المبادرة في نهج البلاغة
المبادرة
«المبادرة»: الإسراع إلى اقتراح أمر، أو عمله، والمبادرة في الحرب: هي الإسراع إلى تنفيذ خطة حربية، من بادَرَهً مُبادَرَةً وبِدَاراً: عاجَلَهُ، وأسرع إليه[١]، يقال: بادر الشيء مبادَرَةً وبداراً وابتَدَرَهُ وبَدَرَ غيره إليه يَبدُرُهُ: عاجله[٢]، ويقال: بدر إلى الأمر يبدرُ بَدرا وبُدُوراً: أسرع، أو عَجَّلَ إليه واستبق، ويقال: ناقةٌ بدرية: إذا كانت تُبكِّر اللقاح وتُنتِج قبل الإبل؛ وذلك من فضل قوتها، ويقال: بدرت منه بوادر غضب، وبادَر الوَصِيُّ كِبَرَ اليتيم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا﴾[٣] .
أي مُبادَرةٌ قبل أن يدرك ويؤنس منه الرشد، ومن ذلك سمي البدر بدرا؛ لأنه بادر غيبوبة الشمس، فطلع قبل أن تغيب، ويقال: سمي بدرا؛ لامتلائه واستدارته[٤].
والبدار مصدر بادرت، وهو من باب المفاعلة التي تكون بين اثنين؛ لأن اليتيم مبادر الكبر، والولي مبادر إلى أخذ ماله، فكأنهما يستبقان[٥].
والبادر: المسرع والمستبق، وجمعه بوادر، والبادرة: مؤنث البادر، بمعنى السابقة المسرعة والسريعة، وتطلق على الحدة، أو ما يفرط من الإنسان عند الغضب أو الحدة؛ من سقطة في القول أو في الفعل من غير روية. والبادرة من الشر: أول ما يبدو منه. والبادرة من السيف: حده.
من مواعظه(ع) البليغة: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ حُكْماً فَوَعَى وَ دُعِيَ إِلَى رَشَادٍ فَدَنَا وَ أَخَذَ بِحُجْزَةِ هَادٍ فَنَجَا رَاقَبَ رَبَّهُ وَ خَافَ ذَنْبَهُ قَدَّمَ خَالِصاً وَ عَمِلَ صَالِحاً [نَاصِحاً] اكْتَسَبَ مَذْخُوراً وَ اجْتَنَبَ مَحْذُوراً رَمَى غَرَضاً وَ أَحْرَزَ عِوَضاً كَابَرَ هَوَاهُ وَ كَذَّبَ مُنَاهُ جَعَلَ الصَّبْرَ مَطِيَّةَ نَجَاتِهِ وَ التَّقْوَى عُدَّةَ وَفَاتِهِ رَكِبَ الطَّرِيقَةَ الْغَرَّاءَ لَزِمَ الْمَحَجَّةَ الْبَيْضَاءَ اغْتَنَمَ الْمَهَلَ وَ بَادَرَ الْأَجَلَ وَ تَزَوَّدَ مِنَ الْعَمَلِ»[٦].
«بَادَرَ الْأَجَلَ»: سارع إلى العمل قبل حلول الموت. وعبارات النص محكمة النسج، واضحة المعنى، قوية التأثير، وفيها كثرة المحسنات، كالسجع بين «رَبَّهُ» و«ذَنْبَهُ» والسجع المتوازي بين «هَوَاهُ» و«مُنَاهُ» وبين «نَجَاتِهِ» و«وَفَاتِهِ» وبين «الْغَرَّاءَ» و«الْبَيْضَاءَ» وبين «الْمَهَلَ» و«الْعَمَلِ» و«الْأَجَلَ» والمقابلة بين «اكْتَسَبَ» و«اجْتَنَبَ» و«مَذْخُوراً» و«مَحْذُوراً» والصور الخيالية المنثورة في النص، كالاستعارة في لفظ الحجز لأثر الهداة والداعين للحق والعدل، واستعارة رمي الغرض لإصابة الهدف، وإحراز العوض لطلب الآخرة، ومكابرة الهوى لمخالفة النفس، وتكذيب المني لما يلقي إليه الشيطان من الأماني، والكناية في مثل «رَاقَبَ رَبَّهُ» و«بَادَرَ الْأَجَلَ» عن جعله الموت نصب عينيه، وعدم غفلته عنه، وترقبه له، والتشبيه في مثل جعل الصبر مطية نجاته والتقى عدة وفاته.
