وجود الله تعالى

من إمامةبيديا

تمهيد

وجوده تعالى أغنى من أن يحتاج إلى بيان أو يتوقف على برهان، حيث إن العيان يغني عن البيان، والوجدان يكفي عن البرهان.

وقد أيقن به كل ذي علم، وأدركه كل ذي عقل، وأحس به كل ذي شعور، وفهمته كل فطرة بحيث أغنى الصباح عن المصباح. حتى الذي ينكره بلسانه لا محالة يتوجه إليه عند الإضطرار بقلبه وجنانه، بل يمكن القول بأن وجوده الشريف فطري جبلي حتى للبهائم و الحيوانات كما في قصة نملة سليمان(ع) وقضايا الوجدان التي تدلنا على توجه الحيوانات أيضاً إلى الله تعالى... ففي الحديث:

"إِنَّ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ(ع) خَرَجَ يَسْتَسْقِيَ فَمَرَّ بِنَمْلَةٍ مُلْقَاةٍ عَلَى ظَهْرِهَا، رَافِعَةٍ قَوَائِمَهَا إِلَى السَّمَاءِ وَ هِيَ تَقُولُ اللَّهُمَّ أَنَا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ وَ لَا غِنًى بِنَا عَنْ رِزْقِكَ فَلَا تُهْلِكْنَا بِذُنُوبِ غَيْرِنَا. فَقَالَ سُلَيْمَانُ(ع): ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ بِغَيْرِكُمْ"[١].

وفي الأخبار شواهد كثيرة على ذلك يقف عليها المتتبع.

فإثبات وجود الصانع إذن لا يحتاج في الحقيقة إلى دليل بعد حكم الفطرة؛ إذ مقتضى الفطرة عدم الحاجة بعدها إلى الأدلة... .

إلا أنه تبرّكاً بوحي السماء وإتماماً للحجة الغراء نشير إلى هذه الأدلة الآتية الدالة على وجود الله جل شأنه [٢]:

دليل الكتاب

وقد بيّن القرآن الكريم أحسن البيان، وأقام أتقن البرهان على وجود الله تعالى المنان بالشواهد اليقينية والدلائل التكوينية في آيات مباركاتٍ أحصاها العلامة المجلسي في البحار[٣] تحت عنوان إثبات الصانع والإستدلال بعجائب صنعه على وجوده في ضمن ذكر ۲۴۴ آية شريفة من الكتاب العزيز منها قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ[٤].

وهذه الآية الشريفة بوحدها مشتملة على سبع آيات من آيات الله العجيبة و مخلوقاته الغريبة التي تدل على وجود خالق لها ومدبر في إحداثها وسبب لدوامها.

وكفى بها آيةً تدفع الريب وترفع الشك عن وجود فاطر السماوات والأرضين، الذي يؤمن به كل من تدبر وفكر فيها من المسلمين و الكافرين.[٥]

دليل السنة

وقد أفاض نبي الإسلام وأهل بيته الكرام، الأنوار اللامعة، والحِكَم البارعة في إثبات وجود الله تعالى بمتواتر الحديث بل فوق التواتر من الأحاديث المفيدة للعلم واليقين بوجود الله الحق المبين كما تلاحظها على كثرتها في جميع كتب التوحيد، و ربما تزيد على مئة حديث، و من ذلك ما نقتطفه من أحاديث البحار التالية:

