الاستغناء عن الناس في علم الأخلاق
تمهيد
«الاستغناء عن الناس»: هي غنى النفس، وبهذا عرّفها رسول الله (ص) حيث قال: «ليسَ الغِنَى عن كَثْرَةِ العَرَضِ، ولَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ» [١] وهي عندالله عظيمة القدر حتّى أنّ المستغنى عمّا في أيدي الناس تستجاب دعوته، وقد ورد في روايات مستفيضة ان المستغنى عن الناس لا يسئل الله الا أعطاه، ومن تلك الروايات:
عن أبي عبد الله (ع): «إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ لاَ يَسْأَلَ رَبَّهُ شَيْئاً إِلاَّ أَعْطَاهُ فَلْيَيْأَسْ مِنَ اَلنَّاسِ كُلِّهِمْ وَ لاَ يَكُونُ لَهُ رَجَاءٌ إِلاَّ عِنْدَ اَللهِ فَإِذَا عَلِمَ اَللهُ عَزَّ وَ جَلَّ ذَلِكَ مِنْ قَلْبِهِ لَمْ يَسْأَلِ اَللهَ شَيْئاً إِلاَّ أَعْطَاهُ»[٢]. وقد ورد ما يدلّ على أن الخير كله مخبوءٌ تحت هذه الصفة الكريمة.
عن علي بن الحسين(ع) قال: «رَأَيْتُ اَلْخَيْرَ كُلَّهُ قَدِ اِجْتَمَعَ فِي قَطْعِ اَلطَّمَعِ عَمَّا فِي أَيْدِي اَلنَّاسِ»[٣]
وروايات مستفيضة أخرى تدلّ على أن عزّ المؤمن في استغنائه عن الناس، منها:
عن أبي عبد الله (ع) قال: «شَرَفُ اَلْمُؤْمِنِ قِيَامُ اَللَّيْلِ وَ عِزُّهُ اِسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ اَلنَّاسِ.» [٤]
والقرآن اهتمّ بذلك حيث عرّف الفقير المؤمن بأنه لا يسئل بالكفّ الحافاً فهو مستغنٍ عمّا في أيديهم، فيحسب الجاهل بحاله انه غنى ثمّ أوصى بالانفاق له.
قال الله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾[٥].[٦]
والانصاف ان هذه الفضيلة فضيلة عالية، سيما للمعدم، وكمال لاكمال فوقه، بل إنه كلّ الكمال. ولها مراتب ضعفاً وشدة.
فالمرتبة الأولى منها هي الاستغناء عن شرار الناس من السفهاء والحمقاء والأراذل ونحوهم سيما عمّن يمنّ عليه، وعلى حدّ تعبير القرآن من يبطل عمله بالمنّ والأذى.
وفي الأدعية المعصوميّة سؤال الله الإيمان والعافية والغنى عن شرار الناس، فيفهم منها ان الاستغناء عن الناس والغناء عن شرارهم هامٌّ ذو مكانةٍ بحيث يتلو تلو الإيمان والعافية، إليك هذه الدعاء: «اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الامْنَ وَالايْمانِ وَالتَّصْديقَ بِنَبيّكَ وَالعافيَةَ مِنْ جَميعِ البَلاءِ وَالشُكْرَ عَلى العافيَةِ وَالغِنى عَنْ شِرارِ النّاسِ».[٧] والمرتبة المتوسطة منها هي الاستغناء عن عامّة الناس، فهذا كمال ونعمة من نعم الله.
وهذه المرتبة هي محطّ الكلام، إذ الإنسان سيّما المؤمن عزيز، ولا يجوز له أنّ يبادل عزّه بما في أيدي الناس، بل على حدّ تعبير الرسول (ص): «لاَ يُبَالِيَ مَنْ أَكَلَ اَلدُّنْيَا» [٨]
ومن لايستغنى عمّا في أيدي الناس فهو أسيرهم، وللناس إمرةٌ عليه، سيّما عند الاحسان إليه.