ومن مواعظه(ع) على التقوى: «فَاتَّقُوا اللَّهَ تَقِيَّةَ مَنْ سَمِعَ فَخَشَعَ وَ اقْتَرَفَ فَاعْتَرَفَ وَ وَجِلَ فَعَمِلَ وَ حَاذَرَ فَبَادَرَ»[٧].
أي من حاذر عقاب ربه، فأسرع إلى طاعته. وفيه تلاحقت صور الطباق بإيقاعها المتماوج وأفكارها المتسلسلة التي ظل يتعقبها بما توحيه من معان؛ لتكسبها دقة ووضوحاً.
ومن كلام وصفه(ع) للمتقي: «وَ لَمْ تَفْتِلْهُ فَاتِلَاتُ الْغُرُورِ وَ لَمْ تَعْمَ عَلَيْهِ مُشْتَبِهَاتُ الْأُمُورِ ظَافِراً بِفَرْحَةِ الْبُشْرَى وَ رَاحَةِ النُّعْمَى فِي أَنْعَمِ نَوْمِهِ وَ آمَنِ يَوْمِهِ قَدْ عَبَرَ مَعْبَرَ الْعَاجِلَةِ حَمِيداً وَ قَدَّمَ زَادَ [ذَاتَ] الآْجِلَةِ سَعِيداً وَ بَادَرَ عَنْ وَجَلٍ وَ أَكْمَشَ فِي مَهَلٍ وَ رَغِبَ فِي طَلَبٍ وَ ذَهَبَ عَنْ هَرَبٍ»[٨].
بين «فَاتِلَاتُ الْغُرُورِ» و«مُشْتَبِهَاتُ الْأُمُورِ» سجع متواز جيء به تعبيرا عن كون إيمانه نابعا عن بصر وبصيرة، فهو لم تصرفه الغفلات في لذات الدنيا عن ربه ليغفل عن طاعته، ولا تشتبه عليه أمور تحرفه عن الصواب.
وكذلك بين «الْبُشْرَى» لنيل رضى الله، و«النُّعْمَى» بنعيم الآخرة، سجع متواز؛ ليمهد العامل النفسي الذي حققه من خلال الجناس بين «نَوْمِهِ» الهنيء و«يَوْمِهِ» الأكثر أمانا، ثم أقحم الخيال ليفسح للمتأمل العبور عن الدنيا بمعبر العاجلة، فيزاوج بين «الحميد» و«السعيد» حال كونه محموداً غير مذموم يحس بالرضا والفرح، فجانس بين «حَمِيداً» و«سَعِيداً» جناساً متناغماً، ومن خلال الإيقاع المتجانس يجعل الرغبة في طلب الحق مساوية للنفور عن الباطل، فالأول عن سعي إليه، والثاني بعده عنه، وكذلك الأول عن شوق ورغبة، والثاني عن خوف ورهبة.
و«بَادَرَ عَنْ وَجَلٍ»: أسرع إلى الطاعات خوفا من العقوبة.
و«أَكْمَشَ فِي مَهَلٍ»: أسرع إلى العبادات في أيام الرفق والمهلة. وبين «وَجَلٍ» و«مَهَلٍ» سجع متواز، وبين «بَادَرَ» و«أَكْمَشَ» توكيد معنوي.
ومن وصيته(ع) بالتقوى والاستعداد للآخرة: «فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً اسْتَقْبَلَ تَوْبَتَهُ وَ اسْتَقَالَ خَطِيئَتَهُ وَ بَادَرَ مَنِيَّتَهُ»[٩]. أي سبقها بالتوبة والغفران قبل أن تدهمه.