  1. الحديث العلوي الشريف عن أميرالمؤمنين(ع): "وَ لَوْ فَكَّرُوا فِي عَظِيمِ الْقُدْرَةِ وَ جَسِيمِ النِّعْمَةِ لَرَجَعُوا إِلَى الطَّرِيقِ وَ خَافُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ وَ لَكِنِ الْقُلُوبُ عَلِيلَةٌ وَ الْأَبْصَارُ مَدْخُولَةٌ[٦] أَ فَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى صَغِيرِ مَا خَلَقَ كَيْفَ أَحْكَمَ خَلْقَهُ وَ أَتْقَنَ تَرْكِيبَهُ وَ فَلَقَ لَهُ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ سَوَّى لَهُ الْعَظْمَ وَ الْبَشَرَ انْظُرُوا إِلَى النَّمْلَةِ فِي صِغَرِ جُثَّتِهَا وَ لِطَافَةِ هَيْئَتِهَا لَا تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ الْبَصَرِ وَ لَا بِمُسْتَدْرَكِ الْفِكَرِ كَيْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا وَ ضَنَّتْ عَلَى رِزْقِهَا[٧] تَنْقُلُ الْحَبَّةَ إِلَى جُحْرِهَا وَ تُعِدُّهَا فِي مُسْتَقَرِّهَا تَجْمَعُ فِي حَرِّهَا لِبَرْدِهَا وَ فِي وُرُودِهَا لِصُدُورِهَا مَكْفُولٌ بِرِزْقِهَا مَرْزُوقَةٌ بِوَفْقِهَا لَا يُغْفِلُهَا الْمَنَّانُ وَ لَا يَحْرِمُهَا الدَّيَّانُ وَ لَوْ فِي الصَّفَا الْيَابِسِ وَ الْحَجَرِ الْجَامِسِ[٨] لَوْ فَكَّرْتَ فِي مَجَارِي أَكْلِهَا وَ فِي عُلْوِهَا وَ سُفْلِهَا وَ مَا فِي الْجَوْفِ مِنْ شَرَاسِيفِ بَطْنِهَا وَ مَا فِي الرَّأْسِ مِنْ عَيْنِهَا وَ أُذُنِهَا لَقَضَيْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَباً وَ لَقِيتَ مِنْ وَصْفِهَا تَعَباً فَتَعَالَى الَّذِي أَقَامَهَا عَلَى قَوَائِمِهَا وَ بَنَاهَا عَلَى دَعَائِمِهَا لَمْ يَشْرَكْهُ فِي فِطْرَتِهَا فَاطِرٌ وَ لَمْ يُعِنْهُ عَلَى خَلْقِهَا قَادِرٌ وَ لَوْ ضَرَبْتَ فِي مَذَاهِبِ فِكْرِكَ لِتَبْلُغَ غَايَاتِهِ مَا دَلَّتْكَ الدَّلَالَةُ إِلَّا عَلَى أَنَّ فَاطِرَ النَّمْلَةِ هُوَ فَاطِرُ النَّحْلَةِ لِدَقِيقِ تَفْصِيلِ كُلِّ شَيْءٍ وَ غَامِضِ اخْتِلَافِ كُلِّ حَيٍّ. وَ مَا الْجَلِيلُ وَ اللَّطِيفُ وَ الثَّقِيلُ وَ الْخَفِيفُ وَ الْقَوِيُّ وَ الضَّعِيفُ فِي خَلْقِهِ إِلَّا سَوَاءٌ كَذَلِكَ السَّمَاءُ وَ الْهَوَاءُ وَ الرِّيحُ وَ الْمَاءُ فَانْظُرْ إِلَى الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ النَّبَاتِ وَ الشَّجَرِ وَ الْمَاءِ وَ الْحَجَرِ وَ اخْتِلَافِ هَذَا اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ تَفَجُّرِ هَذِهِ الْبِحَارِ وَ كَثْرَةِ هَذِهِ الْجِبَالِ وَ طُولِ هَذِهِ الْقِلَالِ وَ تَفَرُّقِ هَذِهِ اللُّغَاتِ وَ الْأَلْسُنِ الْمُخْتَلِفَاتِ. فَالْوَيْلُ لِمَنْ أَنْكَرَ الْمُقَدِّرَ وَ جَحَدَ الْمُدَبِّرَ. زَعَمُوا أَنَّهُمْ كَالنَّبَاتِ مَا لَهُمْ زَارِعٌ وَ لَا لِاخْتِلَافِ صُوَرِهِمْ صَانِعٌ لَمْ يَلْجَئُوا إِلَى حُجَّةٍ فِيمَا ادَّعَوْا وَ لَا تَحْقِيقٍ لِمَا وَعَوْا وَ هَلْ يَكُونُ بِنَاءٌ مِنْ غَيْرِ بَانٍ أَوْ جِنَايَةٌ مِنْ غَيْرِ جَانٍ؟! وَ إِنْ شِئْتَ قُلْتَ فِي الْجَرَادَةِ إِذْ خَلَقَ لَهَا عَيْنَيْنِ حَمْرَاوَيْنِ وَ أَسْرَجَ لَهَا حَدَقَتَيْنِ قَمْرَاوَيْنِ وَ جَعَلَ لَهَا السَّمْعَ الْخَفِيَّ وَ فَتَحَ لَهَا الْفَمَ السَّوِيَّ وَ جَعَلَ لَهَا الْحِسَّ الْقَوِيَّ وَ نَابَيْنِ بِهِمَا تَقْرِضُ وَ مِنْجَلَيْنِ بِهِمَا تَقْبِضُ تَرْهَبُهَا الزُّرَّاعُ فِي زَرْعِهِمْ وَ لَا يَسْتَطِيعُونَ ذَبَّهَا وَ لَوْ أَجْلَبُوا بِجَمْعِهِمْ حَتَّى تَرِدَ الْحَرْثَ فِي نَزَوَاتِهَا وَ تَقْضِيَ مِنْهُ شَهَوَاتِهَا وَ خَلْقُهَا كُلُّهُ لَا يَكُونُ إِصْبَعاً مُسْتَدِقَّةً فَتَبَارَكَ الَّذِي يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا[٩] وَ يُعَفِّرُ لَهُ خَدّاً وَ وَجْهاً وَ يُلْقِي بِالطَّاعَةِ إِلَيْهِ سِلْماً وَ ضَعْفاً وَ يُعْطِي لَهُ الْقِيَادَ رَهْبَةً وَ خَوْفاً فَالطَّيْرُ مُسَخَّرَةٌ لِأَمْرِهِ أَحْصَى عَدَدَ الرِّيشِ مِنْهَا وَ النَّفَسِ وَ أَرْسَى قَوَائِمَهَا عَلَى النَّدَى وَ الْيَبَسِ قَدَّرَ أَقْوَاتَهَا وَ أَحْصَى أَجْنَاسَهَا فَهَذَا غُرَابٌ وَ هَذَا عُقَابٌ وَ هَذَا حَمَامٌ وَ هَذَا نَعَامٌ دَعَا كُلَّ طَائِرٍ بِاسْمِهِ وَ كَفَلَ لَهُ بِرِزْقِهِ وَ أَنْشَأَ السَّحَابَ الثِّقَالَ فَأَهْطَلَ دِيَمَهَا وَ عَدَّدَ قِسَمَهَا فَبَلَّ الْأَرْضَ بَعْدَ جُفُوفِهَا وَ أَخْرَجَ نَبْتَهَا بَعْدَ جُدُوبِهَا"[١٠].
  2. "عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: دَخَلَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ عَلَى الصَّادِقِ(ع) فَقَالَ لَهُ الصَّادِقُ: يَا ابْنَ أَبِي الْعَوْجَاءِ أَ مَصْنُوعٌ أَنْتَ أَمْ غَيْرُ مَصْنُوعٍ؟ قَالَ لَسْتُ بِمَصْنُوعٍ. فَقَالَ لَهُ الصَّادِقُ(ع) فَلَوْ كُنْتَ مَصْنُوعاً كَيْفَ كُنْتَ تَكُونُ؟ فَلَمْ يُحِرِ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ جَوَاباً[١١] وَ قَامَ وَ خَرَجَ"[١٢].
  3. "دَخَلَ أَبُو شَاكِرٍ الدَّيَصَانِيُّ وَ هُوَ زِنْدِيقٌ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) فَقَالَ لَهُ يَا جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ دُلَّنِي عَلَى مَعْبُودِي فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع): اجْلِسْ فَإِذَا غُلَامٌ صَغِيرٌ فِي كَفِّهِ بَيْضَةٌ يَلْعَبُ بِهَا فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع) نَاوِلْنِي يَا غُلَامُ الْبَيْضَةَ فَنَاوَلَهُ إِيَّاهَا فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع) يَا دَيَصَانِيُّ هَذَا حِصْنٌ مَكْنُونٌ لَهُ جِلْدٌ غَلِيظٌ وَ تَحْتَ الْجِلْدِ الْغَلِيظِ جِلْدٌ رَقِيقٌ وَ تَحْتَ الْجِلْدِ الرَّقِيقِ ذَهَبَةٌ مَائِعَةٌ وَ فِضَّةٌ ذَائِبَةٌ فَلَا الذَّهَبَةُ الْمَائِعَةُ تَخْتَلِطُ بِالْفِضَّةِ الذَّائِبَةِ وَ لَا الْفِضَّةُ الذَّائِبَةُ تَخْتَلِطُ بِالذَّهَبَةِ الْمَائِعَةِ فَهِيَ عَلَى حَالِهَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا خَارِجٌ مُصْلِحٌ فَيُخْبِرَ عَنْ إِصْلَاحِهَا وَ لَمْ يَدْخُلْ فِيهَا دَاخِلٌ مُفْسِدٌ فَيُخْبِرَ عَنْ إِفْسَادِهَا لَا يُدْرَى لِلذَّكَرِ خُلِقَتْ أَمْ لِلْأُنْثَى تَنْفَلِقُ عَنْ مِثْلِ أَلْوَانِ الطَّوَاوِيسِ أَ تَرَى لَهَا مُدَبِّراً؟ قَالَ فَأَطْرَقَ مَلِيّاً ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ وَ أَنَّكَ إِمَامٌ وَ حُجَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَ أَنَا تَائِبٌ مِمَّا كُنْتُ فِيهِ"[١٣].
  4. "أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ الدَّيَصَانِيَّ أَتَى بَابَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهُ فَلَمَّا قَعَدَ قَالَ لَهُ يَا جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ دُلَّنِي عَلَى مَعْبُودِي فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع): مَا اسْمُكَ؟ فَخَرَجَ عَنْهُ وَ لَمْ يُخْبِرْهُ بِاسْمِهِ. فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: كَيْفَ لَمْ تُخْبِرْهُ بِاسْمِكَ؟ قَالَ: لَوْ كُنْتُ قُلْتُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ كَانَ يَقُولُ مَنْ هَذَا الَّذِي أَنْتَ لَهُ عَبْدٌ؟ فَقَالُوا لَهُ عُدْ إِلَيْهِ فَقُلْ يَدُلُّكَ عَلَى مَعْبُودِكَ وَ لَا يَسْأَلُكَ عَنِ اسْمِكَ. فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ يَا جَعْفَرُ دُلَّنِي عَلَى مَعْبُودِي وَ لَا تَسْأَلْنِي عَنِ اسْمِي. فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع): اجْلِسْ وَ إِذَا غُلَامٌ صَغِيرٌ..."[١٤]
