الخلق في نهج البلاغة
الابتداع
«الابتداع»: من ابتَدَع الشيءَ ابتداعاً: اخترعَهُ[١]، أو أنشأه وأوجده على غير مثال سابق، والابتداع: القدرة الخلاقة، أو خصوص الخلق والابتكار، فالخلق: تأليف شيء جديد من عناصر موجودة سابقا، لذا لا يقال: ابتدع الإنسان، بل قيل: خلق الإنسان، فالابتداع أعم من الخلق ومن غيره. والمبتدع: من أتى ببدعة، ويقال: ابتدع وأبدَعَ وبَدَعَ بمعنىً.
والبدعة: اسم من ابتدع الأمر: إذا ابتدأه وأحدثه، كالرفعة من الارتفاع، ثم غلبت على ما هو زيادة في الدين، أو نقصان منه، قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾[٢].
أي أحدثها النصارى من عند أنفسهم، وألزموا أنفسهم بها، وما نرضاها ولم نفرضها عليهم[٣].
قال(ع) في تنزيه الله تعالى وتقديسه: «الْمُنْشِئُ أَصْنَافَ الْأَشْيَاءِ بِلَا رَوِيَّةِ فِكْرٍ آلَ إِلَيْهَا وَ لَا قَرِيحَةِ غَرِيزَةٍ أَضْمَرَ عَلَيْهَا وَ لَا تَجْرِبَةٍ أَفَادَهَا مِنْ حَوَادِثِ الدُّهُورِ وَ لَا شَرِيكٍ أَعَانَهُ عَلَى ابْتِدَاعِ عَجَائِبِ الْأُمُورِ»[٤].
«رَوِيَّةِ»: النظر والتفكير في الأمور، و«قَرِيحَةِ»: الطبيعة التي جبل عليها الإنسان، و«غَرِيزَةٍ»: السجية أو سلوك يعتمد على الفطرة والوراثة؛ أي إن الله تعالى غير محتاج في إبداع الخلائق وإيجادها إلى إمعان الفكر والنظر في الأمور ولا إلى القريحة والتجربة، ولا المشاركة، وإنما مستند الإيجاد نفس الإرادة والمشيئة؛ وأنه سبحانه وتعالى وبين «إِلَيْهَا» و«عَلَيْهَا» وبين «الدُّهُورِ» و«الْأُمُورِ» سجع متواز أراد من خلاله تنزيه الله تعالى عن صفات المخلوقين.
وقال(ع) في تقريب صورة فناء الدنيا: «وَ لَيْسَ فَنَاءُ الدُّنْيَا بَعْدَ ابْتِدَاعِهَا بِأَعْجَبَ مِنْ إِنْشَائِهَا وَ اخْتِرَاعِهَا»[٥].
أي إن ابتداع الدنيا وخلقها من لا شيء أعجب وأشد غرابة من إعدامها، بل إيجادها وإعدامها وكل ما يجري عليها أو فيها، كل ذلك تحت قدرة الله سبحانه وتعالى في مستوى واحد لا يعجزه شيء[٦].
وفي حديثه(ع) عن إحكام صنع الله سبحانه: «فَأَقَامَ مِنَ الْأَشْيَاءِ أَوَدَهَا وَ نَهَجَ حُدُودَهَا وَ لَاءَمَ بِقُدْرَتِهِ بَيْنَ مُتَضَادِّهَا وَ وَصَلَ أَسْبَابَ قَرَائِنِهَا وَ فَرَّقَهَا أَجْنَاساً مُخْتَلِفَاتٍ فِي الْحُدُودِ وَ الْأَقْدَارِ وَ الْغَرَائِزِ وَ الْهَيْئَاتِ بَدَايَا خَلَائِقَ أَحْكَمَ صُنْعَهَا وَ فَطَرَهَا عَلَى مَا أَرَادَ وَ ابْتَدَعَهَا»[٧].