قال أمير المؤمنين (ع): «تَفَضَّلْ عَلَى مَنْ شِئْتَ فَأَنْتَ أَمِيرُهُ وَ اسْتَغْنِ عَمَّنْ شِئْتَ فَأَنْتَ نَظِيرُهُ وَ اِفْتَقِرْ إِلَى مَنْ شِئْتَ فَأَنْتَ أَسِيرُهُ»[٩] ولابد ان نتذكر هنا، ان الإنسان مدنى بالطبع، فيحتاج بعض الناس إلى بعض.
قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾[١٠]
فرفع الله بعض الناس في كمالٍ، ورفع بعضهم في كمال آخر، وثالثاً في غيره وهكذا فكلّ مرفوعٌ من الله من جهة وموضوعٌ من جهة أخرى، ليتخذ بعضهم بعضا لرفع الحوائج سخريا، وهذا من سنة الله تعالى ونعمه الخفية. فكما ان الفقر في ذات الامكان ضرورىٌ فكذلك الحاجة في العيش، فهذا أمر ضروري لا شبهة فيه، ولكن هذا لا ينافي الاستغناء عنهم بمعنى أن تكون نفس الإنسان وطبعه غنيّاً غير متوقّع ولا مائلٍ إلى نعمهم، ولا يرضى ان يقضى حوائجه بدلًا عن عزّه وشرفه فكلّما يتوقّف رفع حوائجه على استبدال العزّ والشرف فهو يفرّ من ذلك فرار الغنم من الذئب، وكلّما لم يكن كذلك، يسعى في رفع حوائجه، والفرد الشايع من ذلك هو المعاملات المتداولة بين الناس، عوضاً، لا بالمجّان واكراميّاً وبذلك كلّه أشار أمير المؤمنين (ع).
عن أبي عبد الله (ع) قال: «كَانَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اَللهِ عَلَيْهِ يَقُولُ: لِيَجْتَمِعْ فِي قَلْبِكَ اَلاِفْتِقَارُ إِلَى اَلنَّاسِ وَ اَلاِسْتِغْنَاءُ عَنْهُمْ فَيَكُونَ اِفْتِقَارُكَ إِلَيْهِمْ فِي لِينِ كَلاَمِكَ وَ حُسْنِ بِشْرِكَ وَ يَكُونَ اِسْتِغْنَاؤُكَ عَنْهُمْ فِي نَزَاهَةِ عِرْضِكَ وَ بَقَاءِ عِزِّكَ.» [١١] والمرتبة العليا من الاستغناء، هي الاستغناء عن ذوى الانساب والأحساب وعن الاشراف، أو فقل عن ذوى النعم، وبهذه المرتبة أشار أمير المؤمنين (ع) في نهج البلاغة.
قال (ع): «إِنِ اسْتَطَعْتَ أَلَّا يَكُونَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللهِ ذُو نِعْمَةٍ فَافْعَلْ» [١٢] حُكى انه سئل الحاتم الطائي، هل رايت احداً أسخى منك؟ قال: نعم، رايت في البر من احتطب فقلت له لِمَ لم تذهب إلى الحاتم حتّى يستغنيك عن الاحتطاب؟ قال: تحمّل الأذى من الاحتطاب خير من ذلك.
روى أن جبرئيل لمّا رأى إبراهيم (ع) في النار قال له: «يَا إِبْرَاهِيمُ هَلْ لَكَ إِلَيَّ مِنْ حَاجَةٍ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ أَمَّا إِلَيْكَ فَلاَ وَ أَمَّا إِلَى رَبِّ اَلْعَالَمِينَ فَنَعَمْ»[١٣] والتجربة فضلًا عن الروايات والسير، دلّت على أن من استغنى عن الناس فهو حاكم على قلوبهم حتّى قلوب الامراء والشرفاء والعلماء وانه وجيه ذومكانة عندهم، فمن أراد عزّاً بلا عشيرة وهيبة بلا سلطنة ووجاهة بلا علم وشوكة بلا مال وقدرة بلا عدّة فليخرج من ذلّ الطمع إلى الاستغناء عن الناس، فمن أعطاه الله هذه الفضيلة فقد أعطاه خيراً جسيما فعليه الشكر كثيراً.
