صفات الله الذاتية
تمهيد
تقسم الصفات الإلهية إلى: صفات الذات و صفات الفعل.
الصفة الذاتية بلحاظ أحد الكمالات الإلهية تُنتزع من الذات وتُحمل عليها، مثلاً: من صفاته الكمالية أنه قادر على القيام بكل عمل، الذهن بالتوجه إلى هذا الكمال الوجودي ينتزع مفهوم القدرة وينسبه للذات الإلهية، من جهة أخرى الصفة الفعلية هي مفهوم أخذ من وجود علاقة خاصة بين الذات الإلهية وموجود آخر، مثلاً: لله علاقة إيجادية خاصة مع الموجودات الأخرى، فيخرجهم من حالة المعدومية ويهبهم الوجود؛ بالتوجه إلى هذه العلاقة الخاصة ننسب مفهوم الخلق لله ونسميه خالق.
يتضح مما سبق أنه لتوصيف الله بالصفات الذاتية يكفي أخذ الذات الإلهية بعين الاعتبار ولا حاجة لتصور أمر خارج عن الذات؛ ولكن لاستعمال الصفات الفعلية بالإضافة إلى ذات الله، يجب أن يُلاحظ شيء آخر، مثلاً إذا أردنا أن نصف الله بالخالقية يجب أولاً أن نتصور موجود آخر أوجده الله، ثم بتصور العلاقة بين الله وذلك الموجود ننسب صفة الخلق لله، بعبارة أخرى: منشأ انتزاع الصفات الذاتية نفس الذات الإلهية لكن الصفات الفعلية لله تُنتزع من مقام الفعل! بمعنى أن الذات بملاحظة فعلها تتصف بهذه الصفة. وبذلك تُعدّ بعض الصفات كالعلم والقدرة والحياة من الصفات الذاتية وبعضها الآخر كالخلق والرزق والرحمة والهداية و... من صفاته الفعلية. وكما سوف نذكر في الأبحاث التالية إن بعض هذه الصفات كالعلم والإرادة يمكن أن تُعتبر صفة ذاتية من جهة وصفة فعلية من جهة أخرى.[١]
عينية الذات والصفات أو الزيادة على الذات؟
صفات الله الذاتية عين الذات أو زائدة عن الذات؟
يرى الإمامية بعينية الصفات والذات.[٢]
صفات الله تعالى عين ذاته[٣]
يذهب أتباع أهل البيت (ع) إلى أنّ صفات الله الحقيقية عين ذاته.
أي: ليس لهذه الصفات وجود إلاّ وجود الذات.
وأنّ هذه الصفات على رغم تعدّد مفاهيمها في الصعيد الذهني والاعتباري، فإنّها تشير إلى مصداق ووجود واحد في الواقع الخارجي، وذلك الوجود الواحد هو الذات الإلهية[٤].
دليل ذلك: كلّ ما دل على بطلان زيادة الصفات على الذات بدوره دليل على عينية الصفات والذات.
توضيح ذلك:
- لو لم تكن صفاته تعالى عين ذاته لزم احتياجه تعالى في صفاته إلى ما سواه وافتقاره إلى شيء وراء ذاته، ولكن إذا كانت صفاته عين ذاته لم يقع هذا المحذور.
- لو لم تكن صفاته تعالى عين ذاته لزم خلو ذاته تعالى من العلم والقدرة في مرتبة الذات، وهذا لا يليق بالذات الإلهية، ولكن إذا كانت صفاته عين ذاته لم يقع هذا المحذور.
- لو لم تكن صفاته تعالى عين ذاته لزم أن تكون الذات مركّبة من أجزاء، والتركيب مستحيل عليه تعالى، ولكن إذا كانت صفاته عين ذاته لم يقع هذا المحذور.[٥]
بيان معنى كون صفاته تعالى عين ذاته
من أهم الأمور التي تساعد على فهم معنى كون صفاته تعالى عين ذاته هي مسألة فهم «المفهوم والمصداق».
المفهوم: مجموع الصفات والخصائص الموضّحة لمعنى كلّي[٦].
المصداق: الفرد الذي يتحقّق فيه معنى كلّي[٧].
تنبيه: من الأمور المهمّة التي ينبغي الالتفات إليها أنّ المصداق الواحد يصح أن تطلق عليه العديد من المفاهيم.
مثاله: إنّ الإنسان بكلّ وجوده «مخلوق» لله تعالى. وهو أيضاً بكلّ وجوده «معلوم» لله تعالى.
ففي هذا المقام: الإنسان «مصداق» واحد.
و«مخلوق» و «معلوم» «مفهومان» يطلقان على هذا «المصداق» الواحد.
وهذا الإطلاق لا يعني:
جزء من ذات الإنسان مخلوق لله تعالى.
