الإباء في نهج البلاغة

التعريف

الإباء: الأنفة، والكِبْر، والامتناع عن الشيء بشدّة، وكراهيةً له؛ من قولك: أبَى فلان يأبى: امتنع، ونقيضه: أجاب، وأبى الشيءَ يَأباهُ إباءً وإباءةً: كَرِهَهُ[١]. وقيل: لم يرضَهُ، وفي حديث: «كُلُّكم في الجنّة إلّامن أبى وشَرَد»[٢].

أي إلّامَن ترك طاعَةَ الله التي يَسْتَوجِبُ بها الجنّة؛ لأنّ من ترك التسبب إلى شيء لا يُوجَد بغيره فقد أباه، والإباءُ أشدّ الامتناع[٣].

وقد جاء بمعنى ترك الطاعة والميل إلى المعصية في قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبَ وَأَبَى[٤].

ورجل أبِيٌ من أَبِيِّينَ: ذو إباءٍ شديد إذا كان ممتنعاً، وفي «الأساس»: هو أبيّ الضيم وآبي الضيم: له نفس أبيّة[٥].

وقال الطبرسي: وليس الإباء بمعنى الكراهة؛ لأنّ العرب تتمدّح بأ نّها تأبى الضيم، ولا مدح في كراهية الضيم، وإنّما المدح في الامتناع منه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا[٦] صوّر عدم استعداد السماوات والأرض الفطري لحمل الأمانة بصورة الممتنع عن حملها - إشفاقاً وخوفاً من عدم الوفاء بها - على سبيل الاستعارة التمثيلية. والمراد بقوله تعالى: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ[٧]، أنّه يمنع الكافرين من إطفاء نوره[٨].

وقال الزمخشري: أجْرَى «أبى» مُجْرى «لَمْ يُرِد» ألا ترى كيف قوبل: «يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا» بقوله: «وَ يَأبَى اللهُ» أو أُوقع موقع: ولا يريد الله إلّاأن يتمّ نوره؟![٩].

ولكن الإباء يفيد معنى زائداً على عدم الإرادة؛ وهو المنع والامتناع، والمعنى: لا يريد ولا يرضى إلّاأن يتمّ نوره بإعلاء التوحيد وإعزاز الإسلام.

وقال الزجاج في «معاني القرآن»: إنّ المستثنى منه محذوف، تقديره: «وَ يَأْبَى»، - أي ويكره - كلّ شيء «إلَّاأنْ يُتِمَّ نُورَهُ».

وقد جمع أبو البقاء بين مذهب الزجّاج ومذهب غيره؛ فجعلهما مذهباً واحداً، فقال: «يَأْبَى» بمعنى يَكْره، ويكره بمعنى يمنع، فلذلك استثني لما فيه من معنى النفي، والتقدير: يأبى كُلَّ شيء إلّاإتمام نوره؛ أي يعلي دينه، ويظهر كلمته، ويتمّ الحقّ الذي بعث به محمّداً(ص) ولو كره الكافرون.

وقيل: إباء الله قضاؤهُ أن لا يكون الأمر، أو عدم قضائه أن يكون.

وقيل أيضاً: أبى إلّاكذا: لم يرضَ شيئاً غيره[١٠].

من كلامه(ع) في وصف الموت: «كَمْ أَطْرَدْتُ الْأَيَّامَ أَبْحَثُهَا عَنْ مَكْنُونِ هذَا الْأَمْرِ، ف‍أَبَى اللهُ إِلَّا إِخْفَاءَهُ»[١١].

أي أنّ الله قضى وقدّر أن لا تدري نفس بأيّ مكان أو زمان تموت.

ومن حديثه(ع) عن رسول الله(ص): «عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَ‍أبَى أنْ يَقْبَلَهَا»[١٢].

امتنع عن قبولها.

ومن حديثه(ع) عن أُصول الخلافة: «أيُّها الناسُ، إنَّ أحَقَّ الناسِ بهذا الأمْرِ أقواهُم عليهِ، واعلَمُهُم (وَأَعْمَلُهُمْ) بأمْرِ اللهِ فيه، فإنْ شَغَبَ شاغِبُ اسْتُعْتِبَ، فإنْ أبى قُوتِلَ»[١٣].

أي رفض، والمعنى: أنّه عندما يهيّج أحدهم الشرّ يطلب منه الرجوع إلى الحقّ من خلال الكلام أوّلاً، ثمّ القتال ثانياً.

ومن وصيّته(ع) للإمام الحسن(ع): «فَإِنْ أَبَتْ نَفْسُكَ أَنْ تَقْبَلَ ذلِكَ دُونَ أَنْ تَعْلَمَ - كَمَا عَلِمُوا - فَلْيَكُنْ طَلَبُكَ ذلِكَ بَتَفَهُّمٍ وَتَعَلُّمٍ»[١٤].

أي فإنْ كرهت التقليد المحض، وأحببت أن تسلك مسلكهم في النظر، فينبغي أن تنظر وأنت خالٍ من الشبهة، طالب للحقّ، غير قاصد إلى الجدل والمراء.

ومن حديثه(ع) عن الناكثين: «فَإِنْ أَبَوْا أَعْطَيْتُهُمْ حَدَّ السَّيْفِ، وَكَفَى بِهِ شَافِياً مِنَ الْبَاطِلِ»[١٥].

