غزوة بني المصطلق في التاريخ الإسلامي

من إمامةبيديا

تمهيد

روى الواقدي: أنّ بني المصطلق[١] من خزاعة كانوا ينزلون بناحية الفرع، وبدأ الركبان يأتون من ناحيتهم فيخبرون رسول الله أنّ الحارث بن أبي ضرار رأس المصطلق وسيّدهم قد سار في قومه ومن قدر عليه من العرب فدعاهم إلى حرب رسول الله.

فلمّا بلغ ذلك رسول الله(ص) بعث بريدة بن الحصيب الأسلمي يعلم علم ذلك، فاستأذن النبي أن يقول ما شاء فأذن له. فخرج حتّى ورد ماءهم فوجد قوما مغرورين قد جمعوا الجموع. فقالوا له: من الرجل؟ قال: رجل منكم، قدمت لمّا بلغني عن جمعكم لهذا الرجل، فأسير في قومي ومن أطاعني، فتكون يدنا واحدة حتّى نستأصله. فقال له الحارث: فنحن على ذلك فعجّل علينا. فقال بريدة: اركب الآن فآتيكم بجمع كثيف من قومي ومن أطاعني. فركب...

ورجع إلى رسول الله فأخبره خبر القوم.

فندب رسول الله الناس وأخبرهم خبر عدوّهم، فأسرع الناس للخروج. وفيهم ثلاثون فارساً، عشرة من المهاجرين: رسول الله و علي(ع) و المقداد و الزبير و طلحة و أبو بكر و عمر و عثمان و عبد الرحمن بن عوف. وعشرون من الأنصار منهم: أبي بن كعب و اسيد بن حضير و الحباب بن المنذر و سعد بن زيد و سعد بن معاذ و معاذ بن جبل.

وخرج مع رسول الله بشر كثير من المنافقين لم يخرجوا في غزاة مثلها قطّ، ليس لهم رغبة في الجهاد، ولكن قرب السفر عليهم، وأرادوا أن يصيبوا من عرض الدنيا.

وسلك رسول الله على الحلائق[٢] فنزل بها. وفيها جاءه رجل من عبد القيس فسلّم على رسول الله، فسأله: أين أهلك؟ قال: بالرّوحاء. قال: فأين تريد؟ قال: جئت لاُؤمن بك وأشهد أنّ ما جئت به الحق واقاتل عدوّك. فقال رسول الله: الحمد لله الذي هداك للإسلام. فلمّا أسلم قال: يا رسول الله أيّ الأعمال أحبّ إلى الله؟ قال: الصلاة في أوّل وقتها[٣].

وكان الرجل قد التقى يوم أمس بـ مسعود بن هنيدة مولى أبي تميم وقد أعتقه، وكان أهله بموضع يعرف بالخذوات، وقد رغب الناس حولهم في الإسلام وكثر، قال: فتركت أهلي وجئت لاسلم على رسول الله ولقيت رسول الله في بقعاء[٤]. فقال له: يا رسول الله قد رأيتني أمس إذ لقيت رجلاً من عبد القيس فدعوته إلى الإسلام فرغّبته فيه فأسلم. فقال له رسول الله: لإسلامه على يديك كان خيرا لك ممّا طلعت عليه الشمس أو غربت. ثمّ قال له: كن معنا حتّى نلقى عدوّنا، فإنّي أرجو أن ينفّلنا الله أموالهم وذراريّهم[٥].

وفي بقعاء صادفوا رجلاً من المشركين فسألوه: ما وراءك؟ وأين الناس؟ فقال: لا علم لي بهم. فقال له عمر بن الخطاب: لتصدقن أو لأضربن عنقك! فقال: أنا رجل من بني المصطلق، تركت الحارث بن أبي ضرار قد جمع لكم الجموع وجلب إليه ناسا كثيراً، وبعثني إليكم لآتيه بخبركم وهل تحرّكتم من المدينة.

