المعاد في علم الكلام

تأثير الاعتقاد بالمعاد على الحياة

الاعتقاد بالمعاد له دورٌ كبيرٌ في شتّى الشؤون الحياتية للإنسان، ولا سيّما على صعيد تعيين مصيره فهو نظير الاعتقاد بالتوحيد والنبوّة وتأثيره يبدو جليّاً فى مجال الأنثروبولوجيا، فالاعتقاد به يجعل الإنسان مؤمناً بهدفٍ نبيلٍ غير محدود بإطار المادة وهويةٍ خالدةٍ تفوق أُطر الحياة الدنيا الفانية، كما أنّه ذو تأثير لا ينكر على القيم والأصول المثلى.

لا ريب في أنّ الإنسان الذي لا يؤمن بالحياة الخالدة، يعجز عن بلوغ الدرجة المطلوبة من الفضل مهما كان نزيهاً ومثالياً وعادلاً ومؤثّراً على نفسه ومحسناً للآخرين، بل حتى لو دافع عن العدل وقارع الظلم فسوف يبقى يعاني من نقص في شخصيّته؛ فهو وإن امتلك درجةً من الفضل، لكنّ فضله هذا يظلّ محدوداً في نطاق حياته الدنيوية فحسب. وهو كذلك عاجز عن ذكر جواب للسؤال الآتي: ما السبب الذي يدعو الإنسان لمراعاة الأخلاق الحميدة والسعي لأن يصبح فاضلاً كريماً في هذه الحياة الفانية؟

ومن المؤكد أنّ الفضيلة لا معنى لها إلّا في ظلّ اعتقاد الإنسان بالحياة بعد الممات.

ومن الآثار الأخرى التي تترتب على الاعتقاد بالمعاد في الحياة الآخرة، أنّ الإنسان ينزع إلى الدفاع عن كافّة القوانين الاجتماعية والحقوقيّة والأخلاقيّة والثقافيّة، إذ إنّ الإيمان بالبعث والحساب في العالم الآخر يحفّزه على الامتثال لهذه القوانين ومن ثمّ تطبيقها بأحسن وجهٍ وفي الحين ذاته يمنحه القدرة اللازمة لمقارعة الباطل ومواجهة الهجمات الثقافية المحمومة.[١]

آثار الاعتقاد بالمعاد من زاويةٍ قرآنيةٍ

هناك عدد من الآيات المباركة التي تطرقت إلى مسألة المعاد في الكتاب الحكيم في ضمن مباحث عديدة، ونذكر منها ما يأتي على سبيل المثال لا الحصر:

  1. اجتناب الشرك وأداء الأعمال الصالحة ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً[٢].
  2. تقديم العون المادي للمحرومين وخشية الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً[٣].
  3. عبادة الله تعالى وحده وعدم الشرك به: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ[٤].
  4. إقامة الصلاة وأداء الطاعات وعدم التكذيب بالمعاد: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ[٥].
  5. عدم إجحاف الناس حقوقهم الاقتصادية: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ[٦].
  6. رقّة القلب والرحمة بالعالمين ولا سيّما الأيتام والمساكين: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ[٧].
  7. عدم التبجح في إنكار يوم القيامة بذريعة استحالة إحياء البدن بعد الممات: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ[٨].
  8. الدور النفسي للمعاد: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ[٩].
  9. الدور التعبوي للمعاد: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ[١٠]، ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ[١١].[١٢]

أهمّية دراسة المعاد

ثلث آيات القرآن المجيد تتمحور مواضيعها حول العوالم الأخرى والحياة بعد الممات، فالبارئ سبحانه وتعالى يروم من ذلك بيان أهمّية عقيدة المعاد لعباده، ويمكن تصنيف هذه الآيات كما يأتي:

أوّلاً: آياتٌ تؤكّد على وجوب الإيمان بالله تعالى وبيوم القيامة في آنٍ واحدٍ، ومنها قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ[١٣].

ثانياً: آيات تؤكّد على ضرورة الإيمان بالآخرة وتعتبره من ميزات خير العباد، ومنها قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ[١٤] ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[١٥].

ثالثاً: آيات تحذّر من عواقب إنكار المعاد، ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا[١٦].

رابعاً: آيات تخبر عن النعيم الذي يناله المؤمنون والعذاب الذي يطال الكافرين في يوم القيامة، ومنها قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ[١٧].

وقوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ لّا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ[١٨].

خامساً: آياتٌ تدلّ على ارتباط الأعمال الحسنة والقبيحة بمصير الإنسان في يوم القيامة والحساب، ومنها قوله تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ[١٩].[٢٠]

مناهج التحقيق في مسألة المعاد ومنابعه

بعض أبحاث المعاد - كما سيأتي - يُمكن التحقيق فيها بالمنهج العقلي، فنذكر أدلة عقلية، ثم نأتي بمؤيدات من القرآن والسنّة. إلا أنّ القسم الأكبر من المسائل المرتبطة بعالم الآخرة خارجة عن دائرة الإدراك العقلي والبراهين العقلية، فالطريق الوحيد للتعرف عليها هو تعاليم الوحي، فبالتالي يُمكن تقسيم أبحاث المعاد إلى قسمين: قسم يُمكن التحقيق فيه بالمنهج العقلي والنقلي، وقسم آخر لا يُمكن التحقيق فيه إلا بالمنهج النقلي.[٢١]

تعقيد مباحث المعاد

تتميّز أكثر أبحاث المعاد بالتعقيد والصعوبة مما أدّى إلى ظهور اختلافات أساسية بين الفلاسفة والمتكلمين، في حين نجد الاختلاف أقل في الأبحاث الاعتقادية الأخرى.

يقول صدر الدين الشيرازي - الذي يعدّ من الحكماء البارزين المعروفين في العالم الإسلامي ومؤسّس الحكمة المتعالية - مُبيّناً صعوبة المعاد: إعلم أنّ اختلاف أصحاب الملل والأديان في هذه المسألة وكيفية المعاد لما لها من التعقيد والصعوبة. وكثير من الحكماء مثل الشيخ الرئيس أبو علي سينا والمعاصرين له، الذين أبدعوا في مباحث المبدأ إلا أنهم لم يصلوا إلى مبلغهم في بحث كيفية المعاد وذلك لشدة تعقيد المسألة فارتضوا بالتقليد فيها. كما أنّ بعض آيات الكتب السماوية متشابهة أيضاً في هذه المسألة، أي: أنها مختلفة في ما بينها في ظاهرها وإن كانت منسجمة لو نظرنا لها بدقّة[٢٢].[٢٣]

العلاقة بين المعاد ومعرفة الإنسان

هذه العلاقة تتضح أهميتها عند التأمل في أنّ المعاد بمعناه الخاص ليس إلا أحوال الإنسان بعد الموت. من البديهي أنه ما لم يكن لدينا معرفة صحيحة بالإنسان فلن نوفّق للوصول إلى إدراك صحيح عن أحواله الأخروية، فمعرفة الإنسان هي أحد المباني والمبادئ الأساسية لمسألة المعاد.[٢٤]

المعاد جسماني أم روحاني؟

بالرغم من اتفاق جميع المتكلمين المسلمين على أصل المعاد إلا أنّهم اختلفوا في بيان كيفيته، وأحد أهم الاختلافات بينهم يتعلّق بجسمانية المعاد أو روحانيته. المقصود من المعاد الجسماني هو حضور الإنسان في العالم الأخروي بوجوده الجسماني، وجسمانية النعيم أو العذاب الأخرويين، أما المعاد الروحاني هو أن يستمر الإنسان في حياته الأخروية بوجوده الروحاني ويتلذّذ باللذات المعنوية أو العذاب المعنوي الروحاني، هنا السؤال الأساسي هو هل معاد الإنسان جسماني أم روحاني؟

في الجواب عن السؤال، توجد ثلاث نظريات أساسية[٢٥][٢٦]:

المعاد جسماني

بناء على هذه النظرية فالمعاد جسماني ليس إلا، ويرى أصحاب هذه النظرية أنّ المعاد جسماني فقط وينكرون تجرد الروح، وهم على عدّة أصناف:

١. الصنف الأوّل يعتقدون أنّ الإنسان يساوي البدن المادي وأنّ الموت يفني الإنسان، ثمّ يوجده الله مرة أخرى في عالم الآخرة، ومن مباني هذا الرأي (إمكان إعادة المعدوم)، فإذا تمّ رفض هذا الأصل يصبح من غير الممكن إيجاد الإنسان المنعدم بالموت، وبما أنّ قدرة الله لا تتعلق بالممتنعات فإنّ حياة الإنسان الأخروية تبقى محل تساؤل، فهم يرون أنّ المعاد عبارة عن إعادة الإنسان المعدوم إلى الوجود في الآخرة. كثير من متكلمي الأشاعرة والمعتزلة القائلين بإمكان إعادة المعدوم هم من هذا الصنف.

٢. الصنف الثاني رسموا تصوراً آخر للمعاد على أساس الاعتقاد بامتناع إعادة المعدوم، فهم يرون أنّ الموت يؤدّي إلى انفصال أجزاء البدن، ثمّ يوم القيامة يجمع الله تلك الأجزاء من جديد فترجع الحياة للإنسان، فالمعاد عندهم هو عودة أجزاء البدن المتفرقة إلى حالة الجمع ليس إلا.

و يعتقد بعض هؤلاء أنّ إثبات المعاد بالمعنى المذكور يبتني على أربع مقدمات[٢٧]، هي: تشكّل بدن الإنسان من أجزاء جوهرية لا تنعدم بالموت، بل تفقد هيئتها التأليفية فقط وتنفصل عن بعضها البعض، هناك خلاء في عالم الوجود بانتفائه لا يُمكن أن تتحرك الأجزاء المتفرقة للتآلف من جديد، الله قادر على كل الأمور الممكنة، ومنها التأليف بين أجزاء البدن التي قد تفرقت بالموت، الله عالم بالكليات والجزئيات فيشخّص أجزاء بدن كل إنسان عن غيره، وبذلك يتبيّن أنّ المعاد (بمعنى تركيب أجزاء البدن المتفرقة من جديد) هو أمرٌ ممكن عندالله سبحانه وتعالى.

هنا لم يبتن المعاد على إمكان إعادة المعدوم، فالموت لا يؤدّي إلى انعدام أجزاء البدن الأصلية حتى تحتاج إلى إيجاد آخر، بل هو مجرد تفرقة لتلك الأجزاء عن بعضها البعض، إلا أنّ هذا الرأي يرجع بنحو من الأنحاء إلى إمكان إعادة المعدوم حيث لو أننا حصرنا حقيقة الإنسان في البدن الجسماني فلا شكّ في أنّ مجرد تجميع أجزاء البدن لا يُعيد الإنسان، فينبغي أن يكون لهذا الجمع أوصاف خاصّة، تلك الأوصاف تنعدم بالموت، وإحياء الإنسان من جديد منوط بإعادة تلك الأوصاف المذكورة. بعبارة أخرى، بالرغم من أنّ هذا الرأي لم يقل بانعدام أجزاء البدن لكن الأوصاف الحاصلة من تركيب الأجزاء ستنعدم بعد انفصالها، وإنّ إحياء الإنسان من جديد يتطلب إعادة إيجاد تلك الأوصاف، بالتالي فإنّ هذا الرأي أيضاً – على خلاف تصور أصحابه - بحاجة إلى إثبات إمكان إعادة المعدوم.

٣. الصنف الثالث من القائلين بالمعاد الجسماني يرون أنّ نفس الإنسان جسم لطيف نوراني، ويقولون أنّ الإنسان في عالم الآخرة يحضر بنفس جسمانية، فالعذاب واللذة الأخرويين هما جسمانيان أيضاً. فالمعاد عندهم بمعنى رجوع النفس لله[٢٨].[٢٩]

المعاد روحاني

أي: أنّ المعاد روحاني فقط، وهي نظرية كثير من الفلاسفة الذين يعتقدون بتجرّد الروح، حيث يرون أنّ روح الإنسان تتعلّق بالبدن في الدنيا لتصل من خلال تدبيره إلى بعض غاياتها وكمالاتها حيث لا طريق لها سوى هذا، والنفس بعد الوصول إلى كمالاتها المطلوبة لا تحتاج إلى البدن فيحصل الموت، فتترك النفس المجردة هذا البدن المادي إلى الأبد، لكي تلتحق بعالم المجردات وتخلد فيه. ويرى هؤلاء أنّ سعادة النفس الإنسانية تكمن في وصول قواها النظرية والعملية إلى مرتبتها الكمالية، فكمال القوة العملية يحصل بتحصيل فضائل الملكات الأخلاقية والابتعاد عن التفريط والإفراط، وكمال القوّة النظرية يكمن في تحصيل المعرفة بنظام العالم من الباري تعالى إلى مراتب الوجود الدنيا.[٣٠]

المعاد جسماني – روحاني

يعتقد بعض المتكلمين والمحقّقين المتألهين أنّ معاد الإنسان جسماني وروحاني معاً [٣١]، حيث جمعت هذه النظرية ما سبقها، من هنا يُمكن الاستفادة من كل أدلّة النظريتين السابقتين للاستدلال على صحة هذه النظرية، أي: أنّ كل دليل أقيم على المعاد الجسماني أو الروحاني ولا يتضمن إنكار أيّ منهما فإنه يُعدّ دليلاً مؤيداً للنظرية الجامعة يعني جسمانية المعاد وروحانيته. بناء على النظرية الأخيرة، يحضر الإنسان في الآخرة بوجود (جسماني – روحاني)، أي: أنّ لحياته الأخروية بُعدان، تبتني هذه النظرية في ما يتعلّق بمعرفة حقيقة الإنسان على أنّ الإنسان موجود له ساحتان: ساحة جسمانية وساحة روحانية، كِلا هذين البُعدين يمثّلان هوية وحقيقة الإنسان، وليس لأحدهما - كالبُعد الجسماني مثلاً - عرضية مؤقتة، نعم للبُعد الروحاني نوع من الأصالة بالقياس إلى البُعد الجسماني لكن فرعية البُعد الجسماني لا تعنى بالضرورة خروجه عن حقيقة ذات الإنسان. إذا آمنا بأنّ كِلا البُعدين له تأثير على حقيقة الإنسان فلا طريق لنا سوى القبول بالمعاد الجسماني - الروحاني، لأنه من الضروري حضور حقيقة كل فرد في عالم الآخرة، ولو لم يكن كذلك فإنّ الموجودات التي تحضر في الآخرة تُغاير تلك التي عاشت مدة من الزمن في الدنيا، فلا يُمكن القول أنّ هذا الشخص هو ذاك نفسه الذي كان في الدنيا، هو الآن حاضر بين يدي الله ليرى جزاء أعماله!، فلزوم حضور تمام حقيقة الإنسان الوجودية في الآخرة يقتضى أن يكون المعاد جسماني – روحاني. من خصوصيات المعاد الجسماني - الروحاني الانسجام المعقول والموجّه بين المباني العقليّة والمضامين النقلية والوحيانية بدون الحاجة إلى تأويل الآيات والروايات.

