الإسلام في نهج البلاغة

من إمامةبيديا

تمهيد

قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ[١].

الحديث حول الإسلام كما تحدث عنه أمیر المؤمنین (ع) يقع في أربع نقاط هي:

  1. نسبة الإسلام وتعريفه.
  2. ضلال البشر وحيرتهم إذا اتبعوا أهواءهم.
  3. الله تعالى هو مصدر الدين، ودعامتا الدين هما الشهادتان.
  4. محاسن الدين ومقاصده.

والعلاقة بين هذه النقاط وثيقة، لأن ضلال البشر هو باتباع أهوائهم وكون الله تعالى ليس مصدر الدين الذي يأخذون به، أما إذا كان الله تعالى هو مصدر الدين ففي ذلك الهدى والنجاة.[٢]

أولاً: نسبة الإسلام وتعريفه

التعريف اللغوي

الإسلام بالمعنى اللغوي هو الاستسلام والانقياد والطاعة وتتمثل في الخضوع لهذا الدين العظيم.[٣]

التعريف الاصطلاحي

وفي الاصطلاح يقصد بالإسلام ما ينطبق على من شهد الشهادتين من أحكام ككونه طاهرًا تحل مناكحته وذبيحته وما إلى ذلك من أحكام، غیر أن المعنى الأعمق والأهم هو الإسلام الكامل الذي يرقى إلى عنوان الإيمان بمعنى أن يصل إلى مرتبة التطبيق العملي الكامل للإسلام في كل مناهجه التي تعود إلى الدين والدنيا وتتصل بالآخرة.[٤]

التعريف الكامل للإسلام

وقد نسب الإمام (ع) الإسلام نسبة بیّن أنه انفرد بها حيث عرَّف الإسلام التعريف الكامل، وذلك قوله (ع)[٥]:

«لأنسِبَنَّ الإسلامَ نِسْبةً لم ينسِبْها أحدٌ قبلي، الإسلامُ هو التسليم، والتسليمُ هو اليقین، واليقینُ هو التصديق، والتصديقُ هو الإقرار، والإقرارُ هو الأداء، والأداءُ هو العمل».

وهذه نسبةٌ خاصة وصلت كما بينَّا إلى مرتبةِ التطبيق العملي الكامل للإسلام، فقد شمل مسمى «مسلم» كلَّ من أظهر الشهادتين ولو كان منافقًا، فبظاهر الشهادتين تجري عليه أحكام الإسلام، وهذه هي النسبة العامة، أماالنسبة الخاصة فهي التي تصل إلى أعماق الإنسان فيكون بداية هذه النسبة (التسليم) كقاعدة أولية بالانقياد لله تعالى في كل ما أمر ونهى، ثم هذا التسليم لا يراد منه أن لا يتجاوز اللسان، بل يراد منه يقین يخالط القلب وينفذ في الأعماق، وإلا فهو لفظ وقشر لا لبَّ فيه، وإن كان هذا التلفظ يحقن دم الإنسان ويجري عليه حكم «المسلم»، ثم يترقَّى الإمام ليبیّن أن هذا اليقین لا بد وأن يعني التصديق لا سيما فيما لا يفقه الإنسان سره ولا يعرف حكمته، فيصدِّق مع هذا به لأنه تنزيل من عزيز حكيم، ثم إن هذا التصديق يرقى إلى مرحلة «الإقرار» والاعتراف، ثم إلى الالتزام و«الأداء» الذي هو وظيفة كبیرة جدًّا تتطلب «العمل» فيكون عمل الإنسان وشعوره وفكره كاشفًا لما في أعماقه من تصديق وإقرار.

إذن فقد أراد الإمام (ع) هذه النسبة الخاصة ولم يرد النسبة التي يتعامل بها الناس بالعنوان الأولي العام للإسلام.[٦]

ثانيًا: ضلال البشر وحيرتهم إذا اتبعوا أهواءهم

تحدث الإمام (ع) عن أن البشر حین يفقدون مرشدًا وهاديًا، ويفقدون نظامًا ودينًا، فإن كلًّ منهم يتخذ من نفسه إمامًا، ومن هواه قائدًا، وهذا يعني التخبط في دياجیر الضلال.

فقد قال (ع)[٧]:

«فيا عجبًا! وما لي لا أعجبُ من خطإِ هذه الفرقِ على اختلافِ حُجَجِها في دينِها! لا يقتَصُّونَ أَثَرَ نبيٍّ، ولا يقتدُون بعملِ وصيٍّ، ولا يؤمنونَ بغيب، ولا يعِفُّونَ عن عيب، يعملونَ في الشبهات، ويسیرونَ في الشهوات، المعروفُ فيهم ما عَرَفُوا، والمنكرُ عندهم ما أَنْكَرُوا».

