الإمام الحسين في عهد الإمام علي

من إمامةبيديا

تمهيد

انتهى حكم الخلفاء الثلاثة بمقتل عثمان، وانتهت بذلك خمسة وعشرون عاماً من العناء الناشئ عن إقصاء الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) عن الحياة السياسية والاجتماعية للمسلمين.

وقد أيقن المسلمون أنّ الإمام علياً (ع) هو القائد الذي يحقّق آمالهم وأهدافهم ويعيد لهم كرامتهم، وأنّهم سينعمون في ظلال حكمه بالحرية والمساواة والعدل فأصرّوا على مبايعته بالخلافة.

لكن وللأسف الشديد فقد جاءت قناعة الامة هذه متأخرةً كثيراً؛ حيث اُصيبت الامة بأمراض خطيرة وانحرافات كبيرة، وغابت عنها الروح التضحوية والقيم الإيمانية، وتسربلت بالأطماع والمنافع الشخصية، وانحدرت نحو التوجهات الفئوية الضيقة؛ من هنا أعلن الإمام علي (ع) رفضه الكامل لخلافتهم قائلاً لهم: «لاَ حَاجَةَ لِي فِي أَمْرِكُمْ فَمَنِ اِخْتَرْتُمْ رَضِيتُ»[١].

وذلك لعلمه (ع) بأنّه من الصعب جدّاً أن يُعيد إلى المجتمع الأحكام الإسلامية التي بدّلها الخلفاء وغيّروها باجتهاداتهم الخاطئة؛ فإنّه (ع) كان يعرف جيّداً أنّ المجتمع الذي نشأ على تلك الأخطاء سيقف بوجهه، وسيعمل جاهداً على مناجزته والحيلولة بينه وبين تحقيق مخطّطاته السياسية الهادفة إلى تحقيق العدل والقضاء على الجور. هذا وإنّ أمير المؤمنين (ع) مع سابقته الفريدة إلى الإسلام، وحنكته السياسية، ومؤهّلاته القيادية العظيمة لم يستطع الوقوف بوجه الانحراف الذي سرى إلى جميع مفاصل المجتمع الإسلامي، ولم يتمكّن من إعادة هذا المجتمع إلى طريق الحق والعدالة اللاحب، إذ وقفت في وجهه فئات من المنافقين والنفعيين، ومَنْ كان يحمل في نفسه البغض والكره لله ولرسوله، وقد أكّد ذلك في خطبته الشقشقية بقوله (ع): «نَهَضْتُ بِالْأَمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ وَ مَرَقَتْ أُخْرَى وَ قَسَطَ آخَرُونَ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اَللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[٢] بَلَى وَ اَللَّهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا وَ وَعَوْهَا وَ لَكِنْ حَلِيَتِ اَلدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِمْ وَ رَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا»[٣].[٤]

مع أبيه (ع) في إصلاح الامة

لقد بادر الإمام علي (ع) إلى إعادة الحق إلى نصابه، والعدل إلى سيادته، مُحيياً سنّة رسول الله (ص) في الامة، مُنتهجاً الطريق القويم. وما أسرع ما وقفت قوى الضلال ضدّ إصلاحات الإمام (ع) في مجال الإدارة، وفي مجال توزيع الأموال، وفي مجال العدل في القضاء، وفي مجال مراعاة شؤون الرسالة وشؤون المسلمين!