لاحظنا في ما سبق أنّ القائلين بتجرّد الروح وقفوا بين الأدلة العقليّة القطعية التي تدلّ على تجرّد الروح وبقاءها بعد البدن وأنّ للروح المجردة لذّات وعذاب روحاني معنوي من جهة وبين الأدلّة النقلية من الآيات والروايات التي تدلّ على العذاب واللذات الجسمانية والأخروية، ومقتضى الجمع بين الأدلّة العقليّة والنقلية أن يُقال بالمعاد جسماني وروحاني معاً.[٣٢]

الدليل على المعاد الجسماني – الروحاني

لاشكّ أنّ انسجام هذه النظرية مع مباني حقيقة الإنسان، والمضامين الوحيانية هو دليل على صحتها، لكن أُقيمت بعض الأدلّة المستقلّة على صحة هذه النظرية، سنكتفي بذكر أحدها كنموذج:

يحكم العقل أنّ سعادة الروح تكمن في معرفة الله ومحبته، وأنّ سعادة الجسم تكمن في إدراك الأمور الجسمانية المناسبة، من جهة أخرى لا يُمكن الجمع بين هاتين السعادتين في الحياة الدنيوية، فمن يستغرق في اللذات المعنوية يبتعد عن اللذات الجسمانية والعكس، كما لا شكّ في أنّ سعادة الإنسان النهائية تكمن في اجتماع سعادة الروح والجسم، وبما أنّ هذا لا يتحقّق في عالم الدنيا لأنه عالم محدود، كما لا مانع من تحقّقه في الآخرة، – بل هو ممكن – وبما أنّ غاية خلق الإنسان هي الوصول إلى هذه السعادة فإنها قطعية الوقوع[٣٣].[٣٤]

شبهات مرتبطة بالمعاد

اتضح حتى الآن أنّ للإنسان بُعدان وأنّ النفس الإنسانية مجردة، وبالتأمّل في الشواهد النقليّة الدالة على وجود لذّة وعذاب جسمانيين وروحانيين في الآخرة، فالرأي الصحيح هو أنّ معاد الإنسان جسماني وروحاني، فالإنسان يعيش في الآخرة روح مجردة وبدن جسماني، وكل دليل وشاهد أُقيم على المعاد الجسماني – بشرط عدم إنكاره للمعاد الروحاني - يُمكن أن يُعدّ دليلاً على صحة نظرية المعاد الجسماني - الروحاني، ويصدق عكسه أيضاً.

بما أنّ هذه النظرية تستفيد من أدلّة وشواهد النظريتين السابقتين يجب عليها أن تجيب عن الإشكالات الواردة عليهما، لأنّ كل ما يرد عليهما من إشكالات يرد على النظرية الجامعة لهما، فيجب على أصحاب النظرية الجامعة الردّ على الإشكالات حسب مبانيهم الخاصة[٣٥]:

شبهات المعاد الروحاني

الشبهات الواردة على المعاد الروحاني أقل من تلك الشبهات الواردة على المعاد الجسماني؛ ويُمكن تصنيفها إلى صنفين:

شبهات مبنائية

أهم إشكال مبنائي يرد على المعاد الروحاني يرجع إلى إنكار تجرد الروح. فمن يرفض تجرد الروح ويعدّها من الأمور الجسمانية المحضة لا مجال عنده للقبول بالمعاد الروحاني. نعتقد أنّ الأدلة العقلية والنقلية التي تمّ ذكرها في بحث تجرّد الروح تكفي في الجواب على الإشكال المذكور.

شبهات بنائية

بعض شبهات المعاد الروحاني ترد عليه حتى مع القبول بتجرّد الروح، مثلاً قد يتصور البعض أنّ الروح المجردة بعد الموت هي غير خالدة بدليلٍ ملخّصه: أنّ الروح الإنسانية ليست أزلية فبالتالي لن تكون أبدية[٣٦].

أقام بعض الفلاسفة والمتكلّمين المسلمين براهين على أبدية النفس الإنسانية، يُمكن أن تتم الإجابة عن الشبهة المذكورة بالرجوع إليها، فاستدلال الحكماء يتم على مرحلتين، المرحلة الأولى يثبت من خلالها أن النفس لا تفسد بفساد البدن وانعدامه، والمرحلة الثانية يثبت من خلالها استحالة انعدام النفس وأنها أبدية[٣٧].[٣٨]

شبهات المعاد الجسماني

إمتناع إعادة المعدوم

يبتني أوّل إشكالات المعاد الجسماني على (امتناع إعادة المعدوم)، خلاصة الإشكال هو أنّ جسم الإنسان يفنى بعد الموت، وجسمانية المعاد تستلزم إيجاد الجسم بعد فنائه، هذا معنى إعادة المعدوم، وإعادة المعدوم ممتنع فالمعاد الجسماني مُحال، لأن كل فرض يستلزم أمراً محالاً فهو محال. ذكر المتكلّمون المدافعون عن المعاد الجسماني عدّة إجابات على الإشكال:

١. منهم من قال بإمكان إعادة المعدوم، فالإشكال غير وارد لأنّ الله قادر على الممكنات والمعاد الجسماني لا يستلزم وقوع أمر محال.

٢. ومنهم من قال بامتناع إعادة المعدوم، لكن يعتقد أنه في الآخرة تجتمع الأجزاء الأصلية للبدن، تلك التي تفرّقت بالموت. فقد يُقال: إنّ هذا القول بإعادة تجميع الأجزاء مرة أخرى يوم القيامة هو معنى المعاد الجسماني ولا يعني إيجاد أجزاء البدن من جديد حيث إنها لم تنعدم إنما افترقت وستجتمع، وقد يُقال: إنّه يلزم من ذلك إعادة المعدوم أيضاً حيث إنّ الهيئة التأليفيّة لتلك الأجزاء وكثير من أعراض وأوصاف تلك الهيئة قد انعدمت بالموت وستوجد مرة أخرى.

في الجواب على الإشكال الأخير، قيل بعدم لزوم عينية الهيئة التأليفية بين تلك الأجزاء المجتمعة في الآخرة وتلك الأجزاء التي كانت في الدنيا، بل يكفي أن يوجد الله هيئة مشابهة للهيئة السابقة ولا يلزم من ذلك إعادة المعدوم.

بعبارة أخرى: ملاك عينية حقيقة الإنسان الأخروي والدنيوي هو عينية الجسمانية بلحاظ المادة التي تتشكل منها أجزاء بدنه، وليس بالضرورة أن تكون له الهئية التأليفية بعينها[٣٩].

٣. البعض ممن يقول بتجرّد النفس ويقبل بالمعاد الجسماني أجاب على الإشكال بالقول أنّ تشخّص الإنسان وهويته يتم بنفسه، فالتغيرات الجسمانية التي تحدث طوال حياته الدنيوية لا تؤثّر في وحدة شخصيته، فالنفس المجردة ثابتة بالرغم من كل تلك التحولات، وثبات النفس يكفي في حفظ هوية الفرد. لذلك يمكن القول أنّ الله في الآخرة يخلق بدناً آخر تتعلّق به نفس الإنسان ولا يلزم من ذلك تبدل شخصيته، بالتالي المعاد الجسماني لا يستلزم إعادة العدوم[٤٠].

ذكر بعض فلاسفة مدرسة الحكمة المتعالية – مثل ملاصدرا الشيرازي وعلي مدرس زنوزني - تفسيراً آخر للمعاد الجسماني، يُمكن أن يكون جواباً آخر على الإشكال المذكور سنُشير إليه في بحث البدن الأخروي.[٤١]

شبهة الآكل والمأكول

تعتبر هذه الشبهة من الشبهات الأساسية في هذا الباب وهي من أقدم الشبهات، إلا أنّ المتأخرين هم من أطلق عليها اسم (الآكل والمأكول)، ذكرت لها تقريرات مختلفة سوف نذكر تقريرين منها:

التقرير الأول: قد يتغذى إنسان من أجزاء بدن إنسان آخر، فتتبدل أجزاء بدن الثاني إلى أجزاء بدن الفرد الأول، قد يقع ذلك عن طريق أكل لحم أحد الأفراد للآخر أو بتحول أجزاء الميت إلى مواد غذائية في التربة وبعد طي مراحل تنتقل إلى بدن شخص آخر عن طريق التغذية، ويُقال للشخص الأوّل الذي انتقلت بعض أجزاء بدنه إلى بدن شخص آخر (مأكول) ويُقال للشخص الثاني (آكل)، هنا السؤال: في الآخرة عند عودة الأرواح الأبدان، هذه الأجزاء التي تبدلت وانتقلت من بدن المأكول إلى بدن الآكل هل هي جزء بدن الفرد الأول أو الثاني؟ في الجواب عن السؤال تم تصوير ثلاث فرضيات جميعها باطلة:

  1. الأجزاء المتبدلة تصبح للبدنين (الآكل والمأكول).
  2. في أحدهما فقط.
  3. ليست لأيٍّ منهما.

الفرض الأوّل باطل لأنّ تحقّق شيء واحد في آن واحدة في شخصين متباينين ممتنع، أما بطلان الفرضين الثاني والثالث فذلك لاستلزام أن يكون أحدهما (في الفرض الثاني) أو كلاهما (في الفرض الثالث) ليس هو عين بدن الشخص الدنيوي، لأنه حسب الفرض جزء منه – الجزء الذي كان له في الدنيا - لم يتم إعادته في الآخرة، ففرض انتقال أجزاء بدن إلى بدن آخر يستلزم امتناع المعاد الجسماني، وبما أنّ لهذا الفرض مصاديق ونماذج واقعية فإنّ المعاد الجسماني ممتنع[٤٢].

جواب التقرير الأول: ذكر المتكلمون طريقين مختلفين للجواب عن هذه الشبهة:

  1. أجاب البعض على أساس التفكيك بين أجزاء البدن الأصلية والزائدة، وذلك بناء على ثلاث مقدّمات:
    1. بدن الإنسان يتشكّل من الأجزاء الأصلية وهي ثابتة من أوّل حياته الدنيوية إلى زمن موته...
    2. ما يلزم في المعاد هو إعادة هذه الأجزاء الأصلية ولا يلزم إعادة الأجزاء غير الأصلية، خاصّة أنّ الأجزاء غير الأصلية تتغيّر طوال حياة الإنسان.
    3. إذا دخل جزء أصلي من بدن المأكول في بدن الآكل فإنه يتبدّل في بدن الآكل إلى جزء غير أصلي ويعود في الآخرة إلى بدن المأكول، دون أن تنقص حقيقة بدن الآكل وإذا انتقل جزء غير أصلي من بدن المأكول إلى بدن الآكل فلا ضرورة لإعادته في بدن المأكول[٤٣].
  2. في الجواب الثاني يقال: إنّ تشخّص الإنسان بروحه، فلو أعدَّ الله بدناً آخر في الآخرة هو غير مادة ذلك البدن الدنيوي وإن اتحد معه بلحاظ الصورة، يُمكن بذلك أن يقع المعاد الجسماني ويصح أن يُقال: إنّ الشخص الحاضر في الآخرة ببدنه الأخروي هو نفس الشخص الذي عاش مدّة في الدنيا.

التقرير الثاني للشبهة: من الممكن أن ينتقل جزء من بدن إنسان مؤمن عن طريق التغذية - أو أيّ طريق آخر - إلى بدن كافر، وعند تعذيب الكافر في الآخرة يلزم أن يتعذب على الأقل بعض أجزاء بدن المؤمن الذي لا علاقة له بالكفر أصلاً! وهذا مصداق من مصاديق الظلم، ولا يُمكن صدور الظلم عن الله سبحانه وتعالى.

في الجواب عن الإشكال قيل أنّ المدرِك الحقيقي للذّة والألم هو الروح وليس البدن، فالبدن ليس إلا آلة لإدراك اللذات والآلام الحسيّة، فبالتالي وجود جزء من بدن المؤمن في بدن الكافر المبتلى بالعذاب، لا يُعدّ ظلماً للمؤمن، لأنّ روح الكافر هي التي تدرِك العذاب أما روح المؤمن فإنها لا تدرِك شيئاً من العذاب بسبب وجود جزء من بدنه في بدن الكافر.[٤٤]

شبهات أخرى في المعاد الجسماني

بالإضافة إلى ما ذُكر، توجد شبهات أخرى في المتون الكلامية على المعاد الجسماني، كثير منها ليست إلا مجرد استبعاد، وتفتقر حتى إلى هيئة الاستدلال المتقَن. بعض الشبهات تبتني على أصول طبيعية قديمة ثبت بطلانها في الطبيعيات الحديثة[٤٥]، ومفاد بعض الشبهات الأخرى اتضح جوابه من خلال ما ذكرناه حتى الآن[٤٦].[٤٧]

البدن الأخروي

من المسائل المهمة للمعاد الجسماني هي ماهية البدن الأخروي وعلاقته ببدن الإنسان الدنيوي، في هذا الباب يوجد اختلاف بين علماء المسلمين، وبالرغم من تبيين أهم الآراء خلال الأبحاث السابقة إلا أنه من المناسب أن نلقي نظرة مستقلة على هذا الموضوع. لتتضح الصورة بشكل أفضل، يُمكن تصنيف أهم الآراء المتعلّقة بالبدن الأخروي كما يأتي:

  1. يعتقد بعض المتكلمين أنّ بدن الإنسان يفني بعد الموت، إلا أنّ الله يوجده مرة أخرى في عالم الآخرة، هذا الرأي يبتني على جواز إعادة المعدوم ولا يرى أيّ اختلاف بين البدن الأخروي والدنيوي، بل هما عين بعضهما البعض.
  2. أما من يعتقد بأنّ بدن الإنسان يتكون من أجزاء أصلية وغير أصلية فإنّه يعتقد بعدم فناء الأجزاء الأصلية بعد الموت، ففي الآخرة يجمع الله تلك الأجزاء الأصلية لكل بدن ويخلق أجزاءً أخرى بدل تلك الأجزاء غير الأصلية التي انعدمت لتكون للبدن هيئة شبيهة بالبدن الدنيوي، هنا البدن الأخروي هو عين الدنيوي في بعض أجزائه (الأجزاء الأصلية) ومُغاير له في بعضها الآخر (الأجزاء غير الأصلية)، كما أنّ هيئته التأليفية تشبه البدن الدنيوي وليست هي عينه، حيث يكفي اتحاد الأجزاء الأصلية للقول بالعينية بين البدنين.
  3. يعتقد آخرون بعدم ضرورة إعادة نفس البدن الدنيوي في الآخرة، بل إنّ الله يخلق أبداناً جديدة تشبه الأبدان الدنيوية وترجع روح كل شخص إلى البدن المشابه إلى بدنه الدنيوي، هنا البدن الأخروي من حيث المادة يُغاير البدن الدنيوي، ويتّحد معه من حيث الصورة. وبما أنّ تشخص كل إنسان هو بنفسه، فلا يؤثّر تغاير البدن الأخروي عن البدن الدنيوي. هذا الرأي لا ينسجم مع ظواهر بعض الآيات القرآنية التي تدلّ على خروج الناس من القبور، وإن كان أصحابها يتمسكون بالآيات التي تُشير إلى خلق (مثل) الإنسان في الآخرة.
  4. ذكر بعض الفلاسفة المسلمين تصوراً مختلفاً تماماً عن البدن الأخروي، مثلاً: ملاصدرا مؤسس الحكمة المتعالية يعتقد - بناء على مبانية الفلسفية الخاصّة - أنّ البدن الأخروي ليس موجوداً مستقلاً ومنفصلاً عن روح الإنسان ينوجد بعد إعادة البدن الدنيوي المنعدم أو تجميع الأجزاء الأصلية أو خلق بدن مادي جديد، بل هو مرتبة من مراتب الروح تظهر على هيئة بدن.[٤٨]

منكرو المعاد في مواجهة تحدّيات تفنّد آراءهم

شهدت المجتمعات البشرية على مرّ العصور ظهور مرجفين وعصاة يناهضون الأنبياء والأولياء الصالحين من دون أن يتوانوا عن أيّة ذريعةٍ لمواجهتهم والتشكيك بتعاليم السماء التي جاؤوا بها لأسباب ودواعي عديدة، إذ اتّبعوا أساليب ملتويةً وطرحوا شبهاتٍ بأنماط مختلفة، ومن جملة ذلك إنكار المعاد والحياة الأخروية من الأساس أو تصوير هذه الحقيقة بشكلٍ يختلف عمّا جاءت به الأديان السماوية الأصيلة.

