحَقِّ وَ إِنِّي بَاعِثٌ إِلَيْكُمْ أَخِي وَ ابْنَ عَمِّي وَ ثِقَتِي مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فَإِنْ كَتَبَ إِلَيَّ أَنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ رَأْيُ مَلَئِكُمْ وَ ذَوِي الْحِجَا وَ الْفَضْلِ مِنْكُمْ عَلَى مِثْلِ مَا قَدِمَتْ بِهِ رُسُلُكُمْ وَ قَرَأْتُ فِي كُتُبِكُمْ أَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَشِيكاً إِنْ شَاءَ اللهِ فَلَعَمْرِي مَا الْإِمَامُ إِلَّا الْحَاكِمُ بِالْكِتَابِ الْقَائِمُ بِالْقِسْطِ الدَّائِنُ بِدِينِ الْحَقِّ الْحَابِسُ نَفْسَهُ عَلَى ذَاتِ اللهِ وَ السَّلَامُ»[٢٠٠].
فمن خلال استفتاح الرسالة ب «المؤمنين والمسلمين» يتبيّن لنا أنّ هناك فرقاً بين المؤمن والمسلم، والإيمان والإسلام.
يقول عزّت آلاؤه: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾[٢٠١].
وقال سماعة: «قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ(ع) أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ وَ الْإِيمَانِ أَ هُمَا مُخْتَلِفَانِ فَقَالَ إِنَّ الْإِيمَانَ يُشَارِكُ الْإِسْلَامَ وَ الْإِسْلَامَ لَا يُشَارِكُ الْإِيمَانَ فَقُلْتُ فَصِفْهُمَا لِي فَقَالَ- الْإِسْلَامُ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَ التَّصْدِيقُ بِرَسُولِ اللهِ(ص) بِهِ حُقِنَتِ الدِّمَاءُ وَ عَلَيْهِ جَرَتِ الْمَنَاكِحُ وَ الْمَوَارِيثُ وَ عَلَى ظَاهِرِهِ جَمَاعَةُ النَّاسِ وَ الْإِيمَانُ الْهُدَى وَ مَا يَثْبُتُ فِي الْقُلُوبِ مِنْ صِفَةِ الْإِسْلَامِ وَ مَا ظَهَرَ مِنَ الْعَمَلِ بِهِ وَ الْإِيمَانُ أَرْفَعُ مِنَ الْإِسْلَامِ بِدَرَجَةٍ إِنَّ الْإِيمَانَ يُشَارِكُ الْإِسْلَامَ فِي الظَّاهِرِ وَ الْإِسْلَامَ لَا يُشَارِكُ الْإِيمَانَ فِي الْبَاطِنِ وَ إِنِ اجْتَمَعَا فِي الْقَوْلِ وَ الصِّفَةِ»[٢٠٢].
وأيضاً قال الإمام الصادق(ع): «إِنَّ الْإِيمَانَ يُشَارِكُ الْإِسْلَامَ وَ لَا يُشَارِكُهُ الْإِسْلَامُ إِنَّ الْإِيمَانَ مَا وَقَرَ فِي الْقُلُوبِ وَ الْإِسْلَامَ مَا عَلَيْهِ الْمَنَاكِحُ وَ الْمَوَارِيثُ وَ حَقْنُ الدِّمَاءِ وَ الْإِيمَانَ يَشْرَكُ الْإِسْلَامَ وَ الْإِسْلَامَ لَا يَشْرَكُ الْإِيمَانَ»[٢٠٣].
وتوضيحاً الحقيقة الإسلام قال الشهيد الثاني: «قيل: هو والإيمان واحد، وقيل: بتغايرهما، والظاهر أنهم أرادوا الوحدة بحسب الصدق لا في المفهوم».
ويظهر من كلام جماعة من الأصوليين أنّهما متحدان بحسب المفهوم أيضاً حيث قالوا: إنّ الإسلام هو الانقياد والخضوع لألوهية الباري تعالى، والإذعان بأوامره ونواهيه، وذلك حقيقة التصديق الذي هو الإيمان على ما تقدّم.
وأما القائلون بالتغاير صدقاً ومفهوماً، فإنّهم أرادوا أنّ الإسلام أعم من الإيمان مطلقاً.
وقد أشرنا فيما تقدّم في أوائل المقدمة الأولى أنّ المحقق نصير الدين الطوسي نقل في قواعد العقائد أنّ الإسلام أعم في الحكم من الإيمان، لكنه في الحقيقة هو الإيمان، وهذه عبارته رحمه الله: قالوا: إن الإسلام أعم في الحكم من الإيمان؛ لأنّ من أقر بالشهادتين كان حكمه حكم المسلمين، لقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾[٢٠٤].[٢٠٥].[٢٠٦]
خصائص الإسلام
إنّ إلقاء نظرة على الأحاديث المروية عن سيّد الشهداء(ع) يضعنا أمام مجموعة من الخصائص التي امتاز بها الإسلام، مثل:
المنّة على معتنقيه
نقل عن الإمام الحسين(ع) أنّه خطب بأصحابه قبل شهادته مبيناً الحال في عصر الظهور: «... وَ أَعْرِضُ عَلَى الْيَهُودِ وَ النَّصَارَى وَ سَائِرِ الْمِلَلِ وَ لَأُخَيِّرَنَّهُمْ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَ السَّيْفِ فَمَنْ أَسْلَمَ مَنَنْتُ عَلَيْهِ وَ مَنْ كَرِهَ الْإِسْلَامَ أَهْرَقَ اللهُ دَمَهُ»[٢٠٧].