  5. "الْحُسَيْنِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا(ع): أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا الدَّلِيلُ عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ؟ فَقَالَ: أَنْتَ لَمْ تَكُنْ ثُمَّ كُنْتَ وَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّكَ لَمْ تُكَوِّنْ نَفْسَكَ وَ لَا كَوَّنَكَ مَنْ هُوَ مِثْلُكَ"[١٥].
  6. "عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع) فَقِيلَ لَهُ بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: بِفَسْخِ الْعَزْمِ وَ نَقْضِ الْهَمِّ عَزَمْتُ فَفُسِخَ عَزْمِي وَ هَمَمْتُ فَنُقِضَ هَمِّي"[١٦].
  7. "هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو شَاكِرٍ الدَّيَصَانِيُّ إِنَّ لِي مَسْأَلَةً تَسْتَأْذِنُ لِي عَلَى صَاحِبِكَ فَإِنِّي قَدْ سَأَلْتُ عَنْهَا جَمَاعَةً مِنَ الْعُلَمَاءِ فَمَا أَجَابُونِي بِجَوَابٍ مُشْبِعٍ فَقُلْتُ هَلْ لَكَ أَنْ تُخْبِرَنِي بِهَا فَلَعَلَّ عِنْدِي جَوَاباً تَرْتَضِيهِ؟ فَقَالَ إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَلْقَى بِهَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع) فَاسْتَأْذَنْتُ لَهُ فَدَخَلَ فَقَالَ لَهُ: أَ تَأْذَنُ لِي فِي السُّؤَالِ؟ فَقَالَ لَهُ سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ. فَقَالَ لَهُ مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ لَكَ صَانِعاً؟ فَقَالَ وَجَدْتُ نَفْسِي لَا تَخْلُو مِنْ إِحْدَى جِهَتَيْنِ إِمَّا أَنْ أَكُونَ صَنَعْتُهَا أَنَا فَلَا أَخْلُو مِنْ أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ إِمَّا أَنْ أَكُونَ صَنَعْتُهَا وَ كَانَتْ مَوْجُودَةً أَوْ صَنَعْتُهَا وَ كَانَتْ مَعْدُومَةً فَإِنْ كُنْتُ صَنَعْتُهَا وَ كَانَتْ مَوْجُودَةً فَقَدِ اسْتَغْنَيْتُ بِوُجُودِهَا عَنْ صَنْعَتِهَا وَ إِنْ كَانَتْ مَعْدُومَةً فَإِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ الْمَعْدُومَ لَا يُحْدِثُ شَيْئاً فَقَدْ ثَبَتَ الْمَعْنَى الثَّالِثُ أَنَّ لِي صَانِعاً وَ هُوَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ. فَقَامَ وَ مَا أَجَابَ جَوَاباً"[١٧].
  8. "عَلِيُّ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ لِي هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ كَانَ زِنْدِيقٌ بِمِصْرَ يَبْلُغُهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) فَخَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ لِيُنَاظِرَهُ فَلَمْ يُصَادِفْهُ بِهَا فَقِيلَ لَهُ هُوَ بِمَكَّةَ فَخَرَجَ الزِّنْدِيقُ إِلَى مَكَّةَ وَ نَحْنُ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) فَقَارَبَنَا الزِّنْدِيقُ وَ نَحْنُ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) فِي الطَّوَافِ فَضَرَبَ كَتِفَهُ كَتِفَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)، فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ(ع): مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: اسْمِي عَبْدُالْمَلِكِ. قَالَ: فَمَا كُنْيَتُكَ؟ قَالَ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ فَمَنِ الْمَلِكُ الَّذِي أَنْتَ لَهُ عَبْدٌ أَ مِنْ مُلُوكِ السَّمَاءِ أَمْ مِنْ مُلُوكِ الْأَرْضِ؟ وَ أَخْبِرْنِي عَنِ ابْنِكَ أَ عَبْدُ إِلَهِ السَّمَاءِ أَمْ عَبْدُ إِلَهِ الْأَرْضِ فَسَكَتَ. فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع): قُلْ مَا شِئْتَ تُخْصَمْ. قَالَ هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ: قُلْتُ لِلزِّنْدِيقِ أَ مَا تَرُدُّ عَلَيْهِ فَقَبَّحَ قَوْلِي. فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع): إِذَا فَرَغْتَ مِنَ الطَّوَافِ فَأْتِنَا. فَلَمَّا فَرَغَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع): أَتَاهُ الزِّنْدِيقُ فَقَعَدَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَ نَحْنُ مُجْتَمِعُونَ عِنْدَهُ فَقَالَ لِلزِّنْدِيقِ: أَ تَعْلَمُ أَنَّ لِلْأَرْضِ تَحْتاً وَ فَوْقاً؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ: فَدَخَلْتَ تَحْتَهَا؟ قَالَ: لَا قَالَ فَمَا يُدْرِيكَ بِمَا تَحْتَهَا؟ قَالَ لَا أَدْرِي إِلَّا أَنِّي أَظُنُّ أَنْ لَيْسَ تَحْتَهَا شَيْءٌ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع): فَالظَّنُّ عَجْزٌ مَا لَمْ تَسْتَيْقِنْ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع): فَصَعِدْتَ إِلَى السَّمَاءِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَتَدْرِي مَا فِيهَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَعَجَباً لَكَ لَمْ تَبْلُغِ الْمَشْرِقَ وَ لَمْ تَبْلُغِ الْمَغْرِبَ وَ لَمْ تَنْزِلْ تَحْتَ الْأَرْضِ وَ لَمْ تَصْعَدْ إِلَى السَّمَاءِ وَ لَمْ تَجُزْ هُنَالِكَ فَتَعْرِفَ مَا خَلَقَهُنَّ وَ أَنْتَ جَاحِدٌ مَا فِيهِنَّ وَ هَلْ يَجْحَدُ الْعَاقِلُ مَا لَا يَعْرِفُ؟ فَقَالَ الزِّنْدِيقُ مَا كَلَّمَنِي بِهَذَا أَحَدٌ غَيْرُكَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع): فَأَنْتَ فِي شَكٍّ مِنْ ذَلِكَ فَلَعَلَّ هُوَ أَوْ لَعَلَّ لَيْسَ هُوَ. قَالَ الزِّنْدِيقُ وَ لَعَلَّ ذَاكَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع): أَيُّهَا الرَّجُلُ لَيْسَ لِمَنْ لَا يَعْلَمُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ يَعْلَمُ فَلَا حُجَّةَ لِلْجَاهِلِ يَا أَخَا أَهْلِ مِصْرَ تَفَهَّمْ عَنِّي فَإِنَّا لَا نَشُكُّ فِي اللَّهِ أَبَداً أَ مَا تَرَى الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ يَلِجَانِ لَيْسَ لَهُمَا مَكَانٌ إِلَّا مَكَانُهُمَا فَإِنْ كَانَا يَقْدِرَانِ عَلَى أَنْ يَذْهَبَا وَ لَا يَرْجِعَانِ فَلِمَ يَرْجِعَانِ وَ إِنْ لَمْ يَكُونَا مُضْطَرَّيْنِ فَلِمَ لَا يَصِيرُ اللَّيْلُ نَهَاراً وَ النَّهَارُ لَيْلًا اضْطُرَّا وَ اللَّهِ يَا أَخَا أَهْلِ مِصْرَ إِلَى دَوَامِهِمَا وَ الَّذِي اضْطَرَّهُمَا أَحْكَمُ مِنْهُمَا وَ أَكْبَرُ مِنْهُمَا. قَالَ الزِّنْدِيقُ: صَدَقْتَ. ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع): يَا أَخَا أَهْلِ مِصْرَ الَّذِي تَذْهَبُونَ إِلَيْهِ وَ تَظُنُّونَهُ بِالْوَهْمِ فَإِنْ كَانَ الدَّهْرُ يَذْهَبُ بِهِمْ لِمَ لَا يَرُدُّهُمْ وَ إِنْ كَانَ يَرُدُّهُمْ لِمَ لَا يَذْهَبُ بِهِمُ[١٨] الْقَوْمُ مُضْطَرُّونَ يَا أَخَا أَهْلِ مِصْرَ السَّمَاءُ مَرْفُوعَةٌ وَ الْأَرْضُ مَوْضُوعَةٌ لِمَ لَا تَسْقُطُ السَّمَاءُ عَلَى الْأَرْضِ وَ لِمَ لَا تَنْحَدِرُ الْأَرْضُ فَوْقَ طِبَاقِهَا فَلَا يَتَمَاسَكَانِ وَ لَا يَتَمَاسَكُ مَنْ عَلَيْهِمَا؟ فَقَالَ الزِّنْدِيقُ أَمْسَكَهُمَا وَ اللَّهِ رَبُّهُمَا وَ سَيِّدُهُمَا فَآمَنَ الزِّنْدِيقُ عَلَى يَدَيْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع). فَقَالَ لَهُ حُمْرَانُ بْنُ أَعْيَنَ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنْ آمَنَتِ الزَّنَادِقَةُ عَلَى يَدَيْكَ فَقَدْ آمَنَتِ الْكُفَّارُ عَلَى يَدَيْ أَبِيكَ. فَقَالَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي آمَنَ عَلَى يَدَيْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع): اجْعَلْنِي مِنْ تَلَامِذَتِكَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع) لِهِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ خُذْهُ إِلَيْكَ فَعَلِّمْهُ فَعَلَّمَهُ هِشَامٌ فَكَانَ مُعَلِّمَ أَهْلِ مِصْرَ وَ أَهْلِ الشَّامِ وَ حَسُنَتْ طَهَارَتُهُ حَتَّى رَضِيَ بِهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)"[١٩].[٢٠]