القرآن الكريم بدوره تصدّى لهؤلاء ودحض شبهاتهم كما أشار إلى دوافعهم وأهدافهم من وراء عنادهم ومعارضتهم حقيقة المصير المحتوم بعد مفارقة الروح للجسد الأمر الذي جعلهم أمام تحدٍّ جادٍّ لا محيص لهم منه، وفيما يأتي نذكر بعض آرائهم وشبهاتهم في رحاب آي الذكر الحكيم:

الشبهة الأولى: استحالة إحياء العظام وهي رميم

تصوّر بعض المعاندين من منكري المعاد والحياة بعد الممات استحالة جمع العظام وإعادتها إلى حالتها الأولى بعد أن تتلاشى في الأرض وتصبح رميماً.

تحليل الشبهة ونقضها

فنّد القرآن الكريم هذه الشبهة مؤكّداً على القدرة المطلقة للبارئ سبحانه الذي أنشأها النشأة الأولى، فهو الذي أوجدها من العدم؛ لذا كيف لا يمكنه أن يعيدها سيرتها الأولى بعد موتها؟! ومن البديهي أنّ الخلقة أصعب مرتبةً من إعادة تركيب الأجزاء بعد تلاشيها .

فيما يأتي نذكر الشواهد القرآنية على الموضوع:

  1. ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ[٤٩].
  2. ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلا مَّا تَشْكُرُونَ وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ كَافِرُونَ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ[٥٠].
  3. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[٥١].
  4. ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ[٥٢].
  5. ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ[٥٣].
  6. ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[٥٤].

الشبهة الثانية: إنكار المعاد من منطلق اتِّباع الهوى وحبّ الدنيا

هناك من أنكر المعاد والحياة بعد الممات من منطلق تعلّقه بالدنيا واتّباع هوى النفس وفقاً لما تمليه عليه غرائزه الحيوانية الزائلة زاعماً أنّ الملذات ينعم بها الإنسان في الحياة الدنيا فقط .

تحليل الشبهة ونقضها

لقد ذمّ الله تعالى هذا التوجه المنحرف في كتابه الكريم وفضح مآربهم النفسية من وراء طغيانهم في غيّهم وضلالهم، ومن ذلك قوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ[٥٥].

الشبهة الثالثة: إنكار المعاد من منطلق اللهث وراء المال والشهوة والمقام

لم ينفكّ بنو آدم عن السعي وراء مغريات الدنيا وملذّاتها على مرّ العصور، ذلك لأهداف ودواعي نفسانية طغت عليهم، حيث تعلّقت قلوبهم بحبّ الثروات والشهوات والمناصب السلطوية مما حجب عقولهم عن رؤية الحقيقة وجعلهم ينكرون الحياة بعد الممات زاعمين أنّ الدنيا هي المقصد والمآل للحياة.

تحليل الشبهة ونقضها

القرآن الكريم بدوره وبّخ هؤلاء وفنّد استدلالاتهم الواهية، من ذلك ما جاء في الآيات الآتية: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظَاماً أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ[٥٦].

الشبهة الرابعة: عدم حتمية المعاد

من الشبهات التي طرحها معارضو الأديان السماوية أنّ المعاد مجرد أمرٍ ظنّيٍّ وليس هناك برهان قاطع يثبت تحقّقه.

تحليل الشبهة ونقضها

هذه الشبهة في الواقع عاريةٌ عن الصواب لسببين، هما:

  1. لا يمكن نفي أمرٍ من أساسه وإنكاره من داعي عدم الاعتقاد به فقط،فعندما لا يؤمن شخص بإحدى القضايا لا يمكنه ادّعاء عدم وجودها.
  2. هناك عدد من البراهين الدامغة التي تثبت تحقّق المعاد والحياة بعد الممات، بما فيها تلك التي ذكرناها في المباحث الآنفة كبرهان الحكمة والعدل والرحمة.

وقد دحض الكتاب الحكيم هذه الشبهة في عدة آياتٍ، ومنها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ[٥٧].

الشبهة الخامسة: اشتراط الإقرار بالمعاد بتلبية طلباتٍ غير معقولةٍ

بعض المعاندين الذين أنكروا المعاد وإحياء الموتى، تشبّثوا بطلباتٍ لا مسوّغ لها كي يقرّوا بهذه العقيدة، من ذلك طلب إحياء آبائهم الموتى.

تحليل الشبهة ونقضها

تطرّق الكتاب الحكيم إلى هذه الظاهرة مؤكّداً على أنّ آياته براهين ساطعة تدلّ على حتمية البعث والحساب بعد الممات من ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ[٥٨].

الشبهة السادسة: إحياء الموتى ضربٌ من السحر

بعد أن دحضت استدلالات منكري المعاد والحياة بعد الممات، لم يجدوا بدّاً من تبرير هذا الأمر الواقع إلّا بزعم أنّه ضرب من السحر والشعوذة.

تحليل الشبهة ونقضها

هذه الشبهة أشار إليها القرآن الكريم وفنّدها في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ[٥٩].

الشبهة السابعة: استحالة جمع أعضاء البدن ومكوناته المتناثرة

قصور عقل الإنسان يقيّده بالفكر المادي البحت ويحجبه عن تلك القدرة الماورائية التي لا حدّ لها ولا نطاق، لذلك عجز بعض منكري المعاد عن تصوّر وجود هكذا قدرة عظيمة زاعمين استحالة جمع أعضاء بدن الإنسان ومكوّناته الدقيقة بعد تناثرها وتلاشيها في التراب ولا سيّما بعد أن تمضي قرون طويلة بحيث لا يبقى منها شيءٌ يذكر.

تحليل الشبهة ونقضها

الله العزيز القدير تحدّى هؤلاء وأكّد لهم في كتابه الكريم بأنّه على كلّ شيءٍ قديرٍ ولا تعزب عنه ذرّةٌ إلّا أحصاها، فهو الذي أوجدها من العدم في خلقتها الأولى، إذ قال:

  1. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ[٦٠].
  2. ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[٦١].

الشبهة الثامنة: امتزاج خلايا البدن بعد موته مع أبدان حيّة أخرى (شبهة الآكل والمأكول)

إحدى الشبهات الشائعة والمعقدة التي تشبّث بها منكرو المعاد هي شبهة (الآكل والمأكول) التي فحواها تداخل وامتزاج خلايا الكائن الحي بعد موته مع خلايا ومكوّنات كائن حىّ آخر. وتقريرها بالتفصيل كما يأتي: هناك شواهد تأريخية تدلّ على وجود أكلة لحوم البشر فضلاً عن أنّ بعض الناس حين الجفاف والجدب المدقع قد يبادرون إلى أكل لحوم بني جلدتهم ممّا يترتّب عليه حدوث تداخل وامتزاج مباشر في الخلايا المكونة لأبدانهم، ومن الممكن أن يحدث هذا الأمر بشكل غير مباشر كما لو تلاشى بدن المتوفى في التراب وامتصّته جذور النباتات التي يتغذى منها الإنسان أو الحيوان مأكول اللحم. في كلتا الحالتين المذكوريتين تنتقل خلايا بدن الميت إلى بدن الحي وتختلط معها.

على أساس ما ذكر، تساءل بعضهم قائلين: كيف ستحشر الخلايا التي انتقلت من بدن الميت إلى بدن الحي في يوم القيامة؟ فهل ستحشر في إطار بدن الآكل أو المأكول؟ وبما أنّ بني آدم سيحشرون من دون أيّ نقصٍ في هيئتهم البنيوية، فكيف يتمّ تعويض هذا النقص في الخلايا المشتركة بين البدنين، إذ لو حشرت في البدن الأول كيف يتمّ تعويضها في البدن الثاني، والعكس صحيح؟[٦٢].

تحليل الشبهة ونقضها

علماء الكلام فنّدوا هذه الشبهة بقولهم: جسم الإنسان مكوّنٌ من أجزاء أصلية وأخرى فرعية، أمّا الأصلية فهي مصونة من أيّ زيادة أو نقصانٍ ولا يمكن أن يطرأ عليها التغيير والتحوّل، في حين الفرعية من شأنها أن تتغيّر وتنتقل من بدنٍ إلى آخر.

علماء الفلسفة بدورهم تطرّقوا إلى نقض هذه الشبهة في ضمن بيانهم لحقيقة الوجود الإنساني، إذ قالوا: شخصية الإنسان متقوّمة على الروح التي هي عبارةٌ عن حقيقةٍ تتعلّق بالبدن المادي فتدبّر شؤونه ومن ثمّ تجعله تابعاً لها، لذا ليس من الممكن أن تتغيّر أو تنتقل إلى بدنٍ آخر إثر التغييرات التي تطرأ على البدن الذي تحلّ فيه، فهي واقع شخصية الإنسان الثابتة.

لقد أكّد الفلاسفة على أنّ الإنسان طوال حياته المادية يواجه تغييراتٍ جذريةً في بدنه من الناحيتين الكمية والنوعية، لكنّ روحه تبقى على حالها من دون أن يطالها أيّ تغيير ذاتيٍّ، فهي واحدة غير قابلةٍ للتقسيم ولا الزوال، وتبعاً لذلك يظلّ الإنسان بما هو إنسان، واحداً لا ثاني له.

من البديهي أنّ هذه التغييرات دنيويّة مادّية تحدث في عالم الطبيعة، لكن من الممكن أن تسري إلى عالم الآخرة بنحوٍ آخر، فقد ذكر الكتاب الحكيم أنّ الكفار المعذبين في جهنّم تصطلي جلودهم بالنار وإثر ذلك يبدلهم الله العزيز القهار جلوداً أخرى، كما في الآية المباركة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً[٦٣].

استناداً إلى ما ذكر في النقاط الثمانية نستنتج أنّ المشككين بالحياة الأخروية لم يطرحوا أية شبهةٍ حقةٍّ مدعومةٍ ببرهانٍ جليّ يمكن الاعتماد عليه لإنكار البعث بعد الممات، وإنّما ذكروا مزاعم وتخمينات منبثقة من نزعات نفسية وتصوّرات عارية عن الصحة، وكلّ ما جاؤوا به قد تمّ تفنيده في كتاب الله العزيز الذي أكّد على قدرة البارئ اللامتناهية وحقيقة الروح الإنسانية المجردة.

فضلاً عن كلّ ما ذكر، فهؤلاء حتّى وإن لجؤوا إلى بعض العلوم الإنسانية لإنكار حقيقة المعاد، إلّا أنّ أطروحاتهم لا تسمن ولا تغني من جوع، إذ لا يمكن لعلم النفس أو الاجتماع أو أيّ علم تجريبي آخر نفي حقيقة البعث والحياة بعد الممات والأكثر وهناً من ذلك ما يدّعيه أصحاب النزعات المادية البحتة من المتعطشين لملذّات الدنيا والثروات والمناصب السياسية، إذ يرفضون مبدأ المعاد من منطلق أهواء نفسية وبالاستناد إلى شبهاتٍ عقيمةٍ.

الشبهة التاسعة التناسخ

التناسخ هو اعتقاد مشتركٌ بين أتباع المذهب العرفاني الشرقي وعلماء الباراسيكولوجيا (علم النفس الغيبي) الذي شاعت فيه ظاهرة التنويم المغناطيسي.

محور الموضوع الذي يدور حوله البحث في هذه العقيدة يمكن تلخيصه في السؤالين الآتيين:

  1. هل أنّ الروح الإنسانية أو الحيوانية تتعلّق ببدنٍ واحدٍ وبعد الموت تلج في عالمٍ آخر غير الدنيا؟
  2. هل تحلّ الروح الإنسانية أو الحيوانية بعد الموت في بدن آخر لتواصل حياتها الدنيوية؟

المعتقدون بالتناسخ يذهبون إلى أنّ الروح تحلّ في بدن آخر بعد موت البدن الأول، إذ قالوا: بعد أن تفارق الروح جسد الكائن الحي إثر الموت، تنتقل إلى جسد آخر إنسانيٍّ أو حيوانيٍّ أو نباتيٍّ، بل من الممكن أن تتلبّس في أحد الجمادات؛ حيث تتوالى هذه العملية فتسري من جسدٍ إلى غيره.

تحليل الشبهة ونقضها

من البديهي أنّ هذه العقيدة تتعارض بالكامل مع حكم العقل ودلالات القرآن الكريم، فقد قال العزيز العليم: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[٦٤].

كلمة (وفاة) ومشتقّاتها في القرآن الكريم تدلّ على عودة الروح إلى الله عزّ وجلّ بعد موت البدن المادي، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ[٦٥].

هذه العقيدة باطلة أيضاً من الناحية العقلية، إذ يتّرتب عليها اجتماع روحين في بدنٍ واحدٍ، إحداهما تحلّ في البدن بعد أن يصبح وعاءً مستعدّاً لتلقّي الفيض الإلهي ولائقاً للاتّصاف بالحياة، والأخرى هي التي تنتقل إليه من بدنٍ آخر .

