الحسن والقبح العقليان

تمهيد

الحسن والقبح العقليان من الموضوعات الكلامية القديمة التي بحثها العلماء كثيراً:


قبل النظر في أدلة كلّ فريق، يجب أن نفهم معاني الحسن والقبح واستعمالاتهما حتّى نستطيع تحديد موضع الخلاف بينهما[١].

معاني الحسن والقبح واستعمالاتهما

للحسن والقبح أربعة استعمالات رئيسية:

  1. قد يقصد بهما كمال الأشياء ونقصها بالنسبة للإنسان، كأن يقال العلم حسن والجهل قبيح؛ لأنّ العلم من كمالات النفس والجهل من نقائصها.
  2. قد يقصد بهما مناسبة الأشياء للنفس الإنسانية أو عدم مناسبتها، فما يلائم النفس ويسرّها يعدّ حسناً، وما تنفر منه يعدّ قبيحاً، كالصوت الجميل والمنظر القبيح.
  3. قد يقصد بهما وجود المصلحة أو المفسدة في الأفعال، سواء كانت فردية أو عامّة. فمثلاً انتشار العدل في المجتمع أمر فيه مصلحة للجميع فهو حسن.
  4. قد يقصد بالحسن ما يراه العقل أو عقلاء الناس مناسباً للفعل ويمدحون فاعله، وبالقبيح عكس ذلك. فالعدل يعدّ حسناً؛ لأنّ العقل يراه أمراً لائقاً ويستحقّ فاعله المدح، والظلم قبيح؛ لأنّه غير مناسب ويستحقّ فاعله الذم.

هذه الاستعمالات الأربعة تختلف فيما بينها. فالاستعمال الرابع يختصّ بالأفعال دون الصفات والأشياء، بينما الاستعمالات الثلاثة الأولى تتعلّق بالشؤون الإنسانية من جوانب مختلفة، كالنفس الإنسانية ومصالح الناس. أمّا الاستعمال الرابع فيشمل حتّى أفعال الله تعالى[٢].

أين يقع محل النزاع بين العدلية والأشاعرة؟

يختلف العلماء في مسألة الحسن والقبح العقليين، فالعدلية (الإمامية والمعتزلة) يرون أنّ العقل يمكنه معرفة حسن بعض الأفعال وقبحها بمفرده دون الحاجة للشرع، بينما ينكر الأشاعرة ذلك ويعتقدون أنّ الحسن والقبح يعتمدان على حكم الشرع فقط.

وموضع النزاع بينهما هو: هل يمكن للعقل أن يحكم باستحقاق فعل مّا للقيام به أو تركه، واستحقاق فاعله للمدح أو الذم والثواب أو العقاب، بمجرّد النظر لعنوان الفعل دون الحاجة للشرع؟ وهل يشمل حكم العقل أفعال الله تعالى أيضاً؟ العدلية تجيب بـ «نعم» على السؤالين، بينما تنفي الأشاعرة ذلك كلّه أو بعضه.

وخلاصة نظرية الحسن والقبح العقليين أنّ العقل العملي للإنسان يمكنه إدراك حسن الأفعال وقبحها، وبناءاً على ذلك يحكم بأنّ الأفعال القبيحة لا تصدر من الله تعالى[٣].

الدليل على إثبات الحسن والقبح العقليان

ودليل العدلية على ذلك أنّ جميع الناس بغضّ النظر عن دينهم يعترفون بحسن أفعال كالعدل والصدق، وقبح أفعال كالظلم والكذب، فلو خُيّر شخص لا يؤمن بدين بين الصدق والكذب دون أيّ مرجّحات أخرى لاختار الصدق بحكم عقله. فهذا يدلّ على أنّ مدرك الحسن والقبح هو العقل المشترك بين الجميع وليس الشرع فقط[٤].

أدلة الأشاعرة على نفي الحسن والقبح العقليين

أمّا أدلة الأشاعرة فمنها:

  1. لو كان العقل يدرك الحسن والقبح لما اختلفت وضوح أحكامه، بينما نجد أنّ قضية مثل «الصدق حسن» أقلّ وضوحاً من قضايا بديهية أخرى.
  2. لو كان الحسن والقبح عقليين لما تغيّر حكم الفعل أبداً، لكنّنا نجد مثلاً أنّ الكذب قد يصبح حسناً إذا كان لإنقاذ نبي، والصدق قد يصبح قبيحاً إذا أدّى لهلاكه.

ردّ العدلية علی دلیل الأشاعرة

ويجيب العدلية بأنّ بداهة القضايا تتفاوت وضوحاً فلا يلزم أن تكون كلّها في درجة قضايا مثل أصل التناقض. وأنّ حسن الصدق وقبح الكذب باقٍ، لكنّ العقل قد يرجح الفعل الأقلّ قبحاً إذا تعارض مع ما هو أشدّ قبحاً، فترك إنقاذ النبي أشدّ قبحاً من الكذب، فيرجّح العقل الكذب هنا وهذا الترجيح نفسه من الحسن العقلي[٥].

نتائج قبول الحسن والقبح العقليان

يترتّب على قبول قاعدة الحسن والقبح العقليين نتائج مهمّة، منها:

  1. وجوب معرفة الله تعالى.
  2. إثبات الحكمة والعدل لله سبحانه.
  3. قاعدة اللطف الإلهي.
  4. حسن التكليف بالأوامر والنواهي.
  5. قبح تكليف العباد بما لا يطيقون.
  6. قبح عقاب من لم تبلغه الحجة[٦].

الحسن والقبح العقليان في القرآن

يؤيّد القرآن الكريم هذا الأصل، فنجد آيات تدلّ على حسن بعض الأفعال وقبح بعضها عند عقول الناس ووجدانهم، وتربط أمر الله ونهيه بهذا الحسن والقبح، من ذلك:

  • ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[٧].
  • ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ[٨].
  • ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ[٩].

فهذه الآيات تفترض أنّ الناس يعرفون حسن العدل والإحسان وقبح الفحشاء والمنكر قبل الأمر والنهي، ثمّ يأتي الأمر بما عرفوا حسنه والنهي عمّا عرفوا قبحه.

يسند الله - في آيات أخرى - القضاء إلى عقل ووجدان الإنسان لتأييد الأفعال الحسنة والحكم بعدل الله، منها:

  • ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ[١٠].
  • ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ[١١].[١٢]

المراجع والمصادر

  1.   محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي

الهوامش

  1. انظر: محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الإسلامي: ٣٠٢.
  2. انظر: محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الإسلامي: ٣٠٢ - ٣٠٤.
  3. انظر: محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الإسلامي: ٣٠٥ و ٣٠٦.
  4. انظر: محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الإسلامي: ٣٠٦.
  5. انظر: محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الإسلامي: ٣٠٦ و ٣٠٧.
  6. انظر: محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الإسلامي: ٣٠٧.
  7. سورة النحل، الآية ۹۰.
  8. سورة الأعراف، الآية ۱۵۷.
  9. سورة الأعراف، الآية ۳۳.
  10. سورة الرحمن، الآية ۶۰.
  11. سورة ص، الآية ۲۸.
  12. انظر: محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الإسلامي: ٣٠٨.