عيسى في نهج البلاغة
تمهيد
قال أمير المؤمنين (ع) متحدثًا عن عيسى روح الله وكلمته[١]:
«وإنْ شئتَ قلتُ في عيسى بنِ مريمَ (ع)، فقد كان يتوسَّدُ الحجرَ، ويلبسُ الخشِنَ، ويأكلُ الجشِبَ، وكان إدامُه الجوعَ، وسراجُهُ بالليلِ القمرَ، وظلالُهُ في الشتاءِ مشارقَ الأرضِ ومغاربَها، وفاكهتُهُ وريحانُهُ ما تنبتُ الأرضُ للبهائمِ، ولم تكنْ له زوجةٌ تفتنُه، ولا ولدٌ يحزنُه، ولا مالٌ يلفتُه، ولا طمعٌ يذلُّه، دابَّتُه رجلاه، وخادمُهُ يداه».[٢]
أولاً: هدف الإمام (ع)
يهدف الإمام (ع) من هذا العرض لحياة السيد المسيح (ع) -التزهيد في الدنيا وإرشاد الخلق إلى الإعراض عنها، والورع وعدم التهالك على مظاهرها وزخارفها، كما يدلِّلُ الإمام (ع) ويوضِّح أن هذه الدنيا في تمام الحقارة وأنها لا تستحق أن يذلَّ الإنسان نفسه من أجلها، ولو لم تكن كذلك لما أعرض عنها أنبياء الله وأولياؤه(ع).[٣]
ثانيًا: عيسى (ع) نهاية الانقطاع عن الدنيا
«كان يتوسَّدُ الحجرَ»: وإذن فلم يكن له بيت أو فراش يأوي إليه، وهذا غاية في البساطة والغرابة في نفس الوقت، وهو(ع) «يلبسُ الخَشِنَ» فلا يعنى بلباس، « ويأكلُ الجَشِبَ»، أي الغليظ فهو لا يهتم بالحصول على الطعام الحسن الراقي، بل «إدامُه الجوعَ» وهذا تعبیر عجيب جدًّا فإن الإدام معروف لدى الناس وله درجات فقد يكون ملحًا أو خلاًّ أو لحماً، أمَّا أن يكون هو الجوع فهذا نهايةالوصف والتعبیر، فإنه (ع) روَّضَ نفسه رياضةً لا تطمح معها إلى شيءٍ أصلاً حقیرًا كان أم غیر ذلك، ثم لم يكن يعتمد حتى على شمعةٍ أو سراجٍ بل كان «سراجُهُ بالليلِ القمرَ»، وكانت «ظلالُهُ» التي يلجأ إليها للدفءِ في الشتاء «مشارقَ الأرضِ ومغاربَها» فلم يعد لنفسه شيئًا من الدنيا لهذا الغرض، وإذا كان عند الناس عناية وتصنيف وتمييز بین فاكهةٍ تستطاب، ورياحینَ تشم، فإن عيسى (ع) كانت «فاكهتُهُ وريحانُهُ» -على حدٍّ سواء- «ما تنبتُ الأرضُ للبهائم» من نباتٍ لا يحتاج إلى عنايةِ إنسانٍ بل ينبتُ طبيعيًّا بفعل مطر السماء، فهو من هذه الناحية لا ينشغل عن الخالق بزراعة فاكهة وريحان أو الحصول عليها.