العقل يدرك بالبداهة استحالة حلول روحين في بدنٍ واحدٍ من منطلق مبدأ الوحدة الشخصية، وهذا الأمر مدعوم بمبدأ الحركة الجوهرية، لأنّ البدن يطوي مسيرته التكاملية على أساس هذه الحركة فيصل إلى مرحلة تجعله متصفاً بقابلية ولوج الروح فيه، ولو تعلّقت فيه روح أخرى في هذه الحالة فهذا يعني اجتماع روحين في بدنِ واحدٍ؛ وهو محالٌ[٦٦].

ولصاحب تفسير الميزان العلامة محمد حسين الطباطبائي استدلال مبسوط حول تفنيد عقيدة التناسخ، قال: «إنّ المحصل من الحس والبرهان أنّ الجوهر النباتي المادي إذا وقعت في صراط الاستكمال الحيواني، فإنّه يتحرّك إلى الحيوانية، فيتصوّر بالصورة الحيوانية، وهي صورةً مجرّدة بالتجرّد البرزخي، وحقيقتها إدراك الشيء نفسه بإدراك جزئيٍّ خياليٍّ؛ وهذه الصورة وجود كامل للجوهر النباتي وفعلية لهذه القوة تلبّس بها[٦٧] بالحركة الجوهرية، ومن المحال أن ترجع يوماً إلى الجوهر المادي فتصير إيَّاه إلّا أن تفارق مادّتها فتبقى المادة مع صورة مادّية كالحيوان تموت فيصير جسداً لا حراك به. ثمّ إنّ الصورة الحيوانية مبدأ لأفعال إدراكية تصدر عنها وأحوال علمية تترتب عليها، تنتقش النفس بكلّ واحدٍ من تلك الأحوال بصدورها منها، ولا يزال نقشٌ عن نقشٍ، وإذا تراكمت من هذه النقوش ما هي متشاكلةٌ متشابهةٌ، تحصّل نقشٌ واحدٌ وصار صورةً ثابتةً غير قابلةٍ للزوال وملكةً راسخةً؛ وهذه صورة نفسانية جديدة يمكن أن يتنوّع بها نفسٌ حيوانيٌّ فتصير حيواناً خاصّاً ذا صورةٍ خاصةٍ منوّعةٍ كصورة المكر والحقد والشهوة والوفاء والافتراس، وغير ذلك؛ وإذا لم تحصل ملكةٌ بقي النفس على مرتبتها الساذجة السابقة، كالنبات إذا وقفت عن حركتها الجوهرية بقي نباتاً ولم يخرج إلى الفعلية الحيوانية، ولو أنّ النفس البرزخية تتكامل من جهة أحوالها وأفعالها بحصول الصورة دفعةً، لانقطعت علقتها مع البدن في أوّل وجودها، لكنّها تتكامل بواسطة أفعالها الإدراكية المتعلقة بالمادّة شيئاً فشيئاً حتى تصير حيواناً خاصّاً إن عمّر العمر الطبيعي أو قدراً معتدّاً به، وإن حال بينه وبين استتمام العمر الطبيعي أو القدر المعتد به مانعٌ كالموت الاخترامي، بقي على ما كان عليه من سذاجة الحيوانية . ثمّ إنّ الحيوان إذا وقعت في صراط الإنسانية -وهي الوجود الذي يعقل ذاته تعقلاً كلياً مجرّداً عن المادة ولوازمها من المقادير والألوان وغيرهما - خرج بالحركة الجوهرية من فعلية المثال التي هي قوة العقل إلى فعلية التجرد العقلي، وتحقّقت له صورة الإنسان بالفعل، ومن المحال أن تعود هذه الفعلية إلى قوّتها التي هي التجرد المثالي على حدّ ما ذكر في الحيوان.

ثمّ إنّ لهذه الصورة أيضاً أفعالاً وأحوالاً تحصل بتراكمها التدريجي صورةٌ خاصّةٌ جديدةٌ توجب تنوّع النوعية الإنسانية على حدّ ما ذكر نظيره في النوعية الحيوانية.

إذا عرفت ما ذكرناه ظهر لك أنّا لو فرضنا إنساناً رجع بعد موته إلى الدنيا وتجدّد لنفسه التعلق بالمادة - وخاصّةً المادة التي كانت متعلّقة نفسه من قبل - لم يبطل بذلك أصل تجرّد نفسه، فقد كانت مجرّدةً قبل انقطاع العلقة ومعها أيضاً، وهي مع التعلق ثانياً حافظةٌ لتجرّدها، والذي كان لها بالموت أنّ الأداة التي كانت رابطة فعلها بالمادة صارت مفقودةً لها، فلا تقدر على فعل مادّي كالصانع إذا فقد آلات صنعته والأدوات اللازمة لها، فإذا عادت النفس إلى تعلّقها الفعلي بالمادة أخذت في استعمال قواها وأدواتها البدنية ووضعت ما اكتسبتها من الأحوال والملكات بواسطة الأفعال فوق ما كانت حاضرةً وحاصلةً لها من قبل واستكملت بها استكمالاً جديداً من غير أن يكون ذلك منه رجوعاً قهقرى وسيراً نزولياً من الكمال إلى النقص ومن الفعل إلى القوة.

فإن قلت: هذا يوجب القول بالقسر الدائم مع ضرورة بطلانه، فإنّ النفس المجردة المنقطعة عن البدن لو بقي في طباعها إمكان الاستكمال من جهة الأفعال المادية بالتعلّق بالمادّة ثانياً، كان بقاؤها على الحرمان من الكمال إلى الأبد حرماناً عمّا تستدعيه بطباعها، فما كلّ نفسٍ براجعةٍ إلى الدنيا بإعجازٍ أو خرق عادةٍ، والحرمان المستمر قسرٌ دائمٌ.

قلت: هذه النفوس التي خرجت من القوة إلى الفعل في الدنيا واتصلت إلى حدّ وماتت عندها،لا تبقى على إمكان الاستكمال اللاحق دائماً، بل يستقرّ على فعليّتها الحاضرة بعد حينٍ أو تخرج إلى الصورة العقلية المناسبة لذلك وتبقى على ذلك وتزول الإمكان المذكور بعد ذلك، فالإنسان الذي مات وله نفس ساذجةً غير أنّه فعل أفعالاً وخلط عملاً صالحاً وآخر سيّئاً، لو عاش حيناً أمكن أن يكتسب على نفسه الساذجة صورةً سعيدةً أو شقيةً؛ وكذا لو عاد بعد الموت إلى الدنيا وعاش، أمكن أن يكتسب على صورته السابقة صورةً خاصةً جديدةً، وإذا لم يعد فهو في البرزخ مثابٌ أو معذّبٌ بما كسبته من الأفعال حتى يتصوّر بصورةٍ عقليّةٍ مناسبةٍ لصورته السابقة المثالية، وعند ذلك يبطل الإمكان المذكور ويبقى إمكانات الاستكمالات العقلية، فإن عاد إلى الدنيا كالأنبياء والأولياء لو عادوا إلى الدنيا بعد موتهم، أمكن أن يحصل صورةً أخرى عقليّة من ناحية المادة والأفعال المتعلقة بها، ولو لم يعد فليس له إلّا ما كسب من الكمال والصعود في مدارجه والسير في صراطه هذا .

ومن المعلوم أنّ هذا ليس قسراً دائماً، ولو كان مجرد حرمانٍ موجودٍ عن كماله الممكن له بواسطة عمل عواملٍ وتأثير عللٍ مؤثّرةٍ قسراً دائماً، لكان أكثر حوادث هذا العالم الذي هو دار التزاحم وموطن التضاد أو جميعها قسراً دائماً، فجميع أجزاء هذا العالم الطبيعي مؤثرةٌ في الجميع، وإنّما القسر الدائم أن يجعل في غريزة نوع من الأنواع اقتضاء كمالٍ من الكمالات أو استعداد، ثمّ لا يظهر أثر ذلك دائماً إمّا لأمر في داخل ذاته أو لأمر من خارج ذاته متوجّه إلى إبطاله بحسب الغريزة، فيكون تغريز النوع المقتضي أو المستعد للكمال تغريزاً باطلاً وتجبيلاً هباءً لغواً؛ فافهم ذلك.

وكذا لو فرضنا إنساناً تغيرت صورته إلى صورة نوعٍ آخر من أنواع الحيوان كالقرد والخنزير، فإنّما هي صورةٌ على صورةٍ، فهو إنسانٌ خنزيرٌ أو إنسانٌ قردةٌ، لا إنسان بطلت إنسانيته وحلّت الصورة الخنزيرية أو القردية محلّها، فالإنسان إذا كسب صورةً من صور الملكات تصوّرت نفسه بها؛ ولا دليل على استحالة خروجها في هذه الدنيا من الكمون إلى البروز على حدّ ما ستظهر في الآخرة بعد الموت، وقد مرّ أنّ النفس الإنسانية في أوّل حدوثها على السذاجة يمكن أن تتنوّع بصورة خاصّة تخصّصها بعد الإبهام وتقيّدها بعد الإطلاق والقبول، فالممسوخ من الإنسان إنسانٌ ممسوخٌ لا أنّه ممسوخ فاقد للإنسانية هذا، ونحن نقرأ في المنشورات اليومية من أخبار المجامع العلمية بأوربا وأمريكا ما يؤخذ جواز الحياة بعد الموت وتبدّل صورة الإنسان بصورة المسخ، وإن لم نتكل في هذه المباحث على أمثال هذه الأخبار، لكن من الواجب على الباحثين من المحصلين أن لا ينسوا اليوم ما يتلونه بالأمس.

فإن قلت: فعلى هذا فلا مانع من القول بالتناسخ . قلت كلا فإنّ التناسخ - وهو تعلق النفس المستكملة بنوع كمالها بعد مفارقتها البدن ببدن آخر - محال، فإنّ هذا البدن إن كان ذا نفس استلزم التناسخ تعلّق نفسين ببدنٍ واحد، وهو وحدة الكثير وكثرة الواحد؛ وإن لم تكن ذا نفس، استلزم رجوع ما بالفعل إلى القوة، كرجوع الشيخ إلى الصبا، وكذلك يستحيل تعلّق نفس إنساني مستكملة مفارقة ببدن نباتي أو حيواني بما مرّ من البيان»[٦٨].[٦٩]

براهين إثبات المعاد

يمكن إثبات تحقّق المعاد والحياة الأخروية ببراهين عقليّة ونقليّة على حدٍ سواء، لذا ليس من الحري غضّ النظر عن الأدلة العقلية والاكتفاء بما جاء في النصوص الدينية ولا سيّما القرآن الكريم لكونه كلام الله تعالى؛ إذ من المؤكد أنّ الكتاب الحكيم يؤيد القضايا التي تثبت بالبراهين العقلية القاطعة.

ومن الجدير بالذكر هنا أنّ القرآن الكريم تضمّن عدداً من الآيات التي أثبتت تحقّق المعاد بالأدلّة العقلية، إذ أكّدت على ضرورة وجود حياةٍ آخرة تلي الحياة الدنيا وأثبتت عدم استحالة البعث والمعاد بحكم العقل والبرهان.[٧٠]:

المعاد في القرآن الكريم

كتاب الله الحكيم أعار أهميةً بالغةً لمسألة المعاد وتحدّت عنها من عدّة زوايا، وفيما يأتي نذكر جانباً منها:

ألفاظ المعاد في القرآن الكريم

كلمة (معاد) لغةً مصدر ميمي مشتقّة من جذر (عود)، وتعني الرجوع.

بعض العلماء عدّها اسم مكانٍ يدلّ على محلّ العودة، فيما ذهب آخرون إلى أنّها اسم زمانٍ يدلّ على وقت تحقّقها .

أمّا اصطلاحاً فهي تعني الانتقال من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة، بمعنى تحوّل الحياة الدنيوية إلى أخروية عن طريق عودة الحقيقة الإنسانية الدنيوية في عالم الآخرة.

هناك عدد من التعابير والمصطلحات القرآنية التي تدلّ على البعث والحياة بعد الممات، ومنها ما يأتي:

  1. قيام الساعة ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ[٧١]،
  2. إحياء الموتى ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ[٧٢]،
  3. النشر ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ[٧٣]،
  4. المعاد ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ[٧٤]،
  5. لقاء الله ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ[٧٥]،
  6. الرجوع ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ[٧٦]،
  7. يوم القيامة ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ[٧٧]،
  8. اليوم الآخر ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ[٧٨]،
  9. يوم الحساب ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ[٧٩]،
  10. يوم الدين ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[٨٠]
  11. يوم الجمع ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ[٨١]،
  12. يوم الفصل ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا[٨٢]،
  13. يوم الخروج ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ[٨٣]،
  14. اليوم الموعود ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ[٨٤]،
  15. يوم أليم ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ[٨٥]،
  16. يوم عسير ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا[٨٦]،
  17. اليوم الحق ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا[٨٧]،
  18. يوم ابتلاء السرائر ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ[٨٨]،
  19. يوم لا ريب فيه ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ[٨٩]،
  20. يوم يقال لجهنّم هل امتلأت؟ ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ[٩٠]،
  21. يوم عضّ الظالم على يديه ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا[٩١]،
  22. يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ[٩٢]
  23. يوم صيرورة الولدان شيباً ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ[٩٣]،
  24. يوم فرار المرء من كلّ ما حوله ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ[٩٤]،
  25. يوم الشر المستطير ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا[٩٥]،
  26. يوم لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ[٩٦]،
  27. يومٌ لا تملك فيه نفس لنفس شيئاً ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ[٩٧]،
  28. يوم ابيضاض وجوه واسوداد أخرى ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ[٩٨]،
  29. يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ[٩٩]،
  30. يوم تذكّر الإنسان سعيه ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى[١٠٠]،
  31. يوم إحضار كلّ عمل بدر من النفس ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا[١٠١]،
  32. يومٌ مقداره ألف سنة ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ[١٠٢]،
  33. يوم النفخ في الصور ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ[١٠٣]،
  34. يوم تبدّل الأرض والسماء ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ[١٠٤].[١٠٥]

القدرة الإلهية المطلقة

بعد إثبات أنّ الله عزّ وجلّ ذو قدرةٍ مطلقة وغير متناهية على أساس أسمائه الحسنى وصفاته الجلالية بحيث تعمّ قدرته عالم الممكنات بمادّياته ومجرّداته، بطبيعة الحال يمكن إثبات كلّ ما يترتّب على هذه العمومية من قضايا، لذا بما أنّ عالم الحشر والحياة بعد الممات جزء من عالم الممكنات فهو مشمول أيضاً بهذه القاعدة ومن ثَمَّ ليس هناك أيّ مانعٍ من تعلّق القدرة الإلهية به وتحقّقه على أرض الواقع لكون هذه القدرة المطلقة تتعلّق بجميع العوالم من دون استثناء في كلّ آنٍ ومكانٍ بما في ذلك الحياة الأخروية.

