وحدانية الله في علم الکلام

من إمامةبيديا

التعريف

الوحدانية: لغة - هي: مصدر صناعي من الوحدة بزيادة الألف والنون للمبالغة[١].[٢]

تعريفها الإصطلاحي

واصطلاحا هي: صفة من صفات الله تعالى، معناها: أن يمتنع ان يشاركه شيء في ماهيته، وصفات كماله، وأنه منفرد بالايجاد والتدبير العام بلا واسطة ولا معالجة ولا مؤثر سواه في أثرها عموما[٣].

وباختصار الوحدانية ترادف التوحيد الذي يعني نفي الشريك وبطلان تعدد الآلهة. وقد ورد استعمال هذا المصطلح وبمعناه العلمي في كلام للإمام الحسين (ع) في التوحيد، قال: «اِسْتَخْلَصَ اَلْوَحْدَانِيَّةَ وَ اَلْجَبَرُوتَ وَ أَمْضَى اَلْمَشِيَّةَ وَ اَلْإِرَادَةَ وَ اَلْقُدْرَةَ وَ اَلْعِلْمَ بِمَا هُوَ كَائِنٌ»[٤]. وتعني هنا البحث في اثبات وحدانية الله تعالى أو اثبات أنه تعالى واحد[٥].

تعريف «الواحد» لغةً وإصطلاحاً

وفي معنى (الواحد) - لغة - يقول أبو إسحاق الزجاج: وضع الكلمة في اللغة انما هو للشئ الذي ليس باثنين ولا أكثر منهما[٦].

أما معناه في الاصطلاح فيقول الزجاج: وفائدة هذه اللفظة في الله - عز اسمه - انما هي تفرده بصفاته التي لا يشركه فيها أحد، والله تعالى هو الواحد في الحقيقة، ومن سواه من الخلق آحاد تركبت[٧].

ويعرفه المعجم الفلسفي ب (ما لا يقبل التعدد بحال)[٨].

وفي مفردات الراغب يعرف: ب (الذي لا يصح عليه التجزي ولا التكثر)[٩].

يقول الامام أمير المؤمنين (ع): «من ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله»[١٠].

ويقول أيضا: واحد لا بعدد.

ولعل منه أخذت مؤديات التعريفات المذكورة.

وقد ورد استعمال هذا الاسم صفة لله تعالى في القرآن الكريم على لسان بني يعقوب: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ[١١].

كما وصف الله تعالى نفسه في قوله: ﴿وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ[١٢].[١٣]

دلیل المتکلمين

واستدل المتكلمون على وحدانية الله تعالى بأن قالوا: إننا إذا افترضنا وجود إلهين وكانا مستجمعين لشرائط الإلهية التي منها القدرة والإرادة. فإننا نفترض أيضا جواز تعلق إرادة أحدهما بايجاد المقدور وتعلق إرادة الآخر بعدم ايجاده، وذلك لأن الاختلاف في الداعي ممكن.

وعليه نقول: إذا أراد أحدهما ايجاده فاما أن يمكن من الآخر إرادة عدم ايجاده أو تمتنع.

وكلا الامرين - الامكان والامتناع - محال.

وترجع استحالة امكان تعلق إرادة الآخر بعدم ايجاده مع تعلق إرادة الأول بايجاده إلى أنه يستلزم منه وقوع ايجاده وعدم ايجاده معا. وهو من اجتماع النقيضين. أو يستلزم لا وقوعهما معا، وهو من ارتفاع النقيضين. وكلاهما محال. كما أنه يلزم منه أيضا عجزهما، وهذا خلف. أما وقوع مراد أحدهما دون الآخر، فيستلزم ان يكون الذي لم يقع مراده عاجزا، وهذا خلف. وقالوا في محالية امتناع تعلق إرادة الآخر بعدم ايجاده مع تعلق إرادة الأول، بإيجاده: إن ذلك المقدور بما انه ممكن يمكن تعلق قدرة كل من الإلهين وارادته به. وعليه يكون المانع من تعلق إرادة الآخر به هو تعلق إرادة الأول فيكون الآخر عاجزا، هذا خلف.

والنتيجة: هي بطلان تعدد الآلهة، وعنده يثبت أن الإله واحد، وهو المطلوب.

ويعرف هذا الدليل ب (برهان التمانع) لما رأيناه من أن تعلق قدرة كل منهما بالمقدور تمنع من تعلق قدرة الآخر به، والتمانع هو حصول المنع من كل طرف من الطرفين[١٤].