نلاحظ أن الإمام (ع) يلتفت إلى الضلال والحیرة التي تحل بالبشر حينما يتبعون أهواءهم ويشیر إلى أن ذلك مثار العجب حيث أنهم متنوعون ومختلفون في الحجج ومع ذلك فهم على خطإ، و﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ[٨]، بل كل فرد من هؤلاء يبني لنفسه من هواه دينًا يتبعه ويغض الطرف عن اتخاذ قدوة صالحة من «نبي» أو «وصي» يكون له مرشدًا وهاديًا فيما يتعلق بالدين والدنيا، وهم ينكرون ما لا يوافق هواهم أو ما لم تصل عقولهم إليه فهم «لا يؤمنون بغيب»، ولذلك تنحرف مسیرتهم في الأمور الاعتقادية والعبادية ف «لا يعفون عن عيب» سواء لأنهم لا يميزون العيب من غیره، أو يعرفونه ولكن أهواءهم تدعوهم إلى ممارسته دون مبالاة، بل يستمرون في «الشبهات» فلا يهتدون، وينقادون خلف «الشهوات» فيضلُّون.

ونتيجةً لإِقصاء التربية الإلهية تتبدل مصاديق «المعروف» و«المنكر»، وذلك ما يلاحظ في حياة الشعوب على مر التأريخ من أعراف وممارسات خاصة خاطئة ولكنها أعراف لا يمكن أن تمحى عندهم، وعلى سبيل المثال يُعَدُّ معروفًا عند بعض الشعوب أن المرأة يجب أن لا تتحجب لأن الحجاب حَجْبٌ للجمال وهذا لا يليق، وهم بذلك يغفلون عما هو أهم من ذلك وهي المفاسد والأضرار التي تترتب على إقصاء الحجاب، وإقصاء التعاليم الإلهية بشكل عام.

«مفزَعُهُمْ في المُعضِلاتِ إلى أَنْفُسِهِم، وتعويلُهُم في المهِماَّتِ على آرائِهم، كأنَّ كلَّ امرئٍ منهم إِمامُ نفسِه، قد أخذَ منها فيما يرى بعُرًى ثِقَاتٍ، وأسبابٍ مُحكَماتٍ».

فإن ما تقدم من انحراف يقطع ارتباطهم بالله تعالى فلا يتوكلون عليه أو يفزعون إليه عند الشدائد وفي أخذ الأحكام « كأنَّ كلَّ امرئٍ منهم إِمامُ نفسِه» ويرى وثاقة ما يتمسك به من رأيه وأن سببه محكم حتى ولو لم يتصل بالله تعالى، وهذا هو الضلال؛ فإن اختلاف وجهات النظر قائم، فلو كان كل شخص يعالج كل قضية تعرض له برأيهِ هو لضلَّ وأضل وهذا مما يلاحظ بالوجدان في حياة الناس وقد « ضلَّ مَنْ ليسَ لهُ حكيمٌ يُرْشِدُهُ»[٩].[١٠]

ثالثًا: الله تعالى هو مصدر الدين ودعامتا الدين هما الشهادتان

وهذه الحقيقة هي من مقومات الدين إذ أنه يستند إلى الله تعالى وهو الذي ارتضاه ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ[١١]، وليس هنا من نقطة فراغ فإن الله الذي خلق هو الذي شرع وخالق الطبيعة هو واضع الشريعة، فهو تعالى مصدر الدين، وما الأنبياء والرسل والأئمة (ع) إِلاَّ مبلِّغون عن الله تعالى يوصلون للناس تشريعه الأعظم ولذلك اختارهم معصومین يتجلّى فيهم الكمال البشري في أروع صوره، وقد جُعِلَ لهذا الدينِ دعامتان، وهما: التوحيد «الشهادة الأولى» والنبوة «الشهادة الثانية»، وقد ركز الإمام (ع) على هذه الحقيقة، وأنه بدون الشهادتين لا يكون هناك وجود للدين.

ومن ضمن حديث الإمام (ع) حول استناد الدين في مصدره إلى الله تعالى قوله (ع)[١٢]:

«وأنزل عليكم الكتابَ تبيانًا لكلِّ شيء، وعمَّرَ فيكم نبيَّهُ أزمانًا، حتى أكملَ له ولكم -فيما أنزل من كتابِهِ- دينَهُ الذي رضيَ لنفسِه، وأنهى إليكم -على لسانِهِ- محابَّهُ من الأعمالِ ومكارهَه، ونواهيَهُ وأوامرَه».

فالله تعالى هو المصدر الذي أنزل «الكتاب» وأكمل «دِينَه» وهذه نعمة ومنة عظيمة، وأوصل إلى الناس «أوامرَهُ ونواهيَه» ولكن عن طريق النبي و(على لسانِه)، فإن النبي (صلّی اللهِ علیه وَآلِهِ وَسَلَّمَ) هو القائم بأمر الدين، وقد عاش بین الناس «أزمانًا» ينفِّذُهُ ويطبِّقُه ويكون قدوةً للناس في كل أمر فيعلمهم أحكام الحرب والسلم وجميع العبادات كالصلاة، والمعاملات كالتجارة، وغیر ذلك، وتكامل الدين لا يكون إلا بوجود التشريع المعصوم وهو القرآن الكريم ووجود من يقوم بأمره، ومن هنا تبرز الحاجة إلى الإمامة المعصومة امتدادًا للنبوة المعصومة، وهذا ما أشار له الإمام (ع) في النص السابق.