ومن وصفه(ع) لصاحب القلب السليم المتقي: «فَطُوبَى لِذِي قَلْبٍ سَلِيمٍ أَطَاعَ مَنْ يَهْدِيهِ وَ تَجَنَّبَ مَنْ يُرْدِيهِ وَ أَصَابَ سَبِيلَ السَّلَامَةِ بِبَصَرِ مَنْ بَصَّرَهُ وَ طَاعَةِ هَادٍ أَمَرَهُ وَ بَادَرَ الْهُدَى قَبْلَ أَنْ تُغْلَقَ أَبْوَابُهُ وَ تُقْطَعَ أَسْبَابُهُ»[١٠].
أي سارع للهدى والرشاد قبل فوات الأوان. وبين «يَهْدِيهِ» و«يُرْدِيهِ» وبين «بَصَّرَهُ» و«أَمَرَهُ» وبين «أَبْوَابُهُ» و«أَسْبَابُهُ» سجع متواز؛ للحث على الإسراع في الاستفادة من العلم والأدب قبل فوات الأوان.
ومن حثه(ع) على مبادرة الفرصة: «بَادِرِ الْفُرْصَةَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ غُصَّةً»[١١]. أي اغتنمها في الوقت المناسب. وبين «الْفُرْصَةَ» و«غُصَّةً»[١٢]، سجع متواز يظهر من خلاله التحذير من إضاعة الفرص التي تتهيأ للإنسان؛ لأنها مستوجبة للندامة والحسرة.
ومن وصفه(ع) للزهاد: «كَانُوا قَوْماً مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا فَكَانُوا فِيهَا كَمَنْ لَيْسَ مِنْهَا عَمِلُوا فِيهَا بِمَا يُبْصِرُونَ وَ بَادَرُوا فِيهَا مَا يَحْذَرُونَ»[١٣].
أي سابقوا ما يحذرون من عذاب الله الأخروي، كأنه سابق لهم إلى أنفسهم، وهو سابقهم إلى خلاصهم، فسبقوه إلى النجاة.
وبين «يُبْصِرُونَ» مواقع الهداية، و«يَحْذَرُونَ» مواقع الزلل، سجع متواز جمع لهما إيقاعا متوازنا لإثبات فكرة ما يوحيه هذا التوازن من معان دقيقة وواضحة؛ وذلك بأنهم على بصيرة من أمرهم، ويقين من حركتهم؛ وما يؤول إليه حالهم.
من وصاياه(ع) لابنه الحسن(ع): «أَيْ بُنَيَّ إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُكَ قَدْ بَلَغْتَ سِنّاً وَ رَأَيْتُنِي أَزْدَادُ وَهْناً بَادَرْتُ بِوَصِيَّتِي إِيَّاكَ»[١٤].
أي أسرعت وعجلت. وبين «سِنّاً» و«وَهْناً» جناس ناقص، أراد من خلاله بيان ضعفه وقد بلغ الستين من عمره؛ لتكون أوقع في القلوب لما سيبته من وصايا ونصائح عبر زمن طويل قضاه في الإيمان والجهاد والتقوى.
ومن وصاياه لابنه الحسن(ع) أيضا: «فَبَادَرْتُكَ بِالْأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَقْسُوَ قَلْبُكَ»[١٥]. أي استبقتك.
ومن حديثه(ع) عن بدء الدعوة الإسلامية: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ [وَ تَعَالَى] بَعَثَ مُحَمَّداً(ص) وَ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتَاباً وَ لَا يَدَّعِي نُبُوَّةً وَ لَا وَحْياً فَقَاتَلَ بِمَنْ أَطَاعَهُ مَنْ عَصَاهُ يَسُوقُهُمْ إِلَى مَنْجَاتِهِمْ وَ يُبَادِرُ بِهِمُ السَّاعَةَ أَنْ تَنْزِلَ بِهِمْ»[١٦].
«يُبَادِرُ بِهِمُ السَّاعَةَ»: كأنه يخاف أن تسبقه القيامة، فهو يبادرها بهدايتهم وإرشادهم قبل أن تقوم الساعة وهم على ضلالهم[١٧].
