جندب بن زهير بن الحارث الغامدي الأزدي

من إمامةبيديا
(بالتحويل من جندب بن زهير الأزدي)

نبذة

جندب بن زهير بن الحارث الغامدي الأزدي من صحابة الإمام، اتبع الإمام في مناهج الخير والعلم، وانتهل من معينه الثر، وسار في الدنيا زاهدا متهجدا، وإذا التهب الوغى وحمى الوطيس بين الحق والباطل جرد سيفه، وراح يضرب به أعداء الله.

عاش ابن زهير مطلع حياته في الجاهلية ثم أشرق الإسلام في الأجواء العربية، فسارع واعتنق الإسلام في لهفة مشبوبة، ولما كانت سماحته النفسية تلائم مناهج الإسلام فإنه سرعان ما أحب الإسلام وتعاليمه التربوية، وصحب رسول الله(ص)، وكان يؤدي واجباته تجاه الإسلام على أفضل الوجوه حتى نزل في ذلك قرآناً يتلى.

كانت نفسية ابن زهير ترتاح إلى الصلاة والصوم والعمل الايجابي البناء، وكان في نفس الوقت يرتاح إلى مديح المسلمين له، والاشادة به. قال ابن عباس وهو يحدثنا عن ابن زهير: كان جندب بن زهير إذا صلى أو صام أو تصدق، فذكر بخير ارتاح له، فزاد في ذلك لمقالة الناس، فانزل الله تعالى في ذلك: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا[١][٢].

وكان جندب من زعماء الناس، من ذوي المواهب الفذة في الشجاعة والبطولة، والسماحة النفسية، وكانت نفسه تلتهب حماسة في معاضدة الإسلام، والثورة ضد الولاة الجشعين الذين لا يأبهون بمصالح الشعب أو عواطفه بل يهمهم كراسي الحكم، والارتواء من شهوة الحكم، وصولجان السلطة، وفي ذات ليلة اجتمع ابن زهير، و مالك الأشتر، و جندب بن كعب الأزدي، و صعصعة بن صوحان، و عمرو بن الحمق الخزاعي، و زيد بن صوحان و ثابت بن قيس الهمداني، و كميل بن زياد، و عروة بن الجعد عند محافظ الكوفة سعيد بن العاص في عهد عثمان يسمرون عنده، وكان رئيس الشرطة: عبد الرحمن الأسدي يسمر معهم، تشعبت الأحاديث بين السامرين، وكان سعيد الرجل الاستقراطي ينظر إلى رعيته كأنهم خول له، وإلى السواد كأنه ضيعة له، ولأصحابه من قريش، ولكن هذه النظرة كانت فكرة تجول في رأسه لم يفصح عنها ببيان أو يعبر عنها بلسان، ولكنها فكرة كانت تضغط عليه، ويعيشها عمليا في خلال مسؤليته كمحافظ، وفي هذه الليلة سار الحديث وئيدا بين رفاق السمر حول المعارك التي شهدتها العراق في المدائن عاصمة الساسانيين، وما نجم عنها من سيطرة الإسلام عليها بسيوف المسلمين من يمنيين وقرشيين، وغيرهم من البطون والأفخاذ، وكل واحد من السامرين كان يدلي بدلوه في الحديث، ويستعرض بعض ذكرياته عن تلك المعارك، علما ان رفاق السمر كانوا قد اشتركوا في هذه المعارك عن كزعماء وقادة، وبعضهم كجنود بسطاء ارتقت بهم مواهبهم ومؤهلاتهم إلى صفوف القادة والزعماء، كاد الحديث أن يختم، وكاد الليل أن ينتصف، وكاد الفجر أن يدب إلى مطالعه، وإذا بالمحافظ المتغطرس سعيد بن العاص يطلق قنبلته في وسط السامرين الذين كادوا أن ينفضوا ويقول: «إنما السواد بستان قريش».