وقد تحدث الإمام (ع) عن الحقيقة الأخرى وهي أن الشهادتين «التوحيد والنبوة» هما دعامتا الإسلام، فمن ضمن ذلك قوله (ع)[١٣]:

«أما وصيتي: فاللهَ لا تشركوا به شيئًا، ومحمدًا (صلّی اللهِ علیه وَآلِهِ وَسَلَّمَ) فلا تُضيِّعُوا سُنَّتَه، أقيموا هذينِ العمودين، وأوقدوا هذينِ المصباحین، وخَلاكُم ذَمٌّ، ما لم تشرُدُوا».

والتعبیر الرائع للإمام (ع) هو أنه قدَّمَ المفعول به «اللهَ: لفظَ الجلالة، ومحمدًا» فجعله في صدر الكلام لبيان أهميته وشدِّ انتباه السامع، فقال: « فاللهَ» فينتظر السامع ما يُلقَى عليه من حكم يتعلق بهذا اللفظ العظيم، فيقول: لا تشركوا به شيئًا}}، ثم يعطف بقوله: {{نص حديث| ومحمدًا (صلّی اللهِ علیه وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، « فلا تُضيِّعُوا سُنَّتَه»، فلا تضيعوا شريعته والتعاليم التي جاء بها، وهذا تأكيد على اقتران النبوة بالتوحيد وعدم الاستغناء بالقرآن الكريم وحده، والخطأُ الفادح في قول القائل: حسبنا كتاب الله، فإن كتاب الله نفسه يحكم بكذب هذه المقولة وضلالها وأنه لا بد من السنة مع الكتاب بقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا[١٤].

ثم جمعها الإمام (ع) وأمر بإقامتها فهما للدين كالعمودين للخيمة لا تقوم بدونهما، وهما مصباحان يجدر بالناس أن يوقدوهما ليتبيَّنوا طريق الحق، ثم يعبّرالإمام (ع) تعبیرًا رائعًا بقوله: « وخلاكم ذَمٌّ» أي أنكم بتمسككم بالكتاب تكونون بعيدين عن الذم وتكون أعمالكم محمودة ولكن بشرط: « ما لم تشرُدُوا».[١٥]

رابعًا: محاسن الإسلام ومقاصده

أفاض الإمام (ع) الحديثَ عن كثیرٍ من محاسن الإسلام وآثاره المباركة التي تعود على البشر بكل خیر في دنياهم آخرتهم، ونأخذ هنا ثلاثة نصوص في هذا المجال.

النص الأول: قوله (ع)[١٦]:
«الحمدُ لله الذي شَرعَ الإسلامَ فسهَّلَ شرائعَهُ لمن وَرَدَهُ، وأعزَّ أركانَهُ على مَنْ غَالَبَهُ»: فهذا الدين بحكم انتمائه إلى الله تعالى له عزة، وبمقتى العزة يكون غالبًا منتصرًا، وبالفعل لم يكن يدور في خاطر أحد أن هذا الدين بإمكانياته المحدودة ينجح، وكان من المنتظر أن يوأَدَ في مهده فإذا به ينتصر وتدخله الناس أفواجًا بمرور الزمن، بل يعطي وعدًا للمستقبل بأنه سيَظهَرُ على كل الأديان ويكون له الحكم المطلق ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ[١٧].
«فجعلهُ أَمْنًا لمن عَلِقَهُ، وسِلْمًا لمن دخلَهُ، وبرهانًا لمن تكلَّمَ به، وشاهدًا لمن خاصمَ عنه، ونورًا لمن استضاءَ به...»: فمن علِقه (تعلق به) فإنه يكون له أمنًا وسلمًا، ومن أخذه بوعيٍ فإنه لا يُغلَبُ في حجة لأن حجته مستندة إلى حجة الله تعالى وللهِ ﴿الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ[١٨]، وجعله الله تعالى شاهدًا لمن خاصم به أو عنه، ونورًا يستضاء به لأنه هدي الله تعالى.
«وراحةً لمن فوَّض»: لأن من يستشعر أن كل شيء بيد الله تعالى وأنه المالك الذي أعطاه ما أعطى ومنعه ما منع، فإنه يفوض الأمر كله لله تعالى فيكون في راحة.
«وجُنَّةً لمن صبر»: أي وقاية في الدنيا والآخرة لمن صبر عن المحرمات وصبر على الطاعات وصبر في الشدائد.
«فهو أبلجُ المناهِجِ، وأوضحُ الولائِجِ، مُشرْفُ المنارِ، مُشرْقُ الجَوَادِّ، مُضيءُ المصابيحِ، كريمُ المِضْارِ، رفيعُ الغايةِ، جامعُ الحَلْبَةِ، متنافِسُ السُّبْقَةِ، شريفُ الفُرْسانِ...».
طُرُقُ الإسلام (مناهجه) هي أشد الطرق ضياءً (أبلج). والولائج هي البطانة والخاصة والمعنى أن أموره أكثر الأمور وضوحًا وكذلك الجوادُّ (جمع جادة وهي الطريق الواضح) مشرقة مضيئة، وهذه الأوصاف حقائق في تشريع الإسلام الذي يؤخذ من مصادره الصحيحة التي تمثله، وليس ما يؤخذ من ممارسات المسلمين فإنها مع بالغ الأسف شيء آخر، فلهذا من الخطإِ أن يُحكَمَ على الإسلام بأفعال المسلمين إذ تصدر منهم أفعال غیر إسلامية، وأما قوله (ع): شريف الفرسان، فهو يهيب بالملتزمین بالإسلام أن يستشعروا هذا الشرف وهذه النعمة بكونهم فرسان الدين.
«والموتُ غايتُه...»: وهذه العبارة لها معنيان محتملان وهما متقاربان أيضًا: الاحتمال الأول أن يكون المعنى أنه لا تكليف بعد الموت، والاحتمال الثاني أنه من مقوِّمات الدين تأكيده على أنه لا خلود في الحياة فينبغي للإنسان أن يتزود بفعل الصالحات ما دام يعتقد بالآخرة.
«والجَنَّةُ سُبْقَتُه»: فهي الجائزة بعد كل هذا التسابق في الدنيا، وأَعْظِمْ بها من جائزة فيها ما لا عین رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
النص الثاني: هو قوله (ع)[١٩]:
«إِنَّ اللهَ تعالى خصَّكم بالإسلامِ، واستخلصَكم له، وذلك لأنه اسمُ سلامةٍ...»: وهذا تشريف لمن ظهر نور الإسلام بينهم وإن كان للبشر جميعًا، وقوله (ع): «اسمُ سلامةٍ»، وصفه الشرُّاحُ بأنه تعبیر من أروع وأجمع التعبیرات فهو سلامة في الدنيا والآخرة، وسلامة للجوارح والفكر والمشاعر.
«قد أحمى حماه...»: أي صان الله تعالى دينه وجعل له حمًى وحدودًا لا يتعداها العباد.
النص الثالث: هو قوله (ع)[٢٠]:
«ثم إنَّ هذا الإسلامَ دينُ اللهِ الذي اصطفاهُ لنفسِه...».
هذا التعبیر هو من أروع التعابیر فقد جاء أن الله تعالى مكَّنَ العباد من التشبُّه به أي التأدُّب بآدابه المتمثلة في الإسلام الذي اصطفاه الله لنفسه فيدلل على آدابه، وهذا غاية الحث على التوجه إلى الكمال والسمو، فلا يليق بعد ذلك الاقتداء بالبهائم في عموم الممارسات.
«أذلَّ الأديانَ بعزَّتِه»: والمقصود إن كانت الأديان السماوية أنه نسخها، أو المقصود الأديان الوضعية وأنه أذلها بغلبته عليها.[٢١]