فأتى عمر إلى رسول الله فأخبره الخبر فدعا به رسول الله ودعاه إلى الإسلام فقال: لست بمتّبع دينكم حتّى أنظر ما يصنع قومي، فإن دخلوا في دينكم كنت كأحدهم، وإن ثبتوا على دينهم فأنا رجل منهم! فقال عمر: يا رسول الله أضرب عنقه؟ فأذن له، فضرب عنقه.

فذهب خبره إلى بني المصطلق فساء بذلك زعيمهم الحارث بن أبي ضرار ومن معه وخافوا خوفا شديدا، وتفرّق عنه من كان قد اجتمع إليه من أفناء العرب حتّى ما بقي منهم أحد سوى بني المصطلق.[٦]

==في المريسيع==580 حتّى انتهى رسول الله إلى ماء المُريسيع فنزله، وضُربت له قبّة من أدم. وقد اجتمع بنو المصطلق على الماء وأعدّوا وتهيّأوا للقتال. فصفّ رسول الله أصحابه، ودفع راية المهاجرين - فيما قيل - إلى عمّار بن ياسر وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة.

فروى الواقدي عن ابن عمر: أنّ النبي أغار على بني المصطلق وهم غارّون ونعمهم تسقى على الماء.

ولكنّه روى بسنده عن زيد بن طلحة: أنّ رسول الله أمر عمر فنادى فيهم: قولوا: لا إله إلّا الله، تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم! فأبوا. ورمى رجل منهم المسلمين فرماهم المسلمون بالنبل ساعة[٧].

ثمّ أمر رسول الله أصحابه أن يحملوا عليهم حملة رجل واحد، فما أفلت منهم إنسان، قتل منهم عشرة واُسر سائرهم [٨] فقتل أمير المؤمنين(ع) رجلين من القوم هما مالك وابنه... وكان هو الذي سبى جويرية بنت الحارث أمير القوم، فجاء بها إلى النبي(ص)، فاصطفاها النبي(ع). واصاب رسول الله منهم سبيا كثيراً فقسمه في المسلمين.

وبعد إسلام بقيّة القوم جاء الحارث ابو جويريّة إلى النبي(ع) فقال: يا رسول الله إن ابنتي لا تسبى؛ إنّها امرأة كريمة. قال: اذهب فخيّرها. قال: قد أحسنت وأجملت. وجاء إليها أبوها فقال لها: يا بنيّة لا تفضحي قومك! فقالت له: اخترت الله ورسوله! فقال لها أبوها: فعل الله بك وفعل!

وأعتقها رسول الله، وجعلها في جملة أزواجه[٩] فلمّا بلغ الناس أنّ رسول الله تزوّج جويريّة بنت الحارث قالوا: أصهار رسول الله! فأرسلوا ما كان في أيديهم منهم[١٠].

وروى عنها الطبرسي في «إعلام الورى» قالت: أتانا رسول الله(ص) ونحن على المريسيع، فكنت أسمع أبي يقول: أتانا ما لا قبل لنا به! وكنت أرى من الناس والخيل والسلاح ما لا أصف من الكثرة.

فلمّا أسلمت وتزوّجني رسول الله ورجعنا جعلت أنظر إلى المسلمين فليسوا كما كنت أرى، فعرفت أنّه رعب من الله - عزّ وجلّ - يلقيه في قلوب المشركين[١١].

وممّا وقع في أثناء القتال: أنّ رجلاً من بني عمرو بن عوف من الأنصار أو هشام بن صبابة أو هاشم بن صبابة - كما في الواقدي - تلقّى في ريح شديدة وعجاج رجلاً آخر من الأنصار يقال له أوس، فظنّ أنّه من المشركين، فحمل عليه فقتله، فعلم بعد أنّه مسلم. فأمر رسول الله أن تخرج ديته[١٢].[١٣]

السبايا والغنائم

وأمر رسول الله بالأسرى والذرية فكتّفوا وجعلوا ناحية، واستعمل عليهم بريدة بن الحصيب. وأمر بما وُجد في رحالهم من المتاع والسلاح فجمع، وعُمد إلى النعم والشياه فسيقت، واستُعمل عليهما (المتاع والنعم) مولاه شُقران. ثمّ أخرج رسول الله الخمس من جميع المغنم، واستعمل على مقسم الخمس وسهام المسلمين محميّة بن جزء الزبيدي فكان يليه.