إذ يتبيّن من كلامه(ع) أنّ من يقبل الإسلام يومئذ يكون له(ع) المنّة عليه لا العكس، وعلى الرغم من أنّ معنى المنّة في الحديث هو العفو بقرينة المقابلة مع إهراق الدم إلا أن ذلك لا يخرج الكلمة عن معناها اللغوي وهو النعمة باعتبار أنّ العفو أحد مصاديقها.
يقول عزوجل: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾[٢٠٨].
وتنبيهاً إلى ذلك يقول الإمام علي(ع): «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيَ بِالْإِسْلَامِ وَ عَلَّمَنِي الْقُرْآنَ»[٢٠٩].
الإسلام دين التبرّي
نقل الطبري بسنده عن عُقبة بن سَمعان قال: «لما خرج الحسين من مكة، اعترضه رسل عمرو بن سعيد بن العاص، عليهم يحيى بن سعيد، فقالوا له: انصرف، أين تذهب؟ فأبى عليهم ومضى، وتدافع الفريقان فاضطربوا بالسياط، ثم إن الحسين وأصحابه امتنعوا امتناعاً قوياً، ومضى الحسين(ع) على وجهه، فنادوه: يا حسين، ألا تتقي الله، تخرج من الجماعة وتفرق بين هذه الأمة؟! فتأول حسين قول الله عزوجل: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾[٢١٠][٢١١].
والمغزى من هذا الاستشهاد بالآية هو الإشارة إلى أنّ الإسلام كما أنّه دين التولي هو كذلك دين التبرّي أيضاً.
حيث يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾[٢١٢].
وقال رسول الله(ص): «أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ الْحُبُّ فِي اللهِ وَ الْبُغْضُ فِي اللهِ وَ تَوَالِي أَوْلِيَاءِ اللهِ وَ التَّبَرِّي مِنْ أَعْدَاءِ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ»[٢١٣].
أحقيّة الإسلام
ذكر ابن أعثم في فتوحه: وصية الحسين ملت لأخيه محمد واسه: «إنَّ الحُسَينَ بنَ عَلِيٍّ يَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّااللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَأنَّ مُحَمَّداً عَبدُهُ ورَسولُهُ، جاءَ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِه...»[٢١٤].
فمن جملة «جاءَ بِالْحَقِّ» يفهم أنّ الإسلام هو الدين الحق، حيث يقول عزّت آلاؤه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ﴾[٢١٥].
ويقول أيضاً: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾[٢١٦].
يقول الإمام علي(ع): «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَعَ الْإِسْلَامَ فَسَهَّلَ شَرَائِعَهُ لِمَنْ وَرَدَهُ وَ أَعَزَّ أَرْكَانَهُ عَلَى مَنْ غَالَبَهُ فَجَعَلَهُ أَمْناً لِمَنْ عَلِقَهُ وَ سِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ وَ بُرْهَاناً لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ وَ شَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ عَنْهُ وَ نُوراً لِمَنِ اسْتَضَاءَ بِهِ وَ فَهْماً لِمَنْ عَقَلَ وَ لُبّاً لِمَنْ تَدَبَّرَ وَ آيَةً لِمَنْ تَوَسَّمَ وَ تَبْصِرَةً لِمَنْ عَزَمَ وَ عِبْرَةً لِمَنِ اتَّعَظَ وَ نَجَاةً لِمَنْ صَدَّقَ وَ ثِقَةً لِمَنْ تَوَكَّلَ وَ رَاحَةً لِمَنْ فَوَّضَ وَ جُنَّةً لِمَنْ صَبَرَ فَهُوَ أَبْلَجُ الْمَنَاهِجِ وَ أَوْضَحُ الْوَلَائِجِ مُشْرِفُ الْمَنَارِ مُشْرِقُ الْجَوَادِّ مُضِيءُ الْمَصَابِيحِ كَرِيمُ الْمِضْمَارِ رَفِيعُ الْغَايَةِ جَامِعُ الْحَلْبَةِ مُتَنَافِسُ السُّبْقَةِ شَرِيفُ الْفُرْسَانِ»[٢١٧].
مخالفة الإسلام للرذيلة
قال: نقل ابن سعد بسنده عن مسور قال: أن معاوية كتب إلى مروان: زوج يزيد من ابنة عبد الله بن جعفر، واقض عنه دينه خمسين ألف دينار وصله بعشرة آلاف دينار. فقال عبد الله بن جعفر: ما أقطع أمرا دون الحسين. فشاوره فقال: اجعل أمرها إلي ففعل. واجتمعوا فقال مروان: إن أمير المؤمنين أحب أن يزيد القرابة لطفا، والحق عظماً، وأن يتلافى صلاح هذين الحيين بالصهر، وقد كان من أبي جعفر في إجابة أمير المؤمنين ما حسن فيه رأيه وولي أمرها خالها، وليس عند حسين خلاف على أمير المؤمنين.
