زيارة كربلاء
لا يوجد موضوع ذو صلة - لا يوجد مدخل ذو صلة - لا يوجد سؤال ذو صلة
تمهيد
انّ أفضل وأقدس الزيارات في العقيدة الإسلامية والروايات الواردة هي زيارة مرقد سيد الشهداء في كربلاء، ولم ترد مثل هذه التأكيدات والتوصيات بشأن زيارة اي إمام ولا حتى زيارة قبر الرسول (ص). وجاء في بعض الأحاديث انّ زيارة الإمام الحسين(ع) أفضل وأرجح حتّى من زيارة الكعبة، وان لها من الأجر والثواب ما يعادل عشرات ومئات الحجج والعمرات. ويتبيّن من لحن الروايات وكأنّها تريد الايحاء إلى انها في حدّ «الفريضة» على الشيعة، وتحبّذ عدم تركها لأي سبب أو خطر أو مانع، وترى في تركها جفاء له.
روي عن الإمام الصادق(ع) انّه قال: «زِيَارَةُ اَلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مَنْ يُقِرُّ لِلْحُسَيْنِ بِالْإِمَامَةِ مِنَ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ»[١]. انّ ثمّة تلازم بين الاعتقاد بالإمامة وزيارة الإمام في (حال حياته أو بعد مماته). وقد أولت الروايات لهذه المسألة أهمية خاصة. انّ الزيارة اذا اقترنت بالخوف فانّ لها قيمة وأجراً كبير. وهذا يعكس التأثير الاجتماعي للزيارة، ويظهر مدى ولاء وتضحية الزائر.
قال الإمام الصادق(ع) لـابن بكير الذي كان يتحدث عن مدى ما لقيه من خوف وهلع في الطريق إلى زيارة أبي عبد الله(ع): «أَلَا تُحِبُّ انَّ يَرَاكَ اللَّهُ فِينَا خَائِفاً»[٢]؟ وقال الإمام الباقر(ع) في جوابه لـزرارة حين سأله عن زيارة الحسين(ع) على خوف: «انَّ اللَّهِ يُكْتَبُ لَهُ الْأَمَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[٣].
وقال جعفر بن محمد الصادق(ع) لـ محمد بن مسلم الذي كان يذهب لزيارة الحسين(ع) وهو خائف: «مَا كَانَ مِنْ هَذَا أَشَدَّ فَالثَّوَابُ فِيهِ عَلَى قَدْرِ اَلْخَوْفِ وَ مَنْ خَافَ فِي إِتْيَانِهِ آمَنَ اَللَّهُ رَوْعَتَهُ يَوْمَ يَقُومُ اَلنّٰاسُ لِرَبِّ اَلْعٰالَمِينَ ...»[٤].
وجاء عن الإمام الصادق(ع) في حديث طويل أشار فيه إلى ثواب ذلك بالقول: «مَنْ زَارَهُ فاصابه ظَلَمَ سُلْطَانٍ وَ قَتَلَ هُنَاكَ، تُمْحَى ذُنُوبُهُ مَعَ أَوَّلِ قطره تَسِيلُ مِنْ دَمِهِ، وَ مَنْ زَارَهُ فسجن فِي سَبِيلِهِ فَلَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سِجْنُ فِيهِ يَوْمٍ مِنَ الْفَرَحِ فِي الْقِيَامَةِ، وَ مَنْ زَارَهُ فَضَرَبَ هُنَاكَ فَلَهُ فِي مُقَابِلَ كُلِّ ضَرْبَةٍ حُورِيَّةً فِي الْجَنَّةِ . وَلَهٍ لِقَاءِ كُلُّ أَذًى يُصِيبُهُ فِي بَدَنِهِ، حَسَنَةً»[٥]، وقال أيضاً: «مَنْ أَتَى قَبْرَ اَلْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَارِفاً بِحَقِّهِ غَفَرَ اَللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَ مَا تَأَخَّرَ»[٦].