ومن الآيات التي تثبت هذه الحقيقة الثابتة قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ[١٠٦].

وفي بعض الآيات استخدم الكتاب الحكيم تعابير بسيطة لإثبات تحقّق المعاد بعد الممات، كقوله عزّ شأنه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[١٠٧].

ومن جملة الاستدلالات القرآنية على هذا الصعيد التمثيل بإحياء الأرض وازدهارها بنعمة الماء بعد جدبها وجفافها؛ فهذا الإحياء آيةٌ جليّةٌ على القدرة الإلهية المطلقة التي من شأنها إحياء كلّ شيء، وبما في ذلك إحياء الناس بعد الممات، فقد قال تعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[١٠٨].[١٠٩]

العلم الإلهي بالخلقة الأولى

العلم المطلق واللامحدود هو أحد صفات الذات الإلهية المباركة، فقد خلق الله تعالى الإنسان من العدم بمحض إرادته وعلمه، ومن المؤكد أنّ هذا الخالق المبدع من العدم له القدرة على إحياء العظام وهي رميم، فكما خلقها أوّل مرّةٍ من البديهي أنّه غير عاجز عن إعادتها من جديدٍ؛ وهو ما أكّد عليه الكتاب الكريم: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ[١١٠].[١١١]

خلقة الإنسان

لمّا كان الإنسان مستعدّاً للظهور من العدم إلى الوجود في الحياة الدنيوية في مراحل عدّة عبر التحول من ترابٍ إلى نطفةٍ ثمّ علقةٍ ثمّ مضغةٍ ثمّ عظامٍ يكتسي بلحمٍ وجلدٍ مع أحشاءٍ ومكوّناتٍ أخرى لا شعور لها، فهو بكلّ تأكيد مستعدٌّ لأن ينشأ من جديد في حياةٍ أخرويةٍ على وفق مراحل محدّدة؛ وهذه المراحل التي تكتنف الحياتين لا تحدث عبثاً، بل هي من تخطيط ربٍّ مدبّرٍ ذي قدرةٍ مطلقة لا حدّ لها، فقد جاء في الكتاب الحكيم قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ[١١٢].[١١٣]

الشواهد التأريخية

القرآن الكريم إلى جانب تأكيده على إمكانية تحقّق المعاد بعد الممات، ذكر براهين تثبت عدم استحالته، إذ اشتملت بعض آياته مضامين تدلّ على وجود هذه الحقيقة في إطار نمطين استدلاليين، أحدهما استدلالٌ تأريخيٌّ تجريبيٌّ، والآخر عقليٌّ. هناك شواهد تأريخية ساقها الكتاب الحكيم تدلّ على إمكانيّة الحياة بعد الممات، منها قصّة عزير الذي توفّي مع حماره لمدّة مئة عام، وإبراهيم الخليل الذي تضمّنت قصّه إحياء أربعةٍ من الطير، وأصحاب الكهف الذين مكثوا في الكهف مع كلبهم لأكثر من ثلاثمئة عام، وبقرة بني إسرائيل التي اعتمد عليها لإحياء أحد موتاهم الذي لقي حتفه قتلاً.

عُزير (ع)

عزير (ع) هو أحد صلحاء بني إسرائيل، وقيل إنّه كان نبياً. ذات يومٍ مرّ مع حماره على قرية مندرسة فتساءل مع نفسه عن كيفية خلقتها وخلقة الموتى بعد أن تبلى عظامهم ولا يبقى منهم شيء؛ فأماته الله سبحانه وتعالى مئة عام ثمّ أحياه وأحيا حماره وأعاد طعامه طازجاً طرياً وكأن لم يمض عليه قرنٌ من الزمن بحيث تصوّر أنّ النوم غلبه، فرأى من ربّه معجزةً أمست عبرةً لكلّ معتبرٍ، فقد قال تعالى في الذكر الحكيم: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[١١٤].

إبراهيم الخليل (ع)

ذكر القرآن الكريم قصصاً عدّة حول خليل الله إبراهيم (ع) ومن جملتها قصّة الطير، فعلى الرغم من أنّه آمن بالمعاد والحياة بعد الممات إلّا أنّه رغب بأن تترسّخ في نفسه معرفةٌ شهوديةٌ حول هذا الأمر عن طريق مشاهدة كيفية إحياء الموتى، فأمره الله تعالى بأن يأخذ أربعةً من الطير فيقطّعهنّ ثمّ يلقي كلّ قطعة على جبل ثمّ يدعوهنّ فيرجعن إليه على حالهنّ الأول بإذن الله وقدرته؛ فقد قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[١١٥].

الفتية أصحاب الكهف

قصّة أصحاب الكهف هي إحدى الشواهد القرآنية التأريخية على إمكانية إحياء الموتى، ومن ثَمَّ فهي دليل على عدم استحالة وقوع المعاد في الحياة الآخرة. صحيحٌ أنّهم ناموا في كهفهم ما يقارب ٣٠٩ سنوات، حيث جاء في الذكر الحكيم: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا[١١٦]، لكنّ النوم في الحقيقة هو سنخّ للموت، ولا سيّما هذه الرقدة التي دامت كلّ هذه الفترة المتمادية، حيث مكثوا في الكهف لأكثر من ثلاثة قرون مع كلبهم بإعجاز من الله العزيز القدير. قال تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِه ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا[١١٧].

قتيل بني إسرائيل

ذكر الله تعالى في كتابه الكريم عدداً من القصص والأحداث التأريخية حول بني إسرائيل، ومن جملتها قصّة شاب قتل ولم يُعرف قاتله، لذلك أراد سبحانه أن يريهم قدرته المطلقة وإعجازه على صعيد إحياء الموتى، فأمر نبيّهم موسى (ع) بأن يطلب منهم ذبح بقرةٍ ويضربوا القتيل ببعضٍ منها كي يعود إلى الحياة ويخبرهم عمّن قتله؛ فقد قال عزّ من قال: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ[١١٨].[١١٩]

==البراهين التجريبية على إمكانية المعاد ==٢٨٧ لقد أثبتت بعض الشواهد التجريبية في علم النفس الغيبي (الباراسيكولوجي)[١٢٠] وجود الظواهر الماورائية وأكّدت على إمكانية الحياة بعد الممات، ونكتفي هنا بذكر الموارد الآتية منها:

الوسائط الروحانية

الوسائط الروحانية[١٢١] هي إحدى الشواهد التجريبية على إمكانية تحقّق الحياة بعد الممات، فهناك أشخاص يدّعون أنّهم قادرون على الارتباط بالأرواح ونقل كلامهم إلى الأحياء؛ وهناك نوعان من هذا الارتباط، أحدهما يتمّ عن طريق القوة الذهنية والآخر عبر التنصت (استراق السمع)؛ وهو ما يعبّر عنه بإحضار الأرواح.

الوسيط الذي يقوم بالارتباط الذهني يجلس بسكينة على كرسيٍّ ويغلق عينيه، وبعد مدّةٍ يبدأ بالشخير أو إخراج أصواتٍ غير مفهومة فتكتنفه حالةٌ وكأنّه في نوم عميق لكنّه غير مستقرّ بحيث يتصوّر من يشاهده بأنّه يرى في المنام كابوساً مزعجاً. بعد دقائق عدّة يهدأ مرّةً أخرى ويبدأ بالهمس والتلفّظ بكلماتٍ بصوتٍ منخفضٍ، ثمّ شيئاً فشيئاً ينطلق لسانه ويرتفع صوته بالكلام بحيث تتغيّر حالته ونبرة صوته وتبدو في كلامه أحياناً عبارات غير متعارفةٍ عنه وكأنّ شخصاً آخر قد حلّ في بدنه.

هذه الشخصية الجديدة بإمكانها التحدث مع من حولها طوال ساعةٍ كاملةٍ أو أكثر، ومن ثمّ تبدأ بالاضمحلال تدريجياً فتطوي المراحل السابقة نفسها ليعود الوسيط إلى وضعه الطبيعي مرّةً أخرى، ولكنّه ينسى كلّ ما جرى عليه ولا يعرف كيف حدث ذلك وكأنّما رأى طيفاً في المنام فحسب ثمّ نسيه بالكامل.

هناك وسائط روحانية بإمكانها التنصت إلى الأرواح مرّاتٍ عدّة، وفي كلّ مرّةٍ تتلبّس بها نفس الشخصية الغيبية التي سيطرت عليها، وهذه الشخصية تتّصف بذات الصفات من حيث السلوك ونبرة الصوت والاسم المفترض في جميع الأحيان، ويطلق عليها (المسيطرة) لكونها تسيطر على الوسيط الذي أحضرها، وهذا الوسيط في معظم الأحيان عبارة عن جسرِ رابط بين الحاضرين في المجلس والروح التي يتمّ إحضارها[١٢٢].

إن افترضنا صدق هذه الشواهد التجريبية وأذعنّا بأنّها ليست من أفعال المحتالين والنصّابين، لكن مع ذلك يحتمل أنّها تبدر من أولئك الذين يمتلكون شخصيات مزدوجة، لذا من الطبيعي بمكان اعتبار أنّ الشخصية المسيطرة على الوسيط هي شخصيته النفسية الثانية في الحقيقة. فضلاً عن ذلك، يمكننا اعتبار بعض هذه التصرفات نمطاً من أنماط تداعي الخواطر (التخاطر)، [١٢٣] وهو بمعنى تبادل الأفكار والمشاعر، أو تعرّف شخص إلى آخر من دون استخدام أيٍّ من المدارك التقليدية المتعارفة كالسمع والبصر والشم والتذوق واللمس؛ ويسمّى أحياناً قراءة الأذهان أو قراءة الأفكار، وهذا الأمر برأي علماء النفس ممكن حسب القوانين الطبيعية لكونه عملاً غير مرتبط بإحضار الأرواح ولا صلة له بعالم الماورائيات، بل كما قلنا فهو عبارةٌ عن قراءة أفكار الآخرين[١٢٤].

تجربة الموت والعودة إلى الحياة

هناك كثير من الحالات التي يتجرع الناس فيها الموت مؤقّتاً ثمّ تنبعث في أجسادهم الحياة من جديد،[١٢٥] وهذه الظاهرة هي شاهد آخر من شواهد علم النفس الغيبي على إمكانية الحياة بعد الممات.

كثيراً ما نسمع أنّ شخصاً حلّ به الموت من الناحية الطبية، إذ يتوقّف قلبه عن الخفقان ويسكن مخّه عن النشاط الفكري، لكنّه بعد ذلك يسترجع قواه وتسري الحياة في بدنه.

بعض الذين خاضوا هذه التجربة الفريدة من نوعها ذكروا حقائق تختلف بالكامل عن الحقائق المادية التي يدركها الأحياء، ويمكن بيانها بشكل إجمالي بغضّ النظر عن التفاصيل كما يأتي:

  1. الشعور بخروج الروح من البدن.
  2. تحليق الروح في الأفق الذي يعلو البدن.
  3. سماع أصواتٍ عاليةٍ.
  4. الشعور بقوّة تدفع الروح للدخول في نفقٍ مظلمٍ.
  5. الولوج في عالمٍ نورانيٍّ.
  6. لقاء الأهل والأصدقاء الذين وافتهم المنية سابقاً.
  7. رؤية كائنٍ نورانيٍّ يدخل السرور في النفس.

بعد طيّ هذه المراحل، تشعر الروح باقترابها من الحياة الدنيوية مرّةً أخرى، فتعود إلى البدن الذي تتنشّط أعضاؤه المادية من جديد، فيخفق القلب وتجري الدماء في العروق والشرايين ويعود النشاط للمخّ ليستعيد إدراكه ومشاعره. أصحاب هذه التجربة يطرحون تفسيراً آخر للموت يختلف عمّا يتصوّره من لم يخوضها، كما أنّهم لا يخشونه بعد ذلك.

أمّا الاستدلال على إمكانية الحياة بعد الممات على أساس هذه الظاهرة الفريدة فيمكن تقريره كالآتي: الذين خاضوا هذه التجربة ذكروا أموراً منطبقةً مع بعضها رغم أنّهم من أماكن شتّى وواجهوا الموت في أزمنة مختلفة، وهذا الانطباق بذاته دليل على حقيقة خروج الروح من البدن وولوجها في عالمٍ آخر. وأكّد بعض العلماء على أنّ التجارب الإدراكية لهذا الموت المؤقت قد تحصّلت للميّت عن طريقٍ آخر يختلف عن معلوماته التي يحصل عليها بواسطة مدركاته العقلية والحسّية، وهذه الظاهرة الإدراكية تدلّ بوضوح على عدم تدخّل أيّ عضو من أعضاء البدن في تحقّقها، وبما في ذلك العقل؛ ويمكن القول إنّ الروح قد واصلت إدراكها الذاتي بعد انفصالها عن البدن؛ مما يعني بقاءها بعد زوال البدن[١٢٦]

التجارب الخارجة عن البدن (الخلع)

التجارب الخارجة عن البدن[١٢٧] يعبّر عنها في الفكر الإسلامي ب(الخلع)، وهي تضرب بجذورها في العهود السالفة حيث طرحت من قبل الفلاسفة والعلماء القدامى ومن جملتهم أفلوطين[١٢٨] وشيخ الإشراق[١٢٩].

علماء الباراسيكولوجيا وبعض العرفاء والفلاسفة يعتقدون بأنّ ما يخرج من البدن عن طريق الخلع ويواصل الحياة، هو أمر ليس مادّياً .

وتجدر الإشارة هنا إلى الشواهد التجريبية البحتة عاجزةٌ عن إثبات الحياة بعد الموت بالبرهان القاطع نظراً لعدم اكتمال مقوّماتها المعرفية، ولكن يمكن الاعتماد عليها بوصفها قرائن تفيد الظن.[١٣٠]

الأدلة العقلية لإثبات المعاد

كما ذكرنا آنفاً فالقرآن الكريم إضافةً إلى أنّه ساق شواهد تأريخيةً لإثبات المعاد وإمكانية الحياة بعد الموت، فقد استدلّ بأساليب منطقية مبرهنة على هذه الحقيقة، ومن ضمنها برهان بقاء الروح والحكمة والعدل والرحمة، وفيما يأتي نتطرّق إلى بيانها:

البرهان الأول: بقاء الروح وتجرّدها

إضافةً إلى أنّ الإنسان يمتلك جسماً مادّياً مكوّناً من أنسجة وخلايا لا تنفكّ عن التغيير والتحوّل، فهو يمتلك روحاً مجرّدةً ثابتةً لا يطرأ عليها التغيير والتحوّل، لذا فهي معيار هويته ووحدته الشخصية.