ومن مواعظه(ع) الناجعة وحكمه البالغة: «لَا تَكُنْ مِمَّنْ يَرْجُو الْآخِرَةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ وَ [يَرْجُو] يُرَجِّي التَّوْبَةَ بِطُولِ الْأَمَلِ يَقُولُ فِي الدُّنْيَا بِقَوْلِ الزَّاهِدِينَ وَ يَعْمَلُ فِيهَا بِعَمَلِ الرَّاغِبِينَ ... وَ يُبَالِغُ فِي الْمَوْعِظَةِ وَ لَا يَتَّعِظُ فَهُوَ بِالْقَوْلِ مُدِلٌّ وَ مِنَ الْعَمَلِ مُقِلٌّ يُنَافِسُ فِيمَا يَفْنَى وَ يُسَامِحُ فِيمَا يَبْقَى يَرَى الْغُنْمَ مَغْرَماً وَ الْغُرْمَ مَغْنَماً يَخْشَى الْمَوْتَ وَ لَا يُبَادِرُ الْفَوْتَ»[١٨].
أي لا يسارع إليه. قال الشريف الرضي: «ولو لم يكن في هذا الكتاب إلا هذا الكلام لكفى به موعظة ناجعة، وحكمة بالغة، وبصيرة لمبصر، وعبرة لناظر مفكر».
وفيه حسن التقسيم، وفن العكس[١٩] والإيقاع المسجع، لذا صار دقيق الدلالة، شديد التأثير في الوعظ والتذكير.
ومن وصفه(ع) لبلايا الدنيا: «إِنَّمَا الْمَرْءُ فِي الدُّنْيَا غَرَضٌ تَنْتَضِلُ فِيهِ الْمَنَايَا وَ نَهْبٌ تُبَادِرُهُ الْمَصَائِبُ»[٢٠].
«الغرض»: الهدف، {{نص حديث|تَنْتَضِلُژژ: ترتمي، و{{نص حديث|نَهْبٌژژ بمعنى المنهوب، شبّه الإنسان في هذه الدنيا بهدف يرميه الموت بسهامه في الوقت الموعود له، وشبهه أيضا بالمال المنهوب الذي يريد كل إنسان أخذه، كما تتناوش المصائب والبلايا الإنسان وتتناوله من كل جانب.
وقال(ع) في وصف الحجاج إلى بيت الله الحرام: «وَ اخْتَارَ مِنْ خَلْقِهِ سُمَّاعاً أَجَابُوا إِلَيْهِ دَعْوَتَهُ وَ صَدَّقُوا كَلِمَتَهُ وَ وَقَفُوا مَوَاقِفَ أَنْبِيَائِهِ وَ تَشَبَّهُوا بِمَلَائِكَتِهِ الْمُطِيفِينَ بِعَرْشِهِ يُحْرِزُونَ الْأَرْبَاحَ فِي مَتْجَرِ عِبَادَتِهِ وَ يَتَبَادَرُونَ عِنْدَهُ مَوْعِدَ مَغْفِرَتِهِ»[٢١]. أي يتسارعون.
ومن حثه(ع) على المبادرة بالأعمال الصالحة: «وَ بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ عُمُراً نَاكِساً أَوْ مَرَضاً حَابِساً أَوْ مَوْتاً خَالِساً»[٢٢].
«العمر الناكس»: كناية عن الهرم، والناكس: المطأطي رأسه، والموت الخالس: المختطف. استعار للموت لفظ «الخالس» كونه يأتي على غرة وغفلة من أهلها، كالمختلس للشيء من يد غيره، والمعنى: سارعوا إلى أعمال الخير قبل الهرم، والوقوع في المرض، والموت المفاجئ.
وبين «الناکس» و«الحابس» و«الخالس»، جناس وسجع متواز حافل بالإيحاء القوي وجرسه الموسىقي يصاحبه الخيال الذي يقوي المعنى، ويوضح المقصود.
ومن حثه(ع) على التعلم منه: «فَبَادِرُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِ تَصْوِيحِ نَبْتِهِ»[٢٣].
«تصوح النبت»: يبس وتشقق، أي أسرعوا في أخذ العلم من أهله -يعني نفسه الكريمة(ع)- قبل أن يموت فيذهب العلم، وتصويح النبت كناية عن ذلك.
