نقاش:الوحي في القرآن
الوحي في الإسلام هو اتصال إلهي خاص بين الله تعالى وأنبيائه، يهدف إلى هداية البشر وتوجيههم لما فيه صلاحهم في الدنيا والآخرة. لا يمكن تفسير الوحي بالعوامل البشرية مثل النبوغ الفكري أو العبقرية، لأن الوحي يتجاوز القدرات البشرية ويستمد مصدره من علم الله الشامل.
تمهيد
يعتبر الوحي في الإسلام أحد أبرز الخصائص المميزة للأنبياء، حيث يتواصل الله تعالى مع أنبيائه لإبلاغهم بالتعاليم والأحكام الإلهية. هذا التواصل، أو الوحي، لا يمكن قياسه بأي نوع من الإحساس أو الشعور البشري، ولا يمكن مقارنته بأي تجربة إنسانية أخرى. تناولت العديد من المؤلفات شرح طبيعة الوحي وتفسير معناه، فعلى سبيل المثال، يعرف الوحي بأنه إعلام الله تعالى لنبي من أنبيائه بحكم شرعي أو غيره. وبذلك، فإن الوحي ليس مجرد مكاشفة أو اكتشاف ناتج عن معادلات رياضية أو تحليلات عقلية.
معاني الوحي في القرآن
لفهم المعنى الحقيقي للوحي، يجب دراسة استخداماته في اللغة العربية والقرآن الكريم. يستخدم مصطلح "الوحي" في القرآن بخمسة معان مختلفة، وفيما يلي توضيح لهذه المعاني:
١. هداية المخلوقات إلى واجباتها: يشير الوحي هنا إلى الهداية التكوينية التي يمنحها الله للمخلوقات لتؤدي دورها في الكون. قال تعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا} [[[فصلت]]: ١٢]. يفهم من الآية أن الله خلق السماوات وأوحى في كل سماء ما يتناسب مع أمرها ووظيفتها.
٢. الشعور الغريزي: يستخدم الوحي للإشارة إلى الهداية الغريزية التي تمتلكها الكائنات الحية، مثل النحل. قال تعالى: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} [[[النحل]]: ٦٨]. يعبر عن هذه الهداية الغريزية الفطرية بالوحي التكويني.
٣. الإلهام القلبي: يشير إلى الإلهام المباشر الذي يمنحه الله لبعض عباده، كما في قصة أم موسى. قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ...} [[[القصص]]: ٧]. هنا، الوحي هو إلهام إلهي لأم موسى لتتصرف بما يحمي ابنها من خطر فرعون.
٤. الإلقاء الخفي للكلام: يشير الوحي هنا إلى الوسوسة أو الإلقاء الخفي، كما في قوله تعالى: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ...} [[[الأنعام]]: ١٢١]. يتحدث عن التواصل الخفي بين الشياطين وأوليائهم.
٥. الصلة بين النبي والله تعالى: وهو المعنى المقصود في سياق العقيدة الإسلامية حول النبوة. هذا الوحي هو اتصال خاص بين الله وأنبيائه، ينزل من خلاله التعاليم والأحكام الشرعية. قال تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ} [[[الشعراء]]: ١٩٣-١٩٤].
التأكيد على المعنى الخامس
المعاني الأربعة الأولى للوحي في القرآن الكريم لا تتعلق بموضوع الوحي التشريعي المرتبط بالنبوة، بل تتناول جوانب أخرى مثل الهداية التكوينية والإلهام الغريزي والإلقاء الخفي. المعنى الخامس هو الذي يتعلق بالصلة المباشرة بين النبي والله تعالى، وهو موضوع البحث في العقيدة الإسلامية حول الوحي والنبوة.
أشكال الوحي إلى الأنبياء
يأتي الوحي إلى الأنبياء بأشكال مختلفة، منها:
- الرؤيا الصادقة: كما في قصة إبراهيم (ع) عندما رأى في المنام أنه يذبح ابنه إسماعيل. هذه الرؤية كانت وحيا من الله، وهي مثال على الاتصال الإلهي عبر الرؤى.
- الإنزال المباشر على القلب: وهو الوحي الذي ينزل مباشرة على قلب النبي بدون واسطة، كما أوضح القرآن في قوله تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ...} [الشعراء: ١٩٣-١٩٤].
