البدء في نهج البلاغة

من إمامةبيديا

التمهيد

«البَدءُ»: الأول من كل شيء، أو أول الحال، أو الابتداء، وفي القاموس: بَدَأ به - كمَنَعَ - ابتدأَ، وبدأ الشيءَ: فَعَلَهُ ابتداءً، كأبدأه، وابتدأَهُ، ومنه قولهم: أفعَلهُ بادِيَ بَدءٍ؛ أي أول شيء، ويقال: رجع عَوده على بَدئه: إذا رجع في الطريق الذي جاء منه، وفلان فَعَلَ الأمرَ عَوداً وبَدءاً، وعَوداً على بَدٍء، وفي عودِه وبَدئِه مَرَّةً بعد أُخرى[١].

والبَدء: الافتتاح من كل عمل، والمقتبل والمفتتح، والنشأة، ويطلق على السيد الأول في السيادة ويليه الثنيان، وكذلك على الشاب العاقل أو المستجاد الرأي. ويقال: بدأ الشيء بدء: حَدَثَ أولاً، وبَدأ الشيءَ: افتتحه، أو فعله أولا وقبل غيره، أو فضله. وبدأ فلان بالشيء: قدمه على غيره، وجعله أول الأشياء، وبَدَأ اللهُ الخلق وأبدأهم: خلقهم، أو أنشأهم وأوجدهم، وبدأ يفعل كذا: شرع يفعله[٢].

قال تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ[٣] . أي افتتح وفعل أولا، أي بدأ يوسف(ع) في التفتيش بأوعيتهم لإزالة التهمة.

وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ[٤] .

ينشئ ويخلق. وقال تعالى: ﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ[٥] . أي قاتلوكم أولاً.

وأما قوله تعالى: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ[٦] .

فإنه استفهام إنكاري، وهو كناية عن أن الباطل لا أثر له أمام الحق[٧]. وقرئ «يَبدأ» من «بَدأ» ثلاثياً، وقرئ «يُبدي» من «أبدأ» وزن «أفعل» وهو بمعنى «فَعَلَ» الثلاثي.

وقال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ[٨] . أي كما أنشأكم الله ترجعون إليه بعد موتكم أحياءً.

وعن أمير المؤمنين(ع) في النهاية قوله: والله، لقد سمعته(ص) يقول: «لَيَضْرِبَنَّكُمُ اَلْأَعَاجِمُ عَلَى اَلدِّينِ عَوْداً، كَمَا ضَرَبْتُمُوهُمْ عَلَيْهِ بَدْءاً» أي أولاً، يعني العجم والموالي.

من وصفه(ع) لمراحل خلق الإنسان: «أَيُّهَا الْمَخْلُوقُ السَّوِيُّ وَ الْمَنْشَأُ الْمَرْعِيُّ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْحَامِ وَ مُضَاعَفَاتِ الْأَسْتَارِ، بُدِئْتَ‏ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ‏ وَ وُضِعْتَ‏ فِي‏ قَرارٍ مَكِينٍ‏»[٩].

«سُلالَةٍ»: ما سُلّ من غيره، أو خلاصة الشيء الذي ينسل، وتطلق على النطفة، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ[١٠] . و«بُدِئْتَ‏ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ‏»: أي أُنشئت من خلاصة الطين.

ومن حثه(ع) على التقوى: «لَمْ تَبْرَحْ عَارِضَةً نَفْسَهَا عَلَى الْأُمَمِ الْمَاضِينَ مِنْكُمْ وَ الْغَابِرِينَ لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا غَداً إِذَا أَعَادَ اللَّهُ مَا أَبْدَى وَ أَخَذَ مَا أَعْطَى وَ سَأَلَ عَمَّا أَسْدَى فَمَا أَقَلَ‏ مَنْ‏ قَبِلَهَا وَ حَمَلَهَا حَقَّ حَمْلِهَا»[١١].

«لَمْ تَبْرَحْ»: أي لم تزل التقوى تعرض نفسها على الأمم، ويقول لسان حالها: ارغبوا في مصاحبتي، واحتملوا المشاق في منادمتي، فما أحوجكم إلي غدا في الآخرة، وفي موقف العرض، وعند الفزع الأكبر! فلا دافع له سواي. و«أبدَى»: أعاد الله تعالى الناس الذين خلقهم أولاً في دار الدنيا.

وبين: «أبدَى» و«أعطَى» و«أسدَى» سجع متناغم؛ لبيان أن ما أبداه الله تعالى - من إيجاد الخلق، وما أعطاهم من نعمة التكليف، والإمهال في الدنيا، والإعداد لزاد المعاد، والتمكين من سلوك التقوى، إضافة إلى إسداء معروفه، ومنحهم عطاياه- كالقرينة المخرجة لغد عن حقيقته إلى مجازه؛ وهو يوم القيامة، وتعيين له بأنه الوقت الذي يعيد الله فيه ما كان أبداه من الخلق، ويأخذ فيه ما كان أعطاهم من الوجود الدنيوي فيقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ[١٢].

وجواب «إِذَا أَعَادَ اللَّهُ» قوله: «فَمَا أَقَلَ‏ مَنْ‏ قَبِلَهَا» أي ما أقل من كان قبل التقوى في الدنيا إذا أعاد الخلق وكان كذا وكذا! فانقطعوا عن علائق الدنيا، وأقبلوا على التقوى؛ فإن التقوى هي التي تدفع العذاب، وترفعُ العقاب.