وهكذا بكلمة بسيطة عبر الرجل عن مشاعره تجاه السامرين، وتجاه السواد. ان ملكية السواد تتعلق بقريش، بنفر من قريش، بزعمائها، وأصحاب النفوذ فيها. إذن السواد هي من رؤس أموال قريش يستثمرونها كيفما يحلولهم، لا يحق لأحد أن يتدخل في شؤن السواد طالما هي من ممتلكات، قريش أي من ممتلكات سعيد وقومه.

انها دعوى تحتاج إلى براهين، ولكن لسان سعيد تكلم يوحي استقراطيته، ونشأته القبلية لا يوحي الإسلام وتعاليمه التربوية العادلة، ولم يكد سعيد يتفوه بكلمته تلك حتى ثار السامرون في وجهه، واستخفوا به، فقال الأشتر، وكان سيد السامرين: «أتزعم أن السواد الذي افاءه الله علينا بأسيافنا بستان لك ولقومك»، وعاضده السامرون، وقاموا معه، وهكذا المؤمن الشجاع إذا تكلم نطق بالمنطق والبرهان.

ان السواد الذي فتحه الإسلام بسيف الأشتر وصحبه، وأضاءوا في جوانبها مشاعل الإسلام ان هذه البلاد بثرواتها العظيمة تمسي بستانا لقريش أو بتعبير أدق بستان سعيد الأموي، ورفاقه في الدولة.

هذه الأرض التي روتها الدماء الزكية من اليمنيين وغيرهم من القبائل العربية المسلمة، وبذلت فوق أرضها التضحيات في سبيل إشاعة مجد الإسلام في جوانبها تمسي بستانا لسعيد، ومن لف لفه.

كلا والله طالما ان الأشتر ورفاقه اليمنيين تنبض قلوبهم، وهم أحياء شهود، ومن هذا المنطلق جابهه الأشتر، اللسان الناطق عن مشاعر السامرين: أتزعم ان السواد الذي أفاءه الله علينا بأسيافنا بستان لك ولقومك.

كان جو القاعة متوترا هائجا، كانت الأصوات من هنا وهناك تنطلق محتجة مدينة، وما أن انطلقت الأصوات تدين المحافظ الرسمي سعيدا حتى قام رئيس الشرطة دون المحافظ ينافح عنه، ويناضل السامرين الذين خرقوا حرمة المحافظ، وحرمة، ناديه فهتف مستنكرا غاضبا مزمجرا في صوت أجش: «أتردون عليه مقالته». ثم كال لهم الشتائم والسباب من كل لون ونوع.

أليس هو رئيس الشرطة، والمفروض عليه أن يتقن مفردات قاموس السباب والشتائم.

ان عبد الرحمن الأسدي مدير الشرطة كان أهون على الأشتر من أن يصد الثورة الثائرة للسامرين، كان الأسدي قد أغلظ القول للأشتر ورفاقه، ولمح في خلال شتائمه ان القوم قد حملقوا فيه في عيون غضبى، ووجوه مريدة مكفهرة يحاولون أن يثوروا به الأمر الذي تأهب للفرار، ولكن الأشتر استلب منه الفرصة، ونادى في رفاقه: «لا يفوتنكم الرجل» وما ان سمع الرفاق تحذير الأشتر حتى وثبوا على الأسدي مدير الشرطة، فصرعوه ثم وطئوا بطنه وجوارحه وطئاً شديداً حتى غشى عليه.

وكان سعيد المحافظ النبيل في خلال المعركة الدائرة بين مدير شرطته وبين السامرين الغاضبين قد اهتبل الفرصة، وتوارى من القاعة في خضم الثورة التي غشيت العيون، فلا ترى الا فريستها الأسدي، توارى المحافظ هاربا تاركا صديقه يتعاوره السامرون باللكم والوطئ، ويتلاقفه القدر بشدائده.