الإسلام والحياة

قالَ اللهُ العظيمُ في محكَمِ كتابِهِ الكريم:

﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ[٢٢].

﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ[٢٣].

نتحدث هنا عن أمور تتعلق بتشريعات الإسلام، وهذه الأمور هي:

  1. جامعية هذا الدين لكل الفضائل، ومن ذلك ما هو محض تعبد وتعليم خاص من الله تعالى يتعلق بجملة من العبادات.
  2. حاجة الدين إلى الجماعة.
  3. إنذار بالشر لترك المسلمين الإسلام والعواقب الوخيمة من وراء ذلك.[٢٤]

أولاً: جامعية الإسلام لكل الفضائل

وأداءً لحق البحث ينبغي أن نعرف أن استيفاء النصوص حول جامعية الإسلام للفضائل سواء ما يتعلق بالاعتقاد أو بالعبادات والمعاملات أو الأخلاق- يحتاج إلى توسع كبیر لا يسعنا في هذا الدرس بطبيعته، ولذلك نجدد الدعوة لقراءة هذا النهج الخالد للاطلاع الواسع على جوانب جامعية الإسلام لكل الفضائل، ونأخذ هنا نماذج لما ذكره الإمام (ع) حول هذه الجامعية.

١. قال (ع) متحدثًا عن مصدر الإسلام[٢٥]:
«أمْ أنزلَ اللهُ سبحانهُ دينًا ناقصًا فاستعانَ بهم على إتمامِه!»: حديث الإمام (ع) هنا ينعى فيه على العلماء اختلافهم في الفتوى ويذمُّ اختلاف أهل الرأي الذين لا يعوِّلون على المقاييس الصحيحة ولا يأخذون العلم من مصادره، ويبیّن قبال ذلك أمر الإسلام وكماله وجامعيته للفضائل.
«أمْ كانوا شركاءَ لهُ فلهم أن يقولوا، وعليه أن يرضى؟»: فالتشريع إنما هو من الله تعالى وحده فهو الحكيم العليم بما يصلِحُ البشر، فعلى الناس أن يرضَوا ويسلِّموا، فلا تنقلب الموازين بعد ذلك لتغیر هذه الحقيقة الجوهرية، فالعمل بالهوى والقياس والظنون يغیّر الحقائق ويصرف عن الحق ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ[٢٦].
«أمْ أنزلَ اللهُ سبحانهُ دينًا تامًّا فقصَّرَ الرسولُ (صلّی اللهِ علیه وَآلِهِ وَسَلَّمَ) عن تبليغِهِ وأدائِه»: وهذا استفهام إنكاري من الإمام (ع) أن يُظَنَّ أن التقصیر من الرسول (صلّی اللهِ علیه وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، ثم يَستدل الإمام بالقرآن الكريم لمن يؤمن به ويعتقد أنه تشريع إلهي، بقوله (ع):
«واللهُ سبحانهُ يقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ[٢٧]، وفيه تبيانٌ لكلِّ شيء[٢٨]، وذكرَ أنَّ الكتابَ يصدِّق بعضُهُ بعضًا، وأنه لا اختلافَ فيه فقالَ سبحانه: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا[٢٩]»: فهو محكم لا يناقض أو يخالف بعضه.
«وإنَّ القرآنَ ظاهرُهُ أنيق، وباطنُهُ عميق، ولا تفنى عجائبُه، ولا تنقي غرائِبُه، ولا تُكشَفُ الظلماتُ إلاَّ به»: فظاهر القرآن الكريم أنيق «حَسَنٌ معجِب» وهذا تعبیر عن بلاغته وحسنه، وباطنه عميق، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ[٣٠]، ولا تفنى عجائبه؛ فكلما ازداد الإنسان فكرًا وتأماً اكتشف أسرارًا وعجائبَ في قرآن الله الكريم.
إذن نستفيد من حديث الإمام (ع) حول اختلاف أصحاب الرأي وحديثه عن دعامة الإسلام الأولى القرآن الكريم وإشارته إلى كفاءة المبلِّغ الرسول (صلّی اللهِ علیه وَآلِهِ وَسَلَّمَ) نستفيد من كل ذلك جامعية الإسلام للفضائل.
٢. وتحدث عن مكانة الإيمان فقال (ع)[٣١]:
«إِنَّ أفضلَ ما توسَّلَ به المتوسِّلونَ إلى اللهِ سبحانه وتعالى الإيمانُ به وبرسولِه».