وهذه الفضيلة تلازم فضائل كثيرة، ويترتب عليها حسنات وافرة، كسائر الفضائل. ولكن ينبغي ان نذكر، ان التوكل، وهو الافتقار إلى الله تعالى والرجاء منه دون الخلق، والثّقة بالنفس وهو الاستقلال وعدم التدلي إلى الغير يُعدّان من اللوازم القريبة غير المنفكّة عن هذه الفضيلة، فمن استغنى عن الناس افتقر إلى الله واعتمد في أموره على نفسه وهما فضيلتان من معاليها، ولم يصل ولا يصل إنسان إلى مقاصده الدنياوية والأخروية الا بالثقة بالنفس والتوكل على الله تعالى، فكانّهما جناحان بهما يطير الإنسان إلى مطلوبه، ولا يمكن الوصول إليه بدونهما كما لا يمكن للطّائر أنّ يطير بدون الجناحين. ويتوقف تحصيل الفضيلتين على الاستغناء عن الناس ويلازم كلّ الآخر.
فلذا أُمِرنا في القرآن كراراً بالاستغناء عن الناس، ثمّ التوكل والثّقة بالنفس والعزم والجزم والعمل، ومن الآيات الّتي أمرت بالاستغناء عن الناس، ونهت عن النظر إلى ما في أيدي الناس، قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾[١٤] «عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ) قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ اَلْآيَةُ: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾[١٥] اِسْتَوَى رَسُولُ اَللهِ (صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) جَالِساً، ثُمَّ قَالَ: مَنْ لَمْ يَتَعَزَّ بِعَزَاءِ اَللهِ تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ حَسَرَاتٍ عَلَى اَلدُّنْيَا، وَ مَنْ أَتْبَعَ بَصَرَهُ مَا فِي أَيْدِي اَلنَّاسِ طَالَ هَمُّهُ وَ لَمْ يُشْفَ غَيْظُهُ، وَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ لِلَّهِ عَلَيْهِ نِعْمَةً، إِلاَّ فِي مَطْعَمٍ أَوْ مَشْرَبٍ، فَقَدْ قَصُرَ عَمَلُهُ وَ دَنَا عَذَابُهُ»» [١٦]
ومن الآيات الآتي مرت بالتوكّل ثمّ العزم والعمل، قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾[١٧]
وليس التوكّل توكّلًا إلا إذا اقترن بالعزم والعمل والثقة بالنفس، كما أن العزم والثقة بلا توكّل يكون ابترا غير منتجٍّ.
«رَأَى رَسُولُ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَوْماً لاَ يَزْرَعُونَ قَالَ مَا أَنْتُمْ قَالُوا نَحْنُ اَلْمُتَوَكِّلُونَ قَالَ لاَ بَلْ أَنْتُمُ اَلْمُتَّكِلوُنَ.»[١٨]
وقال (ص): «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ بِسْمِ اَللّٰهِ فَهُوَ أَبْتَرُ»[١٩]
وما لابد لنا من أنّ نتذكّر ههنا، ان الاستغناء والاعتماد والتوكل، يلازم كلّ الآخر، وكلّ سعادة في الدنيا والآخرة معلّقٌ على تلك الثلاثة وملازم لها.
قال رسول الله (ص): «وَ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى اَلنَّاسِ فَلْيَتَوَكَّلْ عَلَى اَللهِ» [٢٠].
وللسيد الأستاذ في كتابه القيّم الميزان كلام جيّد يشهد لما ذكرنا.