فتكلم حسين وقال: إن الله رفع بالإسلام الخسيسة وأتم الناقصة، وأذهب اللوم، فلا لوم على مسلم، وإن القرابة التي عظم الله حقها قرابتنا وقد زوجت هذه الجارية من هو أقرب نسبا وألطف سببا القاسم بن محمد بن جعفر. فقال مروان: أغدرا يا بني هاشم؟ وقال لعبد الله بن جعفر: يا بن جعفر، ما هذه آيادي أمير المؤمنين عندك! قال: قد أعلمتك أني لا أقطع أمراً فيها دون خالها. فقال حسين: نشدتكم الله أتعلمون أنّ الحسن خطب عائشة بنت عثمان فولوك أمرها فلما صرنا في مثل هذا المجلس قلت: قد بدا لي أن أزوجها عبد الله بن الزبير؟ هل كان هذا يا أبا عبد الرحمن؟ - يعني المسور بن مخرمة - فقال: اللهم نعم. فقال مروان: إنما ألوم عبد الله، فأما حسين فوغر الصدر. فقال مسور: لا تحمل على القوم، فالذي صنعوا أوصل، وصلوا رحماً ووضعوا كريمتهم حيث أحبوا»[٢١٨].
بما أنّ «الخسيسة» تعني الضعة والدناءة يكون مراد الإمام(ع) هنا أن يشدّ الانتباه إلى مخالفة الإسلام لمثل هذه الأمور.
ويعضده قول رسول الله(ص) لجويبر: «إِنَّ اللهَ قَدْ وَضَعَ بِالْإِسْلَامِ مَنْ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ شَرِيفاً وَ شَرَّفَ بِالْإِسْلَامِ مَنْ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَضِيعاً وَ أَعَزَّ بِالْإِسْلَامِ مَنْ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ذَلِيلاً وَ أَذْهَبَ بِالْإِسْلَامِ مَا كَانَ مِنْ نَخْوَةِ الْجَاهِلِيَّةِ وَ تَفَاخُرِهَا بِعَشَائِرِهَا وَ بَاسِقِ أَنْسَابِهَا»[٢١٩].
معارضة الإسلام للوم الفرد بعد إسلامه
ما يمكن لحاظه من جملة «و أذهب اللوم» في الحديث المتقدم للإمام الحسين(ع) أن الفاعل هو الله تبارك وتعالى، ومنه يفهم أنّ الإسلام رفع اللوم والعتاب عمّن اعتنق الإسلام على ما بدر منه سابقاً أيام كفره، وعليه فلا يصح تأنيب كافر بعد إسلامه على تصرفاته قبل إسلامه.
يقول تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾[٢٢٠].
وروي عن رسول الله(ص) قوله: «مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَ مَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَ الْآخِرِ»[٢٢١].
إتمام الإسلام للنقائص
يقودنا التأمّل في قوله(ع): «... وأتم الناقصة» إلى قناعة مفادها أنّ الإسلام قد أكمل نقائص الأفراد.
فيقول الإمام علي(ع): «ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْإِسْلَامَ دِينُ اللهِ الَّذِي اصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ وَ اصْطَنَعَهُ عَلَى عَيْنِهِ وَ أَصْفَاهُ خِيَرَةَ خَلْقِهِ وَ أَقَامَ دَعَائِمَهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ أَذَلَّ الْأَدْيَانَ بِعِزَّتِهِ وَ وَضَعَ الْمِلَلَ بِرَفْعِهِ وَ أَهَانَ أَعْدَاءَهُ بِكَرَامَتِهِ وَ خَذَلَ مُحَادِّيهِ بِنَصْرِهِ وَ هَدَمَ أَرْكَانَ الضَّلَالَةِ بِرُكْنِهِ وَ سَقَى مَنْ عَطِشَ مِنْ حِيَاضِهِ وَ أَتْأَقَ الْحِيَاضَ بِمَوَاتِحِهِ. ثُمَّ جَعَلَهُ لَا انْفِصَامَ لِعُرْوَتِهِ وَ لَا فَكَّ لِحَلْقَتِهِ وَ لَا انْهِدَامَ لِأَسَاسِهِ وَ لَا زَوَالَ لِدَعَائِمِهِ وَ لَا انْقِلَاعَ لِشَجَرَتِهِ وَ لَا انْقِطَاعَ لِمُدَّتِهِ وَ لَا عَفَاءَ لِشَرَائِعِهِ وَ لَا جَذَّ لِفُرُوعِهِ وَ لَا ضَنْكَ لِطُرُقِهِ وَ لَا وُعُوثَةَ لِسُهُولَتِهِ وَ لَا سَوَادَ لِوَضَحِهِ وَ لَا عِوَجَ لِانْتِصَابِهِ وَ لَا عَصَلَ فِي عُودِهِ وَ لَا وَعَثَ لِفَجِّهِ وَ لَا انْطِفَاءَ لِمَصَابِيحِهِ وَ لَا مَرَارَةَ لِحَلَاوَتِهِ. فَهُوَ دَعَائِمُ أَسَاخَ فِي الْحَقِّ أَسْنَاخَهَا وَ ثَبَّتَ لَهَا آسَاسَهَا وَ يَنَابِيعُ غَزُرَتْ عُيُونُهَا وَ مَصَابِيحُ شَبَّتْ نِيرَانُهَا وَ مَنَارٌ اقْتَدَى بِهَا سُفَّارُهَا وَ أَعْلَامٌ قُصِدَ بِهَا فِجَاجُهَا وَ مَنَاهِلُ رَوِيَ بِهَا وُرَّادُهَا.جَعَلَ اللهُ فِيهِ مُنْتَهَى رِضْوَانِهِ وَ ذِرْوَةَ دَعَائِمِهِ وَ سَنَامَ طَاعَتِهِ فَهُوَ عِنْدَ اللهِ وَثِيقُ الْأَرْكَانِ رَفِيعُ الْبُنْيَانِ مُنِيرُ الْبُرْهَانِ مُضِيءُ النِّيرَانِ عَزِيزُ السُّلْطَانِ مُشْرِفُ الْمَنَارِ مُعْوِذُ الْمَثَارِ فَشَرِّفُوهُ وَ اتَّبِعُوهُ وَ أَدُّوا إِلَيْهِ حَقَّهُ وَ ضَعُوهُ مَوَاضِعَهُ»[٢٢٢].