قال: قالوا: فاقتسم السبي وفرّق، فصار في أيدي الرجال، وقسّم المتاع والنعم والشياه، فعدلت الجزور بعشر من الغنم... وأسهم للفرس سهمان ولصاحبه سهم، وللراجل سهم. وكانت الإبل ألفي بعير، وخمسة آلاف شاة، والسبي مائتي أهل بيت[١٤] فاعتق مائة أهل بيت منهم بتزويج رسول الله بجويريّة بنت زعيمهم الحارث[١٥].

وضمنهم مَن منّ عليه رسول الله بغير فداء، ومنهم من صار في أيدي الرجال، فافتديت المرأة بستّ نياق، وقدموا المدينة ببعض السبي فقدم عليهم أهلهم فافتدوهم، فلم تبق امرأة من بني المصطلق إلّا رجعت إلى قومها[١٦].

وكان أبو سعيد الخدري يقول: قدمت علينا وفودهم فافتدوا النساء والذرّية ورجعوا بهم إلى بلادهم، وخيّر بعضهنّ أن تقيم عند من صارت في سهمه فأبين إلّا الرجوع[١٧] إلّا ما كان من جويرية بنت زعيمهم الحارث بن أبي ضرار فإنّها لمّا خيّرها رسول الله أبت الرجوع مع أبيها.

ووطىء النساء - كما في خبر الواقدي عن عائشة - ولكن لم تحمل أيّ منهنّ من المسلمين لعزلهم عنهنّ، كما في خبر الواقدي بسنده عن أبي سعيد الخدري - أيضاً - قال: أصبنا في غزوة بني المصطلق سبايا منهم، وأحببنا فداءهنّ، ولكن اشتدّت علينا الغربة فسألنا رسول الله عن العزل فقال: ما عليكم أن لا تفعلوا؟[١٨] أي ما يمنعكم عن ذلك؟ وقال رجل من اليهود لمّا علم بالعزل: تلك الموؤدة الصغرى! قال: فجئت رسول الله - (ص) - فأخبرته ذلك فقال: كذبت اليهود! كذبت اليهود![١٩].[٢٠]

في طريق الرجوع

قال القمي: لما رجع رسول الله من غزوة المريسيع وهي غزوة بني المصطلق - في سنة خمس من الهجرة - نزل على بئر، وكان الماء فيها قليلاً، فاجتمعوا على البئر، فتعلق دلو سيار بن أنس[٢١] - حليف الأنصار - بدلو جهجاه بن سعيد الغفاري - وكان اجيرا لـ عمر بن الخطاب - فقال سيّار: دلوي، وقال جهجاه: دلوي وضرب بيده على وجه سيّار، فسال منه الدم، فنادى سيار بالخزرج! ونادى جهجاه بقريش! وثارت الفتنة، وسمع عبد الله بن ابي بن سلول الخزرجي النداء فسأل: ما هذا؟ فأخبروه الخبر.

فغضب غضباً شديداً وقال: إنّي لأذل العرب! قد كنت كارها لهذا المسير ما ظننت أن أبقى إلى أن أسمع مثل هذا فلا يكن عندي تغيير!

ثم اقبل على اصحابه وقال: هذا عملكم! أنزلتموهم منازلكم، وواسيتموهم بأموالكم، ووقيتموهم بأنفسكم، وأبرزتم نحوركم للقتل، فأرمل نساؤكم، وايتم صبيانكم. ولو اخرجتموهم لكانوا عيالا على غيركم. ثم قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعز منها الأذل!

وكان ذلك في وقت الهاجرة، وكان رسول الله في ظل شجرة وعنده قوم من أصحابه من المهاجرين والأنصار. وكان زيد بن أرقم غلاماً قد راهق (وقد سمع كلام ابن اُبي) فجاء فأخبر النبي(ص) بما قال عبد الله بن ابي.