وجزء آخر من ذات هذا الإنسان معلوم لله تعالى.
بل:
هذا الإنسان بكلّ وجوده مخلوق لله تعالى.
وهو في نفس الوقت بكلّ وجوده معلوم لله تعالى.
ولا يخفى بأنّ مفهوم «مخلوق» مغاير لمفهوم «معلوم».
وهما على رغم هذا التغاير من ناحية «المفهوم» يطلقان على «مصداق» واحد.[٨]
بيان المفهوم والمصداق الإلهي
- وجود الله تعالى واحد، ولكن ينتزع منه بالنظر إلى تجلّياته المختلفة مفاهيم كثيرة. أي: إنّ لله تعالى حقيقة واحدة، وتعتبر صفاته الذاتية كلّها مفاهيم تعبّر عن مصداق واحد، هو الله تعالى.
- تعدّد الصفات لا يستلزم التركيب في ذاته تعالى؛ لأنّ كلّ صفة من صفاته تعالى لا تشكّل جزءاً خاصاً من ذاته تعالى، بل كلّ واحدة من هذه الصفات تشكّل تمام الذات، والكثرة هنا تكون في عالم المفهوم دون الواقع الخارجي الذي هو المصداق.
- أوصاف العلم والقدرة والحياة أوصاف مشتركة بين الله تعالى والإنسان من حيث المفهوم ولكنّها تختلف من حيث المصداق. فهذه الأوصاف في الإنسان ممكنة، فقيرة، محدودة، مجسّمة، ولكنّها في الله تعالى واجبة غنية لا متناهية. والله تعالى في المصداق ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾[٩]
- السبب في فهم الإنسان لله الواحد الحقيقي البسيط بمجموعة مختلفة من المفاهيم يعود إلى الإنسان ذاته وإلى تركيبة جهازه الإدراكي؛ لأنّ دأب العقل أنّه لا يستوعب الحقيقة التي يواجهها إلاّ بعد تجزئتها[١٠].
- المفاهيم أوعية محدودة، ويبقى الإنسان مقيّداً بهذه الحدود في معرفته التوحيدية، وتبقى الذات الإلهية فوق جميع التصوّرات.[١١]
أحاديث أهل البيت(ع) المبيّنة بأنّ صفات الله عين ذاته
1. قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(ع): «لم يزل الله عزّ وجلّ ربّنا والعلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع، والبصر ذاته ولا مبصر، والقدرة ذاته ولا مقدور، فلمّا أحدث الأشياء وكان المعلوم، وقع العلم منه على المعلوم، والسمع على المسموع، والبصر على المبصر، والقدرة على المقدور»[١٢].
2. عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر(ع) أنّه قال في صفة القديم: «إنّه واحد صمد أحدي المعنى، ليس بمعاني كثيرة مختلفة. قال: قلت: جعلت فداك يزعم قوم من أهل العراق أنّه يسمع بغير الذي يبصر، يبصر بغير الذي يسمع. قال: كذبوا وألحدوا وشبّهوا، تعالى الله عن ذلك، إنّه سميع بصير يسمع بما يبصر، ويبصر بما يسمع»[١٣].
3. جاء في حديث الزنديق الذي سأل أبا عبد الله(ع): أنّه قال له: أتقول: إنّه سميع بصير؟
فقال أبو عبد الله(ع): «هو سميع بصير، سميع بغير جارحة، وبصير بغير آلة، بل يسمع بنفسه ويبصر بنفسه وليس قولي: إنّه سميع بنفسه أنّه شيء والنفس شيء آخر، ولكنّي أردت عبارة عن نفسي إذ كنت مسؤولاً، وإفهاماً لك إذ كنت سائلاً، فأقول يسمع بكلّه لا أنّ كلّه له بعض لأنّ الكل لنا [ له ] بعض، ولكن أردت إفهامك والتعبير عن نفسي، وليس مرجعي في ذلك كلّه إلاّ أنّه السميع البصير العالم الخبير بلا اختلاف الذات ولا اختلاف المعنى»[١٤].[١٥]
ردّ الإشكالات الواردة على القول بالعينية
الإشكال الأوّل: لو قلنا بأنّ صفات الله عين ذاته لما صح عندئذ حمل أيّة صفة من الصفات على الذات؛ لأنّه يشترط في صحة حمل شيء على شيء أن يكون هناك نوع تغاير بينهما، وإلاّ لكان من قبيل حمل الشيء على نفسه، وهو باطل[١٦].
- يرد عليه:
المقصود من القول بأنّ صفاته تعالى عين ذاته
أنّها عين الذات من ناحية المصداق.
لا أنّها عين الذات من ناحية المفهوم.
بل الصفات مغايرة للذات من ناحية المفهوم.