يعرض الإمام (ع) جملة من التشريعات لا بنحو الحصر، وإن كانت هذه التشريعات بمكان من الأهمية البالغة وهي أساس مهم في تشريع الإسلام، وقد قدَّم الإمام حديثه وووصفها بأنها أفضل ما يتوسل به المتوسلون ويقربهم إلى الله تعالى زلفى، فالأمر الأول منها الإيمان بالله وهو الدعامة الأولى، والتعبیر بالإيمان مرتبة أخرى فوق مجرد إظهار التوحيد، ويعني الاعتقاد الصحيح الراسخ والالتزام الكامل، ثم ذكرَ النبوة (الدعامة الثانية) للإسلام.
بعد ذلك أشار الإمام إلى تشريعات على جانب كبیر من الأهمية ولكلٍّ خصائصه وفضله؛ فقال (ع):
«والجهادُ في سبيلِه، فإنهُ ذروةُ الإسلام»: والوجدان أعظم برهان على ذلك؛ فإن هذا الدين لو لم تكن له قوة تحميه لكان ضائعًا لأنه لا حقَّ إلا بالقوة، وليس يعني هذا اعتماد الدين على السيف وإلزامه الناس بالقوة والإيذاء فهذا ليس من الدين في شيء، بل القوة سبب لحفظ الدين من جانب، ولتطبيق أوامره على الناس من جانب آخر، ولذلك احتاج الدين فيما احتاج إلى نصرة أبي طالب (ع) خاصة في الظروف الحرجة لبداية الدعوة، واحتاج في كل أدواره وحتى كانت له الغلبة والنصر إلى سيف بطل الإسلام أمیر المؤمنین (ع)، فقد كان هناك فئات لم تكن تذعن وتنقاد للدين، ولم يكن للدين أن يبقى ويدافع عن نفسه لولا قوة الجهاد، وهذا مظهر من مظاهر حاجة الدين إلى الجماعة كما سنتحدث -إن شاء الله تعالى- في النقطة الثانية.
«وكلمةُ الإخلاصِ فإنها الفطرة»: التي فطر الله الناس عليها.
«وإقامُ الصلاةِ فإنها المِلَّة»: وليس نمط النهج مخالفًا لنمط القرآن الكريم، وليس النهج كالمؤلفات الأخرى في تنظيمه وجهات بحثه، بل هو يعرض لموضوعات عدة وأمور كثیرة في عبارات قصیرة، ويذكر الإمام هنا أن مفهوم الملَّة لا يكون له مصداق في الخارج إِلاَّ بإبراز إقامة الصلاة، وإقامة الصلاة شيء فوق أدائها، فالإقامة تعني الإتيان بها في حدودها وبشروطها المعينة والتأثر بعطائها، ومن ذلك الخطاب للمعصوم (ع) في بعض الزيارات: «أشهد أنك قد أقمتَ الصلاة»، فمن يؤدي الصلاة كثیرون، ولكن لا يقيمها إلا أهلها العاشقون لها العارفون بها.
«وإِيتاءُ الزكاةِ فإنها فريضةٌ واجبة»: وهذا التشريع يدخل في محاسن الإسلام كا يدخل في جامعيته، فبعد أن ذكر الإمام (ع) ما به حفظ الدين وهو الجهاد، وذكر جانبًا روحيًّا من التشريع وهو الصلاة- يذكر هنا جانبًا ماديًّا يتعلق بالحياة واقتصاد الأمة، وفي ذلك ما لا يخفى من إعانة المحتاج والقضاء على الفقر الذي يكاد يكون كفرًا.
«وصومُ شهرِ رمضانَ فإنهُ جُنَّةٌ من العقاب»: فامتناع الإنسان عن الطيبات المباحة طاعة لله تعالى وتقربًا له يوجب له غفران الذنب والأمن من عقاب الآخرة.
«وحجُّ البيتِ واعتمارُهُ فإنهما ينفيانِ الفقرَ ويرحَضَانِ الذنب»: ولا يخفى أن في هذه العبارات مجالً واسعًا جدًّا للحديث عن أسرار التشريع وجوانب الحكمةالبالغة في التشريعات، وهذا الدرس بطبيعته ومحدودية وقته لا يسع للتوسع كثیرًا في ذلك إلا أننا نأخذ القدر اللازم الذي يفي بالغرض، فالإمام (ع) يشیر هنا إلى علاقة بعض التشريعات الدينية بخیر الدنيا أيضًا، وهذه العلاقة هي من الأسرار وإن كان لها بعض الجهات الظاهرة كالتجارة التي تحصل في الحج فيكون بسببها نفي للفقر، وإلا فالسبب أن لمثل هذه العبادة الجليلة المهمة خصوصية في استمطار الرزق وإنمائه وبركته، كما أن الحج والعمرة يرحضان (أي يغسلان ويزيلان) الذنب.
ثم يعطف الإمام على جهة أخلاقية وإنسانية يؤكد عليها في ضمن حديثه عن أركان الدين ودعائمه وتشريعاته الكبیرة، فيقول (ع):