بما أنّ الروح المجردة هي الميزة الأساسية التي يتصف بها كلّ كائن غير مادّيٍّ، لذا يتمّ على أساسها تفسير واقع الحياة بعد الممات بالنسبة إلى البشر، وقد ذكر علماء الفلسفة عدداً من البراهين لإثبات تجرّد الروح وخلودها، وأحد هذه البراهين أنّ الإنسان ذا البدن المادي له حقيقةٌ باطنيةٌ يدركها بنفسه وهي التي تتمثّل في قوله (أنا) .

يتحقّق ثبوت (أنا) ويطرأ التغيير الكمي والنوعي على الأعضاء والجوارح وسائر خلايا البدن المادي من خلال التجارب الباطنية أو الخارجية، ولو افترضنا أنّ وجود الإنسان ليس سوى أعضائه المادية، فلا بدّ من افتراض أنّ وجود زيدٍ قبل سنواتٍ يختلف عن وجوده اليوم، وبالطبع سوف يكون مختلفاً في مستقبل حياته؛ في حين أنّ الواقع غير هذا التصور تماماً، فزيد هو هو منذ أن ولدته أمّه حتّى مماته رغم كلّ التغييرات البدنية التي طرأت عليه طوال فترة حياته، أي إنّ هويته الشخصية (هوهويته) تبقى بذاتها من دون أن يكتنفها أيّ تغيير، وهو يدرك بالوجدان هذا الأمر.

إذن، هذا الثبوت النفسي الشخصي دليل على وجود حقيقةٍ في ماوراء الوجود المادي، وهي ليست سوى الروح المجردة التي لا يكتنفها التغيير والتحوّل.

استدلّ صاحب كتاب (الميزان في تفسير القرآن) العلامة محمد حسين الطباطبائي على ما ذكر في إطار بحث فلسفيٍّ كما يأتي: هل النفس مجرّدة عن المادة؟ ونعني بالنفس ما يحكي عنه كلّ واحد منا بقوله (أنا)، وبتجرّدها عدم كونها أمراً مادياً ذا انقسامٍ وزمانٍ ومكانٍ.

إنّا لا نشكّ في أنّا نجد من أنفسنا مشاهدة معنى نحكي عنه ب (أنا)، ولا نشكّ أنّ كلّ إنسان هو مثلنا في هذه المشاهدة التي لا نغفل عنه حيناً من أحيان حياتنا وشعورنا، وليس هو شيئاً من أعضائنا وأجزاء بدننا التي نشعر بها بالحسّ أو بنحو من الاستدلال كأعضائنا الظاهرة المحسوسة بالحواسّ الظاهرة من البصر واللمس ونحو ذلك؛ وأعضائنا الباطنة التي عرفناها بالحسّ والتجربة.

فإنّا ربّما نغفل عن كل واحدٍ منها وعن كل مجموعٍ منها حتى عن مجموعها التام الذي نسمّيه بالبدن، ولا نغفل قطّ عن المشهود الذي نعبّر عنه (بأنا)، فهو غير البدن وغير أجزائه وأيضاً لو كان هو البدن أو شيئاً من أعضائه أو أجزائه، أو خاصّةً من الخواص الموجود فيها - وهي جميعاً مادّية ومن حكم المادة التغير التدريجي وقبول الانقسام والتجزّي - لكان مادّياً متغيّراً وقابلاً للانقسام؛ وليس كذلك، فإنّ كلّ أحدٍ إذا رجع إلى هذه المشاهدة النفسانية اللازمة لنفسه وذكر ما كان يجده من هذه المشاهدة منذ أوّل شعوره بنفسه، وجده معنى مشهوداً واحداً باقياً على حاله من غير أدنى تعدّدٍ وتغيّر، كما يجد بدنه وأجزاء بدنه والخواصّ الموجودة معها متغيّرةً متبدلةً من كلّ جهة في مادّتها وشكلها وسائر أحوالها وصورها، وكذا وجده معنىً بسيطاً غير قابل للانقسام والتجزّي، كما يجد البدن وأجزاءه وخواصه - وكلّ مادةٍ وأمرٍ مادّي كذلك فليست النفس هي البدن، ولا جزءاً من أجزائه، ولا خاصّةً من خواصّه، سواء أدركناه بشيءٍ من الحواس أو بنحو من الاستدلال، أو لم ندرك؛ فإنّها جميعاً مادّية كيفما فرضت ومن حكم المادة التغير وقبول الانقسام، والمفروض أن ليس في مشهودنا المسمى بالنفس شيء من هذه الأحكام، فليست النفس بمادّيةٍ بوجهٍ.

وأيضاً هذا الذي نشاهده نشاهده أمراً واحداً بسيطاً ليس فيه كثرة من الأجزاء ولا خليطٌ من خارج، بل هو واحدٌ صرفٌ، فكلّ إنسان يشاهد ذلك من نفسه ويري أنّه هو وليس بغيره؛ فهذا المشهود أمرٌ مستقلٌّ في نفسه لا ينطبق عليه حدّ المادة ولا يوجد فيه شيءٌ من أحكامها اللازمة، فهو جوهر مجرّد عن المادة متعلّق بالبدن نحو تعلّقٍ يوجب اتّحاداً ما له بالبدن، وهو التعلق التدبيري؛ وهو المطلوب»[١٣١].

وإليك برهان آخر على تجرّد الروح وعدم فنائها: الحالات النفسية التي تكتنف الإنسان، كالعلم والشعور والإرادة، لا تتّصف بميزاتٍ مادّيةٍ كالتقسيم والتوسّع في الحجم؛ وكذا هو الحال بالنسبة إلى الروح التي هي أساس الحالات النفسية، فهي في الحقيقة عاريةٌ عن كلّ ميزةٍ مادّيةٍ؛ لذا يكون وجودها مجرّداً عن المادة بالكامل[١٣٢].

وفيما يأتي نذكر برهاناً ثالثاً في هذا الصدد: حينما نتأمّل في باطننا فنحن نتمعّن في حقيقة الأنا، وإثر ذلك ندرك أنّها أمرٌ بسيطٌ غير قابل للتقسيم لجزئين أو أكثر؛ في حين أنّ أهمّ ميزةٍ تختصّ بها الأجسام هي قابليتها للتقسيم إلى أجزاء، بل وحتّى أجزاؤها يمكن أن تنقسم أيضاً.

إذن،الروح التي هي أخصّ الخصوصيات للبدن لا يمكن تقسيمها بوجه، وعلى هذا الأساس فهي لا بدّ من أن تكون مجرّدةً[١٣٣].

وأخيراً نسوق برهاناً رابعاً حول الموضوع وهو ما يعرف ببرهان الهواء الطلق الذي طرحه الحكيم ابن سينا في كتاب (الإشارات): لو تواجد شخصٌ في مكانٍ منعزل عن العالم الخارجي بالكامل بحيث ليس هناك ما يجذب انتباهه من الأشياء في الخارج بحيث نتصوّره وهو في وضعٍ خاصٍّ ولا يتأمّل بأيّ عضو من أعضاء بدنه المادي ولا يكتنفه شعورٌ خاص من قبيل الجوع أو العطش أو الحر أو البرد أو الألم، وفي الوقت ذاته يكون الهواء هادئاً تماماً كي لا يثير هواجسه؛ فما يدركه في هذه الحالة هو عين (أنا) فيشعر بنفسه من دون أن يلتفت إلى أيّ عضو من أعضائه أو جارحةٍ من جوارحه أي إنّ ما يدركه هنا يختلف عمّا لا يدركه. وعلى هذا الأساس نقول إنّ النفس غير البدن المادي.

وعبارة ابن سينا هي: «.... بماذا تدرك حينئذٍ وقبله وبعده ذاتك؟ وما المدرك من ذاتك؟ أترى المدرك منك أحد مشاعرك مشاهدةً أم عقلك وقوّة غير مشاعرك وما يناسبها؟ فإن كان عقلك وقوّة مشاعرك بها تدرك، أفبوسطٍ تدرك أم بغير وسط؟ ما أظنّك تفتقر في ذلك حينئذ إلى وسط، فإنّه لا وسط. فبقي أن تدرك ذاتك من غير افتقار إلى قوّةٍ أخرى وإلى وسط، فبقي أن يكون بمشاعرك أو بباطنك بلا وسط؛ ثمّ انظر»[١٣٤].

القرآن الكريم بدوره أكّد على استقرار الروح وثبوتها، وأشار إلى أنّ البدن مخلوق من تراب بحيث يبلى ويندرس في الحياة الدنيا؛ لذلك اعتبر الموت انتقالاً من عالم إلى آخر وليس فناءً للوجود.

إذن، الإنسان من وجهة نظر الكتاب الحكيم حقيقة باقية بعد فناء البدن المادي، والآيات الآتية تصرح بذلك:

  1. ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلا مَّا تَشْكُرُونَ وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ كَافِرُونَ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ[١٣٥].
  2. ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[١٣٦].
  3. ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ[١٣٧].
  4. ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ[١٣٨].

البرهان الثاني: الحكمة

من المسائل التي تمّ إثباتها في مباحث علم اللاهوت وأفعال الله تعالى، أنّ الخلقة بشكل عام ولا سيّما خلقة الإنسان ذات هدفٍ معيّنٍ؛ ولمّا كانت ذات البارئ سبحانه وتعالى عين الخير والكمال، فعالم الخلقة لابدّ من أن يكون قد أوجد على هذا الأساس بغية بلوغ هاتين الخصلتين الساميتين بصفتها غايةً للخلقة؛ ناهيك عن أنّ مقتضى الحكمة الإلهية هو بلوغ الكائنات هذه الغاية كلٌّ حسب شأنه ومنزلته.

روح الإنسان لها الاستعداد لنيل الكمال الأبدي، لكنّ هذه القابلية لا يمكن أن تتجلّى بشكلها الحقيقي في البدن المادي الكائن في عالم الطبيعة الزاخر بالتعارض والاختلاف؛ وبما أنّ الحكمة الإلهية تقتضي بلوغه الكمال، فلا بدّ من تحقّق هذا الكمال في عالمٍ آخر غير عالم المادة، ألا وهو عالم الحياة بعد الممات.

إذن، برهان الحكمة يثبت لنا أنّ العالم المادي المؤقت ليس وعاءً لتحقّق الكمال، بل العالم الأخروي المجرد الأبدي هو الذي يفسح المجال لتحقّق هذه الغاية الإلهية.

ومن الجدير بالذكر هنا أنّ الفعل الحكيم حقاًّ هو ما كانت نتيجته أكثر قيمةً منه، فبناء معملٍ إنتاجيٍّ على سبيل المثال إنّما يتمّ بالاعتماد على رؤوس الأموال والأيدي العاملة وبإشراف مهندسين مختصّين، والهدف منه بطبيعة الحال هو تحقيق نفع مادّيّ، أي إنّ نتيجة هذه الجهود أهمّ وأكثر قيمةً منها. إن كانت العائدات التي تكتسب هذا المشروع الصناعي أقلّ نسبةً من رؤوس الأموال التي أُنفقت لبنائه، فمن المؤكد أنّه عبثيٌّ ولا نفع فيه لكونه إتلافاً للمال والجهود، فهو نظير سائر الأفعال الحمقاء التي يمجّها العقل السليم ولا فرق بينه وبين الخبير الذي يطوّر جهاز الحاسوب ويزوّده بتقنيةٍ تفوق التقنية المعاصرة ومن ثمّ يحرقه ولا يبقي منه شيئاً؛ فما فائدة اختراعه إذن؟! إنّه بكلّ تأكيد ارتكب عملاً غير عقلاني.

الله الحكيم العليم خلق الكون بحكمته وعلمه وأودع في نفس أفضل خلقه الإنسان - أسراراً عظيمةً وجعل له غايةً ساميةً، لذا فهو منزّه من العبثية وليس من الصواب بمكان تصوّر أنّه خلق الكائنات كي تفنى وتنعدم، فحكمته على خلاف هذا الزعم الواهي [١٣٩].

وقد أشار القرآن الكريم إلى الحكمة من المعاد والحياة الأخروية، ومن ذلك ما تضمّنته الآيات الآتية:

  1. ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ[١٤٠].
  2. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ[١٤١].
  3. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ[١٤٢].

البرهان الثالث: العدل

يمكن تقسيم الناس من حيث الأفعال الإرادية إلى فئتين:

  1. يسخّرون حياتهم في عبادة الله تعالى وخدمة بني جلدتهم بصدقٍ وإخلاص ويمتثلون لأداء كلّ عمٍل صالحٍ، وفي الحين ذاته يجتنبون ارتكاب المعاصي والأفعال القبيحة.
  2. يسخّرون حياتهم في الملذات الدنيوية والأعمال الشيطانية ولا يتورّعون عن فعل أيّ قبيحٍ وعملٍ منكرٍ .

وكما هو معلومٌ فالحياة الدنيا ليست دار حسابٍ عادلٍ، حيث لا ينال فيها المحسنون ثواب أعمالهم ولا يطال المسيئين جزاء أفعالهم، فالإنسان في هذه الدنيا غير مستعدٍّ لأن يحاسب بعدلٍ عن جميع حركاته وسكناته، كما أنّ الدنيا نفسها ليست مقرّاً توزن فيه الأعمال؛ لذا فإنّ مقتضى العدل الإلهي في حساب الناس على ما بدر منهم لا بدّ وأن يتحقّق في الحياة الآخرة التي هي وعاءٌ مناسبٌ لإقامة العدل عبر إثابة الصالحين ومعاقبة المجرمين في كلّ ما بدر منهم طوال حياتهم الأولى.

إذن، مبدأ العدل الإلهي يثبت ضرورة وجود حياةٍ بعد الممات في عالمٍ آخر تتجلّى فيه جميع الحقائق بكلّ صورها، ولا يختلف اثنان في أنّ الله العزيز الحكيم لا يمكن وأن يظلم أحداً بتاتاً، لذا يكون مصير الإنسان في حياته الأخروية منوطاً بأعماله الدنيوية التي يؤدّيها بمحض اختياره، فهو لا يفعل الخير ولا يرتكب الشر إلّا برغبته وإرادته.

الاختيار هو السبب الأساسي الذي يجعل بعض الناس يلهثون وراء الملذات الفانية والأهواء النفسانية، وفي الحين ذاته يكون وازعاً للبعض الآخر في السيطرة على جموح النفس وشهواتها والقيام بالأعمال الصالحة التي يرتضيها الشرع والعقل لكونهم سلكوا سبيل الرحمن بمحض إرادتهم.