دلیل الحکماء

أما الحكماء فخلاصة دليلهم أن قالوا: إن الواجب لذاته - بما انه كذلك - يمتنع أن يكون أكثر من واحد. وذلك لأنه لو كان هناك واجبان للزمهما التمايز لامتناع الاثنينية بدون الامتياز بالتعين. ويجب ان يكون امتياز كل واحد عن غيره بغير هذا المعنى المشترك فيه، وهو الوجوب.

ولان المجتمع من هذا المعنى المشترك فيه والمعنى الذي به الامتياز لا يكون واجبا لذاته، فيلزم منه أن يكون كل واحد من المتصفين بوجوب الوجود غير متصف به، وهذا محال[١٥].

في القرآن الكريم

ونلمس مفاد دليل التمانع الذي برهن به الكلاميون على وحدانية الله تعالى في الآية الكريمة: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا[١٦].

فهي تعني: انه لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله لبطلتا وفسدتا، لما يكون بين الآلهة من الاختلاف والتمانع.

وكذلك في الآية الأخرى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ ۚ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ[١٧].

ونرى انعكاس هذا المفاد القرآني في قول الإمام أمير المؤمنين(ع): «وَ اِعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَبِّكَ شَرِيكٌ لَأَتَتْكَ رُسُلُهُ، وَ لَرَأَيْتَ آثَارَ مُلْكِهِ وَ سُلْطَانِهِ، وَ لَعَرَفْتَ أَفْعَالَهُ وَ صِفَاتِهِ، وَ لَكِنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ. لاَ يُضَادُّهُ فِي مُلْكِهِ أَحَدٌ، وَ لاَ يَزُولُ أَبَداً. وَ لَمْ يَزَلْ».

وينسق على البحث في موضوع الوحدانية البحث في كيفية خلقه الخلق وصدور هذه الكثرة عنه تعالى، وهو ما يعرف ب: نظرية الواحد لا يصدر عنه الا واحد. مؤدى هذه النظرية: أن الفاعل إذا كان واحدا لا يمكن ان يصدر عنه من جهة واحدة الا معلول واحد.

وقد ذهب جل متكلمة وفلاسفة المسلمين إلى انطباق وتطبيق هذه النظرية على المبدأ الأول لأنه واحد، ولا تكثر فيه، فقالوا: لا بد أن يكون الصادر الأول عنه واحدا وفي سلسلة تتكثر فيها الجهات لتعطي الكثرة.

ولما للموضوع من أهمية رأيت أن أكون معه في سخاء البحث أكثر من لداته، فأبدأ معه منذ نشوء النظرية متعرفا سبب النشأة ثم ما طرأ على النظرية من تطور وما وجه لها من نقد.

وأجلى وأخصر عرض تاريخي أبان عن نشأة النظرية وسببها فيما لدي من مراجع - هو ما ذكره ابن رشد في كتابه (تهافت التهافت). ولهذا فضلت ان أنقله هنا بنصه مكتفيا به مع التصرف اليسير بحذف زوائده اختصارا.

يقول ابن رشد: وهذه القضية القائلة: (ان الواحد لا يصدر عنه الا واحد)، هي قضية اتفق عليها القدماء من الفلاسفة حين كانوا يفحصون عن المبدأ الأول للعالم بالفحص الجدلي وهم يظنونه الفحص البرهاني.

فاستقر رأي الجميع منهم على: أن المبدأ واحد للجميع.

وأن الواحد يجب أن لا يصدر عنه الا واحد. فلما استقر عندهم هذان الأصلان طلبوا من أين جاءت الكثرة؟!

وذلك بعد أن بطل عندهم الرأي الأقدم من هذا، وهو أن المبادئ الأول اثنان: أحدهما للخير والآخر للشر.

فلما تقرر بالآخرة عندهم ان المبدأ الأول يجب ان يكون واحدا، ووقع هذا الشك في الواحد أجابوا بأجوبة ثلاثة:

  • فبعضهم زعم أن الكثرة انما جاءت من قبل الهيولى.
  • وبعضهم زعم أن الكثرة إنما جاءت من قبل كثرة الآلات.
  • وبعضهم زعم أن الكثرة إنما جاءت من قبل المتوسطات.

وأما المشهور اليوم فهو ضد هذا، وهو أن الواحد الأول صدر عنه صدورا أولا جميع الموجودات المتغايرة.