«وصِلَةُ الرحِمِ فإنها مثراةٌ في المالِ، ومنسأةٌ في الأَجَلِ»: وهذه أيضًا خصوصية لهذا التشريع بطبعه، ولعل من الروابط بین الأمرين أن إطالة العمر سبب في استحصال الرزق ونماء المال.
«وصدقةُ السرِّ فإنها تكفِّرُ الخطيئة، وصدقةُ العلانية فإنها تدفعُ مِيتةَ السوء»: وهذه دعوة إلى العمل وخاصة التصدق في السر والعلانية ولكلٍّ مميزاته وفضله، وبالإضافة إلى ما ذكر هنا فإن صدقة العلانية فيها دعاية لها وحث الناس عليها، ولهذا كان الإمام الرضا (ع) يأمر ولده الإمام الجواد (ع) وهو بعد غلام أن يخرج من مسجد رسول الله (صلّی اللهِ علیه وَآلِهِ وَسَلَّمَ) مارًّا بالشارع العام ويكون عنده المال حتى يراه المحتاجون فيعطيهم فيسدُّ حاجتهم ويكون بذلك إشاعة للصدقة وحثٌّ عليها.
«وصنائعُ المعروفِ فإنها تقِي مصارعَ الهوان»[٣٢]: وهذه كلمة جامعة للمعروف وإن له أثرًا في إبعاد الهوان والذل عن الإنسان في حياته وعند مماته.
٣. وتحدث الإمام (ع) عن الصلاة وموقعها[٣٣]:
«تعاهَدُوا أمرَ الصلاة، وحافِظُوا عليها، واستكْثِرُوا منها، وتقرَّبوا بها، فإنها ﴿كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا[٣٤]، ألا تسمعونَ إلى جوابِ أهلِ النارِ حین سُئِلوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ[٣٥]، وإنها لتَحُتُّ الذنوبَ حتَّ الورق، وتطلقُها إطلاقَ الرِّبَق، وشبَّهها رسولُ الله (صلّی اللهِ علیه وَآلِهِ وَسَلَّمَ) بالحَمَّةِ تكونُ على بابِ الرجل، فهو يغتسلُ منها في اليومِ والليلةِ خمسَ مرات، فما عسى أن يبقى عليه من الدرن؟...».
في هذا النص الشريف بيان لأهمية الصلاة وأنها تقربٌ إلى الله تعالى، وقد ورد عن الإمام الرضا (ع): «الصلاةُ قربانُ كلِّ تقي»[٣٦]، وكذلك يبن الإمام (ع) عقوبة تاركها ودورها في مغفرة الذنوب وأنها تحتُّها كالورق وتطلقها كالربق (الحبال)، ومَثَلُها كالحَّمة وهي المياه المعدنية الحارة أو مطلق المياه الحارة التي بطبيعتها تنقي البدن مما يعرض له من الدرن أي القذارة والوسخ، وفي هذا التشبيه لا يُقصَدُ طهارة البدن فقط، فالصلاة تتطلب الوضوء أو الغسل وفي هذا طهارة للبدن، ولكن الطهارة بالصلاة تشمل طهارة الروح فتزيل ما يحول بينها وبین الخشوع والخضوع لله تعالى من الذنوب وأمراض النفس.
ثم تحدث عن الزكاة بقوله (ع):
«ثم إن الزكاةَ جُعِلَتْ مع الصلاةِ قربانًا لأهلِ الإسلام، فمن أعطاها طيبَ النفسِ بها فإنها تُجعَلُ له كفارةً، ومنَ النارِ حجازًا ووقاية، فلا يتبِعَنَّها أحدٌ نفسَه، ولا يُكثِرَنَّ عليها لهَفَه...»: والتعبیر بِ «أهلِ الإسلام» أسلوب رائع وله دلالة مهمة في أن من يدع أمر الزكاة فقد خرج على الأقل عن مظهر الإسلام، ثم يعالج الإمام (ع) قضية من أشد القضايا وهي حرص الإنسان على المال واعتباره إياه سرَّ حياته ووجوده، وأن نتائج ذلك الحرمان من الأجر والندم نتيجة لمنع الزكاة أو إعطائها بغیر طيب نفس.
٤. وفي واحدة من روائعه تحدث حول آثار بعض العبادات فقال (ع)[٣٧]:
«وعن ذلك ما حرَسَ اللهُ عبادَهُ المؤمنین بالصلواتِ والزكوات، ومجاهدةِ الصيامِ في الأيامِ المفروضات، تسكينًا لأطرافِهم، وتخشيعًا لأبصارِهم، وتذليلاً لنفوسِهم، وتخفيضًا لقلوبِم، وإذهابًا للخُيَلاءِ عنهم...»: وفي ذلك بيان لبعض أوجه الحكمة المهمة من بعض العبادات وأثرها على الجوارح وكذلك أثرها العظيم على الجوانح.[٣٨]