أي أصرّوا على العصيان وعدم الطاعة. جعل الباطل مرضاً يصيب النفوس المعاندة، كما جعل السيف الشافي لها مشدّداً بقوله: (وكفى به) على تمكّنه من ازالة علل الضلال[١٦].

ومن كتابه(ع) لأهل مصر: «فَلَوْلَا ذلِكَ مَا أَكْثَرْتُ تَأْلِيبَكُمْ وَتَأْنِيبَكُمْ، وَجَمْعَكُمْ وَتَحْرِيضَكُمْ، وَلَتَرَكْتُكُمْ إِذْ أَبَيْتُمْ وَوَنَيْتُمْ»[١٧].

أي امتَنَعتُم أو ضَعُفْتم وفَتَرْتُم، وأبْطأتُم عن إجابتي.

وفي «تَأْلِيبَكُمْ» و«وَتَأْنِيبَكُمْ» وفي «أَبَيْتُمْ» و«وَنَيْتُمْ» سجع متلاحق جيء به تعبيراً عن تأكيد الفكرة؛ لبلوغ غاية المعنى.

ومن كلامه(ع) في التحكيم: «وللهِ، لَئِنْ أَبَيْتُها ما وَجَبَتْ عَليَّ فَرِيضَتُها»[١٨].

أي لا يجب على أحد قبول الحكومة، أو رفضها، بل يجوز له أن يقبلها ثمّ يردها، وبالعكس؛ حسبما يقتضيه واقع الحال؛ والمعنى: أنّي خالفت بشدّة خدعة التحكيم منذ البداية؛ لكي لا أتحمّل تبعاتها، ولا يلحقني وزرها؛ لأنّها أدّت إلى تقوية الباطل، وعلى تقدير امتناعي عن الحكومة فهي لم تكن واجبة حتّى يجب عليّ فريضتها؛ أي الأحكام الواجبة بسببها والمترتّبة عليها، وما كنت مذنباً بترك الواجب، وعلى تقدير إقدامي عليها لم تكن محرّمة حتّى تكونوا - باتباعكم إيّاي في الإقدام عليها - مرتكبين للحرام؛ فإنّي أنا المحقّ الذي أحقّ أن يتبع ويقتدى به، وإنّ كتاب الله سبحانه لمعي لفظاً ومعنىً؛ لا أُفارقه، ولا يفارقني، فلا أُقدم على أمر مخالف للقرآن يوجب العصيان[١٩].

وبين «أَبَيْتُها» و«فَرِيضَتُها» سجع متوازٍ، وهو أبلغ ردّ لما ادعوه، وأقوى نفي لما انتحلوه.

ومن حديث له(ع) قاله عندما تمّت خدعة عمرو بن العاص لأبي موسى الأشعري: «فأبَيْتُم عَليَّ إباءَ المخالفينَ الجُفاةِ، والمنابِذينَ العُصاةِ، حتّى ارتابَ الناصِحُ بِنُصْحِهِ، وضَنَّ الزَّنْدُ بِقَدْحِهِ»[٢٠].

أي أبيتم عليَّ إباء من خالف الحقّ، وكأنّه لشدّة إجماعهم على الخلاف طرأ الشكّ في ذهن الناصح أنّ نصحه لم يكن على صواب، وأراد الإمام(ع) به المبالغة، لا وقوع الارتياب؛ لأنه منزّه عن أن يشكّ في رأيه الصائب، وهو القائل: «مَا شَكَكْتُ في الْحَقِّ مُذْ اُرِيتُهُ»[٢١].

وبين «نُصْحِهِ» و«قَدْحِهِ» سجع متوازٍ، وإنما حسن هنا السجع لتساوي الفقرتين في الطول، وخلّوه من التكلّف.[٢٢]

المراجع والمصادر

  1.   السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ، ج۱

الهوامش

  1. لسان العرب، مادّة: (أ ب ى)؛ تاج العروس، مادّة: (أ ب ي)؛ الكلّيات، ج١، ص١٩.
  2. فتح الباري، ج١٣، ص٢٤٩؛ باب الاعتصام بالسنّة، وأحمد في المسند، ج٢، ص٣٦١؛ المفردات، الراغب، ص٥٨؛ عمدة الحفّاظ، ج١، ص٥٣.
  3. النهاية في غريب الحديث والأثر، ج١، ص٢٠.
  4. سورة طه، الآية ٥٦.
  5. أساس البلاغة، مادّة: (أبى).
  6. سورة الأحزاب، الآية ٧٢.
  7. سورة التوبة، الآية ٣٢.
  8. مجمع البيان، ج١، ص١٨٧؛ في تفسير آية ٣٤ من سورة البقرة.
  9. الكشاف، ج٢، ص٢٥٧.
  10. المعجم الكبير، ج١، ص٦٦.
  11. نهج البلاغة، الخطبة ١٤٩.
  12. نهج البلاغة، الخطبة ١٦٠.
  13. نهج البلاغة، الخطبة ١٧٣.
  14. نهج البلاغة، الكتاب ٣١.
  15. نهج البلاغة، الخطبة ٢٢.
  16. التصوير الفني في خطب الامام علي(ع)، ص١٢٢.
  17. نهج البلاغة، الكتاب ٦٢.
  18. نهج البلاغة، الخطبة ١٢٢.
  19. منهاج البراعة، ج٨، ص١٤٥.
  20. نهج البلاغة، الخطبة ٣٥.
  21. نهج البلاغة، الخطبة ٤.
  22. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ، ج۱، ص ٣٦-٣٩.