لا يوجد موضوع ذو صلة - لا يوجد مدخل ذو صلة - لا يوجد سؤال ذو صلة

تمهيد

اجتمع رؤساء قريش في دار الندوة، للتشاور فيما حدث أخيراً، من تجمع القوى والعناصر الإسلامية وتمركزها في المدينة، فاتّخذوا قراراً قاطعاً وحاسماً وخطيراً، وهو القضاء على النبي (ص) والتخلص منه بقتله، بواسطة اشتراك جميع القبائل في هذا العمل الإجرامي حيث قال المقترح: فتختاروا من كلّ قبيلة رجلاً قوياً ثمّ تسلحوه حساماً عضباً، وليهجموا عليه بالليل ويقطّعوه إرباً إرباً، فيتفرّق دمه في قبائل قريش جميعها، فلا يستطيع بنو هاشم وبنو المطلب مناهضة قبائل قريش كلّها في صاحبهم، فيرضون حينئذٍ بالدية منهم. فاستحسن الجميع هذا الرأي واتّفقوا عليه، ثمّ اختاروا القتلة، على أن يؤدّوا مهمتهم بالليل أثناء الظلام.[١]

إلاّ أن جبرائيل (ع) نزل على الرسول (ص) وأبلغه بمؤامرة المشركين فقرأ عليه قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ[٢].

ثمّ إنّ النبي (ص) قرر أن ينام شخص في فراشه ليتصوّر المشركون أنّه (ص) موجود في منزله لم يبرحه، فيرتكز عملهم على محاصرة البيت دون الاهتمام بمراقبة الطرقات في نواحي مكة. فنام الإمام علي (ع) في فراش النبي (ص) وحاصر المنزل أربعون فرداً من قريش، وخرج النبيقالب:ص من الباب دون أن يشعر به أفراد قريش المكلفون بقتله، حينما قرأ (ص) «سورة يس» إلى قوله: ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ[٣]. وخروج النبي (ص) بهذه الصورة والكيفية، فسّره البعض بأنّ القوم المحاصرين كانوا نياماً لحظة خروجه، إلاّ أنّ آخرين يرون إنّه خرج من البيت عن طريق الإعجاز والكرامة دون أن يروه ويحسّوا به.

وقبيل طلوع الفجر عند ساعة الصفر، هجم المتآمرون على فراش النبي (ص) ففوجئوا بوجود الإمام علي (ع) يكشف عن نفسه، فغضبوا وندموا على انتظارهم الطويل حتّى الفجر، ولاموا أبا جهل الذي منعهم من دخول البيت فحمّلوه مسؤولية فشل الخطة، ولكنّهم أسرعوا في وضع خطه جديدة لترتيب أمر ملاحقته والقبض عليه.

وكان النبي (ص) وأبو بكر قد أمضيا ليلة الهجرة وليلتين أُخريين في غار ثور الواقع في جنوب مكة، وذلك ليعمّي على قريش فلا يتبعوا أثره، إذ أنّ الطريق إلى المدينة يقع في شمال مكّة.

وبالنسبة إلى مصاحبة أبي بكر للنبي (ص) فهي مسألة تاريخية غامضة، فيعتقد البعض أنّها كانت بالصدفة، أي أنّه تقابل معه في الطريق فاصطحبه معه إلى غار ثور، بينما يرى آخرون أنّ النبي (ص) ذهب في نفس الليلة إلى منزل أبي بكر فخرجا في منتصف الليل إلى الغار.[٤] في حين أنّ فريقاً ثالثاً يذهب إلى أنّ أبا بكر جاء إلى النبي (ص) فأرشده الإمام علي (ع) إلى مخبأ النبي (ص) .

أمّا قريش فقد بادرت إلى بثِّ العيون والجواسيس في طرقات مكّة، ومراقبة مداخلها ومخارجها، وبعثت القافلة تقتص أثره(ص) في كلّ مكان وخاصة طريق مكة ـ المدينة، كما عيّنت مائة من الإبل جائزة لمن يقبض عليه (ص) ويردّه إليهم، أو لمن يأتي عنه بخبر صحيح.

وقد تمكّن المتتبعون لأثر قدم الرسول (ص) من الوصول إليه عند باب الغار، إلاّ أنّهم استبعدوا وجودهما فيه، نظراً لنسج العنكبوت وبيض الحمام. فاستمرّت محاولات البحث ثلاثة أيّام بلياليها دون جدوى.

وقد تردّد على النبي (ص) خلال تواجده في الغار: علي (ع) و هند بن أبي هالة (ابن خديجة) حسب رواية الشيخ الطوسي في أماليه، و عبد الله بن أبي بكر و عامر ابن فهيرة راعي أغنام أبي بكر، حسب رواية كثير من المؤرخين.