ولم يتردّد (ع) في التحرك لفضح خطّ النفاق والقضاء على الفساد واجتثاث جذوره؛ لتسلم الرسالة والاُمّة منه، وقام هو وأهل بيته (ع) يخوضون غمار الحروب دفاعاً عن الإسلام مقتدين برسول الله (ص). وشارك الإمام الحسين (ع) في جميع الحروب التي شنّها المنافقون ضدّ الإمام علي (ع) وكان يبرز إلى ساحة القتال بنفسه المقدسة كلّما اقتضى الأمر وسمح له والده (ع). وقد سجّل المؤرخون خطاباً للإمام الحسين (ع) وجّهه لأهل الكوفة لدى تحركهم إلى صفّين، جاء فيه ـ بعد حمد الله تعالى والثناء عليه ـ: «يَا أَهْلَ اَلْكُوفَةِ أَنْتُمُ اَلْأَحِبَّةُ اَلْكُرَمَاءُ وَ اَلشِّعَارُ دُونَ اَلدِّثَارِ فَجِدُّوا فِي إِحْيَاءِ مَا دَثَرَ بَيْنَكُمْ وَ تَسْهِيلِ مَا تَوَعَّرَ عَلَيْكُمْ أَلاَ إِنَّ اَلْحَرْبَ شَرُّهَا ذَرِيعٌ وَ طَعْمُهَا فَظِيعٌ وَ هِيَ جُرَعٌ مستحساة [مُتَحَسَّاةٌ] فَمَنْ أَخَذَ لَهَا أُهْبَتَهَا وَ اِسْتَعَدَّ لَهَا عُدَّتَهَا وَ لَمْ يَأْلَمْ كُلُومَهَا عِنْدَ حُلُولِهَا فَذَاكَ صَاحِبُهَا وَ مَنْ عَاجَلَهَا قَبْلَ أَوَانِ فُرْصَتِهَا وَ اِسْتِبْصَارِ سَعْيِهِ فِيهَا فَذَاكَ قَمَنٌ أَنْ لاَ يَنْفَعَ قَوْمَهُ وَ أَنْ يُهْلِكَ نَفْسَهُ نَسْأَلُ اَللَّهَ بِقُوَّتِهِ أَنْ يَدْعَمَكُمْ بِالْفِئَةِ»[٥].

حرص الإمام علي (ع) على سلامة الحسنين (ع)

قاتل الإمام الحسين (ع) في معركة صفّين كما قاتل في معركة الجمل، مع أنّ بعض الروايات أفادت بأنّ أمير المؤمنين (ع) كان يمنع الحسنين (ع) من النزول إلى ساحة القتال خشية أن ينقطع نسل رسول الله (ص)؛ إذ كان (ع) يقول: «اِمْلِكُوا عَنِّي هَذَا اَلْغُلاَمَ لاَ يَهُدَّنِي فَإِنِّي أَنْفَسُ بِهَذَيْنِ يَعْنِي اَلْحَسَنَ وَ اَلْحُسَيْنَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ عَلَى اَلْمَوْتِ لِئَلاَّ يَنْقَطِعَ بِهِمَا نَسْلُ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ»}[٦].

وجاء في نصوص اُخرى أنّ أمير المؤمنين (ع) كان يبعث ابنه محمد ابن الحنفية إلى ساحات القتال مرّات عديدة دون أن يسمح للحسنين (ع) بذلك، وقد سُئل ابن الحنفية عن سرّ ذلك فأجاب: «إنّهما عيناه وأنا يمينه فهو يدفع عن عينه بيمينه»[٧]. ويعكس هذا الجواب مدى ما كان يحظى به الحسنان عند الإمام علي (ع).

وتفيد الأخبار بأنّ الإمام الحسين (ع) ظلّ مع أبيه بعد صفّين أيضاً في جميع الأحداث مثل قضية التحكيم ومعركة النهروان.

ومعلوم أنّ الأحداث التي عايشها الإمام الحسين مع أبيه (ع) كانت مأساوية ومرّة جدّاً، وقد بلغت المأساة ذروتها عندما تآمر الخوارج على قتل أسمى نموذج للإنسان الكامل ـ بعد رسول الله (ص) ـ أي عندما ضرب المجرم عبد الرحمن بن ملجم المرادي الخارجي إمامه أمير المؤمنين (ع) على رأسه بالسيف وهو في محراب العبادة.[٨]

وصايا أمير المؤمنين (ع) للإمام الحسين (ع)