وأما الفلاسفة من أهل الاسلام كأبي نصر (الفارابي) وابن سينا فلما سلموا لخصومهم: ان الفاعل في الغائب كالفاعل في الشاهد، وان الفاعل الواحد لا يكون منه الا مفعول واحد.

وكان الأول عند الجميع واحدا بسيطا، عسر عليهم كيفية وجود الكثرة عنه، حتى اضطرهم الأمر ان لا يجعلوا الأول هو محرك الحركة اليومية.

بل قالوا: ان الأول هو موجود بسيط، صدر عنه محرك الفلك الأعظم.

وصدر عن محرك الفلك الأعظم الفلك الأعظم ومحرك الفلك الثاني الذي تحت الأعظم، إذ كان هذا المحرك مركبا من ما يعقل من الأول وما يعقل من ذاته.

وهذا خطأ على أصولهم، لأن الفاعل والمفعول هو شئ واحد في العقل الانساني فضلا عن العقول المفارقة.

وهذا كله ليس يلزم قول أرسطو، فان الفاعل الواحد الذي وجد في الشاهد يصدر عنه فعل واحد، ليس يقال مع الفاعل الأول الا باشتراك الاسم.

وذلك أن الفاعل الأول الذي في الغائب فاعل مطلق، والذي في الشاهد فاعل مقيد.

والفاعل المطلق لا يصدر عنه الا فعل مطلق، والفعل المطلق ليس يختص بمفعول دون مفعول[١٨].

ونستخلص من هذا النص النقاط التالية:

  1. قدم النظرية، ذلك انها ترجع في تاريخ نشوئها إلى عهود الفلسفة الإغريقية.
  2. ان سبب نشأتها يرجع إلى أن الفلاسفة اليونانيين كانوا يذهبون إلى ثنائية المبدأ الأول فيعتقدون باله للخير وإله للشر، ثم قالوا بوحدانية المبدأ الأول، وبالمقارنة بين وحدته وكثرة العالم المخلوق له جاء سؤال: (كيف تصدر هذه الكثرة عن تلك الوحدة) يفرض نفسه عليهم، فذهبوا يلتمسون له الإجابة.
  3. ثم تسربت النظرية من عالم الفلسفة اليونانية إلى عالم الفلسفة الاسلامية، فقال بها أبو نصر الفارابي (ت 339 هجري) وابن سينا (ت 428 هجري).
  4. ثم تطورت النظرية في عصر ابن رشد (ت 595 هجري) إلى أن الواحد الأول صدر عنه مباشرة وبلا واسطة جميع الموجودات المتغايرة. ويعلل ابن رشد ذلك بان الفاعل المطلق لا يصدر عنه الا فعل مطلق، والفعل المطلق لا يختص بمفعول دون مفعول.
  5. ثم اننا إذا مشينا مع النظرية نستقرئ تاريخها في عصر ابن رشد أيضا، سوف نرى ان من الحكماء المسلمين غير ابن رشد، من نقد النظرية، وذهب إلى القول ببطلانها، أمثال فخر الدين الرازي (ت 606 هجري).
  6. ومن بعده تعود النظرية فتتركز على يد نصير الدين الطوسي (ت 672 هجري).
  7. ويأتي بعده العلامة الحلي (ت 762 هجري) فينقد النظرية، ويذهب إلى القول بالفرق بين الفاعل المختار فلا يشمله حكم هذه النظرية، والفاعل بالاضطرار فتصدق عليه.
  8. وفي عصرنا هذا يذهب الشيخ آل شبير الخاقاني (ت 1406 هجري) (إلى تفصيل آخر في المسألة، وهو: جواز صدور الكثرة عن الواحد في الواجب المطلق وعدم الجواز في الممكنات.

وسنرى بشئ من التفصيل مؤديات وحجج الآراء في المسألة:

حجة القائلين بها:

يقول الرازي: واحتجوا لذلك بأن مفهوم كون الفاعل الواحد علة ومصدرا لأحد المعلولين غير مفهوم كونه علة ومصدرا للآخر. والمفهومان المتغايران ان كانا داخلين في ماهية المصدر لم يكن المصدر مفردا بل يكون مركبا.

وان كانا خارجين كانا معلولين فيكون الكلام في كيفية صدورهما عنه كالكلام في الأول فيفضي إلى التسلسل.