- الكلام من وراء حجاب: كما حدث مع موسى (ع)، حيث كلمه الله تعالى مباشرة. قال تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً} [[[النساء]]: ١٦٤]. ويفسر ذلك بأن الله أوجد صوتا سمعه موسى دون رؤية مباشرة، وربما كان ذلك عبر شجرة كما في بعض التفسيرات.
- إرسال رسول (ملك) من الملائكة: وهو الشكل الأكثر شيوعا، حيث يرسل الله ملكا، مثل جبريل (ع)، ليبلغ النبي بالوحي. قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ...} [[[الشورى]]: ٥١].
ضرورة الوحي
القيمة المعرفية للوحي
الوحي يمثل قيمة معرفية عليا، حيث ينقل للإنسان معرفة لا يستطيع الوصول إليها بمفرده. هذه المعرفة الإلهية تعالج مسائل تتعلق بالغيب والآخرة وأحوال النفس البشرية، وهو ما لا يمكن للعلماء أو الفلاسفة الوصول إليه بدون الوحي.
الحاجة إلى الوحي في التشريع
المشرع ينبغي أن يكون محيطا بدقائق الأمور وجزئياتها، ويكون أعلى من البشر علما ومعرفة. التقدم العلمي البشري لا يغني عن الحاجة إلى الأنبياء والوحي، لأنهم مرتبطون بالله تعالى، مصدر العلم والحكمة. فالوحي الإلهي هو الوسيلة التي من خلالها يفيض الله معرفته على أنبيائه، ليبلغوها للناس.
شبهة تفسير الوحي بالنبوغ الفكري
الفرق بين الوحي والنبوغ الفكري
يثير بعض الباحثين تساؤلات حول ما إذا كان الوحي لونا من ألوان النبوغ الفكري أو العبقرية. يعرف النبوغ بأنه تفوق فكري أو ذكاء خارق يظهر لدى بعض الأفراد نتيجة عوامل مختلفة، مثل:
- الحب والعشق الشديد: حيث يمكن أن يدفع الشغف الشديد الفرد إلى الإبداع والتفوق.
- المحن الطويلة: إذ قد يؤدي التعرض للظلم أو الاضطهاد إلى تحفيز الإبداع.
- الانتماء إلى الأقليات الاجتماعية: حيث يسعى الأفراد لتعويض النقص الاجتماعي بالإبداع.
- الطفولة: حيث يكون للبيئة والتنشئة في الطفولة أثر في تنمية القدرات.
- الخلوة والوحدة: الانعزال قد يساعد على التركيز والتأمل.
- التربية الأولى: التأثير المبكر للتربية على تطوير القدرات.
مع ذلك، لا يمكن مقارنة النبوغ الفكري بالوحي الإلهي للأنبياء، وذلك للأسباب التالية:
- اختلاف المصدر: النبوغ ناتج عن قدرات بشرية وعوامل بيئية، بينما الوحي مصدره إلهي خالص.
- الهدف والغاية: النابغة قد يسعى لتحقيق إنجازات شخصية أو خدمة المجتمع، بينما النبي مكلف برسالة إلهية لهداية البشر.
- الاعتراف بالمصدر: النابغة ينسب الإنجازات إلى نفسه، في حين ينسب النبي كل ما لديه إلى الله تعالى.
نقد تفسير الوحي بالنبوغ
بعض علماء الاجتماع حاولوا تفسير الوحي على أنه نتاج النبوغ الفكري، إلا أن هذا التفسير يواجه بالانتقادات التالية:
- المنهجية العلمية: بناء فرضية مسبقة ثم البحث عن مبرراتها يخالف الأسس العلمية الموضوعية.
- تجاهل البعد الغيبي: إنكار عالم الغيب والاقتصار على التفسيرات المادية يضيق الفهم لظواهر تتجاوز الماديات.
- دور الأنبياء: الأنبياء لم يكونوا مجرد نوابغ فكريا، بل كانوا مرسلين من الله برسالات تتضمن تشريعات وأحكاما لا يمكن الوصول إليها بالعقل البشري وحده.