تدلُّ وصايا أمير المؤمنين (ع) لولده الحسين (ع) على شدّة اهتمامه به ومحبّته له، وقد جاء في نهج البلاغة أنّ أمير المؤمنين (ع) لمّا ضربه ابن ملجم (لعنه الله) أوصى للحسن والحسين بالوصية التالية: «أُوصِيكُمَا بِتَقْوَى اَللَّهِ وَ أَنْ لاَ تَبْغِيَا اَلدُّنْيَا وَ إِنْ بَغَتْكُمَا وَ لاَ تَأْسَفَا عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا زُوِيَ عَنْكُمَا وَ قُولاَ بِالْحَقِّ وَ اِعْمَلاَ لِلْآخِرَةِ وَ كُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً وَ لِلْمَظْلُومِ عَوْناً أُوصِيكُمَا وَ جَمِيعَ وُلْدِي وَ أَهْلِي وَ مَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي بِتَقْوَى اَللَّهِ وَ نَظْمِ أَمْرِكُمْ وَ صَلاَحِ ذَاتِ بَيْنِكُمْ فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكُمَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَقُولُ صَلاَحُ ذَاتِ اَلْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ اَلصَّلاَةِ وَ اَلصِّيَامِ اَللَّهَ اَللَّهَ فِي اَلْأَيْتَامِ فَلاَ تُغِبُّوا أَفْوَاهَهُمْ وَ لاَ يَضِيعُوا بِحَضْرَتِكُمْ وَ اَللَّهَ اَللَّهَ فِي جِيرَانِكُمْ فَإِنَّهُ وَصِيَّةُ نَبِيِّكُمْ مَا زَالَ يُوصِي بِهِمْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُمْ وَ اَللَّهَ اَللَّهَ فِي اَلْقُرْآنِ لاَ يَسْبِقُكُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ غَيْرُكُمْ وَ اَللَّهَ اَللَّهَ فِي اَلصَّلاَةِ فَإِنَّهَا عَمُودُ دِينِكُمْ وَ اَللَّهَ اَللَّهَ فِي بَيْتِ رَبِّكُمْ لاَ تُخْلُوهُ مَا بَقِيتُمْ فَإِنَّهُ إِنْ تُرِكَ لَمْ تُنَاظَرُوا وَ اَللَّهَ اَللَّهَ فِي اَلْجِهَادِ بِأَمْوَالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ وَ أَلْسِنَتِكُمْ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ وَ عَلَيْكُمْ بِالتَّوَاصُلِ وَ اَلتَّبَاذُلِ وَ إِيَّاكُمْ وَ اَلتَّدَابُرَ وَ اَلتَّقَاطُعَ لاَ تَتْرُكُوا اَلْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ اَلنَّهْيَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ فَيُوَلَّى عَلَيْكُمْ أَشْرَارُكُمْ ثُمَّ تَدْعُونَ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَكُمْ ثُمَّ قَالَ يَا بَنِي عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ لاَ أُلْفِيَنَّكُمْ تَخُوضُونَ دِمَاءَ اَلْمُسْلِمِينَ خَوْضاً تَقُولُونَ قُتِلَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ أَلاَ لاَ يُقْتَلَنَّ بِي إِلاَّ قَاتِلِي اُنْظُرُوا إِذَا أَنَا مِتُّ مِنْ ضَرْبَتِهِ هَذِهِ فَاضْرِبُوهُ ضَرْبَةً بِضَرْبَةٍ وَ لاَ يُمَثَّلْ بِالرَّجُلِ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَقُولُ إِيَّاكُمْ وَ اَلْمُثْلَةَ وَ لَوْ بِالْكَلْبِ اَلْعَقُورِ»[٩].