الدليل العقلي

قد عرفت أن وجود الله تعالي غني عن البيان، بل هو فطري لكل إنسان، ولا يمكن إنكاره لكل ذي وجدان.

ومع ذلك - على مسلك الإستدلال - تُقام الحجة لتنكشف المحجة على وجود الخالق، وظهور الصانع بالبراهين العقلية و الأدلة اللُّيبية، مضافاً إلى الأدلة المتقدمة الشرعية.

والأدلة العقلية على وجود الله كثيرة وفيرة بتناسب كل ذي بصر وبصيرة، مضافاً إلى برهان العلة، ودليل الحكمة على وجود الله الخالق وهو: (كلما بالغير – وهي الممكنات - لابد وأن ينتهي إلى ما بالذات. وهو واجب الوجود - ليكون الذاتي علة العلل وخالق المخلوقات.. وإلا لزم التسلسل وهو محال).

فيثبت وجود الذاتي الواجب، الخالق لمن سواه، وليس المستحق لذلك إلا الله (جل جلاله وعم نواله).

والأدلة العقلية الوجدانية الواضحة على وجود الخالق تعالى كثيرة جداً - كما قلنا ۔ نختار منها البراهين الخمسة التالية[٢١]:

برهان النظم

أوضح الأدلة على إثبات الله تعالى الذي يحكم به العقل، ويقضي به الوجدان، ويحسه كل إنسان، هو دليل النظم والتدبير. فالجميع يرى العالم بسماواته وأراضيه، وما بينهما من مخلوقاته ورواسيه من المجرة إلى النملة. في خِلقة التكريم و سير التنظيم و تناسب عظيم.

فالإنسان نراه بأحسن كيفية، والحيوان نراه بالمواهب الفطرية والنباتات والأشجار والأزهار والأعشاب نراها ذات المناظر البهية والخصائص النفعية، وكذلك غيرها من الموجودات الأخرى التي لا تعد ولا تحصى فيما بين السماء إلى أطباق الثرى.

نرى أجزاءها وجزئياتها مخلوقة بأحسن نظم، وأتقن تدبير، وأحسن صنع، وأبدع تصوير.

ومن المعلوم بالبداهة لكل كبير وصغير، ولكل ذي عقل وإحساس أن الإهمال لا يأتي بالصواب والخطأ لا يأتي بدقيق الحساب، والإتفاق لا يأتي بهذا العجب العُجاب.

فيحكم العقل بالصراحة، ويذعن الوجدان بالبداهة أنه لابد لهذا التدبير من مدبر، ولهذا التنظيم من منظم، ولهذا السير الحكيم من محكِّم.

ويدرك جميع أولي الألباب أنه لابد لهذا النظام الدقيق من خالق حكيم، ولابد لهذا التدبير العميق من مدبر عليم، خلقها وقدرها وأدام بقاءها، وأحسن خلقها وتدبيرها، وهو الله تعالى شأنه وجلت قدرته. فوجود الخالق مما يدرك بالبداهة ويحس بكل يقين.[٢٢]

امتناع الصِّدفة

فإنا إذا لم نؤمن بوجود الخالق لهذا الكون العظيم بما فيه من الخليقة المنتظمة، فلابد وأن نقول بأن الصدفة هي التي أوجدتها أو أن الطبيعة هي التي خلقتها...

بأن تكون هذه المجموعات الكبيرة الدقيقة الضخمة، في هذا العالم الكبير وجدت بنحو الصدفة وتحققت بنحو المصادفة. لكن من الواضح أنه لا يقبل حتى عقل الصبيان أن تكون هذه المخلوقات اللامتناهية وُجدت بنفسها بالصدفة العمياء أو بالطبيعة الصماء... .

بل حتى عقل الماديين و الطبيعيين - كما تلاحظه في حياتهم - لا يقبل الصدفة. لذلك تراهم يبحثون عن سبب جريمة صغيرة وقعت في بلادهم و فوجئوا بها في دولتهم و يتفحصون عن علتها. ولا يقبلون الصدفة فيها، وترى طبيبهم الملحد - مثلاً - يصرف مدة مديدة، وساعات عديدة من عمره في سبيل معرفة سبب وجود غدة صغيرة في جسم إنسان مريض تصدي لمعالجته، ولا يقبل أن يؤمن بأنها وجدت بنحو الصدفة و الاتفاق، أو أوجدتها طبيعة الآفاق...

فكيف بهذه البدايع العظيمة في هذا العالم العظيم، هل يمكن قبول أنها وجدت بالاتفاق والصدفة؟!

والصدفة إن أمكنتها خلق شيء فلابد وأن تكون موجودة هي بنفسها... فيسأل من هو موجدها؟ وإن لم تكن موجودة فيقال: إن المعدوم لا يمكنه إيجاد شيء. على أن الصدفة العمياء شاردة غير منتظرة، لا تخضع لأي حساب وقانون، بل تخالف الحسابات العلمية، فكيف يمكنها أن توجد هذه الخلائق الكونية التي تُبهر العقول و تُدهش العقلاء؟

وكيف يمكنها أن توجد المادة الأولى لهذا العالم كما يزعمون حتى يكون العالم مادياً؟

وكيف يمكنها أن توجد تكاملها و علية موجوداتها فيما بينها - كما يدعون - حتى يكون العالم صدفياً؟ والحال أن الصدفة عمياء صماء، و ليس لها حظ من العطاء.

ولنبرهن على هذا الأمر بدليل عقلي علمي وجداني، ونفرض أن كتاباً صغيراً مرتباً على مئة صفحة قد فُرقت أوراقه وخُلطت أعداده ثم أعطيت بيد شخص أعمى حتى يُرتبها وينظم صفحاتها بواسطة سحب تلك الأوراق مسلسلة إحداها بعد الأخرى...