وهكذا أصحاب الدعاوى العريضة إذا حزبهم أمر تخلوا عن دعواهم وفروا، وأطلقوا سيقانهم للرياح، وبعد أن انتهى السامرون الغاضبون من فريستهم حملقوا يتتبعون أرجاء القاعة كأنهم قد أضلوا شيئا، وإذا بهم يهتفون في إستياء وحنق: أين سعيد.. أين سعيد، ولكن سعيداً يسعد في الاختفاء في بيوت حريمه، ولما خرج السامرون وقد تبدلت قاعة السمر إلى ساحة معركة خف الشرطة، وخدم الدار لنجدة الأسدي، ولما أفاق أدار عينيه ليرى سعيدا، وبضعة من أصدقائه، ومن خدم الدار. انه مطمأن اذن، وفي كنف طمأنينة، وجه كلامه الضعيف النبرات، وهو يرمق سعيداً: «قتلني من انتخبت».

نعم ان الذين اختارهم سعيد أن يسمر معهم قد أثقلوه جراحاً، وأشبعوه وطئاً، وهنا نظر سعيد إلى الضحية المسكينة نظرة عطف وحنان، وأخذ يهتف ما يعيد إلى مدير شرطته رصيده في الولاء: والله لا. يسمر عندي أحد أبدا».

طفق الثائرون السامرون يهجون سعيداً، ويثقلون كاهل الدولة بسهامهم هذه الغير المريشة وكنانتها تلك المثقلة وأوشك الشعب الذي ناء بسيرة الولاة المتغطرسين، وضاق بهم ذرعا أن يثور في حماس من ديست كرامته.

ولما كاد فتيل الثورة أن يشتعل حتى خف سعيد وجماعة من بطانته إلى رسالة نمقوها، وأشبعوها باللائمة على السامرين الذين يحاولون أن يخرجوا على سلطان الدولة، ويشقوا عصا الأمة. كتب سعيد وبطانته رسالة وأرسلوها إلى الخليفة في المدينة، وهناك تدبر الخليفة الرسالة وبعد تداول الأمر مع بطانته قر رأيهم على: أبعاد زعماء الثورة إلى الغرب أي إلى معاوية في الشام، وبالفعل خطوا رسالة، وختمها عثمان، وحملها البريد إلى سعيد محافظ المدينة الثائرة وفي نفس الوقت كتب عثمان إلى معاوية: ان نفرا قد خلقوا للفتنة، فاقم عليهم وأنههم، فإن آنست منهم رشدا فاقبل، وإن أعيوك فارددهم علي».

كانت الصحراء بين السواد والغوطة تشهد النفر الثائر، زعماء الثائرين، وتشهد ابن زهير صاحب الترجمة، ومالك الأشتر، ورفاقهما في الرحلة تخب بهم النوق في حراسة طابور من شرطة الدولة، وهناك عندما التقى الركب المنفي بالأموي أنزلهم الأخير كنيسة مريم زيادة في الاذلال، وإرهاقا لرعاياه المسيحيين.

كان الأموي يتفقدهم ويحضر على مائدتهم، ويأكل معهم، ويتودد إليهم جهده عله يصيدهم بمصيدة الدهاء والمكيدة، وفي ذات يوم ارتاد مجلس المنفيين وحاول أن يستدرجهم إلى الطاعة والولاء للدولة، فطفق يتكلم بتروي، وبدأ كلامه بالأشادة بهم، ولم ينس قومه أن يزف إليهم بأكبر نصيب في الاشادة ثم شرع في تقريعهم مما أثار حفائظ المنفيين، قال: إنكم قوم من العرب، لكم أسنان والسنة، وقد أدركتم بالإسلام شرفا، وغلبتم لامم، وحويتم مواريثهم، وقد بلغني أنكم نقمتم قريشا، ولو لم تكن قريش كنتم أذلة. إن أئمتكم لكم جنة، فلا تتفرقوا عن جنتكم».

فانبرى أحد المنفيين يرد عليه، ونهض آخرون يؤيدون وجهة نظر صاحبهم، فأجابهم معاوية بكلمات جارحة، فحدثت بينهما نقاش حاد وأخذ ورد، وكلمات جارحة الأمر الذي ثار به المنفيون، ووثبوا عليه، وأخذوا رأسه ولحيته يسحبونه، وينتفون، شعره، فصاح معاوية في غمرة الألم: «مه.. مه ان هذه ليست بأرض الكوفة...».

يريد أن يقول ان هذه الأرض غير تلك ثم طفق يهددهم بجنوده وبطانته.