وإن كان أحدهما داخلا والآخر خارجا كانت الماهية مركبة لأن الداخل هو جزء الماهية، وما له جزء كان مركبا، وكان المعلول أيضا واحدا لأن الداخل لا يكون معلولا[١٩].

وقرر السيد الطباطبائي (ت 1401 هجري) دليل (ان الواحد لا يصدر عنه الا واحد) ب أن من الواجب ان يكون بين العلة ومعلولها سنخية ذاتية ليست بين الواحد منها وغير الآخر، والا جاز كون كل شئ علة لكل شئ، وكل شئ معلولا لكل شئ، ففي العلة جهة مسانخة لمعلولها هي المخصصة لصدوره عنها، فلو صدرت عن العلة الواحدة وهي ليست لها في ذاتها الا جهة واحدة معاليل كثيرة بما هي كثيرة متباينة غير راجعة إلى جهة واحدة بوجه من الوجوه لزمه تقرر جهات كثيرة في ذاتها، وهي ذات جهة واحدة، وهذا محال[٢٠].

ولأن القائلين بهذه النظرية يؤمنون بان العالم وهو كثير صدر عن المبدأ الأول تعالى وهو واحد، بينوا مقصودهم من قولهم: (الواحد لا يصدر عنه الا واحد) دفعا لما قد يتوقعونه من اشكال يورد عليهم، وحاصله: إذا كان الواحد لا يصدر عنه الا واحد، كيف إذا صدرت هذه الكثرة عنه؟!

فقالوا: انما قلنا: إن الواحد لا يصدر عنه من جهة واحدة الا واحد.

أما إذا تكثرت الجهات فقد يصدر عنه من تلك الجهات المتكثرة، ولا يكون ذلك مناقضا لقولنا: لا يصدر عنه الا واحد[٢١] والى المعنى المذكور في توجيه النظرية ودفع الاشكال أشار السيد الطباطبائي بعد تقريره مؤدى النظرية بما نقلناه عنه، بقوله: ويتبين من ذلك: ان ما يصدر عنه الكثير من حيث هو كثير فان في ذاته جهة كثرة.

وقد اختلفوا في تقرير وتصوير تكثر الجهات، فانبثق عن هذا أكثر من نظرية منها:

1 - نظرية المثل الأفلاطونية:

نسبت إلى أفلاطون (ت 348 ق. م) لأنه هو الذي بلورها، بعد أن مهد لنضجها على يديه من تأثر بهم ممن سبقه أمثال أستاذيه بهرقليطس وبرمنيدس، والفيثاغوريين، وأستاذه سقراط (ت 399 ق. م)، واعتبرها هي الصادر الأول عن المبدأ الأول. وتبناها اتباعه الاشراقيون فأثبتوا أن في عالم الجبروت عقولا عرضية لا علية ولا معلولية بينها، يحاذي كل عقل منها نوعا من الأنواع المادية الموجودة في عالم الناسوت هو الذي يدبره بواسطة صورته النوعية فيخرجه من القوة إلى الفعل.

ومن هنا سميت هذه المثل ب (أرباب الأنواع) أيضا.

2 - نظرية العقول الفلكية:

التي تبلورت على يد المعلم الثاني الفارابي متأثرة بنظرية العقل بالفعل التي قال بها المعلم الأول أرسطو (ت 322 ق. م) والتي عرفت فيما بعد لدى المشائيين بنظرية العقل الفعال الذي هو الصادر الأول عن المبدأ الأول عند أرسطو.

وخلاصة هذه النظرية:

ان الوجود الأول يفيض وجود الثاني. وهذا الثاني جوهر غير جسمي ولا هو في مادة، وهو يعقل ذاته، ويعقل الأول. وبما يعقل من الأول يلزم عنه وجود ثالث، وبما هو متجوهر بذاته التي تخصه يلزم عنه وجود السماء الأولى.

والثالث أيضا وجوده لا في مادة، وهو بجوهره عقل، وهو يعقل ذاته ويعقل الأول، فبما يتجوهر به من ذاته التي تخصه يلزم عنه وجود كرة الكواكب الثابتة، وبما يعقله من الأول يلزم عنه وجود رابع.

وهذا أيضا (يعني الرابع) لا في مادة، فهو يعقل ذاته ويعقل الأول، فبما يتجوهر به من ذاته التي تخصه يلزم عنه كرة زحل، وبما يعقله من الأول يلزم عنه وجود خامس.

وهذا الخامس أيضا وجوده لا في مادة، فهو يعقل ذاته، ويعقل الأول، فبما يتجوهر به من ذاته يلزم عنه وجود كرة المشتري، وبما يعقله من الأول يلزم عنه وجود سادس.

وهذا أيضا (يعني السادس) وجوده لا في مادة، وهو يعقل ذاته، ويعقل الأول، فبما يتجوهر به من ذاته، يلزم عنه وجود كرة المريخ، وبما يعقله من الأول يلزم عنه وجود سابع.

وهذا أيضا (يعني السابع) وجوده لا في مادة، وهو يعقل ذاته ويعقل الأول، فبما يتجوهر به من ذاته يلزم عنه وجود كرة الشمس، وبما يعقل من الأول يلزم عنه وجود ثامن.

وهو أيضا (يعني الثامن) وجوده لا في مادة ويعقل ذاته ويعقل الأول، فبما يتجوهر به في ذاته التي تخصه يلزم عنه وجود كرة الزهرة، وبما يعقل من الأول يلزم عنه وجود تاسع.

وهذا أيضا (يعني التاسع) وجوده لا في مادة ويعقل ذاته ويعقل الأول، فبما يتجوهر به في ذاته يلزم عنه وجود كرة عطارد، وبما يعقل من الأول يلزم عنه وجود عاشر.

وهذا أيضا (يعني العاشر) وجوده لا في مادة، وهو يعقل ذاته، ويعقل الأول، فبما يتجوهر به من ذاته يلزم عنه وجود كرة القمر، وبما يعقل من الأول يلزم عنه وجود حادي عشر.

وهذا الحادي عشر هو - أيضا - وجوده لا في مادة، وهو يعقل ذاته، ويعقل الأول، ولكنه عنده ينتهي الوجود الذي لا يحتاج ما يوجد ذلك الوجود إلى مادة وموضوع أصلا، وهي الأشياء المفارقة التي هي في جواهرها عقول ومعقولات.

وعند كرة القمر ينتهي وجود الأجسام السماوية، وهي التي بطبيعتها تتحرك دورا[٢٢].

والنظرية كما ترى - مرتبطة ارتباطا أساسيا بنظرية الكواكب السيارة السبعة القديمة.

وهذا يعني أن الفلكيين القدامى لو كانوا قد توصلوا إلى وجود أكثر من هذه السبعة - كما هو الحال الآن حيث وصل العدد إلى أكثر من عشرة - لقالوا بعقول ومعقولات بعددها أيضا، فتصل العقول في النظرية إلى أكثر من أحد عشر.

وهذا يدل على شئ ليس بالصغير من الوهن الذي تعاني منه النظرية.

ونجد صدى هذه النظرية - كما ألمحت - عند ابن سينا، فقد جاء في كتابه «الإشارات والتنبيهات»[٢٣]: فمن الضروري إذا ان يكون جوهر عقلي يلزم عنه: جوهر عقلي وجرم سماوي، ومعلوم أن الاثنين انما يلزمان من واحد من حيثيتين.

وتكثر الاعتبارات والجهات ممتنع في المبدأ الأول، لأنه واحد من كل جهة، متعال عن أن يشتمل على حيثيات مختلفة واعتبارات متكثرة، وغير ممتنع في معلولاته، فاذن لم يمكن أن يصدر عنه أكثر من واحد، وأمكن أن تصدر عن معلولاته.

ولعله لما أشرت اليه من الوهن الذي تعاني منه نظرية العقول الفلكية عدل المتأخرون من الحكماء عن ربط النظرية بالأفلاك السماوية إلى ما يعرف بنظرية العقول الطولية.

3 - نظرية العقول الطولية:

وفحوى هذه النظرية كما يحرره السيد الطباطبائي هو: أن أول صادر منه تعالى عقل واحد يحاكي بوجوده الواحد الظلي وجود الواجب تعالى في وحدته.

ثم إن (هذا) العقل الأول وإن كان واحدا في وجوده بسيطا في صدوره، لكنه لمكان امكانه تلزمه ماهية اعتبارية غير أصيلة، لأن موضوع الامكان هو الماهية، ومن وجه آخر هو يعقل ذاته ويعقل الواجب تعالى فتتعدد فيه الجهة، ويمكن ان يكون لذلك مصدرا لأكثر من معلول واحد.