مقالات ذات صلة
تمّ تبسيط النص التالي:
تمهيد
الوحي هو في الحقيقة أعظم علامة مميزة لكل الأنبياء بحيث أنَّ الله تبارك وتعالى يوجد صلة مع أنبيائه الذين ينبؤون عنه عن طريق الوحي، وهذا الوحي غير موجود عند الآخرين، وإذا وجد شيء من الإحساس أو الشعور أو أي شيء من هذا القبيل فلا يمكن أن يقاس بالوحي مطلقاً، وقد تطرقت بعض المؤلفات إلى بيان طبيعة الوحي وشرح هذا المعنى، فمثلاً نجد التعبير عن الوحي بأنه إعلام الله تعالى لنبي من أنبيائه بحكم شرعي وغيره. فالوحي ليس مكاشفة كما يراه بعض أو من قبيل الاكتشاف نتيجة لمعادلات رياضية بواسطتها يحصل الإنسان على تلك المعرفة.
و لو أردنا أن نتعرف على معنى الوحي الحقيقي فيجب علينا أن نلاحظ ذلك من خلال اللغة والقرآن لرأينا هناك خمسة معان تطلق عليه ونحن نريد أن نؤكد على واحد منها، وهذه المعاني:
۱. هداية المخلوق إلى واجبه: قال تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [١]، فالله تبارك وتعالى خلق الكون وخلق السماوات والأرضين في ستة أيام أو في يومين ولكن ليس المقصود باليوم هو (٢۴) ساعة لأنَّ هذا التقسيم حاصل من تقطيع الوقت من طلوع الشمس إلى اليوم الثاني من طلوعه، وهذا التقسيم افتراضي بلا شك وليس له واقع، فالتقسيم هذا تابع للحركة والحركة تابعة للخلق فقبل أن يكون هناك خلق وقبل أن تكون هناك كرات وقبل أن يكون شيء لم يكن يوم فإذن لا معنى لأن نعرف أن يكون ستة أيام أو يومين وإنما هي مراحل الخلق، وقد عرفنا في بحث سابق أن له الخلق والأمر، فأوحى في كل سماء أمرها يعني أن الله تبارك وتعالى هدى المخلوقات للهدف الذي خلقت من أجله، وهذه الهداية سماها ب (الوحي) في هذه الآية.
۲. الشعور الغريزي: وهو الذي نراه عند الحيوانات والحشرات والطيور لأنَّها تندفع بدافع الغريزة وليس بدافع العقل والحكمة والتدبير لأنَّ ذلك هو بالنسبة إلى الإنسان المخير الذي يملك الفعل ويملك الترك ويستطيع أن يقرر ويصمم وبعدها يرى العاقبة فإما أن يقدم أو يترك، بينما الحيوانات والحشرات والطيور إنما تُسيّرها الغريزة، والله تبارك وتعالى يعبر عن الهداية الغريزية أو الهداية التي تسوق هذه الحيوانات بالوحي، مثال ذلك ما نجده في (النحل) مثلاً قال تعالى: ﴿وَ أَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَحْلِ أَنِ اتَّخِذِى مِنَ الْجبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [٢]، فتعليم النحل طريقة صناعة الخلية وأن تصنع من الجبال بيوتاً ثم هذه البيوت الآمنة في الجبال تكون محلاً لصنع العسل فقد اطلق على هذا وحي ولعله يمكن أن يُسمى بالوحي التكويني، والوحي التكويني هو الهداية الغريزية أو الهداية الفطرية أو الشعور الغريزي.
٣. الإلهام القلبي: وهو نوع ثالث يستعمله القرآن وقد سماه وحياً وهو ما نجده مثلاً بالنسبة إلى أم موسى حيث قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [٣]، وذلك عندما كان فرعون يتعقب كل ولد يولد لأنَّ المعبرين والمنجمين والمتنبئين بالأحداث قالوا له سوف يولد في بني إسرائيل مولود يأخذ عرشك ويقلب نظام الحكم عليك ويقضي على كل شيء فأمر بكل النساء الحوامل أن يُراقبن مراقبة شديدة وكل امرأة تضع ولداً يجب أن يُقتل ويقضى عليه، ولكن شاء الله تبارك وتعالى أن يولد موسى وبعدها يحفظ ويرعى في بيت فرعون نفسه وهذه أعظم درجة من درجات التحدي الإلهي للذين يفكرون أن باستطاعتهم أن يعملوا شيئاً في مقابل مشيئة الله تبارك وتعالى.. إلخ إذا إن الإيحاء إلى أم موسى بمعنى الإلهام القلبي.