ثانيًا: حاجة الدين للجماعة

وقد يكون هذا التعبیر غريبًا باعتبار أن المعروف لدينا أن الجماعة بل كل البشر تحتاج إلى الدين فيضمن سعادتها ونجاتها، فما معنى أن الدين بحاجة إلى الجماعة؟! والجواب أن الدين مجموعة من المعارف والتشريعات التي لو كانت مقتصرة على وجودها في كتاب مقدس أو مقتصرة على فئة معينة من حملة الدين المؤمنین به لما استفاد منها البشر، فلا بد إذن من جماعة تأخذ على عاتقها نصرة الدين وتقوم بتنفيذه بین الناس وتبلغه ليكون دينًا لهم، ولا يعني هذا -بالطبع-حاجة الله تعالى للبشر بل يعني أن أمر الدعوة يحتاج إلى من يقوم به ويدافع عنه كما أشرنا إليه في النقطة الأولى حول موضوع الجهاد.

ومن النصوص حول هذه النقطة قوله (ع)[٣٩]: «ولقد كنا مع رسول الله (صلّی اللهِ علیه وَآلِهِ وَسَلَّمَ) نقتل آباءَنا وأبناءَنا وإخوانَنا وأعمامَنا، ما يزيدُنا ذلك إلا إيمانًا وتسليمًا، ومُضيًّا على اللَّقَم، وصبرًا على مضَضِ الألم وجِدًّا في جهادِ العدو....»: وفي الواقع إن هذا الحديث مثیر وهو يكشف عن مدى تغلغل الإسلام في نفوس من آمن به وفضلهم في وصوله إلينا، وإن كان مصدر الفضل هو الله تعالى، وللرسول ولأمیر المؤمنین -عليها وآلهما السلام- الفضل الأكبر في ذلك. وهو هنا يتحدث عن وضع المسلمين بشكل عام يوم آمنوا بالإسلام وتقدموا لأجله في ساحات الجهاد، مسلِّمين ماضین على اللَّقم وهي جادة الطريق أو معظمه، والمقصود طريق الحق الواضح. «فلما رأى اللهُ صدقَنا أنزلَ بعدوِّنا الكبْت، وأنزلَ علينا النصرَ، حتى استقرَّ الإسلامُ ملقيًا جِرَانَه، ومتبوئًا أوطانَه، ولعمري لو كنا نأتي ما أتيتم، ما قام للدينِ عمودٌ...»: فالصدر الأول الذين شيدوا دولة الإسلام لهم الفضل في قيامه بها، حتى ألقى الإسلام جِرَانه وهذا التعبیر في معناه الأولي هو إلقاء البعیر منحره (جِرَانَه) على الأرض تعبیرًا عن استقراره واطمئنانه، والمعنى المجازي هنا استقرار الإسلام، والإمام في معرض المقارنة بین جيش الرسول وبین جيشه يوم صفین، وأن أولئك لو كانوا كهؤلاء لما قام للإسلام عمود أو كانت له الغلبة والنصر، ثم يقول (ع): «وأيمُ اللهِ لَتَحْتَلِبُنَّها»: والمنتظر أن ما يحلب يكون لبنًا سائغًا فيه الخیر والفائدة، لكنه يقول (ع):

«دَمًا»: كناية عن العواقب الوخيمة لتركهم الدين. «ولَتُتْبِعُنَّها ندمًا»: وهذا إنذار أيضًا بالشر كما سنتحدث عنه في النقطة الثالثة التالية.[٤٠]

ثالثًا: إنذار بالشر وتحذير من العواقب الوخيمة لترك المسلمين الإسلام

وهذا تعبیر رهيب في واقع الأمر، إلا أن وجود العواقب الوخيمة لرك عملٍ ما دليل على أهميته وأحقيته، فإذا كان الأمر في فعل أو ترك العمل سواءً- كان هذا العمل وضيعًا ليس له هيبة أو أهمية في حياة البشر، فللدين إذن هذه الهيبة وهذه الحساسية والأهمية الخاصة بحيث أنه إذا طُبِّقَ فإنه يضمن سعادة البشر ورقي المجتمعات، وإذا تُرِكَ فإن نتيجة ذلك انتشار الجهل والفساد وهيمنة الظلم، بل ما هو وراء ذلك ألا وهو الحساب والعذاب يوم القيامة. ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا[٤١]، ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ[٤٢]

﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ[٤٣].