لكن الجهات الموجودة في عالم المثال الذي دون عالم العقل بالغة مبلغا لا تفي بصدورها الجهات القليلة التي في العقل الأول، فلا بد من صدور عقل ثان ثم ثالث، وهكذا حتى تبلغ جهات الكثرة عددا يفي بصدور العالم الذي يتلوه من المثال.

فتبين أن هناك عقولا طولية كثيرة، وان لم يكن لنا طريق إلى احصاء عددها[٢٤].

إشكال ورد:

وأشكل عليهم: أن هذا يستلزم نسبة العجز إلى الله تعالى لأنه تحديد لقدرته المطلقة. فأجابوا: بان العجز ليس في الفاعل وانما هو في القابل، ويحرر ذلك السيد الطباطبائي بقوله: وليس في ذلك تحديد للقدرة المطلقة الواجبية التي هي عين الذات المتعالية، وذلك لأن صدور الكثير، من حيث هو كثير، من الواحد، من حيث هو واحد، ممتنع.

والقدرة لا تتعلق الا بالممكن، وأما المحالات الذاتية الباطلة الذوات كسلب الشيء عن نفسه والجمع بين النقيضين ورفعهما مثلا، فلا ذات لها حتى تتعلق بها القدرة، فحرمانها من الوجود ليس تحديدا للقدرة وتقييدا لاطلاقها[٢٥].[٢٦]

نقد النظرية

بعد ما ذكرته آنفا مما حرره الفخر الرازي من حجة القائلين بالنظرية لاثبات أن الواحد لا يصدر عنه الا واحد.

رد عليهم ونقد النظرية نقدا استهدف منه ابطال النظرية، قال: والجواب أن مؤثرية الشيء في الشيء ليست أمرا ثبوتيا على ما بيناه - من أنها من الأعراض النسبية فهي اعتبارية -. وإذا كان كذلك بطل أن يقال إنه جزء الماهية أو خارج عنها.

ومن نقد النظرية العلامة الحلي وبنفس المفاد الذي أفاده الفخر الرازي، قال: وأقوى حججهم: أن نسبة المؤثر إلى أحد الأثرين مغايرة لنسبته إلى الآخر، فان كانت النسبتان جزئية كان مركبا، والا تسلسل.

وهي عندي ضعيفة لأن نسبة التأثير والصدور يستحيل أن تكون وجودية والا لزم التسلسل.

وان كانت من الأمور الاعتبارية استحالت هذه القسمة عليها[٢٧].[٢٨]

آراء أخرى في المسألة

وفي العرض التاريخي لنشأة النظرية وتطورها المحت إلى آراء جدت في مسألة صدور الكثرة عن الواحد، منها:

رأي ابن رشد:

ومن أقدمها رأي ابن رشد القائل بأن المبدأ الأول صدر عنه جميع الموجودات المتغايرة مباشرة وبلا توسط عقول أخرى في البين ويعلل ابن رشد ذلك بان الفاعل المطلق لا يصدر عنه الا فعل مطلق، والفعل المطلق لا يختص بمفعول دون مفعول.

رأي الرازي:

والرازي (ت 606 هجري) وهو من معاصري ابن رشد (ت 595 هجري) ذهب أيضا إلى إلغاء النظرية، قال: العلة الواحدة يجوز أن يصدر عنها أكثر من معلول واحد عندنا خلافا للفلاسفة والمعتزلة (2). ونلمس فرقا بين رأي الرازي ورأي ابن رشد نفيده من ظاهر كل نص من نصيهما المذكورين هنا، وهو:

  1. ان الذي يظهر من ابن رشد أن فحوى النظرية لا يتم في الفاعل المطلق، أما غير الفاعل المطلق فالنص لم يتعرض له.
  2. والذي يظهر من الرازي إلغاء فحوى النظرية مطلقا في الفاعل المطلق وغيره.

رأي العلامة الحلي:

وذهب العلامة الحلي إلى التفصيل في المسألة بين الفاعل المختار فيجوز أن يتكثر أثره مع وحدته، وبين الفاعل المضطر (الموجب) فلا يجوز أن يتكثر أثره مع وحدته ووحدة الجهة.

قال شارحا قول النصير الطوسي: ومع وحدته - يعني الفاعل - يتحد المعلول، قال: أقول: المؤثر إن كان مختارا جاز أن يتكثر أثره مع وحدته.

وإن كان موجبا فذهب الأكثر إلى استحالة تكثر معلوله باعتبار واحد[٢٩].

