توريث الإمامة
شبهة التوريث
من بين الشبهات المثارة ضدّ الشيعة هى شبهة القول بأن الشيعة يدعون إلى توريث الخلافة والإمامة[١]؛ لأن جميع الأئمة هم من نسل الإمام علي(ع)، وإن تسعة منهم من نسل الإمام الحسين(ع) . في حين يذهب أهل السنة إلى القول بانتخاب الخليفة من قبل الناس مباشرة عن طريق البيعة. ويعتبر هذا النهج حالياً أكثر عقلانية من النهج الذي يدعو إليه الشيعة.
مناقشة وتحليل
هذا الإشكال بسيط، ولذلك نكتفي بالإجابة عنه باختصار من خلال القول:
إن الشيعة لم يدعوا يوماً أن علياً أحق بالخلافة والإمامة لأنه صهر النبي الأكرم(ص) وابن عمه، وأقرب الناس إليه. بل لأنه في الحقيقة يتميّز من . غيره بالفضائل والصفات الأسمى من قبيل: المنازل الروحية والمعنوية، وتدبير الأمور: والشجاعة، والأهم من ذلك التقوى والورع وتهذيب النفس، وترعرعه في حجر النبي الأكرم(ص) منذ نعومة أظفاره، وهو أمر بلغ من خلاله إلى أعلى ذروة الإيمان والكمال الإنساني والاتصاف بالعصمة والعلم الإلهي الشامل بالشريعة، بحيث كان يرى جبرائيل عند نزوله على رسول الله ويسمع كلامه: «أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ، وَأَشْمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ. وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ الا الله فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا هَذِهِ الرَّئَةُ؟ فَقَالَ: «هذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيسَ مِنْ عِبَادَتِهِ، إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ، وَتَرَى مَا أَرَى، إِلا أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِي، وَلكِنَّكَ وَزِيرٌ، وَإِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ»[٢].
المسألة الأخرى هي أن الإمام علي(ع) وسائر الأئمة من أهل بيت النبوة(ع)، طبقاً للنصوص القرآنية والروائية المأثورة في مصادر الفريقين، هم أفضل الناس منذ بدء الخليقة إلى قيام الساعة، وإن هذه الأفضلية تشمل جميع الأنبياء باستثناء النبي الأكرم(ص).
وعليه فيما يتعلق بتعيين الإمام علي(ع) في منصب الإمامة لم يكن هناك من تأثير للوراثة والنسب، وإنما المعيار في ذلك هو الصفات الكمالية التي توفرت في شخص الإمام. وبعبارة أدق: إن الآيات والروايات الدالة على تنصيب الإمام علي في الحقيقة لا تقوم على تنصيبه، وإنما هي تكشف عن واقع ما عليه الإمام، فهي بنحو من الأنحاء ذات جنبة تعليمية وإعلانية تخبر الناس بأن الإمام علي هو الخليفة الحقيقي بعد النبي الأكرم(ص)[٣].
وذات الشيء يمكن قوله بالنسبة إلى تعيين سائر الأئمة الآخرين، من الإمام الحسن والحسين(ع) إلى الإمام الثاني عشر(ع)، فقد كان كل واحد منهم في عصره هو الإنسان الأكمل. وقد اعترف بهذه الحقيقة حتى الخلفاء الذين عاصروا الأئمة، وعلماء أهل السنة أيضاً، وفيما يأتي نشير إلى بعض هذه الشهادات:
اعتراف علماء أهل السنة بفضائل الأئمة
ربما لا يتفاعل السني مع كلام يشيد بفضائل الإمام علي(ع) اذا كان صادراً عن الشيعة، ولكن انطلاقاً من مقولة أن الفضل ما شهدت به الأعداء، نجد من المناسب هنا أن نتعرض إلى اعتراف المناوئين للإمامة بفضائل الإمام(ع):
اعتراف الخلفاء الثلاثة
على الرغم من أن الخلفاء الثلاثة الأوائل قد تعمدوا لمختلف الذرائع والحجج أن يمنعوا الإمام علي(ع) من حقه في الإمامة والخلافة، ولكنهم اعترفوا في كثير من المواطن والمواضع بفضائله العلمية والدينية، بل حتى بحقه في الخلافة، وتنصيب النبي الأكرم(ص) لی فی هذا الموقع[٤].
إن الاعتراف بأصل التنصيب يستلزم الاعتراف باتصاف الإمام علي(ع) بالصفات الكمالية، وإلا وجب القول بأن النبي الأكرم(ص) - والعياذ بالله - قد عمد إلى تنصيب الإمام علي في هذا المنصب من دون أن يكون مستحقاً له.
اعتراف أئمة المذاهب الفقهية الأربعة بفضائل الأئمة
- أبو حنيفة: درس على يد الإمام الصادق(ع) سنتين كاملتين، كان لهما فضل كبير في ترسيخ قواعده العلمية، وقد اعترف بذلك قائلاً: «لولا السنتان لهلك النعمان»[٥]. وقد أمره المنصور الدوانيقي يوماً بأن يحضر أربعين مسألة يلقيها على الإمام الصادق(ع)، بغية إحراجه، ولكنه بعد سماع الإجابات التي ذكرها الإمام عن تلك الأسئلة، قال: «ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد»[٦].
- مالك بن أنس: قال في وصف الإمام الصادق(ع): «ما رأت عين، ولا سمعت أذن، ولا خطر على قلب بشر، أفضل من جعفر بن محمد علماً وعبادة وورعاً»[٧].