فقال رسول الله: يا غلام لعلّك وهمت؟! قال: لا والله ما وهمت. فقال: لعلّك غضبت عليه؟! قال: لا، ما غضبت عليه. قال: فلعلّه سفه عليك؟! فقال: لا، والله. فقال رسول الله لمولاه شقران: أحدج (أي: اجعل الحدج على الجمل) فأحدج راحلته، فركب رسول الله وارتحل، وتسامع الناس بذلك فارتحلوا.

ولحقه سعد بن عبادة فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. فقال: وعليك السلام. فقال: ما كنت لترحل في هذا الوقت؟! فقال: أولا سمعت قولاً قال صاحبكم؟! قالوا: وأيّ صاحب لنا غيرك يا رسول الله؟ قال: عبد الله ابن ابي زعم ان رجع إلى المدينة ليخرجنّ الأعز منها الأذل! فقال: يا رسول الله، فأنت وأصحابك الأعز وهو وأصحابه الأذل! وسار رسول الله ذلك اليوم كلّه، ولم ينزلوا إلّا للصلاة، ثم سار ليله.

وروى بسنده عن أبان بن عثمان الأحمر البجلي الكوفي قال: سار رسول الله(ص) يومه وليلته ومن الغد حتّى ارتفع الضحى، وإنّما أراد رسول الله أن يكفّ الناس عن الكلام... ثم نزل ونزل الناس فرموا بأنفسهم نياماً.

قال القمي: وأقبلت الخزرج على عبد الله بن ابي يعذلونه، فحلف عبد الله أنه لم يقل شيئاً من ذلك! فقالوا له: فقم بنا إلى رسول الله حتى نعتذر إليه، فلوى عنقه!

ثم جاء إلى النبي فحلف أنّه ليشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّداً رسول الله، وأنّه لم يقل ذلك وأنّ زيداً قد كذب عليه. وقبل منه رسول الله ذلك القول.

فأقبلت الخزرج على زيد بن أرقم يقولون له: كذبت على سيدنا عبد الله؟! ويشتمونه، وزيد يقول: اللهم إنّك لتعلم أنّي لم اكذب على عبد الله بن ابي.

وارتحل رسول الله... فما سار إلّا قليلاً حتى أخذ رسول الله ما كان يأخذه من الشدة عند نزول الوحي عليه، فثقل حتى كادت ناقته تبرك من ثقل الوحي. ثم سري عن رسول الله وهو يسلت العرق عن جبهته. ثم دنا إلى رحل زيد بن أرقم فأخذ باذنه وقال: يا غلام صدق قولك، ووعى قلبك، وأنزل الله فيما قلت قرآنا.

فلما نزل جمع اصحابه حوله فقرأ عليهم السورة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِإِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُ مْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ[٢٢] ففضح الله عبد الله بن ابي.

وقال أبان البجلي: وأتى ولد عبد الله بن ابي إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، إن كنت عزمت على قتله فمُرني اكون أنا الذي أحمل إليك رأسه! فو الله لقد علمت الاوس والخزرج أني أبرّهم ولداً بوالد، فاني اخاف ان تأمر غيري فيقتله فلا تطيب نفسي ان انظر إلى قاتل عبد الله فأقتل مؤمنا بكافر فادخل النار!

فقال رسول الله: بل نحسن صحابته - لك - ما دام معنا[٢٣].

وقال ابن إسحاق: وردت واردة الناس على الماء... وازدحم عليه جهجاه ابن سعيد الغفاري أجير عمر بن الخطاب مع سنان بن وبر الجهني (أو تميم) حليف الخزرج، واقتتلا، فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار! وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين! فغضب عبد الله بن ابي بن سلول وقال: أو قد فعلوها؟! قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما عدنا وجلابيب قريش الا كما قال الأول: يسمّن كلبك يأكلك! أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعز منها الأذل! ثم اقبل على حضره من قومه - ومنهم زيد بن ارقم وهو غلام حدث - فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم! احللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم اموالكم، اما والله لو امسكتم عنهم بايديكم لتحولوا إلى غير داركم!

فمشى زيد بن ارقم إلى رسول الله فأخبره الخبر. وكان عنده عمر بن الخطاب فقال: مر عباد بن بشر فليقتله! فقال له رسول الله: يا عمر! فكيف اذا تحدث الناس: أن محمدا يقتل اصحابه! لا، ولكن أذن بالرحيل في ساعة لا يرتحل فيها.