ومن خطبة له(ع) في أول خلافته: «بَادِرُوا أَمْرَ الْعَامَّةِ وَ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ وَ هُوَ الْمَوْتُ فَإِنَّ النَّاسَ أَمَامَكُمْ وَ إِنَّ السَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ مِنْ خَلْفِكُمْ تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا فَإِنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأَوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ»[٢٤].
«بَادِرُوا»: عجلوا وأسرعوا، «تَحْدُوكُمْ»: تسوقكم، من الحداء للإبل -وهو الغناء لها- لتسرع في المشي، والمعنى: عاجلوا أمر العامة بالإصلاح؛ لئلا يغلبكم الفساد فتهلكوا، فإذا انقضى عملكم في شؤون العامة، فبادروا الموت بالعمل الصالح؛ كيلا يأخذكم على غفلة منه فكونوا على أهبة واستعداد.
ومن حثه(ع) على تقوى الله: «اتَّقُوا اللَّهَ تَقِيَّةَ مَنْ شَمَّرَ تَجْرِيداً وَ جَدَّ تَشْمِيراً[٢٥]، وَ انْكَمَشَ فِي مَهَلٍ وَ أَشْفَقَ فِي وَجَلٍ وَ نَظَرَ فِي كَرَّةِ الْمَوْئِلِ وَ عَاقِبَةِ الْمَصِيرِ وَ مَغَبَّةِ الْمَرْجِعِ»[٢٦].
شمر للأمر: أراده وتهيأ له، وتجرد للأمر: تفرغ له وجد فيه، وجد: اجتهد، وأكمش: أسرع، والمهل: الإمهال، وهو ضد الإسراع، والوجل: الخوف، والكرة: الرجعة، والموئل: المرجع، والمغبة: العاقبة، كل هذه المفردات تجسد المبالغة في حث المتقي نفسه على السير إلى الله تعالى، ولكن مع تمهل البصيرة، تصاحبه الخشية والخوف من الله تعالى وعذابه، والنظر في العاقبة والنهاية وما سيؤول إليه أمر آخرته وخاتمة مصيره.
وبين: «مَهَلٍ» و«وَجَلٍ» سجع متواز؛ لبيان أن اكتساب الأعمال الصالحة والسير إلى الله، يجب أن يكونا في مهلة الحياة وقبل أن يضيق عليه وقته بدنو الأجل؛ على رغم جده واجتهاده في طلب مرضاته.
ومن وصفه(ع) لأولياء الله سبحانه: «وَ اسْتَقْرَبُوا الْأَجَلَ فَبَادَرُوا الْعَمَلَ وَ كَذَّبُوا الْأَمَلَ فَلَاحَظُوا الْأَجَلَ»[٢٧].
أي أسرعوا إليه. وبين «الْأَجَلَ» - بمعنى المدة- و«الْأَجَلَ» بمعنى الموت، جناس تام، كما أن السجع يعطي الفقرات الأربعة تناغما بإيقاعها، «فَبَادَرُوا» و«فَلَاحَظُوا» هي نتيجة ومعلول للعبارة: «اسْتَقْرَبُوا» و«كَذَّبُوا» فمن يرى قرب الأجل وسرعة العمر يبادر إلى العمل، ومن يكذب الآمال يفكر بالموت فيراه نصب عينيه.
ومن حثه(ع) على الاستعداد للدار الآخرة: «فَبَادِرُوا الْمَعَادَ وَ سَابِقُوا الْآجَالَ»[٢٨]. أي أسرعوا إليه.
ومن حثه(ع) على الأعمال الصالحة: «فَبَادِرُوا بِأَعْمَالِكُمْ تَكُونُوا مَعَ جِيرَانِ اللَّهِ فِي دَارِهِ»[٢٩]. أي سارعوا.
ومن حثه(ع) على التهيؤ للموت: «وَ بَادِرُوا الْمَوْتَ وَ غَمَرَاتِهِ وَ امْهَدُوا لَهُ قَبْلَ حُلُولِهِ»[٣٠]. أي سارعوا إلى الاستعداد بالأعمال الصالحة، لتسبقوا الموت.