أي هي مخلوقات عجيبة أو مبتكرة غير مسبوق إليها، جعل صنعها محكما متقنا، وأوجدها على وفق إرادته، وأبدعها من العدم المحض إلى الوجود، دون أن تكون لها مادة أصلا، فهو المخترع للممكنات بما فيها من المقادير، والأشكال، والهيئات، والمبتدع للموجودات بما لها من الحدود والغايات والنهايات بمحض القدرة على وفق الإرادة، ومقتضى الحكمة[٨].[٩]
المبتدع
«المُبتَدِع»: اسم فاعل من ابتدع الشيء ابتداعا: اخترعه، أو أنشأه وأوجده على غير مثال سابق، فالمبتدع هو ذوالقدرة الخلاقة، والمنشئ، والمُخترع. وبَدَعَ الشيء يَبدَعُهُ بَدعاً، وابتدعَهُ، فهو مُبتدِع. والمُبتَدِع: من أتى بشيء في الدين لا يتفق مع مقاصد الشريعة، ويطلق على أهل الأهواء والضلالة. وهو أيضا من ابتدع؛ أي أتى ببدعة.
وقد بَدُع الأمرُ بَدعاً وبَدَعُوه وابتدعوه، ولقد جئت بأمر بديع؛ أي مُحدثٍ عجيبٍ لم يعرف قبل ذلك. ومؤنث المبتدع: المبتدعة، وجمعها: المبتدعات.
من حمده(ع) للباري سبحانه وتعالى وتقديسه إياه: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ وَ الْخَالِقِ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ الَّذِي لَمْ يَزَلْ قَائِماً دَائِماً إِذْ لَا سَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ وَ لَا حُجُبٌ ذَاتُ إِرْتَاجٍ وَ لَا لَيْلٌ دَاجٍ وَ لَا بَحْرٌ سَاجٍ وَ لَا جَبَلٌ ذُو فِجَاجٍ وَ لَا فَجٌّ ذُو اعْوِجَاجٍ وَ لَا أَرْضٌ ذَاتُ مِهَادٍ وَ لَا خَلْقٌ ذُو اعْتِمَادٍ وَ ذَلِكَ مُبْتَدِعُ الْخَلْقِ وَ وَارِثُهُ وَ إِلَهُ الْخَلْقِ وَ رَازِقُهُ»[١٠].
«مُبْتَدِعُ الْخَلْقِ»: منشئ الخلق ابتداءا بدون مثال. بين «رُؤْيَةٍ» و«رَوِيَّةٍ» جناس أراد من خلاله وصف الله سبحانه بصفات جلاله وقيمومته، فهو ثابت الوجود دائم البقاء لا يطرأ عليه تغيير، أو تبديل، أو تحوير، أو تحويل؛ لأنه واجب الوجود الأبدي الأزلي السرمدي؛ أي دوام وجوده لذاته[١١].
ومن هذا القبيل قوله(ع): «الْحَمْدُ لِلَّهِ الْفَاشِي فِي الْخَلْقِ حَمْدُهُ وَ الْغَالِبِ جُنْدُهُ وَ الْمُتَعَالِي جَدُّهُ أَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمِهِ التُّؤَامِ وَ آلَائِهِ الْعِظَامِ الَّذِي عَظُمَ حِلْمُهُ فَعَفَا وَ عَدَلَ فِي كُلِّ مَا قَضَى وَ عَلِمَ مَا [بِمَا] يَمْضِي وَ مَا مَضَى مُبْتَدِعِ الْخَلَائِقِ بِعِلْمِهِ وَ مُنْشِئِهِمْ بِحُكْمِهِ»[١٢].
أي منشئ الخلائق بعلمه. وفيه انتقاء للكلمات الهادئة والمعبرة التي تناسب جو المناجاة، وتوحي بالجلال والخشوع، يصاحبها الإيقاع المتموج المتناغم الذي يشيع الجو الملائم لها، فيكسبها قوة وتأثيرا.