الذين سلكوا سبيل الشيطان بإرادتهم واختيارهم، لا يتورّعون عن فعل أيّ قبيحٍ ومنكرٍ، بل لا تأبى أنفسهم ظلم الآخرين وسلب حقوقهم، ومعظم هؤلاء عادةً ما يعيشون حياةً مرفّهةً ملؤها الفجور والمجون والقليل النادر منهم يصحو من غفلته ويتوب إلى ربّه؛ لكن أكثرهم لا ينفكّون عن الآثام والمعاصي حتّى يحلّ أجلهم دون أن يطالهم أيّ عقاب دنيويٍّ جرّاء ما ارتكبوا، وحتّى الذين يحاكمون ويعاقبون في الحياة الدنيا فإنّهم لا ينالون جزاءهم العادل مطلقاً، إذ إنّ مجرم الحرب الذي أزهق أرواح آلافٍ مؤلّفةٍ ولربّما فتك بالملايين من البشر وأحرق الحرث والنسل، لا يمكن أن ينال جزاءه العادل بمجرّد سجنه أو إعدامه.

بناءً على ما ذكر، نقول إنّ العدل الإلهي في الثواب والعقاب لا يمكن أن يتحقّق إلّا في رحاب عالم آخر غير العالم الدنيوي المادي، ذلك كي ينال كلّ إنسانٍ جزاء أعماله بالتمام والكمال، وحتى تُعوّض الحقوق الضائعة وتُشفى الصدور الغليلة[١٤٣].

وفيما يأتي نوضح البرهان بأسلوب آخر: لا شكّ في أنّ الإنسان له كمالٌ حاله حال سائر الكائنات، وكماله يعني انتقال علمه وعمله من مرحلة الاستعداد إلى الفعلية عبر تبنّيه المعتقدات الحقة وقيامه بالأعمال الصالحة؛ وهذا الامتثال للخير إنّما يتحقّق في ظلّ الفطرة السليمة التي لم تدنّسها أدران الذنوب. على هذا الأساس فالمتّقون هم أصحاب الكمال، بينما المفسدون الذين يعتنقون معتقداتٍ منحرفةً ويرتكبون قبائح الأعمال، لا يتمتّعون بروحٍ إنسانيةٍ كاملةٍ، وهذا النقص هو الذي حرمهم من الكمال المنشود.

مقتضى الكمال المذكور هو أن ينعم الإنسان بحياةٍ طيّبةٍ مطمئنّةٍ ملؤها الراحة والهناء، ومقتضى النقص المشار إليه هو أن يحرم من هذه الحياة المنعمة ويعيش في كنف حياة يشوبها شقاءٌ وعذابٌ شديدٌ.

كما هو معلوم فالحياة التي تدار شؤونها في ظلّ الأسباب والمؤثّرات المادية، تعمّ الإنسان الكامل والناقص (المؤمن والكافر) على حدٍّ سواء، إذ إنّ سمومها تفتك بالاثنين معاً ونارها تحرقهما وخيرها يعمّهما بصفتهما إنسانين؛ لذا فمن تعينه الأسباب المادية سوف ينعم بحياةٍ مرفّهةٍ لا عناء فيها، في حين أنّ نظيره الذي حُرم من القابليات المادية لأيّ سببٍ كان، تصبح حياته ضنكى ومريرة.

إذن، حتّى وإن افترضنا تنزّلاً - وفرض المحال ليس بمحال - أنّ حياة ابن آدم مقيّدةٌ بعالم المادة والدنيا فقط، فالعدل الإلهي في منح كلّ ذي حقٍّ حقّه لا يمكن أن يتحقّق فيها . وهو ما أكّد عليه العلامة محمّد حسين الطباطبائي بقوله: «ومن المعلوم أنّ هذه الحياة الدنيا التي يشتركان فيها [[[المؤمن]] والكافر] هي تحت سيطرة الأسباب والعوامل المادية ونسبتها إلى الكامل والناقص والمؤمن والكافر على السواء؛ فمن أجاد العمل ووافقته الأسباب المادية فاز بطيب العيش ومن كان على خلاف ذلك لزمه الشقاء وضنك المعيشة.

فلو كانت الحياة مقصورةً على هذه الحياة الدنيوية التي نسبتها إلى الفريقين على السواء ولم تكن هناك حياةٌ تختصّ بكلّ منهما وتناسب حاله، كان ذلك منافياً للعناية الإلهية بإيصال كلّ ذي حقٍّ حقّه وإعطاء المقتضيات ما تقتضيه. وإن شئت فقل: تسويةٌ بين الفريقين وإلغاء ما يقتضيه صلاح هذا وفساد ذلك، خلاف عدله تعالى»[١٤٤].

هناك آيات في الكتاب الحكيم يمكن اعتبارها من سنخ برهان العدل في إثبات المعاد، منها:

  1. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ[١٤٥].
  2. ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ[١٤٦].
  3. ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ[١٤٧].
  4. ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ[١٤٨].

البرهان الرابع: برهان الرحمة

الرحمة هي إحدى صفات الله سبحانه وتعالى، وحسب تعاليمنا الدينية فالمعاد هو أحد تجلّيات الرحمة الإلهية حيث ينال المحسنون فيه نعماً عظيمةً لا حصر لها.

لولا الحياة الأخروية لما تمكّن الصالحون من جني ثمار أعمالهم الصالحة التي بدرت منهم في الحياة الدنيا بإرادتهم واختيارهم، لذا إن انتفت الحياة الآخرة سوف يُقدح برحمة الله التي وسعت كلّ شيءٍ والتي هي من الصفات الكمالية؛ لذا يمكن إثبات تحقّق المعاد على أساس مقتضى الرحمة الإلهية.

وقد برهن العلامة محمد حسين الطباطبائي على هذه الحقيقة كما يأتي: قوله: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ[١٤٩] إلخ، أشير به إلى حجّتين من الحجج المستعملة في القرآن لإثبات المعاد، أمّا قوله: ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ[١٥٠] فلأنّ الجاري من سنّة الله سبحانه أنّه يفيض الوجود على ما يخلقه من شيءٍ ويمدّه من رحمته بما تتمّ له به الخلقة، فيوجد ويعيش ويتنعّم برحمة منه تعالى ما دام موجوداً حتى ينتهي إلى أجلٍ معدودٍ؛ وليس انتهاؤه إلى أجله المعدود المضروب له فناءً منه وبطلاناً للرحمة الإلهية التي كان بها وجوده وبقاؤه وسائر ما يلحق بذلك من حياةٍ وقدرةٍ وعلمٍ، ونحو ذلك، بل بقبضه تعالى ما بسطه عليه من الرحمة، فإنّ ما أفاضه الله عليه من عنده هو وجهه تعالى. ولن يهلك وجهه.

فنفاد وجود الأشياء وانتهائها إلى أجلها ليس فناءً منها وبطلاناً لها على ما نتوهّمه، بل رجوعاً وعوداً منها إلى عنده، وقد كانت نزلت من عنده، وما عند الله باقٍ، فلم يكن إلّا بسطاً ثمّ قبضاً، فالله سبحانه يبدأ الأشياء ببسط الرحمة ويعيدها إليه بقبضها، وهو المعاد الموعود.

وأما قوله«لِيَجْزِيَ الذين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالحات بِالْقِسْطِ»إلخ، فإنّ الحجة فيه أنّ العدل والقسط الإلهي - وهو من صفات فعله - يأبى أن يستوي عنده من خضع له بالإيمان به وعمل صالحاً ومن استكبر عليه وكفر به وبآياته؛ والطائفتان لا يُحسّ بينهما بفرقٍ في الدنيا، فإنّما السيطرة فيها للأسباب الكونية بحسب ما تنفع وتضرّ بإذن الله.

فلا يبقى إلّا أن يُفرّق الله بينهما بعدله بعد إرجاعها إليه، فيجزي المؤمنين المحسنين جزاءً حسناً والكفّار المسيئين جزاءً سيّئاً من جهة ما يتلذّذون به أو يتألّمون»[١٥١].

والآيتان الآتيتان من جملة الآيات التي تضمّنت برهان الرحمة لإثبات تحقّق المعاد:

  1. ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ[١٥٢].
  2. ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[١٥٣].

البرهان الخامس: الأخلاق

طرح الفيلسوف الألماني إيمانوئيل كانط نظرية مثالية الأخلاق على أساس استقلال العقل البشري وتبنّى مبدأي العينية والوظائفية، وقد ذكر أدلّة لإثبات وجود النفس وخلودها.

الأدلة التي ساقها حول مسألة خلود النفس متفرّعةٌ على الأدلة التي اعتمد عليها لإثبات وجود الله عزّ وجلّ والأدلّة التي تثبت كون الإنسان مخيّراً في أفعاله.

يعتقد هذا الفيلسوف بأنّ إرادة الخير تعدّ شرطاً ضروريّاً وكافياً لتحقّق الأخلاق المثالية، ومن هذا المنطلق فالعمل الأخلاقي هو ما كان منبثقاً من إرادة الخير من دون أن تشوبه أيّة مقاصد أخرى.

إذن، يمكن القول بأنّ إرادة الخير هي الدعامة الأساسية للنظام الأخلاقي الذي طرحه إيمانوئيل كانط، لذا يمكن اعتباره واحداً من المفكرين الذين يتّبعون النزعة البنيوية.

من المؤكد أنّ الشعور بالمسؤولية هو الذي يجعلنا نعتقد بوجوب فعل الخير والمعروف، ولكن كيف يمكننا البت بأنّ الفعل الذي يبدر منّا منبثق من شعورنا بالمسؤولية؟ إحدى مزايا العمل الناشئ من هذا الشعور السامي هي أنّه يسفر عن بلوغ السعادة المنشودة، لذا فالعلاقة بين أداء الواجب ونيل السعادة هي من سنخ العلاقات العينية الحقيقية، وهذا الامتثال بطبيعة الحال ناشئ من قانون كلّيٍّ، ومعنى ذلك أنّ الإرادة هي الأخرى لابدّ من أن تكون منبثقةً من قانون كلّيٍّ أيضاً؛ لذا ينبغي للإنسان أن يتصرّف بشكل يجعله يشعر وكأنّه هو الذي وضع القانون الأخلاقي العام.

الانطباق الكامل بين الإرادة والقانون الأخلاقي إنّما يتحقّق في رحاب العصمة الكمالية التي لا يمكن لأيّ كائنٍ عاقلٍ اكتسابها في عالم المادة ولو للحظةٍ واحدةٍ، فهي من الأمور الضرورية التي لا يمكن أن تتحقّق إلّا بسلوك غير متناهٍ في ظلّ هذا الانطباق الكامل؛ وبطبيعة الحال لا يمكن تصوّر هكذا سلوك متكامل إلّا في ظلّ شخصيةٍ غير متناهيةٍ للكائن العاقل .

القانون المشار إليه يدلّ على أنّنا نمتلك القدرة لفعل أفضل الأعمال وأكثرها خيراً بمحض اختيارنا وإرادتنا، وبالطبع فإنّ تحقّق فعلٍ من هذا القبيل مرهون باتّباعنا للمقرّرات والقوانين الأخلاقية المثالية بحذافيرها؛ وهذا ما يطلق عليه كانط بكونه عصمةً.

إذن، ما لم تتعلّق إرادتنا الشخصية بالقوانين الأخلاقية، فلا يمكننا نيل العصمة ولا الخير المحض في الحياة الآخرة، لأنّ الخير الأمثل يمكن تحصيله في الحياة الدنيا. ومن ناحية أخرى، فإنّ نفس تكليفنا بالعمل على وفق القوانين والأصول الأخلاقية بحدّ ذاته دليل على إمكانية تحقيق الخير الأمثل والتحلّي بالعصمة، ولكن لا يمكن تحصيل ذلك في الحياة الدنيا، ومن ثَمَّ لابدّ من وجود عالمٍ آخر نتمكّن فيه من تحصيلها، وهذا العالم بكلّ تأكيد لا يمكننا أن نلجه إلّا بعد الموت؛ ولمّا كان الخير الأمثل أمراً غير متناهٍ فنتيجة ذلك أنّ الحياة الأخروية خالدةٌ والإنسان فيها سينعم بالخلود أيضاً[١٥٤].

البرهان السادس: الفطرة (المحبّة الفطرية للحياة)

فحوى هذا البرهان أن النفس الإنسانية تكتنفها رغبةٌ فطريةٌ في الحياة الخالدة، وهذه الرغبة بذاتها تعدّ دليلاً على وجود حياةٍ أخرويةٍ.

ويمكن تقرير البرهان بالقول: كلّ إنسانٍ تنتابه محبّةٌ فطريةٌ عارمةٌ للحياة الخالدة حيث يشعر برسوخ هذه الرغبة الشديدة في باطنه، وفي الحين ذاته يشعر بالأسى عند التفكير بالزوال والانعدام، لذلك ينأى عن التفكير بهما.

الإنسان الذي يبادر إلى الانتحار هو في الواقع يروم الخلاص من معاناته وآلامه في الحياة الدنيا بهدف الولوج في عالمٍ يصونه من جميع أشكال المعاناة والآلام، وليس هناك فرقٌ بين علمه ببقاء روحه حيّةً بعد الموت أو عدم علمه بذلك، فلربما يتصوّر بأنّه سيتحوّل إلى كائن جامد عديم الشعور ومن ثمّ ينجو من مآسيه. إذن، هذا الشخص ليس مستاءً من الوجود بذاته بل يشعر بالضجر من مصاعب الحياة ومشاكلها المحتدمة التي أصبحت عقبةً في طريقه ومعضلةً ليس بإمكانه تخليص وجوده منها؛ وعلى هذا الأساس يمكن القول إنّ محبّة الحياة الخالدة راسخةٌ في نفسه وكأنّها هدفٌ له.

هذه المحبة لا تقتصر على عصر من العصور، وإنّما تراود الذهن البشري منذ عهده الأول وستظلّ راسخةً فيه حتّى آخر لحظة من الحياة الدنيا، وكلّنا يعلم بأنّ الحياة الدنيوية الفانية ليست وعاءً يتحقّق الخلود فيه، لذا لابدّ من أن يوجد مكان آخر يتحقّق فيه، أي إنّه مكانٌ لا معنى للزوال فيه ولا وجود للموت بين أطرافه، وهو بكلّ تأكيد عالم البعث والحساب.

ولمّا كان عالم الآخرة مفعماً بالحياة كما قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ[١٥٥]، فإِنّ محبّة الحياة الخالدة يعدّ أمراً وجودياً رابطاً بين المحب (الإنسان) والمحبوب (الحياة الخالدة)؛ ومن البديهي أنّ هذه المحبة لا يمكن أن تترسّخ في باطن الإنسان بتاتاً ما لم تكن أمراً واقعياً، ولو لم تكن موجودةً حقاً لما عُدّت واحدةً من النزعات الفطرية لدى بني آدم. ويمكننا القول بأنّ رسوخ هكذا محبّة في النفس الإنسانية قد نشأ على أساس غايةٍ ساميةٍ، وهذه الغاية بطبيعة الحال لا بدّ وأن تكون موجودةً حقاً[١٥٦].