قال: ان الظفر بالمراد يحتاج إلى أسباب طبيعيّة وأسباب روحية، والإنسان إذا أراد الورود في أمر وهيّأ الأسباب الطبيعيّة فقد تختل الأسباب الروحيّة، كضعف الإرادة والخوف والشرة والسفه وسوء الظن وغير ذلك، فإذا توكّل على الله، قويت ارادته قوة لايغلبها شيءٌ، فكان نيلًا وسعادة، هذا خلاصة كلامه بتحريرٍ منّا. [٢١] هذا من حيث تلازم الفضائل.
واما من حيث ترتب التكليف، فالمؤمن عزيز ولا يجوز له ان يذلّ نفسه.
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾[٢٢]
وعن الصادق (ع): «إِنَّ اَللهَ عَزَّ وَ جَلَّ فَوَّضَ إِلَى اَلْمُؤْمِنِ أُمُورَهُ كُلَّهَا وَ لَمْ يُفَوِّضْ إِلَيْهِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ أَ لَمْ يَرَ قَوْلَ اَللهِ عَزَّ وَ جَلَّ هَاهُنَا: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾[٢٣] وَ اَلْمُؤْمِنُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ عَزِيزاً وَ لاَ يَكُونَ ذَلِيلاً.»[٢٤]
وذُكر في القرآن والروايات عقوبات عظيمة لمن يغفل عن هذه الفضيلة العظمى سيما للخواص وخواصّهم، وبعبارةٍ أخرى كلّ من كان ارفع درجة فعند الغفلة عن هذه الفضيلة يكون أعظم عقوبة.
فمن الآيات قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾[٢٥].
وروى الطبرسي في المجمع مذيّلًا على الآية الشريفة «يَا يُوسُفُ مَنْ أَرَاكَ اَلرُّؤْيَا اَلَّتِي رَأَيْتَهَا فَقَالَ: أَنْتَ يَا رَبِّي، قَالَ: فَمَنْ حَبَّبَكَ إِلَى أَبِيكَ قَالَ: أَنْتَ يَا رَبِّي، قَالَ: فَمَنْ وَجَّهَ اَلسَّيَّارَةَ إِلَيْكَ فَقَالَ: أَنْتَ يَا رَبِّي، قَالَ: فَمَنْ عَلَّمَكَ اَلدُّعَاءَ اَلَّذِي دَعَوْتَ بِهِ حَتَّى جَعَلَ لَكَ مِنَ اَلْجُبِّ فَرَجاً قَالَ أَنْتَ يَا رَبِّي، قَالَ: فَمَنْ جَعَلَ لَكَ مِنْ كَيْدِ اَلمَرْأَةِ مَخْرَجاً قَالَ أَنْتَ يَا رَبِّي، قَالَ: فَمَنْ أَنْطَقَ لِسَانَ اَلصَّبِيِّ بِعُذْرِكَ قَالَ: أَنْتَ يَا رَبِّي، قَالَ: فَمَنْ صَرَفَ عَنْكَ كَيْدَ اِمْرَأَةِ اَلْعَزِيزِ وَ اَلنِّسْوَةِ قَالَ: أَنْتَ يَا رَبِّي، قَالَ: فَمَنْ أَلْهَمَكَ تَأْوِيلَ اَلرُّؤْيَا قَالَ: أَنْتَ يَا رَبِّي، قَالَ: فَكَيْفَ اِسْتَغَثْتَ بِغَيْرِي وَ لَمْ تَسْتَغِثْ بِي وَ تَسْأَلْنِي أَنْ أُخْرِجَكَ مِنَ اَلسِّجْنِ، وَ اِسْتَغَثْتَ وَ أَمَّلْتَ عَبْداً مِنْ عِبَادِي لِيَذْكُرَكَ إِلَى مَخْلُوقٍ مِنْ خَلْقِي فِي قَبْضَتِي وَ لَمْ تَفْزَعْ إِلَيَّ اِلْبَثْ فِي اَلسِّجْنِ بِذَنْبِكَ بِضْعَ سِنِينَ بِإِرْسَالِكَ عَبْداً إِلَى عَبْدٍ، قَالَ اِبْنُ أَبِي عُمَيْرٍ قَالَ اِبْنُ أَبِي حَمْزَةَ: فَمَكَثَ فِي اَلسِّجْنِ عِشْرِينَ سَنَةً.»[٢٦]