ومن هذا القبيل قوله(ع): «وَ بَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ فَإِنَّكُمْ مُرْتَهَنُونَ بِمَا أَسْلَفْتُمْ وَ مَدِينُونَ بِمَا قَدَّمْتُمْ»[٣١].
أي سابقوا آجالكم بالأعمال الصالحة إلى الاستعداد بها قبل أن يسبقكم إلى أنفسكم. ولفظ «مُرْتَهَنُونَ» مستعار للنفوس الآثمة باعتبار تقيدها بالسيئة، وإطلاقها بالحسنة، كتقيد الرهن المتعارف بما عليه من المال، وفكاكه بأدائه[٣٢].
ومن وصيته(ع) بالتقوى: «فَأَهْطِعُوا بِأَسْمَاعِكُمْ إِلَيْهَا وَأَكِظُّوا (وَأَلِظُّوا) بِجِدِّكُمْ عَلَيْهَا وَ اعْتَاضُوهَا مِنْ كُلِّ سَلَفٍ خَلَفاً وَ مِنْ كُلِّ مُخَالِفٍ مُوَافِقاً أَيْقِظُوا بِهَا نَوْمَكُمْ وَ اقْطَعُوا بِهَا يَوْمَكُمْ وَ أَشْعِرُوهَا قُلُوبَكُمْ وَ ارْحَضُوا بِهَا ذُنُوبَكُمْ وَ دَاوُوا بِهَا الْأَسْقَامَ وَ بَادِرُوا بِهَا الْحِمَامَ»[٣٣].
«أَهْطِعُوا»: أسرعوا، و«وَأَكِظُّوا بِجِدِّكُمْ»: أمر من الكظ؛ وهو الجهد، يقال: كظه الأمر: جهده، والكظاظ: الممارسة وطول الملازمة.
وفي بعض النسخ: «وَأَلِظُّوا» من «ألظ في الأمر»: ألح فيه، وألظ المطر: أي دام.
وفي بعض النسخ: «وَوَاكِظُّوا» من المواكظة: وهي المداومة على الأمر.
«واعتاضوا»: اجعلوا التقوى عوض كل شيء فان منكم سابقا؛ فإن من لازمته التقوى لم يفته شيء.
«وَ مِنْ كُلِّ مُخَالِفٍ مُوَافِقاً»: المراد المخالف لطريق الحق، والموافق له؛ أي اجعلوا التقوى - حال كونها موافقة لطريق الحق- عوضا وبدلا من كل ما يخالف طريقه.
و«ارْحَضُوا»: اغسلوا و«بَادِرُوا بِهَا الْحِمَامَ»: سارعوا إلى التقوى قبل أن يأخذكم الموت.
ومن تذكيره(ع) بالموت: «وَ بَادِرُوا الْمَوْتَ الَّذِي إِنْ هَرَبْتُمْ مِنْهُ أَدْرَكَكُمْ»[٣٤]. أي سابقوا الموت قبل أن يسبقكم، فهو لا محالة مدرككم، ومسابقته إنما تكون بالأعمال الصالحة.[٣٥]
البادرة
«البادرة»: مؤنث بادِر؛ وهو المسرع المتعجل والسابق، والبادرة: الغضبة السريعة، والخطأ، والبديهة، والكلمة العوراء، والحدة، وما يبدر - أي ما يسبق- من اللسان عند الغضب، يقال: أخشى عليك بادِرتَهُ، وبَدَرَت منه بوادِرُ غَضَب؛ أي خطأ وسقطات عندما احتد[٣٦].
وقال(ع) ناهيا أصحابه من إسداء التملق إليه ومن خشيته كما يخشى الجبابرة: «فَلَا تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ وَ لَا تَتَحَفَّظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ»[٣٧].