استناداً إلى ما ذكر، فالقياس المنطقي للبرهان المذكور يتمحور حول أنّ محبّة الحياة الخالدة عبارةٌ عن أمرٍ فطريٍّ متأصّلٍ في النفس الإنسانية، لذا ليس من الممكن أن يزول إثر فناء الحياة الدنيوية؛ ومن الثابت أنّ كلّ أمرٍ فطريٍّ لابدّ من أن يكون منطبقاً مع واقعٍ خارجيٍّ لكون الفطرة أثرٌ من آثار الحكيم المتعال بحيث لا يشوبها اللغو والعبث. وكما أنّ غريزة الأكل والشرب تتعلّق في تناول ما له صلاحية أن يكون مأكولاً ومشروباً، فالمحبة الفطرية تشهد أيضاً بوجود عالم آخر له صلاحية البقاء والخلود[١٥٧].

البرهان السابع: الوفاء بالوعد

الوفاء بالوعد هو أحد البراهين التي تثبت تحقّق المعاد بعد الممات، وله مقدّمتان إحداهما قرآنية والأخرى عقليّة،هما:

المقدمة الأولى:

القرآن الكريم تضمّن عدّة آياتٍ وعد الله تعالى فيها عباده الصالحين بحسن العاقبة وتوعّد المسيئين بسوء العاقبة، ومنها الآيتان التاليتان:

  1. ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ[١٥٨].
  2. ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ- الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ[١٥٩]

المقدمة الثانية:

الله تعالى لا يمكن أن يخلف وعده أبداً، لأنّه ليس بحاجةٍ إلى ذلك، فهذا الأمر لا يحدث إلّا إثر وجود نقص فيمن يخلفه أو وجود أمر يضطرّه لذلك؛ ومن البديهي أنّه تبارك شأنه لا يكتنفه النقص ولا يمكن أن يضطرّ لفعل شيء يرغمه على مخالفة وعده .

إذن، نستنتج من هاتين المقدمتين أنّ الله عزّ وجلّ وعد المؤمنين بالثواب والكافرين بالعقاب في الحياة الآخرة، وكلّ وعدٍ يصدر منه فهو متحقّق قطعاً؛ لذا فإنّ الثواب والعقاب والجنّة والنار هي أمورٌ حتمية التحقق في عالم الآخرة، أي إنّ المعاد متحقّق لا محالة[١٦٠].[١٦١]

المراجع والمصادر

  1.   محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي
  2.   عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر

الهوامش

  1. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٣، ص ٢٦٤.
  2. سورة الكهف، الآية ١١٠.
  3. سورة الإنسان، الآية ٨-١٠.
  4. سورة يس، الآية ٢٢-٢٣.
  5. سورة المدثر، الآية ٣٨-٤٧.
  6. سورة المطففين، الآية ١-٦.
  7. سورة الماعون، الآية ١-٣.
  8. سورة القيامة، الآية ١-٦.
  9. سورة النمل، الآية ٣-٥.
  10. سورة التوبة، الآية ٤٤-٤٥.
  11. سورة البقرة، الآية ٢٤٩.
  12. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٣، ص ٢٦٥.
  13. سورة البقرة، الآية ٨.
  14. سورة النمل، الآية ٣.
  15. سورة البقرة، الآية ٥.
  16. سورة الإسراء، الآية ١٠.
  17. سورة الواقعة، الآية ١٠-١٨.
  18. سورة الواقعة، الآية ٤١-٥٠.
  19. سورة ص، الآية ٢٥-٢٦.
  20. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٣، ص ٢٥٤.
  21. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٥٤٥.
  22. صدر الدين الشيرازي، الشواهد الربوبية، ص۲۷۹.
  23. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٥٤٥-٥٤٦.
  24. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٥٤٨.
  25. ذكرت خمس نظريات أساسية في باب المعاد عند المتكلمين، للاطلاع راجع: الفخر الرازي، الأربعين في أصول الدين، ص۵۵.
  26. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٥٨٤.
  27. فاضل المقداد، إرشاد الطالبين، ص۴۰۶ - ۴۰۹.
  28. راجع: الأسفار الأربعة، ج۹، ص۱۶۵.
  29. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٥٨٥-٥٨٧.
  30. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٥٨٧.
  31. راجع: التفتازاني، شرح المقاصد، ج۵، ص۸۸؛ وصدر الدين الشيرازي، الأسفار الأربعة، ج۹، ص۱۶۵.
  32. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٥٨٧-٥٨٩.
  33. تم نقل هذا الدليل مع التلخيص والتكميل من كتاب الفخر الرازي، الأربعين في أصول الدين، ج۲، ص۷۱؛ كما ذكره ابن ميثم البحراني في قواعد المرام، ص۱۵۷. هذا الدليل ضعيف لكن تمّ ذكره للإشارة إلى أحد أدلّة المتكلمين في المسألة.
  34. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٥٨٩.
  35. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٥٨٩-٥٩٠.
  36. للاطلاع على تقرير مفصل، راجع: الفخر الرازي، الأربعين في أصول الدين، ج۲، ص۶۵ – ۶۸.
  37. براهين الحكماء على خلود النفس لا تخلو من التعقيد، راجع: ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، السابع، (ج۳، ص٢٨۵ – ۲۹۱)؛ صدر الدين الشيرازي، الأسفار الأربعة، ج۸، ص۲۸۰ – ۳۹۰.
  38. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٥٩٠-٥٩١.
  39. التفتازاني، شرح المقاصد، ج۵، ص۹۴ و۹۵.
  40. المصدر السابق، كما يعد الإمام الغزالي من أنصار هذا الرأي.
  41. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٥٩١-٥٩٢.
  42. الجرجاني، شرح المواقف، ج۸، ص۲۹۵ و۲۹۶؛ فخر الرازي، الأربعين في أصول الدين، ج۲، ص۵۸.
  43. أشار المحقق الطوسي إلى الجواب المذكور بعبارة مختصرة: "و لا يجب إعادة فواضل المكلف": العلامة الحلي، كشف المراد، ص۳۱۴؛ راجع أيضاً: فاضل المقداد، إرشاد الطالبين، ص۴۱۰؛ ابن ميثم البحراني، قواعد المرام، ص۱۴۴.
  44. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٥٩١-٥٩٥.
  45. فاضل المقداد، إرشاد الطالبين، ص۴۰۹ و۴۱۰.
  46. الفخر الرازي، الأربعين في أصول الدين، ج۲، ص۵۸ و۵۹.
  47. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٥٩٥.
  48. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٥٩٦-٥٩٧.
  49. سورة القيامة، الآية ٣-٤.
  50. سورة السجدة، الآية ٧-١١.
  51. سورة العنكبوت، الآية ١٩-٢٠.
  52. سورة ق، الآية ٤١-٤٤.
  53. سورة التغابن، الآية ٧-٩.
  54. سورة النحل، الآية ٧٧-٧٨.
  55. سورة القيامة، الآية ٥-٦.
  56. سورة المؤمنون، الآية ٣٣-٣٨.
  57. سورة الجاثية، الآية ٣٢-٣٤.
  58. سورة الجاثية، الآية ٢٤-٢٦.
  59. سورة هود، الآية ٧.
  60. سورة سبأ، الآية ٣-٤.
  61. سورة يس، الآية ٧٧-٨٢.
  62. هذه الشبهة قديمة حيث ذكرها أفلاطون وغيره من الفلاسفة المتقدمين والمتأخرين من المسلمين وغيرهم بتعابير وتقريرات مختلفة، أهمّها: لو أنّ إنساناً تغذّى على إنسان آخر وأكل جميع أعضائه، فالمحشور لا يكون إلّا أحدهما لأنّه لا تبقى للآخر أجزاء تخلق منها أعضاؤه، وعليه يطرح سؤال فحواه: البدن المحشور بأيّ الروحين سوف يتعلّق؟ فلو تعلّق بروح الآكل وكان كافراً، والمأكول مؤمناً؛ للزم عقاب المؤمن، ولو عكس الأمر للزم ثواب الكافر؛ وهو ممتنع . للاطلاع أكثر، راجع: العلّامة الحلي، تجريد الاعتقاد، ص ٤٠٦.
  63. سورة النساء، الآية ٥٦.
  64. سورة الزمر، الآية ٤٢.
  65. سورة المؤمنون، الآية ٩٩-١٠٠.
  66. صدر المتألهين،الأسفار الأربعة، ج ٩، ص ١ و٢؛ الرازي المباحث المشرقية، ج ٢ ص ٣٩٦ - ٣٩٨ .
  67. هكذا في نصّ الكتاب والمقصود أنّ فعلية هذه القوة تتحقّق عبر تلبّسها بالحركة الجوهرية.
  68. محمد حسين الطباطبائي،الميزان في تفسير القرآن، ج ١، ص ١١٧ و١١٨.
  69. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٣، ص ٣١٥-٣٣٣.
  70. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٣، ص ٢٧٨.
  71. سورة الروم، الآية ١٢.
  72. سورة الحج، الآية ٧.
  73. سورة فاطر، الآية ٩.
  74. سورة الأعراف، الآية ٢٩.
  75. سورة يونس، الآية ٤٥.
  76. سورة العنكبوت، الآية ٥٧.
  77. سورة الأنبياء، الآية ٤٧.
  78. سورة البقرة، الآية ١٧٧.
  79. سورة غافر، الآية ٢٧.
  80. سورة الفاتحة، الآية ٤.
  81. سورة التغابن، الآية ٩.
  82. سورة النبأ، الآية ١٧.
  83. سورة ق، الآية ٤٢.
  84. سورة البروج، الآية ٢.
  85. سورة هود، الآية ٢٦.
  86. سورة الفرقان، الآية ٢٦.
  87. سورة النبأ، الآية ٣٩.
  88. سورة الطارق، الآية ٩.
  89. سورة آل عمران، الآية ٩.
  90. سورة ق، الآية ٣٠.
  91. سورة الفرقان، الآية ٢٧.
  92. سورة غافر، الآية ٥٢.
  93. سورة المزمل، الآية ١.
  94. سورة عبس، الآية ٣٤.
  95. سورة الإنسان، الآية ٧.
  96. سورة البقرة، الآية ٤٨.
  97. سورة الإنفطار، الآية ١٩.
  98. سورة آل عمران، الآية ١٠٦.
  99. سورة الشعراء، الآية ٨٨.
  100. سورة النازعات، الآية ٣٥.
  101. سورة النبأ، الآية ٤٠.
  102. سورة المعارج، الآية ٤.
  103. سورة الأنعام، الآية ٧٣.
  104. سورة إبراهيم، الآية ٤٨.
  105. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٣، ص ٢٧٩.
  106. سورة الأحقاف، الآية ٣٣-٣٤.
  107. سورة الروم، الآية ٢٥-٢٧.
  108. سورة الروم، الآية ٤٨-٥٠.
  109. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٣، ص ٢٨١.
  110. سورة يس، الآية ٧٧-٧٩.
  111. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر (كتاب)|الكلام الإسلامي المعاصر، ج٣، ص ٢٨٢.
  112. سورة المؤمنون، الآية ١٠-١٦.
  113. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٣، ص ٢٨٣.
  114. سورة البقرة، الآية ٢٥٩.
  115. سورة البقرة، الآية ٢٦٠.
  116. سورة الكهف، الآية ٢٥.
  117. سورة الكهف، الآية ١٧-١٩.
  118. سورة البقرة، الآية ٧٢-٧٣.
  119. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٣، ص ٢٨٤-٢٨٧.
  120. Parapsychology.
  121. Mediumistic.
  122. للاطلاع أكثر، راجع: محمد رضا غفّاري،روح ودانش جديد (باللغة الفارسية)، ص ٣٠٧ - ٣١٠.
  123. telepathy.
  124. للاطلاع أكثر، راجع: رضا أكبري، جاودانگي (باللغة الفارسية).
  125. near - death experience.
  126. للاطلاع أكثر، راجع: جون هيك، فلسفه دين (باللغة الفارسية)، ص ٢٦٥.
  127. out of body experience.
  128. للاطلاع أكثر، راجع: أفلوطين، دوره آثار (باللغة الفارسية)، ج ١، الرسالة الثامنة، ص ٦٣٩.
  129. للاطلاع أكثر، راجع: شهاب الدين السهروردي،حكمة الإشراق، ج ٢، ص ٢١٣.
  130. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٣، ص ٢٨٧-٢٩٢.
  131. محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج ١، ص ٢١١.
  132. عبد الحسين خسروبناه،قلمرو دين (باللغة الفارسية)، ص ١٤٥.
  133. للاطلاع أكثر، راجع: محمّد تقي مصباح اليزدي، آموزش فلسفة (باللغة الفارسية)، ج ٢.
  134. للاطلاع أكثر، راجع: ابن سينا،الإشارات والتنبيهات،النمط الثالث؛ محمّد تقي مصباح اليزدي، آموزش فلسفه (باللغة الفارسية)، ج ٢.
  135. سورة السجدة، الآية ٧-١١.
  136. سورة الزمر، الآية ٤٢.
  137. سورة آل عمران، الآية ١٦٩-١٧١.
  138. سورة البقرة، الآية ١٥٤.
  139. محمّد تقي مصباح اليزدي، معارف قرآن (باللغة الفارسية)، ج ٣، ص ٤٠٩.
  140. سورة المؤمنون، الآية ١١٢-١١٥.
  141. سورة ص، الآية ٢٧.
  142. سورة الدخان، الآية ٣٨-٤١.
  143. محمّد تقي مصباح اليزدي، معارف قرآن (باللغة الفارسية)، ج ٣، ص ٤٩٣ .
  144. محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج ١٧، ص ١٠٠.
  145. سورة ص، الآية ٢٧-٢٨.
  146. سورة الجاثية، الآية ٢١-٢٢.
  147. سورة يونس، الآية ٣-٤.
  148. سورة القلم، الآية ٣٠-٣٦.
  149. سورة الأنعام، الآية ٦٠.
  150. سورة يونس، الآية ٤.
  151. محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج ١٠، ص ٤ .
  152. سورة الأنعام، الآية ١١-١٢.
  153. سورة الروم، الآية ٥٠.
  154. للاطلاع أكثر،راجع: ستيفان كورنر، فلسفه كانت (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية عزت الله فولادوند، ص ٣١٨ رضا اكبري، جاودانگي (باللغة الفارسية)، ص ٣٤٠.
  155. سورة العنكبوت، الآية ٦٤.
  156. عبد الله جوادي الآملي، تفسير موضوعي قرآن (باللغة الفارسية)، ج ٤، ص ١٥١.
  157. محسن،خرّازي،بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإمامية، ج ٢، ص ٢٧٠.
  158. سورة يونس، الآية ٤.
  159. سورة البروج، الآية ٢-١١.
  160. محسن خرّازي، بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإمامية، ج ٢، ص ٢٦٩.
  161. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٣، ص ٢٩٢-٣١٤.