والنقطة الهامة في هذه القضية هي مفاداة الإمام علي (ع) النبي بنفسه. وتعريض حياته لخطر الموت في سبيل الدين والإسلام وحياة النبي (ص)، فهو نموذج رائع من الحب الحقيقي للحقّ، وقد مدحه الله تعالى في كتابه العظيم قائلاً: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ[٥]

وقد دفعت هذه العملية التضحوية الكبرى كبار علماء الإسلام إلى اعتبارها واحدة من أبرز وأكبر فضائل الإمام (ع) وإلى وصفه بالفداء والبذل والاِيثار، واعتبار الآية المذكورة في شأنه من المسلمات قلّما بلغ الحديث في التفسير والتاريخ إليها.[٦]

وقد طلب النبي (ص) من الإمام علي (ع) أن يبتاع بعيرين له ولصاحبه، فقال أبو بكر: قد كنت أعددتُ لي ولك يا نبي الله راحلتين نرتحلهما إلى يثرب، فدفع إليه الرسول (ص) ثمنهما.[٧]

كما أوصى النبي (ص) علياً (ع) بأن يؤدّي أمانته على أعين الناس، وأمره بترتيب رحلة الفواطم: فاطمة الزهراء(ع)، و فاطمة بنت أسد أُمّ الإمام علي (ع) و فاطمة بنت الزبير، ومن يريد الهجرة معه من بني هاشم إلى يثرب، وما يحتاجون له من زاد وراحلة.

وقد هيّأ الإمام (ع) أوّلاً ثلاث رواحل ودليلاً أميناً يدعى «أريقط» للترحال إلى المدينة، فخرج النبي (ص) مع صاحبه متوجهَين إلى يثرب سالكَين الخط الساحلي.

ومن هذه الليلة يبدأ تاريخ المسلمين، حيث بدأوا يقيسون كلّ ما يقع من الحوادث بذلك العام فيحددون تاريخه وزمان حدوثه.

ففي العام الأول للهجرة، حقق المسلمون انتصاراً عظيماً وباهراً، وتأسّست لهم فيه حكومة مستقلة، وتخلّصوا من التشرذم والتبعثر، وتمركزت قواهم وعناصرهم في نقطة واحدة وبيئة حرة، لا أثر فيها للكبت والاضطهاد، ممّا جعلهم لكلّ ذلك يتخذون هذا العام مبدأ لتاريخهم.

فالنبي (ص) بنفسه جعل التاريخ الهجري، وإنّ أي إعراض وتجاهل له واختيار تاريخ آخر مكانه، إعراض عن سنة رسول الإسلام الكريم (ص) ومخالفة لما رسمه للمسلمين. وأمّا ما اشتهر بين المورخين من أنّ الخليفة عمر بن الخطاب هو الذي جعل هجرة النبي (ص) مبدأ للتاريخ باقتراح وتأييد الإمام علي (ع) فهو غير صحيح، لأنّ شيئاً من الإمعان والتبصّر في مراسلات النبي (ص) ومكاتباته المدرجة في كتب التاريخ والسيرة والحديث، تثبت أنّ النبي (ص) هو الذي اعتمد تلك الحادثة الكبرى كمبدأ للتاريخ، فقد أرّخ رسائله وكتبه إلى أُمراء العرب وزعماء القبائل وغيرهم من الشخصيات البارزة، بذلك التاريخ الهجري، فهناك كثير من الكتب أُرّخت قبل السنة ١٦ أو ١٧ من الهجرة، وقد يكون في السنة الخامسة الهجرية.

كما أنّ أصحابه (ص) أرّخوا في أيّام حياته، الحوادث الإسلامية بهجرته، فقالوا: وقع كذا في شهر كذا من الهجرة، فمثلاً قيل: حولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة في شهر شعبان، ستة عشر شهراً أو ١٧ شهراً أو ١٨ شهراً.

وفي السنة الخامسة من الهجرة، أمر الرسول (ص) بإحلال السنة الهجرية مكان الشهر الهجري.[٨]

المراجع والمصادر

  1.   جعفر السبحاني، السيرة المحمدية

الهوامش

  1. طبقات ابن سعد: ١/ ٢٢٧؛ السيرة النبوية: ١/ ٤٨٠.
  2. سورة الأنفال، الآية ٣٠.
  3. سورة يس، الآية ٩.
  4. تاريخ الطبري: ٢/ ١٠٠.
  5. سورة البقرة، الآية ٢٠٧.
  6. مسند أحمد: ١/ ٨٧؛ كنز العمال: ٦/ ٤٠٧؛ الغدير: ٢/ ٤٧.
  7. الكامل: ٢/ ٧٣؛ السيرة الحلبية: ٢/ ٥٣.
  8. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٩٩-١٠٤.