ومن الروايات رواية حسين بن علوان، قال: «كُنَّا فِي مَجْلِسٍ نَطْلُبُ فِيهِ اَلْعِلْمَ وَ قَدْ نَفِدَتْ نَفَقَتِي فِي بَعْضِ اَلْأَسْفَارِ فَقَالَ لِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا مَنْ تُؤَمِّلُ لِمَا قَدْ نَزَلَ بِكَ فَقُلْتُ فُلاَناً فَقَالَ إِذاً وَ اَللهِ لاَ تُسْعَفُ حَاجَتُكَ وَ لاَ يَبْلُغُكَ أَمَلُكَ وَ لاَ تُنْجَحُ طَلِبَتُكَ قُلْتُ وَ مَا عَلَّمَكَ رَحِمَكَ اَللهُ قَالَ إِنَّ أَبَا عَبْدِ اَللهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ حَدَّثَنِي أَنَّهُ قَرَأَ فِي بَعْضِ اَلْكُتُبِ أَنَّ اَللهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَقُولُ وَ عِزَّتِي وَ جَلاَلِي وَ مَجْدِي وَ اِرْتِفَاعِي عَلَى عَرْشِي لَأَقْطَعَنَّ أَمَلَ كُلِّ مُؤَمِّلٍ [مِنَ اَلنَّاسِ] غَيْرِي بِالْيَأْسِ وَ لَأَكْسُوَنَّهُ ثَوْبَ اَلْمَذَلَّةِ عِنْدَ اَلنَّاسِ وَ لَأُنَحِّيَنَّهُ مِنْ قُرْبِي وَ لَأُبَعِّدَنَّهُ مِنْ فَضْلِي أَ يُؤَمِّلُ غَيْرِي فِي اَلشَّدَائِدِ وَ اَلشَّدَائِدُ بِيَدِي وَ يَرْجُو غَيْرِي وَ يَقْرَعُ بِالْفِكْرِ بَابَ غَيْرِي وَ بِيَدِي مَفَاتِيحُ اَلْأَبْوَابِ وَ هِيَ مُغْلَقَةٌ وَ بَابِي مَفْتُوحٌ لِمَنْ دَعَانِي فَمَنْ ذَا اَلَّذِي أَمَّلَنِي لِنَوَائِبِهِ فَقَطَعْتُهُ دُونَهَا وَ مَنْ ذَا اَلَّذِي رَجَانِي لِعَظِيمَةٍ فَقَطَعْتُ رَجَاءَهُ مِنِّي جَعَلْتُ آمَالَ عِبَادِي عِنْدِي مَحْفُوظَةً فَلَمْ يَرْضَوْا بِحِفْظِي وَ مَلَأْتُ سَمَاوَاتِي مِمَّنْ لاَ يَمَلُّ مِنْ تَسْبِيحِي وَ أَمَرْتُهُمْ أَنْ لاَ يُغْلِقُوا اَلْأَبْوَابَ بَيْنِي وَ بَيْنَ عِبَادِي فَلَمْ يَثِقُوا بِقَوْلِي أَ لَمْ يَعْلَمْ [أَنَّ] مَنْ طَرَقَتْهُ نَائِبَةٌ مِنْ نَوَائِبِي أَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ كَشْفَهَا أَحَدٌ غَيْرِي إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِي فَمَا لِي أَرَاهُ لاَهِياً عَنِّي أَعْطَيْتُهُ بِجُودِي مَا لَمْ يَسْأَلْنِي ثُمَّ اِنْتَزَعْتُهُ عَنْهُ فَلَمْ يَسْأَلْنِي