٤ . إلقاء الكلام بشكل خفي: حيث قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [٤]، فهذا الوحي من قبل الشيطان إنما يتلقاه أولياؤه، فالشياطين يوحون إلى أوليائهم يعني يلقون إليهم كلاماً خفياً، وقد أطلق عليه وحياً لأنَّ في اللغة نرى اشتقاق كلمة الوحي إنما هو التكلم بالكلام الخفي غير المسموع من قبل الكل، ولعله يأتي الشيطان فيوحي إلى أوليائه الذين أنكروا وجود الله تبارك وتعالى.
فهذه المعاني الأربعة ليست هي المقصودة من بحثنا حول الوحي في المفهوم العقائدى حول النبوة فليس المراد منه الوحي بالنسبة لكل سماء أمرها، ولا الوحي إلى النحل، ولا الوحي إلى أم موسى، ولا الوحي الصادر من الشياطين إلى أوليائهم هذه المعاني الأربعة، وإنما المقصود هو المعنى الخامس الذي نفهمه بعنوان الصلة بين الأنبياء والعالم العلوي.
٥. الصلة بين النبي وبين الله تعالى: فهذه الصلة بين الأنبياء وبين الله تبارك وتعالى تجعله على وعي وإحاطة مستمرة يتلقاها من قبل الله تعالى، فليست هي دراسة تحتاج إلى مقدمات الدرس وما شاكل ذلك وإنما ينزل الوحي بكل معاني العظمة والفهم والحكمة والعقل والتدبر على قلب النبي الأمي فيجعله مفيضاً بالحكمة والفهم ومعلماً لكل الأمور التي تدعو إلى الحكمة والموعظة والرقي العلمي والتربوي وما شاكل ذلك، فهنا نجد أنَّ الصلة بين الأنبياء مع العالم العلوي يُعبر عنها بالوحي وهو يختلف تماماً عن المعاني الأربعة الماضية.
ويكون هذا الوحي بأشكال مختلفة فمرة يكون بطريق الرؤيا وهذا ما كان بالنسبة لإبراهيم(ع) حيث يرى في المنام أنه يذبح ولده إسماعيل والقصة كلها يصورها القرآن بأروع ما يمكن، فهذا وحي من الله تعالى، وثانية يكون بمعنى العلم والحكمة والأوامر الإلهية تنزل على قلب الرسول مباشرة وهو الوحي الكامل الذي نجده في القرآن كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ [٥]، والحالة الثالثة أنه يكون عن طريق إيجاد صوت في الخارج كما كلم الله تبارك نبيه موسى(ع) حيث قال تعالى: ﴿وَ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [٦]، وهناك روايات تفسر هذا الموضوع بمعنى أن الله تبارك وتعالى أوجد صوتاً في شجرة والشجرة صارت تتكلم.
والحالة المتداولة المعروفة هي أنْ يأتي مَلَكٌ من قبل الله تبارك وتعالى، جبرائيل وهو أمين الوحي بالنسبة إلى رسول الله(ص) أو أي ملك يحمل هذا الوحي وهذه الرسالة والقرآن الكريم يعبر عن تلك الحالات الثلاث بالوحي حيث قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيا أَوْ مِن وَرَايِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلَى حَكِيمُ﴾ [٧].
من خلال ما تقدم عرفنا التعاريف الواردة في كتب العقائد أو كتب الكلام عن الوحي وأصله اللغوي واستعمالاته القرآنية ووجدنا أنَّ أربعة من هذه الاستعمالات القرآنية للوحي ليست ذات صلة في بحثنا في العقائد، إنما هو معنى واحد وهو الأخير.
وعلى أساس ذلك نقول إنَّ المشرّع يجب أن يكون محيطاً بدقائق وجزئيات حالات البشر ويكون أعلى من البشر في نفس الوقت ويعرف كل شيء عن أسرار وكوامن النفوس، فالتقدم العلمي لا يغنينا عن الحاجة للأنبياء وذلك لارتباطهم بالله تعالى مفيض الوجود على العباد والأعرف بما ينفعهم ولا يكون ذلك الفيض إلا عن طريق الوحي الإلهي لأنبيائه.