وتلمس السجع المتوازي بين «حَمْدُهُ» و«جُنْدُهُ» - جند الله وحملة دينه وملائكته - و«جَدُّهُ» أي جلاله وعظمته، وكذا بين «التُّؤَامِ» و«الْعِظَامِ» لبيان سبب الحمد وهو من أجل نعمه المتوالية المترادفة العظيمة وسلطانه وغناه، مستعار من «الجد» الذي هو البخت. وبين «قَضَى» و«مَضَى» سجع متواز أيضا لبيان أن قضاءه عادل، ويغفر بحلم، كأنه لم يعص. وهكذا بين «علمه» و«حكمه» سجع متواز؛ لبيان أن خلق الكون كان بعلمه وحكمته.
وقال(ع) في تقسيم الناس إلى متبع ومبتدع: «وَ إِنَّمَا النَّاسُ رَجُلَانِ مُتَّبِعٌ شِرْعَةً وَ مُبْتَدِعٌ بِدْعَةً لَيْسَ مَعَهُ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بُرْهَانُ سُنَّةٍ»[١٣].
«مُبْتَدِعٌ بِدْعَةً»: أي قد أحدث في الدين ما ليس فيه، وأدخل فيه ما هو خارج منه؛ بدون حجة ولا دليل. قابل بين «مُتَّبِعٌ شِرْعَةً» و«مُبْتَدِعٌ بِدْعَةً» ليفرق بين الحق والباطل، يتخللهما الطباق بين «مُتَّبِعٌ» و«مُبْتَدِعٌ» وبين «شِرْعَةً» و«بِدْعَةً» بإيقاعها المتجانس؛ لتؤثر بقوة في دلالتها تأثيرا عميقا في النفس، وتستجلي وضوحا بين كلمة الجهل وضلالها وضياء الحق وسطوع نوره.
ومن كتابه(ع) إلى معاوية: «فَسُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَشَدَّ لُزُومَكَ لِلْأَهْوَاءِ الْمُبْتَدَعَةِ»[١٤]
ابتدأ(ع) بهذه الصيغة التعجبية من معاوية؛ لشدة لزومه للأهواء المبتدعة التي يخترعها من نفسه، ويبثها بين الناس، فكان معاوية يختلق كل باطل، وينسج كل إفك، ويبتدع كل ضلال، ثم يرمي به الإمام(ع) كذباً وزوراً، وكان أعظمها فرية واتهام الإمام(ع) بقتل عثمان.
ومن تحذيره(ع) من البدع: «وَ إِنَّّ الْمُبْتَدَعَاتِ الْمُشَبَّهَاتِ هُنَّ الْمُهْلِكَاتُ إِلَّا مَا حَفِظَ اللَّهُ مِنْهَا»[١٥].
أكد(ع) أن البدع المستحدثة في الإسلام بعد رسول الله(ص) - المشبهات بالسنن، أو الملتبس أمرها، وليست منها - هن المهلكات؛ لمخالفتها الكتاب والسنة[١٦].[١٧]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ أساس البلاغة، ج١، ص٥٠.
- ↑ سورة الحديد: ٢٧.
- ↑ معجم ألفاظ القرآن الكريم، ج١، ص٨٣.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٩١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٨٦.
- ↑ شرح النهج، الموسوي، ج٣، ص٢٤٢.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٩١.
- ↑ منهاج البراعة، ج٦، ص٢٧٤.
- ↑ السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة، ج٢، ص ٨٤-٨٤.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٩٠.
- ↑ قال ابن أبي الحديد: «لم يزل قائما»: القائم والقيوم بمعنى؛ وهو الثابت الذي لا يزول، ويعبر عنه بالاصطلاح النظري: الواجب الوجود. وقد يفسر القائم على معنى قولهم: فلان قائم بأمر كذا؛ أي وال وممسك له أن يضطرب. ثم قال: هو موصوف بأنه قائم دائم من قبل أن يخلق العالم، وهذا يؤكد التفسير الأول؛ لأنه لم يكن العالم مخلوقا. ينظر: شرح النهج، ج٦، ص٣٩٢.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٩١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٧٦.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٣٧.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٦٩.
- ↑ شرح النهج، ابن ميثم، ج٣، ص٤٠٥؛ شرح النهج، ابن أبي الحديد، ج٩، ص٢٩٥.
- ↑ السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة، ج٢، ص ٨٨-٩٠.