رفع النقيصة عن أهل البيت(ع) بالإسلام
قال القيرواني: وكان لعاوية بن أبي سفيان عين بالمدينة يكتب إليه بما يكون من أمور الناس وقريش، فكتب إليه: إن الحسين بن علي أعتق جارية له وتزوجها، فكتب معاوية إلى الحسين: من أمير المؤمنين معاوية إلى الحسين بن علي، أما بعد، فإنه بلغني أنك تزوجت جاريتك، وتركت أكفاءك من قريش، ممن تستنجبه للولد، وتمجد به في الصهر، فلا لنفسك نظرة، ولا لولدك انتقيت.
فكتب إليه الحسين بن على: أما بعد، فقد بلغني كتابك، وتعييرك إياي بأني تزوجت مولاتي، وتركت أكفائي من قريش، فليس فوق رسول الله منتهى في شرف، ولا غاية في نسب، وإنما كانت ملك يميني، خرجت عن يدي بأمر التمست فيه ثواب الله تعالى، ثم ارتجعتها على سنة نبيه(ص)، وقد رفع الله بالإسلام الخسيسة، ووضع عنا به النقيصة، فلا لوم على امرئ مسلم إلا في أمر مأثم، وإنما اللوم لوم الجاهلية»[٢٢٣].
يبدو من جملة «و وضع عنا به النقيصة» وعطفها على ما قبلها أنّ الإمام أراد الإشارة إلى رفع النقيصة عن أهل البيت(ع) بالإسلام، مثلما رفع به الخسة والوضاعة عن العباد.
يقول الإمام علي(ع): «وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا مِنَ الضَّلَالَةِ وَ بَصَّرَنَا مِنَ الْعَمَى وَ مَنَّ عَلَيْنَا بِالْإِسْلَامِ»[٢٢٤].
وروي عن الإمام الباقر(ع) أنّه قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا بِالْإِسْلَامِ وَ عَلَّمَنَا الْقُرْآنَ وَ مَنَّ عَلَيْنَا بِمُحَمَّدٍ(ص)»[٢٢٥].[٢٢٦]
المسلمون المضاهئون للكفار
نقل ابن شعبة الحراني في «تحف العقول» عن الإمام الحسين(ع) قوله: «أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا هَؤُلَاءِ الْمَارِقَةَ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ اللهَ بِأَنْفُسِهِمْ، يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، بَلْ هُوَ اللهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ- لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ»[٢٢٧].
ما يستشف من هذا الكلام أنّ بعض المسلمين رغم ادّعائهم الإسلام وانتمائهم لزمرة المسلمين إلا أنّ كلامهم وأقوالهم في الواقع تضاهي أقوال الكفار، كما قال تعالى بشأن اليهود والنصارى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾[٢٢٨].
وقال القاضي سعيد القمي في شرحه الحديث الإمام الحسين(ع): «و زيادة قوله (من أهل الكتاب) منه(ع)، أي المشبّهون مع تخالف أصنافهم في تشبيه الله بأنفسهم يشبّهون أهل الكتاب من اليهود والنصارى في إثباتهم الابن الله سبحانه، وذلك لأنّ من شبّه الله بخلقه في أمر من الأمور - أيّ أمر كان من ذات أو صفة أو فعل - مع القول بالسببيّة فقد لزم منه القول بالأبوة والبنوّة لا محالة، ولا ينفعه عدم التصريح بذلك أو عدم اعتقاد ذلك، فإنّ اللوازم العقليّة لا تنفكّ عن ملزوماتها ويصير في الآخرة عليه وبالاً ويكون نصب عينه يوم الجزاء، ويقال لهم: أين شركاؤكم الذين كنتم تشاقّون فيهم وتجادلون أهل الحقّ عليهم»[٢٢٩].
وحول ذلك يقول الإمام علي(ع): «وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ صِرْتُمْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ أَعْرَاباً وَ بَعْدَ الْمُوَالاةِ أَحْزَاباً مَا تَتَعَلَّقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَّا بِاسْمِهِ وَ لَا تَعْرِفُونَ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَّا رَسْمَهُ تَقُولُونَ النَّارَ وَ لَا الْعَارَ كَأَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُكْفِئُوا الْإِسْلَامَ عَلَى وَجْهِهِ انْتِهَاكاً لِحَرِيمِهِ وَ نَقْضاً لِمِيثَاقِهِ الَّذِي وَضَعَهُ اللهُ لَكُمْ حَرَماً فِي أَرْضِهِ وَ أَمْناً بَيْنَ خَلْقِهِ وَ إِنَّكُمْ إِنْ لَجَأْتُمْ إِلَى غَيْرِهِ حَارَبَكُمْ أَهْلُ الْكُفْرِ ثُمَّ لَا [جَبْرَائِيلَ] جَبْرَائِيلُ وَ لَا [مِيكَائِيلَ وَ لَا مُهَاجِرِينَ وَ لَا أَنْصَارَ] مِيكَائِيلُ وَ لَا مُهَاجِرُونَ وَ لَا أَنْصَارٌ يَنْصُرُونَكُمْ إِلَّا الْمُقَارَعَةَ بِالسَّيْفِ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَكُمْ»[٢٣٠].[٢٣١]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ ابن فارس، أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج٣، ص٩٠.