رَدَّهُ وَ سَأَلَ غَيْرِي أَ فَيَرَانِي أَبْدَأُ بِالْعَطَاءِ قَبْلَ اَلْمَسْأَلَةِ ثُمَّ أُسْأَلُ فَلاَ أُجِيبُ سَائِلِي أَ بَخِيلٌ أَنَا فَيُبَخِّلُنِي عَبْدِي أَ وَ لَيْسَ اَلْجُودُ وَ اَلْكَرَمُ لِي أَ وَ لَيْسَ اَلْعَفْوُ وَ اَلرَّحْمَةُ بِيَدِي أَ وَ لَيْسَ أَنَا مَحَلَّ اَلْآمَالِ فَمَنْ يَقْطَعُهَا دُونِي أَ فَلاَ يَخْشَى اَلْمُؤَمِّلُونَ أَنْ يُؤَمِّلُوا غَيْرِي فَلَوْ أَنَّ أَهْلَ سَمَاوَاتِي وَ أَهْلَ أَرْضِي أَمَّلُوا جَمِيعاً ثُمَّ أَعْطَيْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِثْلَ مَا أَمَّلَ اَلْجَمِيعُ مَا اِنْتَقَصَ مِنْ مُلْكِي مِثْلَ عُضْوِ ذَرَّةٍ وَ كَيْفَ يَنْقُصُ مُلْكٌ أَنَا قَيِّمُهُ فَيَا بُؤْساً لِلْقَانِطِينَ مِنْ رَحْمَتِي وَ يَا بُؤْساً لِمَنْ عَصَانِي وَ لَمْ يُرَاقِبْنِي.»[٢٧].[٢٨]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ بحار الأنوار، ج ٧٤، ص ١٦٢، باب ٧، ح ١.
- ↑ الكافي، ج ٢، ص ١٤٨، باب الاستغناء عن الناس، ح ٢
- ↑ الكافي، ج ٢، ص ١٤٨، باب الاستغناء عن الناس، ح ٣
- ↑ الكافي، ج ٢، ص ١٤٨، باب الاستغناء عن الناس، ح ١
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٧٣.
- ↑ الكافي، ج ٢، ص ٥٨٧، ذيل ح ٢٥.
- ↑ الكافي، ج ٢، ص ٥٨٧، ذيل ح ٢٥.
- ↑ الكافي، ج ٢، ص ١٢٨، باب الذم الدّنيا والزهد فيها، ح ٢
- ↑ بحار الأنوار، ج ٧٠، ص ١٦٩، باب ١٢٩، ذيل ح ٦
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٣٢.
- ↑ الكافي، ج ٢، ص ١٤٩، باب الاستغناء عن الناس، ح ٧.
- ↑ بحار الأنوار، ج ٧٤، ص ٢٢٨، باب ٨، ح ٢.
- ↑ البرهان، ج ٤، ص ٦٢، ح ١٠
- ↑ سورة طه، الآية ١٣١.
- ↑ سورة طه، الآية ١٣١.
- ↑ تفسير الصافي ذيل الآية الشريفة ١٣١ - طه
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٥٩.
- ↑ مستدرك الوسائل، ج ١١، ص ٢١٧، باب ١١، ح ١٢٧٨٩.
- ↑ تفسير الصافي، ج ١، ذيل تفسير بسم الله الرحمن الرحيم
- ↑ بحار الأنوار، ج ٧١، ص ١٥١، باب ٦٣، ح ٥١.
- ↑ الميزان، ج ٤، ص ٦٥
- ↑ سورة المنافقون، الآية ٨.
- ↑ سورة المنافقون، الآية ٨.
- ↑ تفسير البرهان، ج ٤، ص ٣٣٩
- ↑ سورة يوسف، الآية ٤٢.
- ↑ تفسير مجمع البيان، ج ٥، ص ٣٥٩.
- ↑ الكافي، ج ٢، ص ٦٦، باب التفويض إلى الله والتوكل عليه، ح ٧
- ↑ حسين المظاهري، دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية، ج۲، ص ٣٠٣.