ترى ما هي نسبة احتمال الموفقية بأن يكون السحب الأول مصيباً للورق الأول؟ الجواب: ۱٪

ثم ما هي نسبة احتمال أن يكون السحب الثاني مصيباً أيضاً للورق الثاني؟ الجواب: ۱/۱۰۰۰۰ و ذلك بعملية (۱/۱۰۰×۱/۱۰۰۰= ۱/۱۰۰۰۰).

ثم ما هي نسبة أن يكون السحب الثالث أيضاً مصيباً للورق الثالث؟ الجواب: ۱/۱۰۰۰۰۰۰ و ذلك بعملية (۱/۱۰۰×۱/۱۰۰۰×۱/۱۰۰۰= ۱/۱۰۰۰۰۰۰).

وهكذا... و هلم جرّاً إلى موفقية تنظيم إصابة السحب المئوي للورق المئة بنتيجة عددٍ تفوق المليارات و يستغرق حسابها الساعات.

هذه نسبة الصدفة في كتاب صغير فكيف بنسبة موفقية الصدفة بالنسبة إلى هذا العالم الكبير؟

وهل يقبل العقل أو يصدق الوجدان صدفية هذا النظام السماوي و الأرضي المنتسق بهذا التنسيق البهيج؟

وهل يمكن قبول كون أساس العالم و مادته المتكاملة موجودة بالصدفة كما يدّعون؟ كلا ثم ألف كلا!!

والحساب المنطقي الواضح هو أنه إذا لم تصدق الصدفة صدق ضده و هو الخلق و التقدير لأنهما ضدان لا ثالث لهما، لا يجتمعان ولا يرتفعان... ومن المسلَّم أن كذب أحدهما يستلزم صدق الآخر، فعدم إمكان الصدفة يستلزم صدق التقدير. فتكون الخليقة موجودة بخلق و تقدير، وهو يدل على وجود المقدر الخبير، وهو الله (جل جلاله).[٢٣]

برهان الاستقصاء

فإن كلا منا إذا راجع نفسه وتأمل شخصه يشعر بوضوح، ويدرك ببداهة أنه لم يكن موجوداً أزلياً بل كان وجوده مسبوقاً بالعدم، وقد وُجد في زمان خاص في عامٍ معين وشهر معين ويومٍ معين.

فلنتساءل ونتفحص ونبحث:

  1. هل أنا خلقنا أنفسنا؟
  2. أو هل خلقنا أحد مثلنا من الممكنات كابائنا أو أمهاتنا؟
  3. أو هل خلقنا القادر الفاطر الواجب وهو الله (جل جلاله)؟

أما جواب الأول: فلا شك أننا لم نخلق أنفسنا حيث إنه لم نكن موجودين في الزمان المتقدم علينا، فكيف أعطينا الوجود لأنفسنا، و فاقد الشيء لا يعطيه. ولو تمكنا من إعطاء الوجود لأنفسنا، لأبقينا لها الوجود ضد الموت، ولا شك في عدم قدرتنا على ذلك، بل عدم قدرة الأقوياء منا ومن كان قبلنا على ذلك.

وأما جواب الثاني: فلا شك أيضاً أن آباءنا لم يخلقونا، بدليل أنهم لم يعرفوا أعضاءنا وأجزاءنا ومطويات أبداننا ومضمرات أجسامنا، فكيف بخلقة حقيقتنا، ومعلوم أن الخالق يلزم أن يعرف ما خلقه، والصانع يعرف ما صنعه. مع أن آباءنا بأنفسهم يموتون ولا يمكنهم إعطاء أو إبقاء الوجود لأنفسهم فكيف يعطونه لأبنائهم؟

... لا يبقى بعد التفحص و الاستقصاء إلا الشقّ الثالث و هو أنه خلقنا الله الذي خلق كل شيء، وهو القادر على كل شيء الوجود والإفناء، والموت والبقاء، وهو الخبير بكل محتواه، والعالم بأولاه وعُقباه.

و بهذا الاستقصاء التام تحكم الأفهام، بوجود الخالق العلام.[٢٤]

برهان الحركة

فإنا نرى العالم الكبير بجميع ما فيه متحركاً، ويراه الجميع من الإلهيين و الماديين في تغيُّرٍ، والكل يعرفه بحركة و عدم سكون، و معلوم أن الحركة تحتاج إلى محرك و بديهي أن الأثر لابد له من مؤثر، لأن الحركة قوة و القوة لا توجد بغير علة.

إذن فلابد لهذه الحياة المتحركة في جميع نواحيها من أعلاها إلى أسفلها، بكواكبها و أراضيها و شمسها و قمرها، و أفلاكها و مجراتها... لابد لها ممن يحركها و يديم حركتها، وحتى أجزاء العناصر الساذجة ثبت في علم الفيزياء أنها تدور و تتحرك حول مركزها بدوام.