ولوجود هذه المغايرة في المفهوم يصح حمل الصفات على الذات[١٧].
الإشكال الثاني: لو كان العلم نفس الذات، والقدرة نفس الذات، لكان العلم نفس القدرة، وهذا واضح البطلان[١٨].
- يرد عليه[١٩]: المقصود من القول: بأنّ «العلم» نفس الذات، و «القدرة» نفس الذات هو: أنّ مصداق «العلم» ومصداق «القدرة» في الله تعالى واحد.
وأمّا في صعيد المفهوم:
فلا يخفى بأنّ مفهوم «العلم» مغاير لمفهوم «القدرة».
ولا يصح القول بأنّ مفهوم «العلم» نفس مفهوم «القدرة».
وانّما يصح القول بأنّ هذين المفهومين يطلقان على مصداق واحد.
وكما بيّنا لا إشكال في إطلاق مفاهيم متعدّدة على مصداق واحد.
- بعبارة أخرى: عندما نقول «العلم» و «القدرة» نفس الذات، فالمقصود:
إنّ «العلم» و «القدرة» مفهومان يطلقان على مصداق واحد، وهذا المصداق هو ذات الله تعالى.
وليس المقصود: أنّ مفهوم «العلم» نفس مفهوم «القدرة» ليرد عليه الإشكال المذكور.
الإشكال الثالث: لو كان علمه تعالى عين ذاته لصح القول: يا علم الله اغفر لي وارحمني[٢٠].
- يرد عليه: المقصود من القول بأنّ علمه تعالى عين ذاته: أنّ مصداق «العلم» ومصداق «الذات» واحد.
- وليس المقصود: أنّ مفهوم «العلم» ومفهوم «الذات» واحد.
ولهذا لا يصح استعمال مفهوم «العلم» بدل مفهوم «الذات» فيما لو كان المقصود الإشارة إلى مفهوم «الذات»؛ لأنّ ما يفهم من «العلم» غير ما يفهم من «لفظ الجلالة».
- أضف إلى ذلك: إنّ «العلم» مصدر، ولا يصح في اللغة أن ينادى المسمّى بالمصدر، بل الصحيح أن ينادى المسمّى بالاسم. ولهذا فالصحيح أن نقول: يا عليم اغفر لي وارحمني.[٢١]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ١٩٣-١٩٧.
- ↑ علاء الحسون، التوحيد عند مذهب أهل البيت (ع)، ص65.
- ↑ انظر: كشف المراد، العلاّمة الحلي: المقصد الثالث، الفصل الثانى.، المسألة 19، ص 410، إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث التوحيد، كون صفاته تعالى أزلية، ص 222.
- ↑ هذا القول لا يعني مقولة النيابة؛ لأنّ النيابة مبنية على نفي الصفات الكمالية كالعلم والقدرة، ولكن هذا القول يعترف بوجود هذه الصفات الكمالية في مقام الذات. انظر: أوائل المقالات، الشيخ المفيد: القول في الصفات، ص 52.
- ↑ علاء الحسون، التوحيد عند مذهب أهل البيت (ع)، ص70-71.
- ↑ انظر: المعجم الوسيط: مادة (ف ه م).
- ↑ انظر: المصدر السابق: مادة (ص د ق).
- ↑ علاء الحسون، التوحيد عند مذهب أهل البيت، ص71-72.
- ↑ سورة الشورى، الآية 11.
- ↑ انظر: التوحيد، بحوث في مراتبه ومعطياته، تقريراً لدروس السيّد كمال الحيدري، جواد علي كسار: 1 / 177 ـ 187 .
- ↑ علاء الحسون، التوحيد عند مذهب أهل البيت (ع)، ص72-73.
- ↑ الكافي، الكليني: ج 1، كتاب التوحيد، باب صفات الذات، ح 1، ص 107؛ التوحيد، الصدوق: باب 11، ح1، ص 134، 135.
- ↑ الكافي، الكليني: ج 1، كتاب التوحيد، باب آخر وهو من الباب الأوّل، ح 1، ص 108.
- ↑ المصدر السابق، ح 2، ص 108 ـ 109.
- ↑ علاء الحسون، التوحيد عند مذهب أهل البيت (ع)، ص73-74.
- ↑ انظر: المواقف، عضدالدين الايجي، شرح: الشريف الجرجاني: ج 3، الموقف الخامس، المرصد الرابع، المقصد الأوّل، ص 69.
- ↑ انظر: المصدر السابق.
- ↑ انظر: المصدر السابق: ص 70.
- ↑ انظر: المصدر السابق.
- ↑ الإبانة، أبو الحسن الأشعري: الباب الثامن، الفصل الثاني، ص 109.
- ↑ علاء الحسون، التوحيد عند مذهب أهل البيت (ع)، ص74-76.