نعم، انّ الوصول إلى كربلاء يتطلب ارادة حديدية وقلبا شجاعا، ومحبّة جارفة، ولا بد ان يكون زاد المرء في هذا السفر، الصبر واليقين، وردائه التوكّل، وسلاحه الإيمان، ومركبه الروح حتّى يبلغ الغاية المنشودة ؛ لأن طريق كربلاء يمر عبر فيافى المحبّة وميادين التضحية والمنعطفات المحفوفة بالمخاطر والمخاوف. ومن الطبيعي ان يكون ثواب زيارة كربلاء مثيراً للدهشة كأن يكون له ثواب المقاتل بين يدي رسول الله (ص) والإمام العادل، أو كثواب شهداء بدر، أو كثواب الحج والعمرة لعدّة مرّات، أو عتق ألف رقبة، واعداد ألف فرس للمجاهدين في سبيل الله[٧].
لا شكّ ان مدى الأجر والثواب يتوقف على مدى معرفة الزائر، وكيفية الزيارة، والظروف الاجتماعية السائدة. فكربلاء رمز لمظلومية أهل البيت وائمة الشيعة من جهة، وهي من جهة اخرى مظهر بارز لدفاع آل علي وعترة النبي عن الإسلام والقرآن. والتوجّه إلى مزار سيد الشهداء إنمّا هو تكرار متواصل ودائم للحق، واستذكار للمظلومية.
فاذا كتب للكعبة والحج والصلاة والجهاد ان تبقى، فبقاؤها بفضل شهيد عاشوراء الذي أحيا الدين. والإسلام مدين لثار الله إلى الأبد. ومن هنا أيضاً ينبثق بغض اعداء الإسلام للحسين ولمرقد الحسين. فقد كانت زيارته على الدوام مقرونة بالمصاعب والموانع والخوف. إلّا ان شوق زيارة كربلاء ينمو منذ البداية في قلوب الشيعة الداعين إلى الحقّ والاحرار المنادين بالفضيلة.
وكانوا محبّو سيد الشهداء على استعداد لبذل النفس والمال وتقديم الأيدي والأرجل، وبقي طريق كربلاء المغلق حسرة على الدوام في نفوس الشيعة، سواء في عصر الأمويين والعباسيين أم في عهد الحكومة البعثية في التاريخ المعاصر، وظل امل فتح طريق كربلاء مشعلا ينير قلوب عشاق الحسين، وتحملوا مرارة الهجران في سبيل هذا الامل. فزائر الحسين عاشق متفان، وزيارة كربلاء عبادة ربّانية وملكوتية.
قال الإمام الصادق(ع): «إِذَا أَرَدْتَ اَلْحُسَيْنَ فَزُرْهُ وَ أَنْتَ حَزِينٌ مَكْرُوبٌ شَعِثاً أَغْبَرَ جَائِعاً عَطْشَاناً»[٨].
وورد في حديث آخر تكملة لهذا الحديث وهي: لأن الحسين(ع) مات على هذا الحال[٩].[١٠]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ وسائل الشيعة ١٠: ٣٤٦، أمالي الصدوق: ١٢٣، جاء في «المزار» للشيخ المفيد عن الإمام الباقر(ع) انّه قال: «مُرُوا شِيعَتَنَا بِزِيَارَةِ قَبْرِ اَلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِمَا اَلسَّلاَمُ، فَإِنَّ إِتْيَانَهُ مُفْتَرَضٌ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ يُقِرُّ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِمَا اَلسَّلاَمُ بِالْإِمَامَةِ مِنَ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ».
- ↑ وسائل الشيعة ١٠: ٣٤٥، بحار الانوار ٩٨: ١١.
- ↑ كامل الزيارات: ١٢٥، وسائل الشيعة ١٠: ٣٥٦.
- ↑ كامل الزيارات: ١٢٧، وسائل الشيعة ١٠: ٣٥٧، بحار الانوار ٩٨: ١١.
- ↑ كامل الزيارات: ١٢٤ (مع التلخيص).
- ↑ أمالي الصدوق: ١٩٧.
- ↑ وردت أحاديثه في مصادر من قبيل: كامل الزيارات وسائل الشيعة، بحار الانوار ... الخ.
- ↑ وسائل الشيعة ١٠: ٤١٤.
- ↑ بحار الانوار ٩٨: ١٤٢.
- ↑ جواد المحدثي، موسوعة عاشوراء، ص ٢١٥.