انسحب الأموي منفلتا من السامرين الغاضبين، وخف إلى قرطاسه وريشته، وشرع يكتب ما يمليه عليه حنقه وغضبه على المنفيين الذين عبئوا بشعر رأسه، وطاقة لحيته. كتب رسالة إلى عثمان: «انه قدم علي أقوام ليست لهم عقول، ولا أديان، إضجرهم العدل».

إذن هؤلاء المنفيين لا عقل لهم، ولا دين حسب زعم الأموي. فكتب عثمان إليه: أن يردهم إلى موطنهم الكوفة، فأعادهم معاوية، وهو سار بخلاصه من المنفيين الذين لا يحترمون حرمة عامل، ويجترون على الرؤوس واللحى، وهناك وفي الكوفة عاد المنفيون سيرتهم الأولى في الاعلام المضاد للحكومة، وممثلها في البلد، وأطلقوا ألسنتهم يستعرضون الأوضاع المتردية، وتدفق الناس والأهالي يعاضدونهم، ويؤيدونهم فخاف سعيد بن العاص جانبهم، وأسرع وكتب إلى عثمان يضج من سيرة السامرين الغاضبين، وبعد أسابيع جاءته تعاليم من عثمان تقرر له أن ينفيهم ثانية إلى خارج السواد حتى يأمن جانبهم. وهكذا صال ابن زهير صاحب الترجمة ضد الولاة العتاة، وأرهقهم بنشاطه وحماسه في سبيل الإسلام والسلام ضد العتاة والجاهلية المحاربة المتسترة.

الجمل: اشترك ابن زهير في معركة الجمل في حماس كبير، وكان أول من لبي دعوة الإمام للمشاركة في إدانة العملية الجملية، وكان شهيرا في صفوف الناس بالبأس والقوة، وحتى أعدائه كانوا يرهبون بأسه وسطوته بل كان يقرن بالاشتر ذلك القائد المحنك المغوار.

هتف هاتف في صفوف جنود العسكر: يا معشر فتيان قريش أحذركم رجلين، فأصغى جنود العسكر وقد لذعتهم الرهبة والذعر من هذين الرجلين، يا ترى من هما، ثم واصل الهاتف كلامه: جندب بن زهير الغامدي، والاشتر، فلا تقوموا السيوفهما، ثم استعرض الهاتف ملامح ابن زهير حتى يعرفه جنود العسكر معرفة العيان: أما جندب فرجل ربعة يجردرعه حتى يعفى اثره[٣].

صفين: لما هتف منادي الإمام للرحلة باتجاه صفين كان جندب بن زهير ورفاقه الذين ذاقوا متاعب المنفى، وعانوا من الولاة المستهترين في طليعة من لبوا نداء الإمام، وكان ابن زهير يتلوا هذه الآية الكريمة، وهو ينهد باتجاه المعركة: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ *الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ[٤].

وعرف الإمام جهود ابن زهير في سبيل أهداف الإسلام وله مقوماته النفسية والفكرية المضيئة، ولمس شجاعته الفذة في الولاء فنصبه قائدا على رجالة صفين.

وفي صفين طفق ابن زهير ينشد الشعر الحماسي لكي يثير في جنوده الحماس، ويشيد بالمعنويات الكبيرة التي تتحلى بها القيادة، والتي يسير في ظلها الجنود قال:

هذا علي والهدى حقا معهيا رب فاحفظه ولا تضيعه
فإنه يخشاك رب فارفعهنحن نصرناه على من نازعه
صهر النبي المصطفى قد طاوعهأول من بايعه وتابعه


ونسبت هذه الأبيات لعدي بن حاتم، وهو صحابي آخر من كبار صحابة الإمام، فلربما أنشدها أحدهما واقتبسها الآخر منه.