وثمّة وصية اُخرى قيّمة وجامعة خاصّة بالإمام الحسين (ع) ذكرها ابن شعبة في تحف العقول، ونحن ننقلها لأهمّيتها؛ حيث تضمّنت حكماً غرّاء ووصايا أخلاقية خالدة. وإليك نصّ ما رواه ابن شعبة عن الإمام علي (ع): «يَا بُنَيَّ أُوصِيكَ بِتَقْوَى اَللَّهِ فِي اَلْغِنَى وَ اَلْفَقْرِ وَ كَلِمَةِ اَلْحَقِّ فِي اَلرِّضَا وَ اَلْغَضَبِ وَ اَلْقَصْدِ فِي اَلْغِنَى وَ اَلْفَقْرِ وَ بِالْعَدْلِ عَلَى اَلصَّدِيقِ وَ اَلْعَدُوِّ وَ بِالْعَمَلِ فِي اَلنَّشَاطِ وَ اَلْكَسَلِ وَ اَلرِّضَا عَنِ اَللَّهِ فِي اَلشِّدَّةِ وَ اَلرَّخَاءِ أَيْ بُنَيَّ مَا شَرٌّ بَعْدَهُ اَلْجَنَّةُ بِشَرٍّ وَ لاَ خَيْرٌ بَعْدَهُ اَلنَّارُ بِخَيْرٍ وَ كُلُّ نَعِيمٍ دُونَ اَلْجَنَّةِ مَحْقُورٌ وَ كُلُّ بَلاَءٍ دُونَ اَلنَّارِ عَافِيَةٌ وَ اِعْلَمْ أَيْ بُنَيَّ أَنَّهُ مَنْ أَبْصَرَ عَيْبَ نَفْسِهِ شُغِلَ عَنْ عَيْبِ غَيْرِهِ وَ مَنْ تَعَرَّى مِنْ لِبَاسِ اَلتَّقْوَى لَمْ يَسْتَتِرْ بِشَيْءٍ مِنَ اَللِّبَاسِ وَ مَنْ رَضِيَ بِقَسْمِ اَللَّهِ لَمْ يَحْزَنْ عَلَى مَا فَاتَهُ وَ مَنْ سَلَّ سَيْفَ اَلْبَغْيِ قُتِلَ بِهِ وَ مَنْ حَفَرَ بِئْراً لِأَخِيهِ وَقَعَ فِيهَا وَ مَنْ هَتَكَ حِجَابَ غَيْرِهِ اِنْكَشَفَتْ عَوْرَاتُ بَيْتِهِ وَ مَنْ نَسِيَ خَطِيئَتَهُ اِسْتَعْظَمَ خَطِيئَةَ غَيْرِهِ وَ مَنْ كَابَدَ اَلْأُمُورَ عَطِبَ وَ مَنِ اِقْتَحَمَ اَلْغَمَرَاتِ غَرِقَ وَ مَنْ أُعْجِبَ بِرَأْيِهِ ضَلَّ وَ مَنِ اِسْتَغْنَى بِعَقْلِهِ زَلَّ وَ مَنْ تَكَبَّرَ عَلَى اَلنَّاسِ ذَلَّ وَ مَنْ خَالَطَ اَلْعُلَمَاءَ وُقِّرَ وَ مَنْ خَالَطَ اَلْأَنْذَالَ حُقِّرَ وَ مَنْ سَفِهَ عَلَى اَلنَّاسِ شُتِمَ وَ مَنْ دَخَلَ مَدَاخِلَ اَلسَّوْءِ اُتُّهِمَ وَ مَنْ مَزَحَ اُسْتُخِفَّ بِهِ وَ مَنْ أَكْثَرَ مِنْ شَيْءٍ عُرِفَ بِهِ وَ مَنْ كَثُرَ كَلاَمُهُ كَثُرَ خَطَؤُهُ وَ مَنْ كَثُرَ خَطَؤُهُ قَلَّ حَيَاؤُهُ وَ مَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ وَ مَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ وَ مَنْ مَاتَ قَلْبُهُ دَخَلَ اَلنَّارَ أَيْ بُنَيَّ مَنْ نَظَرَ فِي عُيُوبِ اَلنَّاسِ وَ رَضِيَ لِنَفْسِهِ بِهَا فَذَاكَ اَلْأَحْمَقُ بِعَيْنِهِ وَ مَنْ تَفَكَّرَ اِعْتَبَرَ وَ مَنِ اِعْتَبَرَ اِعْتَزَلَ وَ مَنِ اِعْتَزَلَ سَلِمَ وَ مَنْ تَرَكَ اَلشَّهَوَاتِ كَانَ حُرّاً وَ مَنْ تَرَكَ اَلْحَسَدَ كَانَتْ لَهُ اَلْمَحَبَّةُ عِنْدَ اَلنَّاسِ أَيْ بُنَيَّ عِزُّ اَلْمُؤْمِنِ غِنَاهُ عَنِ اَلنَّاسِ وَ اَلْقَنَاعَةُ مَالٌ لاَ يَنْفَدُ وَ مَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ اَلْمَوْتِ رَضِيَ مِنَ اَلدُّنْيَا بِالْيَسِيرِ وَ مَنْ عَلِمَ أَنَّ كَلاَمَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلاَمُهُ إِلاَّ فِيمَا يَنْفَعُهُ أَيْ بُنَيَّ اَلْعَجَبُ مِمَّنْ يَخَافُ اَلْعِقَابَ فَلَمْ يَكُفَّ وَ رَجَا اَلثَّوَابَ فَلَمْ يَتُبْ وَ يَعْمَلْ أَيْ بُنَيَّ اَلْفِكْرَةُ تُورِثُ نُوراً وَ اَلْغَفْلَةُ ظُلْمَةٌ وَ اَلْجَهَالَةُ ضَلاَلَةٌ وَ اَلسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ وَ اَلْأَدَبُ خَيْرُ مِيرَاثٍ وَ حُسْنُ اَلْخُلُقِ خَيْرُ قَرِينٍ لَيْسَ مَعَ قَطِيعَةِ اَلرَّحِمِ نَمَاءٌ وَ لاَ مَعَ اَلْفُجُورِ غِنًى أَيْ بُنَيَّ اَلْعَافِيَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ تِسْعَةٌ مِنْهَا فِي اَلصَّمْتِ إِلاَّ بِذِكْرِ اَللَّهِ وَ وَاحِدٌ فِي تَرْكِ مُجَالَسَةِ اَلسُّفَهَاءِ أَيْ بُنَيَّ مَنْ تَزَيَّا بِمَعَاصِي اَللَّهِ فِي اَلْمَجَالِسِ أَوْرَثَهُ اَللَّهُ ذُلاًّ وَ مَنْ طَلَبَ اَلْعِلْمَ عَلِمَ يَا بُنَيَّ رَأْسُ اَلْعِلْمِ اَلرِّفْقُ وَ آفَتُهُ اَلْخُرْقُ وَ مِنْ كُنُوزِ اَلْإِيمَانِ اَلصَّبْرُ عَلَى اَلْمَصَائِبِ وَ اَلْعَفَافُ زِينَةُ اَلْفَقْرِ وَ اَلشُّكْرُ زِينَةُ اَلْغِنَى كَثْرَةُ اَلزِّيَارَةِ تُورِثُ اَلْمَلاَلَةَ وَ اَلطُّمَأْنِينَةُ قَبْلَ اَلْخِبْرَةِ ضِدُّ اَلْحَزْمِ وَ إِعْجَابُ اَلْمَرْءِ بِنَفْسِهِ يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ عَقْلِهِ أَيْ بُنَيَّ كَمْ نَظْرَةٍ جَلَبَتْ حَسْرَةً وَ كَمْ مِنْ كَلِمَةٍ سَلَبَتْ نِعْمَةً أَيْ بُنَيَّ لاَ شَرَفَ أَعْلَى مِنَ اَلْإِسْلاَمِ وَ لاَ كَرَمَ أَعَزُّ مِنَ اَلتَّقْوَى وَ لاَ مَعْقِلَ أَحْرَزُ مِنَ اَلْوَرَعِ وَ لاَ شَفِيعَ أَنْجَحُ مِنَ اَلتَّوْبَةِ وَ لاَ لِبَاسَ أَجْمَلُ مِنَ اَلْعَافِيَةِ وَ لاَ مَالَ أَذْهَبُ بِالْفَاقَةِ مِنَ اَلرِّضَا بِالْقُوتِ وَ مَنِ اِقْتَصَرَ عَلَى بُلْغَةِ اَلْكَفَافِ تَعَجَّلَ اَلرَّاحَةَ وَ تَبَوَّأَ خَفْضَ اَلدَّعَةِ أَيْ بُنَيَّ اَلْحِرْصُ مِفْتَاحُ اَلتَّعَبِ وَ مَطِيَّةُ اَلنَّصَبِ وَ دَاعٍ إِلَى اَلتَّقَحُّمِ فِي اَلذُّنُوبِ وَ اَلشَّرَهُ جَامِعٌ لِمَسَاوِي اَلْعُيُوبِ وَ كَفَاكَ تَأْدِيباً لِنَفْسِكَ مَا كَرِهْتَهُ مِنْ غَيْرِكَ لِأَخِيكَ عَلَيْكَ مِثْلُ اَلَّذِي لَكَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَوَرَّطَ فِي اَلْأُمُورِ بِغَيْرِ نَظَرٍ فِي اَلْعَوَاقِبِ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلنَّوَائِبِ اَلتَّدْبِيرُ قَبْلَ اَلْعَمَلِ يُؤْمِنُكَ اَلنَّدَمَ مَنِ اِسْتَقْبَلَ وُجُوهَ اَلْآرَاءِ عَرَفَ مَوَاقِعَ اَلْخَطَإِ اَلصَّبْرُ جُنَّةٌ مِنَ اَلْفَاقَةِ اَلْبُخْلُ جِلْبَابُ اَلْمَسْكَنَةِ اَلْحِرْصُ عَلاَمَةُ اَلْفَقْرِ وَصُولٌ مُعْدِمٌ خَيْرٌ مِنْ جَافٍ مُكْثِرٍ لِكُلِّ شَيْءٍ قُوتٌ وَ اِبْنُ آدَمَ قُوتُ اَلْمَوْتِ - أَيْ بُنَيَّ لاَ تُؤْيِسْ مُذْنِباً فَكَمْ مِنْ عَاكِفٍ عَلَى ذَنْبِهِ خُتِمَ لَهُ بِخَيْرٍ وَ كَمْ مِنْ مُقْبِلٍ عَلَى عَمَلِهِ مُفْسِدٍ فِي آخِرِ عُمُرِهِ صَائِرٌ إِلَى اَلنَّارِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهَا أَيْ بُنَيَّ كَمْ مِنْ عَاصٍ نَجَا وَ كَمْ مِنْ عَامِلٍ هَوَى مَنْ تَحَرَّى اَلصِّدْقَ خَفَّتْ عَلَيْهِ اَلْمُؤَنُ فِي خِلاَفِ اَلنَّفْسِ رُشْدُهَا اَلسَّاعَاتُ تَنْتَقِصُ اَلْأَعْمَارَ وَيْلٌ لِلْبَاغِينَ مِنْ أَحْكَمِ اَلْحَاكِمِينَ وَ عَالِمِ ضَمِيرِ اَلْمُضْمِرِينَ يَا بُنَيَّ بِئْسَ اَلزَّادُ إِلَى اَلْمَعَادِ اَلْعُدْوَانُ عَلَى اَلْعِبَادِ فِي كُلِّ جُرْعَةٍ شَرَقٌ وَ فِي كُلِّ أُكْلَةٍ غَصَصٌ لَنْ تُنَالَ نِعْمَةٌ إِلاَّ بِفِرَاقِ أُخْرَى مَا أَقْرَبَ اَلرَّاحَةَ مِنَ اَلنَّصَبِ وَ اَلْبُؤْسَ مِنَ اَلنَّعِيمِ وَ اَلْمَوْتَ مِنَ اَلْحَيَاةِ وَ اَلسُّقْمَ مِنَ اَلصِّحَّةِ فَطُوبَى لِمَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ عَمَلَهُ وَ عِلْمَهُ وَ حُبَّهُ وَ بُغْضَهُ وَ أَخْذَهُ وَ تَرْكَهُ وَ كَلاَمَهُ وَ صَمْتَهُ وَ فِعْلَهُ وَ قَوْلَهُ وَ بَخْ بَخْ لِعَالِمٍ عَمِلَ فَجَدَّ وَ خَافَ اَلْبَيَاتَ فَأَعَدَّ وَ اِسْتَعَدَّ إِنْ سُئِلَ نَصَحَ وَ إِنْ تُرِكَ صَمَتَ كَلاَمُهُ صَوَابٌ وَ سُكُوتُهُ مِنْ غَيْرِ عِيٍّ جَوَابٌ وَ اَلْوَيْلُ لِمَنْ بُلِيَ بِحِرْمَانٍ وَ خِذْلاَنٍ وَ عِصْيَانٍ فَاسْتَحْسَنَ لِنَفْسِهِ مَا يَكْرَهُهُ مِنْ غَيْرِهِ وَ أَزْرَى عَلَى اَلنَّاسِ بِمِثْلِ مَا يَأْتِي وَ اِعْلَمْ أَيْ بُنَيَّ أَنَّهُ مَنْ لاَنَتْ كَلِمَتُهُ وَجَبَتْ مَحَبَّتُهُ وَفَّقَكَ اَللَّهُ لِرُشْدِكَ وَ جَعَلَكَ مِنْ أَهْلِ طَاعَتِهِ بِقُدْرَتِهِ إِنَّهُ جَوَادٌ كَرِيمٌ» [١٠].[١١]