ومن المعلوم أن القوة والحركة لا توجد إلا بدافعٍ ومحرِّك، وهذا أمر بديهي يدركه كل ذي لب و شعور، و يعرف أنه لابد لهذه الحركات العظيمة و التحولات الدائمة من محركٍ حكيم قدير، فمن ترى يمكن أن يكون مصدر القوة و فاعل الحركة؟

هل المخلوقات التي نراها يعرضها الضعف و تحتاج بنفسها إلى المساندة؟! و هل يناسب أن يكون المحرك إلا الله القوي الخبير؟

ولقد سئلت امرأة بدوية كانت تغزل الصوف بمغزل صغير عن دليلها على وجود الله تعالى، فأمسكت عن تحريك المغزل حتى توقف فقالت: دليلي هو هذا التوقف... قالوا: و كيف ذلك؟ فأجابت: إذا كان مغزل صغير لا يتحرك إلا بوجود محرك، فهل يمكن أن يتحرَّك هذا الفلك الدوار الكبير بلا محرِّك له؟

و قد جاءت الحكمة في هذا المجال: إن البعرة تدل على البعير، و أثر الأقدام يدل على المسير، فهذه السماء ذات أبراج و الأرض ذات حركةٍ وارتجاج ألا تدلان على وجود الخبير البصير؟!.[٢٥]

برهان القاهريّة

فإن الطبيعة تنمو عادةً نحو البقاء لولا إرادة من يفرض عليها الفناء.

فالإنسان الذي يعيش، و الأشجار التي تنمو، و الأحجار التي هي مستقرة في الأرض، لا داعي إلى أن يعرض عليها الموت أو الزوال أو الإنهدام إلا بعلةٍ فاعلةٍ قاهرة.

فكما أن تبدل اللاشيء إلى الشيء يحتاج إلى علة، كذلك تبدل الشيء إلى اللاشيء لا يمكن إلا بعلة.

فإنا نرى هذا العالم قد أُحكمت جميع جوانبه بحيث ينبغي أن تسير سيراً دائماً بلا زوال، لكن مع ذلك نراها في زوال دائم و نقص راغم، و زوالها دليل على وجود مزيلٍ لها.

فترى من هو علة الإماتة و الزوال؟ و من اللائق أن يكون هو القاهر في جميع الأحوال؟

هل الإنسان بنفسه- و هو الذي يرغب أن يعيش دائماً و لا يموت أبداً. علة لموت نفسه؟

أم هناك شيءٌ من الممكنات التي هي مقهورة زائلة بنفسها تتمكَّن من القاهرية المطلقة؟

أم أن القاهر لجميع المخلوقات هو القادر على خلقها فيقدر على فنائها.

أليس هذا دليلاً على أن هناك من يُميت و يقدر على الإماتة، كما هو قادر على الإحياء، فنفس الموت دالٌ على وجود المميت، كما كان الإحياء دالاً على وجود المحيي، فمن هذا الذي يميته غير الذي يحييه؟ و من هو قادر على الإبقاء و الإفناء؟ ليس هو إلا الله الذي بيده الموت و الحياة. و القادر على الإبقاء و الإفناء خالقٌ لجميع المخلوقات جل شأنه و عظمت قدرته.

هذه أدلة خمسة من بين الأدلة العقلية الكثيرة التي تُبرز الإيمان الفطري بوجود الله تعالى القوي.

مضافاً إلى الآيات الأنفسية و الآفاقية التي ما أكثرها و أكبر وجودها، بل لله في كل شيء آية تدل على وجوده القدسي و ذاته القدوسي.[٢٦]

المراجع

  1. حق اليقين، ج۱، ص۱۰.
  2. العقائد الحقّة، سيد علي الصدر، ص: 26-27.
  3. بحارالأنوار ، ج۳، ص۱۶، باب ۳.
  4. سورة البقرة: ۱۶۴.
  5. العقائد الحقّة، سيد علي الصدر، ص: 27-28.
  6. من الدخل - بفتحتين - بمعنى العيب.
  7. أي: بخلت به.
  8. الحجر الجامس و الجميس: هو اليابس أيضاً.
  9. سورة آل عمران: ۸۳.
  10. بحار الأنوار، ج۳، ص۳۶، الباب ۲، ح۱.
  11. يقال: لم يحر جواباً أي لم يَرُدُّ جواباً.
  12. بحار الأنوار، ج۳، ص۳۱، الباب ۲، ح۴.
  13. بحار الأنوار، ج۳، ص۳۱، الباب ۲، ح۵.
  14. بحار الأنوار، ج۳، ص۳۲، الباب ۲، ح۶.
  15. بحار الأنوار، ج۳، ص۳۶، الباب ۲، ح۱۱.
  16. بحار الأنوار، ج۳، ص۴۹، الباب ۲، ح۲۱.
  17. بحار الأنوار، ج۳، ص۵۰، الباب ۲، ح۲۳.
  18. فإن الزنادقة كانوا من الدهرية القائلين بأنه ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت و نحيا و ما يهلكنا إلا الدهر.
  19. بحار الأنوار، ج۳، ص۵۱، الباب ۲، ح۲۵.
  20. العقائد الحقّة، سيد علي الصدر، ص: 28-35.
  21. العقائد الحقّة، سيد علي الصدر، ص: 36.
  22. العقائد الحقّة، سيد علي الصدر، ص: 36-37.
  23. العقائد الحقّة، سيد علي الصدر، ص: 37-40.
  24. العقائد الحقّة، سيد علي الصدر، ص: 40-41.
  25. العقائد الحقّة، سيد علي الصدر، ص: 41-42.
  26. العقائد الحقّة، سيد علي الصدر، ص: 42-43.