ومما قاله (ع) في هذا الإنذار والتحذير:

  1. قوله(ع)[٤٤]: «فمن يبتغِ غیرَ الإسلامِ دينًا تتحقَّقْ شِقوتُه، وتنفصِمْ عُروتُه، وتعظُمْ كَبوتُه، ويكنْ مآبُهُ إلى الحزنِ الطويل، والعذابِ الوبيل»: وهذه العواقب لترك الدين يقرِّرها الإمام (ع) كما قرَّرها الله تعالى في كتابه الكريم، فإن نتيجة الأخذ بالإسلام السعادة وعاقبة تركه الشقاء وانفصام العرى المربوطة الوثيقة والكبوة والوقوع في الأمر الشائك والخطيئة الكبیرة، ثم يؤدي ذلك إلى الحزن الطويل (في الدنيا) والعذاب الشديد (في الآخرة).
  2. وفي إحدى كلماته القصيرة الجامعة قال (ع)[٤٥]: «لا يتركُ الناسُ شيئًا من أمرِ دينِهم لاستصلاحِ دنياهم إلاَّ فتحَ اللهُ عليهم ما هو أضرُّ منه»: ولعلَّ المصداق العمي لذلك ملاحظة البشر في تأريخهم الطويل، بل ملاحظة أهل المنطقة الصغیرة، بل ملاحظة الإنسان لنفسه لیرى العواقب التي تنزل عند ترك الدين والإعراض عنه رغبةً في الدنيا، فإذا بالخسارة والضرر يكون أكثر، فقد يلهو الإنسان بالمال ويضيعُ حقَّ الله تعالى حرصًا منه على المال فإذا بجوانب الشر من مرض أو موت أو مصيبةٍ ما أو خذلان في الدنيا تسارع إليه بسبب اختياره السيء.

إذن فهذه عواقب يحذِّر الإمام (ع) منها ويرشد إلى أن سبيل النجاة منها هو اتباع دين الله تعالى ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى[٤٦]، ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ[٤٧]، وأي عاقبة أشد من ذلك؟

نسألُ اللهَ تعالى أَنْ يبَصِّرنا دينَه، وأن يعرِّفَنا أحكامَه، وحلالَهُ وحرامَه، ويحيينا حياةً طيبةً على نهج محمد وعلي وآلهما، عليهما وآلهما الصلاةُ والسلام.[٤٨]

المراجع والمصادر

  1. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة

الهوامش

  1. سورة آل عمران، الآية ١٩.
  2. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٤١-٢٤٢.
  3. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٤٢.
  4. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٤٢.
  5. نهج البلاغة، الحكمة رقم ١٢٥.
  6. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٤٢-٢٤٣.
  7. نهج البلاغة، الخطبة ٨٨.
  8. سورة المؤمنون، الآية ٥٣.
  9. عن أمير المؤمنين (ع). الفصول المهمة في معرفة الأئمة ٢/ ٨٥٩.
  10. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٤٣-٢٤٥.
  11. سورة آل عمران، الآية ١٩.
  12. نهج البلاغة، الخطبة ٨٦.
  13. نهج البلاغة، الخطبة ١٤٩.
  14. سورة الحشر، الآية ٧.
  15. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٤٥-٢٤٧.
  16. نهج البلاغة، الخطبة ١٠٦.
  17. سورة التوبة، الآية ٣٣ وسورة التوبة، الآية ٩.
  18. سورة الأنعام، الآية ١٤٩.
  19. نهج البلاغة، الخطبة ١٥٢.
  20. نهج البلاغة، الخطبة ١٩٨.
  21. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٤٧-٢٥٠.
  22. سورة آل عمران، الآية ١٩.
  23. سورة آل عمران، الآية ٨٥.
  24. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٥١.
  25. نهج البلاغة، الخطبة ١٨.
  26. سورة يونس، الآية ٣٢.
  27. سورة الأنعام، الآية ٣٨.
  28. قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ سورة النحل، الآية ٨٩.
  29. سورة النساء، الآية ٨٢.
  30. سورة آل عمران، الآية ٧.
  31. نهج البلاغة، الخطبة ١١٠.
  32. وعن الإمام الصادق (ع): «صنائع المعروف تقي مصارع السوء». وسائل الشيعة ١١ / ٥٢٢.
  33. نهج البلاغة، الخطبة ١٩٩.
  34. سورة النساء، الآية ١٠٣.
  35. سورة المدثر، الآية ٤٢-٤٣.
  36. الكافي ٣/ ٢٦٥.يمكن مراجعة نصوص أخرى حول النقطة الأولى فمن ذلك: نهج البلاغة، الخطبة رقم ١، والحكمة رقم ١٥٢، وتمام النص في ص ٣١٦ و٣١٧.
  37. نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
  38. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٥١-٢٥٨.
  39. نهج البلاغة، الخطبة ٥٦.
  40. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٥٨-٢٦٠.
  41. سورة الجن، الآية ١٦.
  42. سورة الأعراف، الآية ٩٦.
  43. سورة الفجر، الآية ١٤.
  44. نهج البلاغة، الخطبة ١٦١.
  45. نهج البلاغة، الخطبة ١٦١.
  46. سورة طه، الآية ١٢٤.
  47. سورة الزخرف، الآية ٣٦.
  48. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٦٠-٢٦٢.