والمرأة بطبعها تكون محبوبةً ومحلاًّ للإعجاب والانشغال بها وهذا شأن من شؤون الحياة، أما هذا النبي العظيم فلم «تكن له زوجةٌ تفتنه» وتشغله عن معشوقه الأوحد، ونتيجة لهذا فلم يكن له أيضًا «ولدٌ يحزنُه» فالأولاد يحتاجون إلى اشتغال بهم وجهد ووقتٍ يصرف معهم ويأنس بهم، فينشغل العبد بهذا الأنس عن الأنس بالله تعالى، وكذلك هي الحال في المال وما يتطلب من عنايةٍ بجمعه والحفاظ عليه والنظر في مصارفه وشؤونه، ثم يعمِّم الإمام (ع) نواحي الانقطاع في حياة هذا النبي العظيم بقوله إنه لم يكن له «طمعٌ» فإن الطمع يذل ويضع الإنسان موضع الضعة والاحتقار والمسكنة، ثم هو بعد كل هذا «دابتُهُ رجلاه، وخادِمُهُ يداه.».[٤]
ثالثًا: مثال الكمال والعشق الإلهي
فهو يمثل قدوة ومقامًا عظيماً من الكمال برز فيه بأروع صوره، وبرز في القلة ممن ربَّاهم وأدَّبهم بصورٍ أخرى من الانقطاع والإعراض عن الدنيا، وأما بقية الناس فبعيدون كل البعد عن هذا الكمال وهذا العشق، ولو نظرنا إلى من ينتسب لعيسى (ع) حديثًا لرأيناهم أهل الدنيا الغارقين في ملذّاتها، بينما كان الجدير بهم أن يتخذوا من ينتسبون له قدوةً، وأمیر المؤمنین (ع) يؤكد على حقيقة القدوة هذه في موطن آخر[٥] بقوله:
«یَا نَوْفُ، طُوبَی لِلزَّاهِدِینَ فِی الدُّنْیَا، الرَّاغِبِینَ فِی الْآخِرَةِ، أُولئِکَ قَوْمٌ اتَّخَذُوا الْأَرْضَ بِسَاطاً، وَتُرَابَهَا فِرَاشاً، وَمَاءَهَا طِیباً، وَالْقُرْآنَ شِعَاراً، وَالدُّعَاءَ دِثَاراً، ثُمَ قَرَضُوا الدُّنْیَا قَرْضاً عَلَی مِنْهَاجِ الْمَسِیحِ.».
وقوله (ع) «طيبًا» هو عنوان شامل لكل الطيبات، وأما تعبیره «قرضوا» فإنه يعني أنهم تناولوا الدنيا بأطراف أسنانهم كنايةً عن قلة تزودهم من طيباتها، في قبال الذين «خضموا الدنيا» أي تناولوها بكل فمهم كنايةً عن شدة إقبالهم على ملذاتها، وإذن هذا هو التفاوت والتعبیر لما بن الصنفین من فرق، ويختم الإمام (ع) هذا البيان والإشادة بالزاهدين بقوله «على منهاج المسيح» فهو مثلٌ يُرْمَقُ شاخصًا للكمال والعشق الإلهي.[٦]
رابعًا: لماذا هذا الإعراض الكامل عن الدنيا؟
يتساءل البعض: لماذا هذا الإعراض التام عن الدنيا في حین أن الله تعالى يحب من عباده أن تظهر عليهم آثار نعمته وأن يأكلوا من الطيبات؟ ويجاب على ذلك بعدة أمور، منها أن الأنبياء (ع) هم قدوة الناس وهم أسوةٌ للفقراء والضعاف من الرعية، فحينما يرى المحرومون أن أولياء الله الذين هم أكرم خلقه عليه ومع هذا فإنهم في تمام الإعراض والزهد في ملذات الدنيا - لا شك أن هذا يخفف على المحرومین معاناتهم وحرمانهم، فلا يتبرَّمون من قضاء الله وقدره أو يظنون أنه من غضب الله عليهم، ومن ناحية ثانية فإن زهد الأنبياء والأولياء (ع) في الدنيا تصريحٌ عمليٌّ أنها جديرةٌ بالاحتقار وأن الإعراض عنها لا يوجب منقصة أو يمنع من أداء الرسالة والتكليف الإلهي، وهذا خیر إرشادٍ للعباد أن لايتهالكوا على الدنيا وتحصيل ملذاتها الزائلة حتى لو استوجب ذلك ذلةً وبعدًا عن الله تعالى بارتكاب المحرمات، هذا بالإضافة إلى نواحٍ أخرى تتعلق بالصفاء والسمو الروحي وهذه الكمالات التي تتطلب التخلص من قيود الماديات.[٧]
خامسًا: عيسى في حياة الأئمة (ع)
يلاحظ في حياة الأئمة (ع) سیرة مشتركة مع نبي الله عيسى (ع)، ومن ذلك ما يلي:
- قول الرسول الأعظم لعلي (صلى الله عليهما وآلهما)[٨]: «والَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لاَ أَنْ تَقُولَ فِيكَ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي مَا قَالَتِ اَلنَّصَارَى فِي عِيسَى لَقُلْتُ اَلْيَوْمَ فِيكَ مَقَالاً لاَ تَمُرُّ بِمَلَإٍ مِنَ اَلنَّاسِ إِلاَّ أَخَذُوا مِنْ تُرَابِ رِجْلَيْكَ». يضاف إلى ذلك أن عيسى (ع) غالى فيه قومٌ ادعوا له الربوبية، وطعن آخرون فيه فقذفوا أمه مريم (علیها السّلام) في أمر ولادته، وكذلك أمیر المؤمنین (ع) جعله قومٌ إلهًا في حین استخفَّ آخرون بشأنه فرموه بما رموه[٩].