فلما استقل رسول الله راحلته وسار لقيه اسيد بن حضير فسلّم عليه بالنبوة ثم قال: يا نبي الله، والله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح في مثلها! فقال له رسول الله: أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟ قال: وأي صاحب يا رسول الله؟ قال: عبد الله بن ابي. قال: وما قال؟ قال: زعم أنه ان رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الاذل! قال: فأنت يا رسول الله - والله - تخرجه منها ان شئت، وهو - والله - الذليل وأنت العزيز. ثم قال: يا رسول الله ارفق به! فو الله لقد جاءنا الله بك وإنّ قومه ليَنظِمون له الخَرز ليتوجوه، فانه يرى أنك قد استلبته ملكاً!

وحين بلغ ابن ابي ان زيد بن ارقم قد بلّغ النبي ما سمعه منه، مشى إلى رسول الله فحلف بالله: ما قلت ما قال ولا تكلمت به! فحدب عليه ودافع عنه من حضر من الأنصار قالوا: يا رسول الله، عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل!

ومشى رسول الله بالناس يومهم ذلك حتى امسى، وليلتهم حتى اصبح، وصدر يومهم ذلك حتى أذنت الشمس بالزوال فنزل بالناس، فلما وجد الناس الأرض وقعوا نياما، وانما فعل ذلك رسول الله ليشغل الناس عن حديث ابن ابي.

واتى عبد الله بن عبد الله بن ابيّ فقال: يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن ابيّ فيما بلغك عنه، فان كنت لا بدّ فاعلا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه! فو الله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبرّ بوالده منّي، واني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أن انظر إلى قاتل عبد الله بن ابي يمشي في الناس فاقتله فاقتل مؤمنا بكافر فادخل النار!

فقال رسول الله: بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقى معنا.

ثم راح رسول الله بالناس حتى نزل على ماء يقال له بقعاء... فهبّت ريح شديدة آذتهم، فقال رسول الله: لا تخافوها، فانما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار! فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد من عظماء يهود بني قينقاع، وكان كهفا للمنافقين، قد مات في ذلك اليوم.

ونزلت سورة المنافقون... فأخذ رسول الله باذن زيد وقال: هذا الذي أوفى الله باذنه[٢٤].

ونقل الطبرسي في «مجمع البيان» مثله وزاد: لما هاجت الريح الشديدة قال مات اليوم منافق عظيم النفاق بالمدينة. قيل: من هو؟ قال: رفاعة. وضلت ناقة رسول الله ليلاً...

فقال رجل من المنافقين: كيف يزعم أنّه يعلم الغيب ولا يعلم مكان ناقته؟! الا يخبره الذي يأتيه بالوحي؟!

فأتاه جبرئيل فأخبره بقول المنافق وبمكان الناقة، وأخبر رسول الله بذلك أصحابه قال: ما أزعم أني أعلم الغيب، وما اعلمه، ولكن الله أخبرني بقول المنافق وبمكان ناقتي هي في الشعب. فاذا هي كما قال، فجاؤوا بها. وآمن ذلك المنافق (؟).

قال زيد بن أرقم: فلما وافى المدينة جلست في البيت لما بي من الهم والحياء! فنزلت سورة المنافقين في تصديقي وتكذيب عبد الله بن ابيّ. فأخذ رسول الله باذني وقال: يا غلام صدق فوك ووعت أذناك ووعى قلبك، وقد أنزل الله فيما قلت قرآناً.

فلما نزلت هذه الآيات وبان كذب عبد الله قيل له: نزلت فيك أي شداد! فاذهب إلى رسول الله يستغفر لك. فلوى رأسه ثم قال: أمرتموني أن أؤمن فقد آمنت! وامرتموني ان اعطي زكاة مالي فقد اعطيت، فما بقى الا ان اسجد لمحمد![٢٥].