- ↑ الراغب الإصفهاني، الحسين بن محمد، مفردات ألفاظ القرآن، ص٤٣٢.
- ↑ المصطفوي، حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج٥، ص٢٢٨-٢٢٩.
- ↑ المصطفوي، حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج٥، ص٢٣٢.
- ↑ علي اصغر الرضواني، الموسوعة العلمية من كلمات الإمام الحسين، ج٣، ص ١٧-١٨.
- ↑ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج٢، ص٢٤، حديث ٤.
- ↑ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج٢، ص٢٥، حديث ١.
- ↑ الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ج١، ص٢٨٣.
- ↑ الفخر الرازي، محمد بن عمر، معالم أصول الدين، ص١٤٧.
- ↑ ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، مجموع الفتاوى، ج٧، ص٦.
- ↑ علي اصغر الرضواني، الموسوعة العلمية من كلمات الإمام الحسين، ج٣، ص ١٨-١٩.
- ↑ ابن أعثم الكوفي، أحمد، الفتوح، ج٥، ص٢١.
- ↑ القشيري النيسابوري، مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، ج١، ص٥٢، حديث ٢١.
- ↑ القشيري النيسابوري، مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، ج١، ص٥٣، حديث ٢٣.
- ↑ القشيري النيسابوري، مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، ج١، ص٩٦، حديث ٩٦.
- ↑ نهج البلاغة، خطبة ٢.
- ↑ ابن أعثم الكوفي، أحمد، الفتوح، ج٥، ص٢١.
- ↑ نهج البلاغة، خطبة ٢.
- ↑ البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، ج١، ص١٤، حديث ٢٥.
- ↑ الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج، ج١، ص٢٥٤.
- ↑ الهلالي، سليم بن قيس كتاب سليم بن قيس الهلالي، ج٢، ص٧٩١.
- ↑ التفتازاني، مسعود بن عمر، شرح المقاصد، ج٥، ص٢٣٢.
- ↑ الجرجاني، علي بن محمد شرح المواقف، ج٨، ص٣٤٤.
- ↑ المظفر، محمد حسن، دلائل الصدق لنهج الحق، ج٤، ص٢٠٨.
- ↑ سورة المائدة: ٣.
- ↑ المظفر، محمد رضا، عقائد الإمامية، ص٦٥-٦٦.
- ↑ اللاهيجي، عبد الرزاق بن علي، گوهر مراد (جوهر المراد)، ص٤٦٧-٤٦٨.
- ↑ سورة المائدة: ٦٧.
- ↑ سورة المائدة: ٣.
- ↑ التفتازاني، مسعود بن عمر، شرح المقاصد، ج٥، ص٢٣٩.
- ↑ الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله، المستدرك على الصحيحين، ج٢، ص٣٧٣، حديث ٣٣١٢.
- ↑ البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، ج٨، ص١٢٠، حديث ٦٥٨٥.
- ↑ سورة البقرة: ١٢٤.
- ↑ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج١، ص١٩٨ - ٢٠١، حديث ١.
- ↑ ابن أعثم الكوفي، أحمد، الفتوح، ج٥، ص٢١.
- ↑ ابن المشهدي، محمد بن جعفر، المزار الكبير، ص٥٧٠-٥٧١.
- ↑ أخطب خوارزم، الموفق بن أحمد، مقتل الحسين(ع)، ج٢، ص٣٩.
- ↑ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج٢، ص٥٥٩، حديث ١٠.
- ↑ الكفعمي، إبراهيم بن علي البلد الأمين، ص٢٥٢.
- ↑ سورة النحل: ١٨.
- ↑ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج٨، ص٣٩٤، حديث ٥٩٢.
- ↑ علي اصغر الرضواني، الموسوعة العلمية من كلمات الإمام الحسين، ج٣، ص ٢١-٣٥.
- ↑ ابن طاووس، علي بن موسى، مهج الدعوات ومنهج العبادات، ص١٥٠.
- ↑ ابن المشهدي، محمد بن جعفر، المزار الكبير، ص٦٥٩.
- ↑ الكفعمي، إبراهيم بن علي، البلد الأمين، ص٢٥٢.
- ↑ الغزنوي الحنفي، أحمد بن محمد بن سعيد، كتاب اصول الدين، ص٢٥١-٢٥٢.
- ↑ الكاساني الحنفي، أبو بكر بن مسعود، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج٧، ص١٣٤.
- ↑ الجرجاني، علي بن محمد، شرح المواقف، ج٨، ص٣٢٥.
- ↑ البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، ج١، ص٨٧، حديث ٣٩٢.
- ↑ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج٢، ص٢٤، حديث ٢.
- ↑ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج٢، ص٢٥، حديث ١.
- ↑ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج٢، ص٢٦، حديث ٥.
- ↑ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج٢، ص٣٨، حديث ٤.
- ↑ علي اصغر الرضواني، الموسوعة العلمية من كلمات الإمام الحسين، ج٣، ص ٣٧-٤٠.
- ↑ ابن طاووس، علي بن موسى، إقبال الأعمال، ج١، ص٣٣٩.
- ↑ سورة الشورى: ١٣.
- ↑ نهج البلاغة، خطبة ١٢٠.
- ↑ سورة آل عمران: ١٩.
- ↑ سورة آل عمران: ٨٥.