- أحمد بن حنبل: صرح قائلاً بأنه لم ترد من الفضائل لأحد، كما ورد لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع)، وذلك إذ يقول: «ما جاء لأحد من الفضائل ما جاء لعلي رضى الله عنه»[٨].
- ابن إدريس الشافعي: قيل له إن بعض أهل السنة لا يطيق سماع فضائل أهل البيت(ع)، وأنهم إذا سمعوا شخصاً يذكر فضيلة لهم رموه بالرفض والتشيّع، فأنشد الأبيات الآتية المعروفة:
| برئت إلى المهيمن من أناس | يرون الرفض حب الفاطمية | |
| على آل الرسول صلاة ربي | ولعنته لتلك الجاهلية |
وقال أيضاً:
| يا راكباً قف بالمحصب متن منى | واهتف بساكن خيفها والناهض | |
| سحر إذا فاض الحجيج إلى منى | فيضاً كملتطم الفرات الفائض | |
| وأخبرهم أني من النفر الذي | لولاء أهل البيت ليس بناقض | |
| إن كان رفضا حب آل محمد | فليشهد الثقلان أني رافضي»[٩] |
اعتراف المعتزلة
يقرّ أكثر المعتزلة بأفضلية الإمام علي(ع) على جميع الصحابة بمن فيهم الخلفاء الثلاثة الأوائل، كما ألف فى ذلك أبو جعفر الإسكافي كتاباً تحت عنوان «المعيار والموازنة».
وقال ابن أبي الحديد المعتزلي في مقدمة شرحه لنهج البلاغة: «الحمد لله الذي قدّم المفضول على الفاضل»[١٠].
وقال الجاحظ في وصف الإمام جعفر الصادق(ع): «جعفر بن محمد الذى ملأ الدنيا علمه وفقهه»[١١].
نكتفي بهذا المقدار مخافة الإطالة، مع التذكير بأن علماء أهل السنة أنفسهم قد بادروا إلى بيان فضائل الأئمة(ع) في كتبهم الروائية والرجالية، وهناك منهم من ألف الكتب المستقلة في هذا الشأن[١٢]. ويبدو هذا المقدار كافياً لإثبات أن تنصيب الأئمة الاثني عشر من أئمة الشيعة لم يكن وراثياً وانتقالاً للإمامة والخلافة من الآباء إلى الأبناء، وإنما لما يتمتع به هؤلاء العظام من الفضائل والصفات الذاتية.
المسألة الأخيرة التى يجدر التذكير بها هي أنه إذا ثبت بالأدلة النقلية والعقلية أن الله أو رسوله قد عيّن الأئمة الذين يقودون المجتمع دينياً وسياسياً. وجب على كل مسلم من الشيعة والسنة إطاعة ذلك.
أما وجوب ذلك على السنة فمن باب أن كل ما يفعله الله حسن وعين العدل، وبالنسبة إلى الإمامية فلأن أوامر الله كاشفة عن الحسن والمصلحة المتعلقة بها.
إن شبهة القول بتوريث إمامة الأئمة، إنما هي شبهة في مقابل النص وتشكيك في الأوامر الإلهية. بالإضافة إلى أننا ذكرنا بالتفصيل أن بلوغ الأئمة إلى منصب الإمامة لم يكن توريثاً، وإنما استحقاقاً لما يتمتعون به من الصفات والفضائل الذاتية.[١٣]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ انظر: عبد القاهر البغدادي، كتاب أصول الدين، ص ١٥٠.
- ↑ نهج البلاغة،الخطبة رقم: ٢٣٤؛ فيض إسلام، ص ٨١٢؛ المطهري، الأعمال الكاملة،٢٣٤ ج ٤، ص ٣٥٦.
- ↑ «إن مسألة الغدير لم تكن بالمسألة التي تؤسس إلى شيء جديد بالنسبة إلى الإمام علي(ع)، فالإمام علي هو الذي أوجد مسألة الغدير.فإن الصفات الكمالية والمثالية التي كان يتمتع بها أمير المؤمنين هي التي أدت إلى ظهور حادثة الغدير ... إن مسألة تنصيب الإمام أمير المؤمنين(ع) خليفة على المسلمين، إنما كانت منبثقة عن صفات كمالية شاملة اتصف بها الإمام أدت إلى حادثة عرفت بحادثة الغدير»، (صحيفه امام، ج ٢٠، ص ١١١).
- ↑ لمزيد من التوضيح انظر: محمد مهدي الأيماني، الإمام علي في آراء الخلفاء.
- ↑ نقلاً عن الآلوسي، مختصر التحفة الإثنى عشرية، ص ٨.
- ↑ سير أعلام النبلاء، ج ٦، ص ٥٨٦ .
- ↑ نقلاً عن: محمد حسين المظفر، الإمام الصادق(ع) والمذاهب الأربعة، ج ١ و٢، ص ٥٣ .
- ↑ ينابيع المودة، ج ٢، ص ٣٨٥، الباب ٧٩.
- ↑ ينابيع المودة، ج ٣، ص ٩٨ و٩٩، الباب ٦٢ .
- ↑ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١، خطبة الكتاب. ولمزيد من التوضيح بشأن موقف ابن أبي الحديد، انظر: السيد أبو الفضل ميرلوحي، تجلي فضيلت (اعترافات ابن أبي الحديد)، ج ١ و٢.
- ↑ رسائل الجاحظ، ص ١٠٦ .
- ↑ انظر: أبو جعفر الإسكافي، المعيار والموازنة؛ القندوزي الحنفي، ينابيع المودة لذوي القربى؛ السيد محمد طاهر الهاشمي الشافعي، مناقب أهل البیت از دیدگاه اهل سنت .
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٧٨-٨٤.