ولكن يبقى هنا سؤال نحاول أن نسلط الضوء عليه وهو إنَّ قسماً من علماء الاجتماع أو الباحثين في المسائل الاجتماعية خلطوا بين الوحي وبين النبوغ الفكري وقالوا بأنَّ الوحي إنما هو لون من ألوان النبوغ الفكري وفي كل مجتمع نعرف أنَّ هناك قلة بمستوى من الذكاء الخارق للعادة حيث يتقدم عصره في الحقيقة وكأنه درس هذه الأمور من قبل خمسين سنة في حين أنه هو في أول مرة يستمع له، فهذا اللون نسميه نحن النبوغ، ولكن هل النبوغ الذي نعهده من أناس معدودين في المجتمع وتفوقهم وقابلياتهم الموجودة في الذكاء والفهم وسرعة الانتقال وحدة الفكر وما شاكل ذلك فهل وحي أو لون من ألوان النبوغ؟
إنَّ النبوغ الفكري والذكاء الخارق للعادة أمر متداول في كل المجتمعات، ففي كل مجتمع ينبغ فرد أو فردان ويبقى أحياناً عشر سنوات أو عشرين سنة لا يوجد نابغة وبعدها يظهر نابغ وهكذا ..
نريد أن نرى أولاً ما هو النبوغ وما هي عوامل أو مصادر النبوغ وهل يوجد تشابه بين هذه الحالات، أو بعبارة أخرى هل يوجد انطباق كامل بين هذه المواصفات وهذه الحالات وبين الوحي وحالة النبي لما يوحى إليه أم لا؟
في علم النفس الاجتماعي أو علم النفس بشكل عام نستطيع أن نجد إنَّ مصادر النبوغ أولها هو الحب والعشق ففي هذه الحالة يعتبرون هذا العامل أقوى العوامل وأكثرها تحريكاً للأفكار الإنسانية لأن العشق والحب الشديد في طبيعته ينتهي بالغرام وينتهي بأن يكون الشخص مُتَيَّماً، والمُتَيَّم هو الذي لا يرى نفسه مطلقاً بل هو فانٍ في المحبوب فلا يرى إلا المحبوب، فالعشق هو العامل الشديد الذي يدعو كل القوى الفكرية والعضلات والخلايا التي ممكن أن تصنع الإبداع والنبوغ والتفوق العلمي وتنجز إنجازات رائعة جداً ولدينا أمثلة في التأريخ. والعامل الثاني الذي يذكر أحياناً هو المحنة الطويلة يعني أنّ الإنسان حينما يلاقي محنة طويلة وظلماً واضطهاداً شديداً فهذا الاضطهاد الشديد يتحول إلى محنة طويلة الأمد يجعله يبدع ويفكر أن يكون بمستوى من الإنتاج الفكري والعلمي أكثر من الآخرين، وأيضاً لدينا أمثلة على ذلك، والعامل الثالث يقال إنما هي الأقليات الاجتماعية وحينما ندرس هذه المجتمعات نستطيع أن نصدق قليلاً بهذا العامل من حيث أنه حينما يكون شخص لا يعامل بنفس الحقوق والمزايا التي يعامل بها الآخرون فحينذ يحس بأنه هو مواطن من درجة أخرى وأنه يُعطى بعض الحقوق وتعطى حقوقه للآخرين فهذا يحاول أن يتدارك هذا النقص بالإبداع وما شاكل ذلك. والعامل الرابع هو الطفولة باعتبار أنَّ في سن الطفولة لا توجد مشاكل فيمكن للإنسان في أن ينطوي على عاداته ويحاول أن يستثمر أفكاره الطفولية ويركزها على الجانب الإبداعي ويقال في علم النفس إنَّ هذا أيضاً من العوامل المؤثرة في النبوغ. والعامل الخامس يعتبروه الخلوة والانفراد والوحدة فيعني حينما يعيش الإنسان وحيداً وبعيداً عن الضوضاء فيكون متفرغاً لفكر واحد غير مرتبط بأفكار واتجاهات ومشكلة فلانية وغيرها، والعامل السادس الذي هو عبارة عن التربية الأولى، والتربية الأولى مهمة جداً فهذه التربية هي التي تجعل الإنسان حينها يتجه نحو النبوغ.