- ↑ سورة المائدة: ٤٨.
- ↑ سورة الجاثية: ١٨.
- ↑ سورة الشورى: ١٣.
- ↑ سورة الشورى: ١٣.
- ↑ سورة المائدة: ٤٨.
- ↑ سورة البقرة: ١٣٥.
- ↑ سورة يوسف: ٣٧-٣٨.
- ↑ سورة إبراهيم: ١٣.
- ↑ الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ج٥، ص٣٥٠-٣٥٢.
- ↑ ابن طاووس، علي بن موسى، إقبال الأعمال، ج١، ص٣٣٩.
- ↑ نهج البلاغة، خطبة ١٠٦.
- ↑ علي اصغر الرضواني، الموسوعة العلمية من كلمات الإمام الحسين، ج٣، ص ٤١-٤٥.
- ↑ ابن شعبة، الحسن بن علي، تحف العقول عن آل الرسول (صلى الله عليهم)، ص٢٤٥.
- ↑ سورة آل عمران: ١٩.
- ↑ سورة الأنعام: ٧٠.
- ↑ نهج البلاغة، خطبة ١١٣.
- ↑ علي اصغر الرضواني، الموسوعة العلمية من كلمات الإمام الحسين، ج٣، ص ٤٧-٤٨.
- ↑ الكفعمي، إبراهيم بن علي، البلد الأمين، ص٢٥٧.
- ↑ سورة آل عمران: ١٦٤.
- ↑ سورة الأنبياء: ١٠٧.
- ↑ ابن حيون، النعمان بن محمد، شرح الأخبار في فضائل الأئمّة الأطهار، ج٣، ص٣٥.
- ↑ الكليني، محمد بن يعقوب الكافي، ج٤، ص٥٥١، حديث ١.
- ↑ سورة الحجرات: ١٧.
- ↑ سورة النساء: ٥٩.
- ↑ سورة النساء: ٨٣.
- ↑ الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج، ج٢، ص٢٩٩.
- ↑ سورة آل عمران: ١١٠.
- ↑ سورة البقرة: ١٤٣.
- ↑ نهج البلاغة، خطبة ١٥٢.
- ↑ نهج البلاغة، خطبة ١٦١.
- ↑ سورة النحل: ٩٨.
- ↑ سورة فصلت: ٣٦.
- ↑ سورة المؤمنون: ٩٧.
- ↑ علي اصغر الرضواني، الموسوعة العلمية من كلمات الإمام الحسين، ج٣، ص ٤٩-٥٢.
- ↑ ابن بابويه، محمد بن علي، الأمالي، ص٢٢٢-٢٢٣.
- ↑ نهج البلاغة، خطبة ١٩٢.
- ↑ الهيثمي، علي بن أبي بكر، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، ج٩، ص٢٢٠، حديث ١٥٢٥٨.
- ↑ الجمل، إبراهيم محمد حسن، أمّ المؤمنين خديجة بنت خويلد، ص١٤١.
- ↑ الجمل، إبراهيم محمد حسن، أمّ المؤمنين خديجة بنت خويلد، ص٢٣١.
- ↑ شلبي، محمود، حياة فاطمة(س)، ص٨٧.
- ↑ علي اصغر الرضواني، الموسوعة العلمية من كلمات الإمام الحسين، ج٣، ص ٥٣-٥٥.
- ↑ الكفعمي، إبراهيم بن علي، البلد الأمين، ص٢٥٤.
- ↑ نهج البلاغة، رسالة ٦٢.
- ↑ سورة الزخرف: ١٣.
- ↑ الطبراني، سليمان بن أحمد، الدعاء، ص٢٤٦-٢٤٧، حديث ٧٧٥.
- ↑ سورة الحجرات: ١٧.
- ↑ سورة الأعراف: ٤٣.
- ↑ الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير، ج٣، ص١٢٨، حديث ٢٨٨٩.
- ↑ المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، ج٢، ص١٤١.
- ↑ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج٢، ص١٢٧، حديث ١٦.
- ↑ ابن شعبة، الحسن بن علي، تحف العقول عن آل الرسول (صلى الله عليهم)، ص٢٤١.
- ↑ الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٤٠٣.
- ↑ سورة فصلت: ٣٠.
- ↑ سورة الأحقاف: ١٣.
- ↑ سورة الجن: ١٦.
- ↑ سورة هود: ١١٢.
- ↑ سورة الشورى: ١٥.
- ↑ نهج البلاغة، خطبة ١٧٦.
- ↑ ابن شعبة، الحسن بن علي، تحف العقول عن آل الرسول (صلى الله عليهم)، ص٢٤٤.
- ↑ سورة آل عمران: ١٤٩.
- ↑ ابن أبي جمهور، محمد بن زين الدين، عوالي اللآلي العزيزية في الأحاديث الدينية، ج١، ص١٦٥، حديث ١٧٠.
- ↑ ابن بابويه، محمد بن علي، علل الشرائع، ج٢، ص٣٤٨، حديث ٦.
- ↑ ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب(ع)، ج٤، ص٦٠.
- ↑ سورة فصلت: ٣٣.
- ↑ القندوزي، سليمان بن إبراهيم، ينابيع المودة لذوي القربى، ج٣، ص٨٠.
- ↑ البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، ج١، ص٨٧، حديث ٣٩٢.
- ↑ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج٢، ص٢٥، حديث ١.
- ↑ الكفعمي، إبراهيم بن علي، البلد الأمين، ص٢٥٥.