الإمام الحسين مع أبيه (ع) في لحظاته الأخيرة

كان آخر ما نطق به أمير المؤمنين (ع) هو قوله تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ[١٢]، ثمّ فاضت روحه الزكية، تحفّها ملائكة الرحمن، فمادت أركان العدل في الأرض، وانطمست معالم الدين.

لقد مات ملاذ المظلومين والمحرومين الذي كرّس جهده لإقامة دولة تُنهي دور الإثرة والاستغلال، وتقيم العدل والحقّ بين الناس.

وقام سبطا رسول الله (ص) بتجهيز أبيهما المرتضى (ع)، فغسّلاه وأدرجاه في أكفانه. وفي الهزيع الأخير من الليل حملاه إلى قبره في النجف الأشرف، وقد واروا أكبر رمز للعدالة والقيم الإنسانية المثلى كما اعترف بذلك خصومه. وكتب المؤرخون: أنّ معاوية لمّا بلغه مقتل الإمام علي (ع) خرج واتّخذ يوم قتله عيداً في دمشق، فقد تحقّق له ما كان يأمله، وتمّ له ما كان يصبو إليه من اتّخاذ الملك وسيلة لاستعباد المسلمين وإرغامهم على ما يكرهون[١٣].[١٤]

المراجع والمصادر

  1. السيد منذر الحكيم، أعلام الهداية ج ٥

الهوامش

  1. بحار الأنوار ٣٢: ٧.
  2. سورة القصص، الآية ٨٣.
  3. نهج البلاغة: الخطبة الشقشقية.
  4. السيد منذر الحكيم، أعلام الهداية، ج ٥، ص ٧٤.
  5. شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ١: ٢٨٤.
  6. نهج البلاغة، من كلام له (ع) في بعض أيام صفّين، وقد رأى ابنه الحسن (ع) يتسرّع إلى الحرب، باب خطب أمير المؤمنين (ع): ٢٠٧.
  7. شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ١: ١١٨.
  8. السيد منذر الحكيم، أعلام الهداية، ج ٥، ص ٧٦.
  9. نهج البلاغة، باب الكتب والرسائل: ٤٧.
  10. تحف العقول: ٨٨ وصايا أمير المؤمنين (ع).
  11. السيد منذر الحكيم، أعلام الهداية، ج ٥، ص ٧٧.
  12. سورة الصافات، الآية ٦١.
  13. حياة الإمام الحسين (ع) ٢: ١٠٩.
  14. السيد منذر الحكيم، أعلام الهداية ج ٥ (كتاب)|أعلام الهداية، ج ٥، ص ٨١.