ولم يلبث الا أياماً قلائل حتى اشتكى ومات[٢٦].[٢٧]

المراجع والمصادر

  1. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي ج٢

الهوامش

  1. من قبائل خزاعة، وكان محلّهم يسمّى المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل بينه وبين الفرع نحو يوم. وفاء الوفاء ٢: ٣٧٣. وقد اختلف الخبر عن تأريخ هذه الغزوة، ففي مغازي الواقدي ١: ٤٠٤: في سنة خمس خرج النبيّ(ص) يوم الإثنين لليلتين خلتا من شعبان، وقدم المدينة لهلال رمضان، وفي سيرة ابن هشام ٣٢: ٣٠٢: في شعبان سنة ست. والقمي في تفسيره ٢: ٣٦٨ والحلبي في المناقب ١: ٢٠١ بنيا على الأوّل، وذكرهما الطبرسي في إعلام الورى ١: ١٩٦ ورجّحنا الأخير لبعض القرائن، منها أنّ عليّا(ع) هنا فارس، فلو كانت...
  2. المغازي ٢: ٤٠٥.
  3. المغازي ٢: ٤٠٦.
  4. موضع على أربعة وعشرين ميلا من المدينة - وفاء الوفاء ٢: ٢٦٤.
  5. المغازي ٢: ٤٠٩ وتمامه: فأعطاني رسول الله قطعة من الإبل وقطعة من غنم. فقلت: يا رسول الله كيف أقدر أن أسوق الإبل ومعي الغنم؟! اجعلها غنما كلّها أو إبلا كلّها. فتبسّم رسول الله وقال: أيّ ذلك أحبّ إليك؟ فقلت: تجعلها إبلا. قال: اعطه عشرا من الإبل. فاعطيتها.
  6. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ٥٧٧.
  7. المغازي ٢: ٤٠٤-٤٠٧.
  8. إعلام الورى ١: ١٩٧ وهو لفظ الواقدي ٢: ٤٠٧.
  9. الإرشاد ١: ١١٩. وقال الحلبي في المناقب ١: ٢٠١. فجاء أبوها إلى النبيّ بفداء ابنته فسأله النبيّ(ع) عن جملين كان قد خبّأهما في شعب كذا. فقال الرجل: أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّك لرسول الله، والله ما عرفهما أحد سواي! ثمّ قال: يا رسول الله، إنّ ابنتي لا تسبى إنّها امرأة كريمة...
  10. إعلام الورى ١: ١٩٧ وتمامه: فما أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها، وهو لفظ الواقدي رواية عن عائشة ٢: ٤١١ ولكن صدر الرواية تخالف ما نقلناه عن المفيد في الإرشاد، وما ذكره الطبرسي في إعلام الورى، والحلبي في المناقب، فقد روى الواقدي بسنده عن عائشة قالت: بينا النبيّ(ص) عندي ونحن على الماء (المريسيع) إذ دخلت عليه جويريّة... فقالت: يا رسول الله، إنّي امرأة مسلمة أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّك رسول الله، وأنا جويريّة بنت الحارث ابن أبي ضرار سيّد قومه، أصابنا من الأمر ما قد علمت ووقعت في سهم ثابت بن قيس بن شمّاس وابن عمّ له، فتخلّصني من ابن عمّه بنخلات له بالمدينة، ثمّ كاتبني على ما لا طاقة لي به ولا يدان، وما أكرهني على ذلك، إلّا أنّي رجوتك - صلّى الله عليك - فأعنّي في مكاتبتي! قالت عائشة: وكانت جويريّة جارية حلوة لا يكاد يراها أحد إلّا ذهبت بنفسه... فكرهت دخولها على النبيّ وعرفت أنّه سيرى منها مثل الذي رأيت! فقال رسول الله: أو خير من ذلك؟ فقالت: ما هو يا رسول الله؟ قال: اؤدّي عنك كتابتك وأتزوّجك؟! قالت: نعم يا رسول الله قد فعلت! فأرسل رسول الله إلى ثابت فطلبها منه وأدّى ما كان عليها من كتابتها وأعتقها وتزوّجها. وخرج الخبر إلى الناس ورجال بني المصطلق قد اقتسموا وملكوا، ووطىء نساؤهم، فقالوا: أصهار النبيّ! فأعتقوا ما بأيديهم من ذلك السبي، فأعتق مائة أهل بيت بتزويج رسول الله إيّاها، فلا أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها. ثمّ روى بسنده عن مولاة جويريّة عنها قالت: إنّ أبي افتداني من ثابت بن قيس بن شمّاس بما كانت تفتدى به المرأة من السبي، ثمّ خطبني رسول الله إلى أبي فأنكحني إيّاه. وإنّ رسول الله هو الذي سمّاها جويريّة وكان اسمها برّة. وروى عنها - أيضاً - قالت: رأيت قبل قدوم النبيّ - (ص) - بثلاث ليال: كأنّ القمر يسير من يثرب حتّى وقع في حجري، فكرهت أن اخبرها أحدا من الناس حتّى قدم رسول الله، فلمّا سبينا رجوت الرؤيا، فلمّا أعتقني وتزوّجني ما كلّمته في قومي... وما شعرت إلّا بجارية من بنات عمّي تخبرني أنّ المسلمين هم أرسلوهم. فحمدت الله - عزّ وجلّ - ٢: ٤١١ و٤١٢ وسيأتي التفصيل عن سبايا بني المصطلق.
  11. إعلام الورى ١: ١٩٧ وهو لفظ الواقدي بسنده عن مولاة جويرية ٢: ٤٠٨ و٤٠٩.
  12. المغازي ٢: ٤٠٨ وتمامه: فقدم أخوه مقيس على النبيّ(ص) فأمر له بالدّية فقبضها، ثمّ عدا على قاتل أخيه فقتله ثمّ خرج مرتدّا إلى قريش ونظم شعرا في ذلك، فأهدر رسول الله دمه يوم فتح مكّة فقتل فيها. وعكس ابن هشام فجعل هشام بن صبابة هو المقتول ولم يذكر اسم القاتل ٣: ٣٠٢ وذكر تتمّة الخبر ٣: ٣٠٥ و٣٠٦.
  13. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ٥٨٠.
  14. المغازي ٢: ٤١٠.
  15. المغازي ٢: ٤١١ وقد مرّ الخبر عنه.
  16. المغازي ٢: ٤١٢ عن ابن أبي سبرة عن عمارة بن غزيّة. قال الواقدي: ويقال: جعل صداقها عتق أربعين من قومها. وعليه فمن منّ عليه النبيّ منهم أربعون، وستّون منهم منّ عليهم سائر المسلمين وبقي منهم مائة أهل بيت افتدوا، كلّ امرأة بستّ نياق، كما مرّ الخبر عنه.
  17. المغازي ٢: ٤١٣.
  18. المغازي ٢: ٤١٣ ويلاحظ عليه عدم التصريح بمدة استبراء أرحامهنّ؟
  19. المغازي ٢: ٤١٣.
  20. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ٥٨٣.
  21. يتكرر اسم سيّار في الخبر عدّة مرات، وهنا: أنس بن سيار! بينما سيأتي عن ابن إسحاق أنّ اسمه سنان بن وبر الجهني حليف بني عمرو بن عوف من الخزرج.
  22. سورة المنافقون، الآية ١-٨.
  23. تفسير القمي ٢: ٣٦٨-٣٧٠.
  24. ابن إسحاق في السيرة ٣: ٣٠٣-٣٠٥ ونحوه في مجمع البيان ٩: ٤٤٢، ٤٤٣. ونقل مفصّل الاخبار الواقدي في المغازي ٢: ٤١٥-٤٢٥.
  25. تمام الخبر: فنزل: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا... وهي الآية الخامسة، وبعدها في الثامنة: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا... وهذا يعني أن السورة نزلت أولا اربع آيات، ثم نزلت إلى آخرها، مما يبعد صحة الخبر هكذا.
  26. مجمع البيان ٩: ٤٤٣، ٤٤٤. وموته في الخامسة في تأريخ الخميس ١: ٤٧٣ وبعد المصطلق في الدر المنثور ٦: ٢٢٦.
  27. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ٥٨٥.