وفي معركة من معارك صفين رمى الإمام بكتيبة من الأزد يتزعمها مخنف بن سليم الأزدي في نحر كتيبة أزدية تسير في ضلال معسكر العدو، وعندما شهد ابن سليم موضعه من كتيبته، والكتيبة الأزدية من معسكر العدو، وهما ينتميان إلى قبيلة واحدة فكر تفكيراً قبليا المطبوع بطابع العصبية بعيداً عن مناهج الإسلام في مثل هذه المواقع المتأزمة، فكر ابن سليم كيف بإمكانه أن يخوض حربا ضد أبناء عمومته من عشيرته وقبيلته، ولكن تفكيره لم يسعفه بالحل المرضي الأمر الذي راح يزمجر غاضبا في إعصار يخطب جنوده من الأزد، وكان هناك في صفوف الجنود صاحب الترجمة ابن زهير الأزدي يصغي إلى لفحات ابن سليم: «إن من الخطب الجليل، والبلاء العظيم أنا صرفنا إلى قومنا، وصرفوا إلينا، فوالله ما هي إلا أيدينا نقطعها بأيدينا، وما هي إلا أجنحتنا نحذفها بأسيافنا، فإن نحن لم نفعل لم نناصح صاحبنا، ولم نواص جماعتنا، وإن نحن فعلنا فعزنا أبحنا، ونارنا أخمدنا».

ولما سمع ابن زهير هذا التحدي الصارخ لمشيئة القيادة، وهذا التردد بين المضي قدما وبين الرجوع القهقرى حتى أثبرى مفندا تفكير ابن سليم القبلى، ومبددا عواطفه التي لا ريّ فيها ولا نداوة، ولا هي بالتالي مستقيمة، وكيف تتحكم العواطف في معارك دائرة بين الإسلام وبين الجاهلية المستلمة. إن أرضية المعركة تتحكم فيها منطق الإسلام الصارم، لا منطق العواطف والوشائج.

قال ابن زهير زعيم الرجالة من الأزد وغيرهم: «والله لو كنا آبائهم ولدناهم أو كنا أبنائهم ولدونا ثم خرجوا من جماعتنا، وطعنوا على، امامنا، ووازروا الظالمين الحاكمين بغير الحق على أهل ملتنا وذمتنا ما افترقنا بعد إذ اجتمعنا حتى يرجعوا عما هم عليه، ويدخلوا فيما ندعوهم إليه أو تكثر القتلى فيما بيننا وبينهم.

وهكذا وبهذا التفكير المشرق أوضح تلميذ الإمام أخطاء ابن سليم، ولكن ابن سليم لم يستطع ان يكبح جماح نفسه، وقد أهينت فكرته الترددية الأمر الذي راح يذم ابن زهير، ويكشف أخلاق ابن زهير السديدة الصارمة وبحسبها مساوئ فقال: «والله ما علمتك صغيراً وكبيراً الا مشؤماً، والله ما ميلنا الرأي في أمرين قط: أيهما نأتي وأيهما ندع في الجاهلية، ولا بعد ما أسلمنا الا اخترت أعسرهما وأنكدهما. اللهم فإن نعافى أحب إلينا من أن نبتلى، اللهم أعط كل رجل منا ما سألك».

ثم ان ابن زهير بطل الفكر الإسلامي النير، وبطل المعارك لم يرسل الحبل إلى أكثر من هذا حتى طفق يهرول باتجاه المعركة، وتبعه جنوده الذين اكتشفوا في قائدهم هذا مفكراً مخلصاً، وفقيهاً عارفاً، ومحباً لمسيرة القيادة وسلامتها. انطلق ابن زهير وجنوده يخوضون غمرات المعركة بين الحق والباطل حتى استشهد صاحبنا ابن زهير الشيخ المفكر عن عمر ناهز السبعين عاماً، استشهد وهو ينافح عن القيادة الرشيدة، ومبادئها ضد طواغيت الباطل في سنة ٣٧ ه[٥].[٦]

المراجع والمصادر

  1. السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب ج٢

الهوامش

  1. سورة الكهف: ١١٠.
  2. اسد الغابة ١: ٣٠٣.
  3. اسد الغابة ١: ٣٠٣.
  4. سورة الحج: ٣٩.
  5. الكامل، حوادث سنة ٣٧، العبر للذهبي ١: ٣٩.
  6. السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج٢، ص ١٩٨-٢٠٧.