- فيما أَبَّنَ به الإمام الحسن أباه أمير المؤمنين (ع) قائلًا[١٠]: «وَ لَقَدْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ الَّتِي عُرِجَ فِيهَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ». فسيرتهما واحدة ونهجهم واحد.
- عليٌّ سيدُ الزاهدين: فحياته كحياة أخيه عيسى (ع) زهدًا وإعراضًا عن الدنيا التي يخاطبها:
«يَا دُنْيَا يَا دُنْيَا، إِلَيْكِ عَنِّي، أَبِي تَعَرَّضْتِ؟ أَمْ إِلَيَّ تَشَوَّقْتِ؟ لَا حَانَ حِينُكِ! هَيْهَاتَ غُرِّي غَيْرِي، لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ، قَدْ طَلَّقْتُكِ ثَلَاثاً لَا رَجْعَةَ فِيهَا!».[١١]
أو يقول (ع)[١٢]:
«وَايمُ الله ِ ـ يَمينا أستَثني فيها بِمَشيئَةِ الله ِـ لَأَروضَنَّ نَفسي رِياضَةً تَهِشُّ مَعَها إلَى القُرصِ إذا قَدَرَت عَلَيهِ مَطعوما، وتَقنَعُ بِالمِلحِ مَأدوما، ولَأَدَعَنَّ مُقلَتي كَعَينِ ماءٍ نَضَبَ مَعينُها، مُستَفرَغَةً دُموعُها». فهو من باب الحرص على كمال نفسه الشريفة ومن باب الحرص على رعيته ومواساته لهم، ومن موقع قيادته كان مثالَ الزهد والبعد عن الدنيا وقد كانت بن يديه، وتعبیره «إذا قدرْتُ عليه» تعبیرٌ دقيق جدًّا، يعني أنه يدع نفسه تفارق حتى الخبز والملح فراقًا تهشُّ بعده لهذا الطعام البسيط، وقد كان (ع) متحليًا بهذه الكمالات بنحو أجلى وأمثل.
- عيسى يصلي خلف المهدي(ع): فقد جاء عن الإمام المجتبى(ع)[١٣] «مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا يَقَعُ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ لِطَاغِيَةِ زَمَانِهِ إِلَّا الْقَائِمُ عج الَّذِي يُصَلِّي خَلْفَهُ رُوحُ اللَّهِ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ».
