آدم في نهج البلاغة
تمهيد
قال سيدُ العارفين (ع): «اخْتَارَ آدَمَ (ع) خِيَرَةً مِنْ خَلْقِهِ، وَجَعَلَهُ أَوَّلَ جِبِلَّتِهِ، وَأَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ، وَأَرْغَدَ فِيهَا أُكُلَهُ، وَأَوْعَزَ إِلَيْهِ فِيَما نَهَاهُ عَنْهُ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّ فِي الإِقْدَامِ عَلَيْهِ التَّعَرُّضَ لِمَعْصِيَتِهِ»[١].
آدم(ع) مظهر للقدرة والابتلاء
مظهر الابتلاء في خلق آدم (ع) يتمثّل في اختبار الله تعالى للملائكة (ع) ولإبليس اللعین في موضوع السجود لآدم (ع)، وكما أشير في نهج البلاغة[٢] فإن خلق آدم من تراب هو في حدِّ ذاته ابتلاء وكان بإمكان الله جلَّ وعلا أن يخلقه من مادة سامية تخضع لها الخلائق ولكن اقتضت مشيئته أن يبلوهم. كما يتجلىَّ الاختبار لذات آدم (ع) وذلك أنه نُهيَ عن شيءٍ ولكنه أتى به ثم بكى على ما صدر منه وتوسل إلى الله تعالى بكلمات خاصة فتاب عليه.[٣]
آدم(ع) المصدر لتناسل البشر
- لما هبط آدم (ع) الأرض مارس فيها الشؤون الطبيعية فكان مصدرًا لتناسل البشر.
- يقول أمير المؤمنين (ع)[٤]: «ثم بسطَ اللهُ له في توبتِه، ولقَّاه كلمةَ رحمتِه، ووعده المردَّ إلى جنته، وأهبطهُ إلى دارِ البلية، وتناسلِ الذرية».
- وقال(ع)[٥]: «وأوعَزَ إلَيهِ فيما نَهاهُ عَنهُ، وأعلَمَهُ أنَّ فِي الإِقدامِ عَلَيهِ التَّعَرُّضَ لِمَعصِيَتِهِ»: أي الإقدام على نهيٍ نهاه اللهُ عنه. «والمخاطرةَ بمنزلتِه»: وهي أنه كان مبوَّءً في جنة النعيم. «فَأَقْدَمَ عَلَى مَا نَهَاهُ عَنْهُ ـ مُوَافَاةً لِسَابِقِ عِلْمِهِ»: فالله تعالى كان يعلم أن آدم(ع) سيصدر منه ما صدر، ولكن هذا العلم ليس جبرًا لآدم (ع) أن يأتي بما أتى به، فعِلْمُ الله تعالى بسائر الأمور ليس علةً وسببًا لحدوثها بل هي تجري بمجرياتها الطبيعية وفقًا لاختيار الإنسان فيما يمارس. «فَأَهبَطَهُ بَعدَ التَّوبَةِ ؛ لِيَعمُرَ أرضَهُ بِنَسلِهِ ولِيُقيمَ الحُجَّةَ بِهِ عَلى عِبادِهِ».[٦]
مخالفة آدم(ع) لنهي الله تعالى
من جملة النقاط التي تستوقفنا المخالفة التي صدرت من آدم،(ع) والحديث هنا يقودنا إلى أحاديث متشعبة تحتاج إلى وقت طويل للإلمام بها كموضوع عصمة الأنبياء (ع) وتنزيههم وما يدور في هذا الفلك.
ومما يلاحظ هنا ما يلي:
- أنه لا يمكن أن تكون المخالفة التي صدرت من آدم (ع) بذلك المستوى من الشناعة والفظاعة، والعياذ بالله تعالى، لأنه لو كان الأمر كذلك لذهبت منزلته السامية، كيف والمهمة التي أوكلت إليه مهمة كبیرة تتعلق بهداية البشر وإعمار الأرض وتحقيق خلافة الله تعالى عليها، وهو حجة الله على عباده فكيف يرتكب الذنب الكبیر ويقبل منه العباد أن يكون واسطة بينهم وبین الله تعالى.
- يقرِّرون في الاعتقاد أن هذه المخالفة كانت مخالفةً للأَولى ولا تعني المعصية المحضة، كما أنهم يذكرون أنها كانت قبل التكليف إذ التكليف بعد أن أهبط آدم (ع) إلى الأرض، وأما في الجنة فليس هناك تكليف.
- من هنا يجب فهم الألفاظ القرآنية أو التي يذكرها المعصوم حول هذا الموضوع فهماً صحيحًا بلحاظ بعدنا عن اللغة ومداليلها ومع مراعاة تنزيه الأنبياء (ع)، فمثلاً يذكرون أن «غوى» بمعنى أنه كان تائهًا في الأرض أو اتخذ منهجًا ظنَّ أنه يوصله إلى الله تعالى ولكن ذلك لم يكن، وكذلك «نسي» يعني هذا النسيان الذي يكون الإنسان عرضةً له بطبعه أو أن النسيان بمعنى الترك.
- مما يذكر أيضًا هنا أن آدم (ع) لم يعهد أن شخصًا يحلف باللهِ كاذبًا، وقد أقسم له إبليسُ اللعین فصدقه وذلك قوله تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾[٧].
- وهي النقطة الأهم هنا، وهي ما اتفقت عليه الأدلة النقلية من وجوب عصمة الأنبياء على نبينا وآله وعليهم الصلاة والسلام، وكيف يجوز أن قرآنًا يتلى آناء الليل وأطراف النهار يسجل ويصرح بارتكاب الأنبياء (ع) للذنوب الكبیرة؟ وكيف يتم الهدف من إرسالهم ويخضع لهم الناس وقد أرسلهم اللهُ تعالى لهداية الناس وفضَّلهم وتفضَّل عليهم وهم المقرَّبون المصطفَون؟! لا شكَّ أن ذلك خلاف للحكمة واللطف الإلهيین.[٨]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٩١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٥٣-١٥٤.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٩١.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٥١-١٥٣.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ٢١.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٥٣-١٥٤.