- ↑ ابن طاووس، علي بن موسى، جمال الأسبوع بكمال العمل المشروع، ص٢٧٢.
- ↑ سورة النمل: ١٤.
- ↑ سورة الجاثية: ٢٣.
- ↑ الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ج١٨، ص١٥٨.
- ↑ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج٢، ص٥٤، حديث ٣.
- ↑ سورة الأنعام: ١٥٨.
- ↑ ابن شعبة، الحسن بن علي، تحف العقول عن آل الرسول (صلى الله عليهم)، ص٢٤٠.
- ↑ نهج البلاغة، خطبة ١٥٦.
- ↑ علي اصغر الرضواني، الموسوعة العلمية من كلمات الإمام الحسين، ج٣، ص ٥٧-٦٦.
- ↑ سورة الزخرف: ١٣.
- ↑ الطبراني، سليمان بن أحمد، الدعاء، ص٢٤٦-٢٤٧، حديث ٧٧٥.
- ↑ سورة آل عمران: ١١٠.
- ↑ المنصور بالله، عبد الله بن حمزة، الشافي، ج٣، ص٢٨٥.
- ↑ الهيثمي، علي بن أبي بكر، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، ج٧، ص٣٢٣، حديث ١٢٤٣٥.
- ↑ ابن الأثير، المبارك بن محمد، النهاية في غريب الحديث والأثر، ج٢، ص٢٩٨.
- ↑ الخزاز الرازي، علي بن محمد، كفاية الأثر في النص على الأئمة الاثني عشر، ص١٥٥.
- ↑ المفيد، محمد بن محمد، الأمالي، ص٢١٢ - ٢١٣، حديث ٣.
- ↑ الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج، ج٢، ص٢٩٧-٢٩٨.
- ↑ سورة الحج: ٢٥.
- ↑ علي اصغر الرضواني، الموسوعة العلمية من كلمات الإمام الحسين، ج٣، ص ٦٧-٧١.
- ↑ ابن سعد، محمد بن سعد، الطبقات الكبرى: الطبقة الخامسة من الصحابة، ج١، ص: ٤٠٤-٤٠٥، حديث ٣٧٨.
- ↑ ابن شعبة، الحسن بن علي، تحف العقول عن آل الرسول (صلى الله عليهم)، ص٢٤٥.
- ↑ نهج البلاغة، خطبه ١٠٩.
- ↑ ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف في قتلى الطفوف، ص١٨.
- ↑ سورة هود: ١١٣.
- ↑ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج٥، ص١٠٦، حديث ٤.
- ↑ علي اصغر الرضواني، الموسوعة العلمية من كلمات الإمام الحسين، ج٣، ص ٧٣-٧٥.
- ↑ ابن شعبة، الحسن بن علي، تحف العقول عن آل الرسول (صلى الله عليهم)، ص٢٤٧-٢٤٨.
- ↑ نهج البلاغة، رسالة ٢٥.
- ↑ النعماني، محمد بن إبراهيم، الغيبة، ص٢٠٥-٢٠٦، حديث ٩.
- ↑ نهج البلاغة، خطبة ١٦٧.
- ↑ علي اصغر الرضواني، الموسوعة العلمية من كلمات الإمام الحسين، ج٣، ص ٧٧-٧٨.
- ↑ القندوزي، سليمان بن إبراهيم، ينابيع المودة لذوي القربى، ج٣، ص٨٠.
- ↑ نهج البلاغة، خطبة ٨٧.
- ↑ جرداق، جورج، الإمام علي صوت العدالة الإنسانية، ص٨٠٦.
- ↑ علي اصغر الرضواني، الموسوعة العلمية من كلمات الإمام الحسين، ج٣، ص ٧٩-٨٠.
- ↑ اليعقوبي، أحمد بن إسحاق، تاريخ اليعقوبي، ج٢، ص٢٣١.
- ↑ سورة النساء: ٩٣.
- ↑ سورة المائدة: ٣٢.
- ↑ سورة النساء: ٢٩-٣٠.
- ↑ ابن حنبل، أحمد بن محمد، مسند الإمام أحمد بن حنبل، ج٣، ص٤٥، حديث ١٤٣٣.
- ↑ البيهقي، أحمد بن الحسين، السنن الكبرى، ج٣، ص٥١٢، حديث ٦٥٠٢.
- ↑ ابن حنبل، أحمد بن محمد، مسند الإمام أحمد بن حنبل، ج٣٢، ص٤٠٨-٤٠٩، حديث ١٩٦٣٦.
- ↑ أبو داوود السجستاني، سليمان بن الأشعث، سنن أبي داوود، ج٤، ص٩٧، حديث ٤٢٤٩.
- ↑ المناوي، محمد عبد الرؤوف بن تاج العارفين، فيض القدير شرح الجامع الصغير، ج٦، ص٣٦٧، حديث ٩٦٤٧.
- ↑ ابن حنبل، أحمد بن محمد، مسند الإمام أحمد بن حنبل، ج٣١، ص٤١٩، حديث ١٩٠٦٩.
- ↑ ابن حنبل، أحمد بن محمد، مسند الإمام أحمد بن حنبل، ج٦، ص٣٨٩، حديث ٣٨٣٨.
- ↑ النسائي، أحمد بن شعيب، سنن النسائي، ج٧، ص٨٣، حديث ٣٩٩١.
- ↑ القشيري النيسابوري، مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، ج، ٤، ص١٩٩٧، حديث ٢٥٨١.