وبشكل عام نجد أنَّ هذه العوامل الستة إنما هي تخلق النابغة يعني إنَّ كل العوامل إذا اجتمعت أو عاملين منها أو ثلاثة أو أربعة من مجموعة العوامل كلها تجعل الإنسان يوجد الإبداع الفكري والأدبي والعلمي والانجازات الراقية وأخيراً تصنع من الإنسان العادي نابغة، ولكن كل هذه العوامل والقضايا لا نستطيع أبداً أن نقارنها أو نشبّهها بمسألة الوحي والنبوة مطلقاً؟ ولكن علينا أن ننظر إلى مسألة أساسية جداً وهي إنَّ كثيراً من القائلين بنظرات اجتماعية أنه يبدأ أولاً بأساس ويبدأ بتصور وبعد ذلك يحاول أن يبرر وهذا - مع الأسف - أسلوب خاطئ في الاستدلال وبعيد عن روح الموضوعية والدقة والأمانة العلمية، حيث أنك تفترض شيئاً في حالة معينة وتحاول أن تبررها، فمثلاً (فرويد) لم يأت أولاً يشاهد الحالات المختلفة للنشاط الإنساني ذلك يجمع الحالات كلها ويقول في هذا المورد وفي هذا المثال وفي هذه التجربة وتلك كذا وكذا وقد توصلت إلى أنَّ العامل المحرك الأول للإنسان هو الجنس واللذة الجنسية أو العامل الجنسي وإنما سلفاً أخذ قناعة بأنَّ عامل الغريزة الجنسية عامل قوي في النفس الإنسانية وفي تصرفات وسلوك الإنسان وبعدها صار إيجابياً ثم يأتي بأمثلة ويبحث عن شواهد، فكثير من الباحثين في علم الاجتماع من هذا القبيل يبني فرضية معينة في البداية ويقتنع بها ويتصورها مسلمة ۱۰۰% غير قابلة للخدشة وبعدها يحاول أن يبررها، ونفس الخطأ هنا أيضاً حيث أنهم في البداية تصوروا أن كل شيء لابد أن يكون له تفسير مادي ولا يوجد شيء اسمه الغيب أو عالم الغيب في مقابل عالم الشهادة، ولا يوجد شيء اسمه التحليق في سماء الكمال والتجرد من خواص المادة والمكان والزمان .. إلخ، والشيء الوحيد هو المادة والآثار المادية وصاروا يبحثون عن هذه الأمور لكنهم لم يعرفوا معنى الإسناد الإلهي والفيض الإلهي فلم يعرفوا أنَّ الله تبارك وتعالى إذا أراد شيئاً لا يتقيد بالقوانين الطبيعية فيمكنه ذلك فليست يد الله مغلولة، فهل إنَّ نبي الله موسى(ع) كان يصدق عليه نبوغ من خلال ما وصل إليه من الكمالات من بين جميع البشر وكذا من قبل إبراهيم(ع) ونفس الشيء تحدث عن عيسى(ع) أو عن نبينا محمد(ص) فلا يوجد أي شبه بين الأنبياء واتصالهم بالله تعالى والعلماء النوابغ حيث الكمالات والصفات والأخلاق في خدمة الإنسانية ولكننا لا نرى مثل ذلك عند العبقري. فالوحي لا يمكن أن يقارن تماماً بما يقدمه العلماء حيث كل ما يقدمونه مرتبطٌ بأنفسهم وما وصلت إليه أفكارهم وليست له علاقة أو ارتباط بالمبدأ الأول للعطاء الغيبي وهو الله تعالى بينما نجد أن الأنبياء رغم ما وصلوا إليه فإنهم لا ينسبونه لأنفسهم بل ينسب الى المصدر الإلهي وإلى الوحي وليس إلى إنجازاته وفي سجل اختراعاته وفي براعة الاختراع كما يسجل المخترع الفلاني، والنتيجة أنه لا مجال للخلط بين الوحي والنبوغ أبداً لأنَّ الوحي ليس وليد النبوغ.[٨]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ فصلت: ۱۲.
- ↑ النحل: ٦٨.
- ↑ القصص: ۷.
- ↑ الأنعام: ۱۲۱.
- ↑ الشعراء: ۱۹۳ – ۱۹٤.
- ↑ النساء: ١٦٤.
- ↑ الشورى: ٥١.
- ↑ السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية، ص ١٧٣-١٧٩.