فصاحب الزمان (عج) إمامٌ للخلق بما فيهم نبي الله عيسى (ع).[١٤]
سادسًا: تسمية عيسى (ع) بالمسيح[١٥]
ورد أن هذه التسمية جاءت لعدة أسباب محتملة، فمن ذلك أنه سمِّيَ بالمسيح لأنه مُسِحَ باليمن والبركة أي أن وجوده الشريف كان يمنًا وبركةً على الخلق، وقيل لأنه مطهَّرٌ من كلِّ ذنبٍ وعيب، وقيل لأن جبرئيل (ع) مسحه بجناحه، وقيل لأن الأنبياء (ع) كانوا يتمسحون به تبركًا، وقيل لأنه (ع) كان يمسح الأعمى فيبصر، ويمسح الأبرص والأكمه فيعافى بإذن الله تعالى.[١٦]
سابعًا: القدوة والتكليف
يلاحظ في سیرة الأنبياء (ع) أن جملة منهم لم يتزوجوا ومنهم نبيَّا الله عيسى ويحيى (علیهما السّلام)، ومن هنا أُثرت مسألة في الفقه وهي هل أن الزواج مستحبٌّ ومرغوبٌ في ذاته أم أنه مستحب ومرغوب لمن تتوق نفسه إلى ذلك؟ وذكر في هذا المجال أن الزوجة -بما هي- تقتضي الانشغال بها وبالأولاد وقتًا وجهدًا وتعلقًا، وعشق الأنبياء وهمهم هو التعلق والانشداد إلى الذات المقدسة، ويلاحظ أن هذه الأدلة أدلة عامة وقد يكون هناك أدلة خاصة في حق عيسى أو يحيى أو غيرهما من أنبياء الله (ع).
ويقرر العلماء أن ما يذكر من إعراض الأنبياء والأولياء عن الدنيا أو عدم زواج بعضهم ليس تكليفًا في حقنا، بل هم في مقام القدوة والقيادة وتكليفنا هو الاقتداء بهم في حدود أن لا ننساق خلف الدنيا انسياقًا نصبح معه أسارى لها تملكنا وتوجهنا، بل نحن الذين يجب أن نملكها، كما أن الإسلام نسخ الشرائع السابقة عليه جملةً وتفصيلاً، لا أنه أقرَّ بعضَ أحكامها وترك الآخر، وما يأتي من تعاليم الإسلام موافقًا للشرائع السابقة عليه إنا هو تشريعٌ جديدٌ لا أنه مأخوذ من تشريع سماويٍّ سابق[١٧].[١٨]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٦٠.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٦٩.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٦٩.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٦٩-١٧٠.
- ↑ الكلمة رقم ١٠٤، ص ٤٨٦ .
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٧١.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٧١-١٧٢.
- ↑ بحار الأنوار ٤٠ / ٨١ .
- ↑ «يا عَليّ فِيكَ مَثَلٌ مِنْ عِيسَى بْنِ مَريَمْ، أَبْغَضَتْهُ الْيَهُودُ حَتَّى بَهَتتْ أُمَّهُ وَأَحَبَّتْهُ النَّصَارَى حَتَّى أَنْزَلُوهُ بِالْمَنْزِلَةِ الَّتِي لَيْسَتْ لَهُ، يَا عَليّ يّدْخًلِ النَّارَ فِيكَ رَجًلانِ: مُحِبٌّ مُفْرِطٌ وَ مُبْغِضٌ مُفَرِّطٌ، كلاهُما فِي النَّارِ». بحار الأنوار ٤٠ / ٧٩ .
- ↑ إِعلام الورى بأَعلام الهدى، للطبرسي / ٢٠٨ .
- ↑ الكلمة رقم ٧٧، ص ٤٨٠ - ٤٨١ .
- ↑ الكتاب رقم ٤٥، ص ٤١٩ - ٤٢٠ . وهو كلام ضمن كتابٍ وجَّهَهُ (ع) إلى عثمان بن حنيف الأنصاري، عاملِه على البصرة. وتجدر مراجعة هذا الكتاب بكامله نظرًا لروعته وكثرة الفوائد فيه فيما يتعلق بشخصية أمیر المؤمنين وسرته (ع).
- ↑ بحار الأنوار ٥٢ / ٢٧٩ .
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٧٢-١٧٤.
- ↑ للوقوف على نواحٍ أكثر في حياة نبي الله عيسى (علیه السّلام) «يمكن مراجعة» بحار الأنوار(١٤ / ١٩١ - ٣٥٠).
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٧٤-١٧٥.
- ↑ الأصول العامة للفقه المقارن / ٤٢٩ .
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٧٥.