- ↑ ابن حبان، محمد بن حبان بن أحمد، صحيح ابن حبان، ج١٣، ص٣١٨، حديث ٥٩٧٩.
- ↑ النسائي، أحمد بن شعيب، سنن النسائي، ج٧، ص٨٨، حديث ٤٠٠٩.
- ↑ ابن ماجة، محمد بن يزيد، سنن ابن ماجة، ج٢، ص٨٧٤، حديث ٢٦١٩.
- ↑ الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الأوسط، ج٩، ص٩٩، حديث ٩٢٤٢.
- ↑ ابن ماجة، محمد بن يزيد، سنن ابن ماجة، ج٢، ص١٣٠١، حديث ٣٩٤٥.
- ↑ القشيري النيسابوري، مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، ج، ٤، ص٢٠٢٠، حديث ٢٦١٧.
- ↑ سورة النساء: ٩٣.
- ↑ ابن حنبل، أحمد بن محمد، مسند الإمام أحمد بن حنبل، ج٤، ص٤٤، حديث ٢١٤٢.
- ↑ البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، ج١، ص١٥، حديث ٣١.
- ↑ القشيري النيسابوري، مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، ج١، ص٥٣، حديث ٢٣.
- ↑ ابن حنبل، أحمد بن محمد، مسند الإمام أحمد بن حنبل، ج٢٦، ص٨١، حديث ١٦١٦٠.
- ↑ البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، ج٥، ص٨٥، حديث ٤٠١٩.
- ↑ البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، ج٩، ص٢، حديث ٦٨٦٣.
- ↑ النسائي، أحمد بن شعيب، سنن النسائي، ج٧، ص٨٢، حديث ٣٩٨٧.
- ↑ البيهقي، أحمد بن الحسين، السنن الكبرى، ج٨، ص٤١، حديث ١٥٨٦٥.
- ↑ أبو داوود السجستاني، سليمان بن الأشعث، سنن أبي داوود، ج٤، ص١٠٣، حديث ٤٢٧٠.
- ↑ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج٥، ص٢٨، حديث ٢.
- ↑ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج٥، ص٢٧، حديث ١.
- ↑ ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب، ج٤، ص٢٣٩.
- ↑ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج٧، ص٣٧٠، حديث ٣.
- ↑ الطوسي، محمد بن الحسن، اختيار معرفة الرجال المعروف برجال الكشي، ص٣٣٦، حديث ٦١٥.
- ↑ النجاشي، أحمد بن علي، رجال النجاشي، ص١٤٤-١٤٥.
- ↑ علي اصغر الرضواني، الموسوعة العلمية من كلمات الإمام الحسين، ج٣، ص ٨١-٩١.
- ↑ المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، ج٢، ص٣٨-٣٩.
- ↑ سورة الحجرات: ١٤.
- ↑ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج٢، ص٢٥، حديث ١.
- ↑ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج٢، ص٢٦، حديث ٣.
- ↑ سورة الحجرات: ١٤.
- ↑ الشهيد الثاني، زين الدين بن علي، حقائق الإيمان مع رسالتي الاقتصاد والعدالة، ص١١٤- ١١٥.
- ↑ علي اصغر الرضواني، الموسوعة العلمية من كلمات الإمام الحسين، ج٣، ص ٩١-٩٣.
- ↑ القطب الراوندي، سعيد بن هبة الله، الخرائج والجرائح، ج٢، ص٨٤٨-٨٤٩، حديث ٦٣.
- ↑ سورة الحجرات: ١٧.
- ↑ ابن بابويه، محمد بن علي، الأمالي، ص١٥٧، حديث ١٥٠.
- ↑ سورة يونس: ٤١.
- ↑ الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٣٨٥.
- ↑ سورة يونس: ٤١.
- ↑ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج٢، ص١٢٥ - ١٢٦، حديث ٦.
- ↑ ابن أعثم الكوفي، أحمد، الفتوح، ج٥، ص٢١.
- ↑ سورة آل عمران: ١٩.
- ↑ سورة آل عمران: ٨٥.
- ↑ نهج البلاغة، خطبة ١٠٦.
- ↑ ابن سعد، محمد بن سعد، الطبقات الكبرى: الطبقة الخامسة من الصحابة، ج١، ص٤١٤ - ٤١٥.
- ↑ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج٥، ص٣٤٠، حديث ١.
- ↑ سورة الأنفال: ٣٨.
- ↑ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج٢، ص٤٦١، حديث ٢.
- ↑ نهج البلاغة، خطبة ١٩٨.
- ↑ الحصري القيرواني، إبراهيم بن علي، زهر الآداب وثمر الألباب، ج١، ص٦٩ - ٧٠.
- ↑ المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، ج١، ص٢٢٩.
- ↑ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج٨، ص٢٧٦، حديث ٤١٧.
- ↑ علي اصغر الرضواني، الموسوعة العلمية من كلمات الإمام الحسين، ج٣، ص ٩٥-١٠١.
- ↑ ابن شعبة، الحسن بن علي، تحف العقول عن آل الرسول (صلى الله عليهم)، ص٢٤٤.
- ↑ سورة التوبة: ٣٠.
- ↑ القاضي سعيد القمي، محمد سعيد بن محمد مفيد، شرح الأربعين، ص٣٩٦.
- ↑ نهج البلاغة، خطبة ١٩٢.
- ↑ علي اصغر الرضواني، الموسوعة العلمية من كلمات الإمام الحسين، ج٣، ص ١٠٣-١٠٤.