نقاش:المعاد في علم الكلام
التعريف
التعريف اللغوي
المعاد لغة - مصدر عاد يعود، يقال: عاد يعود عودا ومعادا - بفتح ميمه -. وأصله (معود) على زنة (مفعل) قلبت واوه ألفا، وقد جاء على أصله في حديث علي (ع): والحكم الله، والمعود إليه يوم القيامة. قال ابن الأثير: هكذا جاء (المعود) على الأصل، وهو (مفعل) من عاد يعود، ومن حق أمثاله أن تقلب واوه ألفا كالمقام والمراح، ولكنه استعمله على الأصل. وصيغة (مفعل) ومقلوبها تستعمل في اللغة مصدرا - وهو ما يعرف بالمصدر الميمي - واسم زمان واسم مكان.
ومعنى عاد يعود معادا: رجع يرجع رجوعا، إذا أريد به المصدر، ومرجعا إذا أريد به المصدر الميمي أو الزمان أو المكان.
وقد ورد استعماله في القرآن الكريم في الآية ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾[١].
كما ورد استعماله في الحديث، ومنه: «وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي».
وعرفه اللغويون بقولهم: المعاد: كل شئ إليه المصير. وفي ضوئه: قالوا: الآخرة معاد الناس لان إليها مصيرهم. وهو كمصطلح يراد به البعث يوم القيامة، مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾[٢]
ففي (لسان العرب) - مادة: عود -: قال الأزهري: بدأ الله الخلق إحياء ثم يميتهم ثم يعيدهم أحياء كما كانوا، قال الله عز وجل ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، وقال: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾[٣] فهو سبحانه وتعالى الذي يعيد الخلق بعد الحياة إلى الممات في الدنيا، وبعد الممات إلى الحياة يوم القيامة.[٤]
التعريف الاصطلاحي
وعرف المعاد كلاميا بأنه الوجود الثاني للأجسام واعادتها بعد موتها وتفرقها [٥]. ونص في التعريف على إعادة الأجسام، أي على المعاد الجسماني أو البدني ردا على ما ذهب إليه الفلاسفة القائلون بان المعاد الجسماني محال لاستلزامه إعادة المعدوم. واستدلوا على ذلك بان المعاد لا يكون معادا بعينه إلا إذا أعيد بجميع عوارضه التي منها الوقت. ولازم هذا أن يعاد في وقته الأول. وكل ما وقع في وقته الأول فهو مبتدأ. فيكون حينئذ مبتدأ من حيث إنه معاد.. هذا خلف [٦].
وأجاب عنه الإيجي بقوله: الجواب: انما اللازم إعادة عوارضه المشخصة، والوقت ليس منها ضرورة أن زيدا الموجود في هذه الساعة هو الموجود قبلها بحسب الأمر الخارجي. وما يقال: أنا نعلم بالضرورة أن الموجود مع قيد كونه في هذا الزمان غير الموجود مع قيد كونه قبل هذا الزمان، فأمر وهمي، والتغاير انما هو بحسب الذهن دون الخارج. ويحكى أنه وقع هذا البحث لابن سينا مع أحد تلامذته وكان مصرا على التغاير،
فقال له: إن كان الأمر على ما تزعم فلا يلزمني الجواب لأني غير من كان يباحثك، فبهت وعاد إلى الحق، واعترف بعدم التغاير في الواقع. ولئن سلمنا أن الوقت داخل في العوارض وأنه معاد بوقته الأول، فلم قلتم: إن الواقع في وقته الأول يكون مبتدأ، وانما يكون كذلك أن لو لم يكن وقته معادا معه [٧].
دليله
واستدلوا لاثبات المعاد الجسماني بالعقل والنقل من وجوه:
- 1. إمكان حشر الأجسام
ويقوم على مقدمتين هما:
- ان الله تعالى قادر على كل مقدور.
- ان الله تعالى عالم بكل معلوم.
- «ولهذا كان الكتاب العزيز قد اشتمل على اثبات المعاد البدني في عدة مواضع، وكل موضع حكم فيه باثباته قرره بين هاتين المقدمتين» [٨]. أما افتقاره إلى القدرة فظاهر، إذ الفعل الاختياري انما يصح بها وأما افتقاره إلى العلم، فلأن الأبدان إذا تفرقت وأراد الله تعالى جمعها وجب أن يرد كل جزء إلى صاحبه، وانما يتم ذلك بعلمه تعالى بالاجزاء وتناسبها بحيث لا يؤلف جزءا من بدن زيد مع جزء من بدن عمرو [٩].
- ويقرر الفاضل المقداد الاستدلال بالتالي: أما امكانه فلان أجزاء الميت قابلة للجمع وإفاضة الحياة عليها، والا لما اتصف بها من قبل. والله تعالى عالم بأجزاء كل شخص لما تقدم من أنه عالم بكل المعلومات وقادر على جمعها، لان ذلك ممكن والله قادر على كل الممكنات، فثبت أن إحياء الأجسام ممكن [١٠]. وبعد ثبوت الامكان ينتقل في الاستدلال على الوقوع إلى النقل، وقد دل عليه القرآن الكريم والحديث الشريف دلالة ارتفعت به إلى مستوى الضروري الديني، بما يشفع لنا في عدم عرض الوفرة الوافرة من نصوص الكتاب والسنة في هذا الموضوع.
- 2. وجود التكليف يستلزم البعث
- يقول الفاضل المقداد في بيانه: لو لم يكن المعاد حقا لقبح التكليف. والتالي باطل. فالمقدم مثله. بيان الشرطية: ان التكليف مشقة مستلزمة للتعويض عنها، فان المشقة من غير عوض ظلم. وذلك العوض ليس بحاصل في زمان التكليف، فلا بد حينئذ من دار أخرى يحصل فيها الجزاء على الاعمال، والا لكان التكليف ظلما، وهو قبيح تعالى الله عنه [١١].
- 3. اجماع المسلمين على ذلك
- 4. الآيات القرآنية،ومنها:
- ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾[١٢]
- ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾[١٣].
- ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾[١٤].
- ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾[١٥].
- ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾[١٦].
- ﴿اللهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾[١٧].
ومسك الختام أن نتلو معا وصية الامام أمير المؤمنين لابنه الحسن - عليهما السلام -: فتفهم يا بني وصيتي، واعلم أن مالك الموت هو مالك الحياة، وأن الخالق هو المميت، وأن المفني هو المعيد، وأن المبتلي هو المعافي، وأن الدنيا لم تكن لتستقر إلا على ما جعلها الله عليه من النعماء والابتلاء، والجزاء في المعاد. والحمد لله رب العالمين.[١٨]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة القصص، الآية 85.
- ↑ سورة الروم، الآية 27.
- ↑ سورة البروج، الآية 13.
- ↑ عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الكلام، ص351-352.
- ↑ النافع يوم الحشر 86.
- ↑ انظر: المواقف 371.
- ↑ المواقف 371 - 372.
- ↑ نهج المسترشدين 73.
- ↑ نهج المسترشدين 73.
- ↑ النافع يوم الحشر 87.
- ↑ النافع يوم الحشر 86، 87.
- ↑ سورة يس، الآية 78-79.
- ↑ سورة طه، الآية 55.
- ↑ سورة الأنبياء، الآية 104.
- ↑ سورة الإسراء، الآية 51.
- ↑ سورة يونس، الآية 4.
- ↑ سورة الروم، الآية 11.
- ↑ عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الكلام، ص352-353.