نهاهم(ع) عن مخاطبته بألقاب العظمة، كما يلقب بها الجبابرة إجلالا لهم، وخوفا منهم، كما نهاهم عن تحفظهم منه في إبداء آرائهم؛ صواباً كانت، أم خطأً، كما يفعل مع أهل البادرة الذين تبدر منهم بوادر السوء بالقتل ونحوه، وأن لا يمتنعوا من الحديث معه والبوح له بما يدور في خلجات أنفسهم، كما هو حال الملوك الذين لا يعجبهم منطق أي إنسان لا يوافق مزاجهم، فيبادرون مستعجلين إلى الانتقام والغضب لأهوائهم، أراد(ع) منهم أن يكونوا صريحين واضحين يبدون آراءهم، ويقولون كلمتهم، وأن تكون بينه وبينهم معاشرة ومخالطة ومصاحبة، دون التعامل بالمداراة والنفاق والخوف.
وبين «الْجَبَابِرَةُ» و«أَهْلِ الْبَادِرَةِ» سجع متواز؛ لبيان نفرته منهما، وعدم التعامل معهما أو التخلق بأخلاقهما.
ومن وصيته(ع) لمالك الأشتر بسعة الصدر وضبط النفس: «امْلِكْ حَمِيَّةَ أَنْفِكَ وَ سَوْرَةَ حِدَّتِكَ وَ سَطْوَةَ يَدِكَ وَ غَرْبَ لِسَانِكَ وَ احْتَرِسْ كُلَّ ذَلِكَ بِكَفِّ الْبَادِرَةِ»[٣٨].
أمره(ع) بالتحلي بالاتزان وضبط النفس والحلم، وسعة الصدر، وطول الأناة، وتجنب الغضب والطيش، والعصبية المقيتة.
ومنه قوله(ع): «وَ لَا تُسْرِعَنَّ إِلَى بَادِرَةٍ وَجَدْتَ [عَنْهَا] مِنْهَا مَنْدُوحَةً»[٣٩].
أي إلى خطأ[٤٠]. نهاه(ع) عن الإسراع إلى البطش، واللجوء إلى القسر، والاندفاع مع العاطفة؛ فيما لو وجد فسحة ومجال لكف البادرة.[٤١]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ معجم ألفاظ القرآن الكريم، ج١، ص٨٢.
- ↑ لسان العرب، مادة: «بدر».
- ↑ سورة النساء: ٦.
- ↑ شرح القصائد السبع الطوال، لأبي بكر محمد بن القاسم الأنباري، المكتبة العصرية، ص٢٠٣.
- ↑ املاء ما من به الرحمن، ج١، ص١٦٨.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٧٦.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٨٣.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٨٣.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٤٣.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٢١٤.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٣١.
- ↑ الغصة: الحزن. أصلها: ما اعترض في الحلق من طعام أو شراب.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٢٣٠.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٣١.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٣١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٠٤.
- ↑ شرح النهج، ابن ابي الحديد، ج٧، ص١١٤.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ١٥٠.
- ↑ كما في «يرى الغنم مغرما، والغرم مغنما» أي رؤيته المغنم مغرما؛ كالإنفاق في سبيل الله، والغرم مغنما، كالإنفاق في معصيته، وهو عكس مقتضى العقل؛ أي أنه يرى أداء الزكاة وإعطاء الصدقة وإن كان غنما في الحقيقة غرامة، ويرى منعهما غنيمة وإن كان غرما.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ١٩١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٢٣٠.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٠٥.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٦٧.
- ↑ قال ابن أبي الحديد: لو قال(ع): {{نص حديث|وجرد تشميرا، لكان قد أتى بنوع مشهور من أنواع البديع [ وهو فن العكس، أو التبديل] لكنه لم يحفل بذلك، وجرى على مقتضى طبعه من البلاغة الخالية من التكلف والتصنع. شرح النهج.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ٢١٠.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١١٤.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٨٣.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٨٣.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٩٠.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٩٠.
- ↑ شرح النهج، ابن ميثم البحراني.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٩١.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ٢٠٣.
- ↑ السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة، ج٢، ص ٦٧-٧٧.
- ↑ ينظر: صحاح اللغة ولسان العرب، مادة: «بدر».
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة. ٢١٦.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
- ↑ معارج نهج البلاغة، البيهقي، ص٧٦٦.
- ↑ السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج٢، ج٢، ص ٧٧-٧٨.