رأي الشيخ الخاقاني:

وممن فصل في المسألة الشيخ آل شبير الخاقاني (ت 1406 هجري)، فقد ذهب إلى جواز صدور الكثرة عن الواحد في الواجب المطلق، وعدم الجواز في الممكنات، كما حكاه عنه نجله الأكبر أخونا الشيخ محمد الخاقاني في كتابه (نقد المذهب التجريبي).

قال في ص 232: تمسك الفلاسفة التقليديون بنظرية الواحد لا يصدر عنه الا واحد طبقا لوجود السنخية بين العلة والمعلول، ووجود علاقة بينهما، فإذا فقدت العلاقة والارتباط بين العلة والمعلول لما استدعت العلة وجود معلول معين، ولاختل نظام مبدأ العلية والسببية.

وتقع مناقشة علمية أخرى، وهي: ان الواجب المطلق واحد وأن العالم متعدد، ولا يعقل أن يصدر التعدد من الواحد فيلزم اما وحدة العالم أو تعدد الآلهة.

وقد أجاب سماحة الوالد: ان من كمال الابداع التكويني صدور الكثرة من الواحد.

ولا يستلزم الاشكال أصلا في خصوص ذات الواجب، وانما الاشكال يمكن تصويره بالقياس إلى الممكنات التي في واقعها الفقر الذاتي دون الغناء الذاتي.

وبهذا العرض يتنور لديك حقيقة الأمر بأنه لسنا في حاجة إلى التمسك بان المعلول الصادر من قبل مبدأ العلة الأولى ان يكون المعلول واحدا لكفاءة العلة وصلاحيتها أن توجد عدة معاليل في عرض واحد من غير حاجة إلى الطولية بالقياس إلى المطلق، وإن كان الاشكال محققا في جانب الممكنات.

الخلاصة:

ونخلص مما تقدم إلى أن الأقوال في المسألة هي:

  1. الواحد لا يصدر عنه من جهة واحدة الا واحد.
  2. الواحد مطلقا يصدر عنه الكثير.
  3. الواحد المطلق يصدر عنه الكثير.
  4. الواحد المختار يصدر عنه الكثير، والواحد الموجب لا يصدر عنه من جهة واحدة الا واحد.
  5. الواحد المطلق يصدر عنه الكثير، والواحد الممكن لا يصدر عنه من جهة واحدة الا واحد[٣٠].

المراجع والمصادر

  1. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام

الهوامش

  1. المعجم الوسيط، مادة: وحد.
  2. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام، ج 1، ص 97.
  3. المعجم الوسيط، مادة: وحد.
  4. إبن شعبة الحرّاني، تحف العقول، ص 175.
  5. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام، ج 1، ص 97.
  6. أبو إسحاق الزجاج، تفسیر أسماء الله الحسنی، ص 57.
  7. أبو إسحاق الزجاج، تفسیر أسماء الله الحسنی، ص 57.
  8. المعجم الفلسفي، مادة: واحد.
  9. مفردات الراغب، مادة: وحد.
  10. نهج البلاغة، الخطبة 1.
  11. سورة البقرة: 133.
  12. سورة البقرة: 163.
  13. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام، ج 1، ص 98.
  14. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام، ج 1، ص 99.
  15. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام، ج 1، ص 99 - 100.
  16. سورة الأنبياء: 22.
  17. سورة المؤمنون: 91.
  18. إبن رشد، تهافت التهافت، ص 296 ـ 302.
  19. نصير الدین الطوسي، تلخیص المحصل، ص 227.
  20. السید محمد حسین الطباطبائي، بداية الحکمة، ص 117.
  21. نصير الدین الطوسي، تلخیص المحصل، ص 509.
  22. موسوعة الفلسفة، ج 2، ص 105 نقلا عن آراء أهل المدينة الفاضلة للفارابي، ط 3، بيروت، سنة 1973 م، ص 61 - 62.
  23. إبن سینا، الإشارات والتنبيهات، ص 645.
  24. السید محمد حسین الطباطبائي، بداية الحکمة، ص 242 - 243.
  25. السید محمد حسین الطباطبائي، بداية الحکمة، ص 242 - 243.
  26. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام، ج 1، ص 100 - 109.
  27. کشف المراد، ص 84.
  28. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام، ج 1، ص 109.
  29. کشف المراد، ص 84.
  30. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام، ج 1، ص 109 - 112.