وقال(ع) في تنزيه الله تعالى وتقديسه: «وَ لاَ يَجْرِي عَلَيْهِ اَلسُّكُونُ وَ اَلْحَرَكَةُ وَ كَيْفَ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا هُوَ أَجْرَاهُ وَ يَعُودُ فِيهِ مَا هُوَ أَبْدَاهُ؟!»[١٣]. أي الشيء الذي أوجده وأظهره تعالى.

ومنه قوله(ع): «لَمْ يَؤُدْهُ خَلْقُ مَا اِبْتَدَأَ وَ لاَ تَدْبِيرُ مَا ذَرَأَ»[١٤]. أي ما بدأه؛ أي فعله وأنشأه، و«ما ذرأ»: ما خلق؛ أي أن تدبير أمور المخلوقين لا يثقل عليه سبحانه.

ومن وصيته(ع) بتقوى الله: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى‏ اللَّهِ‏ الَّذِي‏ ابْتَدَأَ خَلْقَكُمْ‏ وَ إِلَيْهِ يَكُونُ مَعَادُكُمْ»[١٥]. أي أنشأكم.

ومن حديثه(ع) الا عن وجوب ابتداء العالم بتعليم نفسه وتهذيبها قبل غيره: «مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمَاماً فَلْيَبْدَأْ بِتَعْلِيمِ نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِهِ»[١٦]. أي فليشرع.

ومن نهيه(ع) أصحابه عن ابتداء القتال: «لاَ تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَبْدَءُوكُمْ فَإِنَّكُمْ بِحَمْدِ اَللَّهِ عَلَى حُجَّةٍ وَ تَرْكُكُمْ إِيَّاهُمْ حَتَّى يبدءوكم حُجَّةٌ أُخْرَى لَكُمْ عَلَيْهِمْ»[١٧]. أي يسبقوكم بالاعتداء.

ومن بيانه(ع) لكيفية تربية الإمام الحسن(ع): «وَ أَنْ‏ أَبْتَدِئَكَ‏ بِتَعْلِيمِ‏ كِتَابِ‏ اللَّهِ‏ عَزَّ وَ جَلَّ وَ تَأْوِيلِهِ وَ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَ أَحْكَامِهِ»[١٨]. أي تأخذ وتشرع.

ومن تحذيره(ع) العرب عما يقع بعده: «ثُمَّ إِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ أَغْرَاضُ بَلَايَا قَدِ اقْتَرَبَتْ فَاتَّقُوا سَكَرَاتِ النِّعْمَةِ وَ احْذَرُوا بَوَائِقَ النِّقْمَةِ وَ تَثَبَّتُوا فِي قَتَامِ الْعِشْوَةِ وَ اعْوِجَاجِ‏ الْفِتْنَةِ عِنْدَ طُلُوعِ‏ جَنِينِهَا وَ ظُهُورِ كَمِينِهَا وَ انْتِصَابِ قُطْبِهَا وَ مَدَارِ رَحَاهَا تَبْدَأُ فِي مَدَارِجَ خَفِيَّةٍ وَ تَئُولُ إِلَى فَظَاعَةٍ جَلِيَّةٍ»[١٩].

«أَغْرَاضُ بَلَايَا»: أي أنكم - معشر العرب - ستكونون أهدافا للمصائب تصوب سهامها نحوكم، فاستعار لفظ الغرض لهم. «فَاتَّقُوا سَكَرَاتِ النِّعْمَةِ» لأن تتابع النعم ينسي الآخرة ويلهي عنها، فحذرهم من زوالها، فاستعار لفظ «السكرات» للغفلات.

«بَوَائِقَ»: جمع بائقة؛ وهي الداهية.

«قَتَامِ»: الغبار، استعير لما يعرض من الشبهة، وأراد بها فتنة بني أمية.

«الْعِشْوَةِ»: ركوب الأمر على غير بيان ووضوح، استعار لفظ القتام لذلك.

كما استعار لفظ «جَنِينِهَا» لصغير ما يبدو منها، وكمينها لمستورها.

واستعار لفظ القطب لصاحب الفتنة الداعي فيها، وكنى بانتصابه عن قيامه فيها.

واستعار «مَدَارِ رَحَاهَا» عن قائد الفتنة الذي يجتمع عليه أنصاره الذين تدور عليهم الفتنة.

«مَدَارِجَ خَفِيَّةٍ»: صدور من ينوي القيام فيها، التي تحدث وتحصل في تحرك خفي، وتنتهي إلى شناعة واضحة غير مخفية.

إن الصور الخيالية المنثورة في النص ساعدت في إبراز المعاني وجلائها، وأكسبتها قوة وتأثيرا، إضافة إلى الألفاظ المسجوعة التي تدل على معان حسية تناسبت مع قوة التصوير، وتلاحق صور الطباق التي تجسد وحدة الموقف وتسامي الفكرة التي قلما تدرك لإيجازها وبلاغتها.

ومن وصيته(ع) في الاستعانة بالله تعالى: «وَ ابْدَأْ قَبْلَ نَظَرِكَ فِي‏ ذَلِكَ‏ بِالاسْتِعَانَةِ بِإِلَهِكَ‏ عَلَيْهِ وَ الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ فِي تَوْفِيقِكَ»[٢٠].

لأنّ أهمّ ما يلزم طالب العلم وغيره هو أن يطلب من المولى جل شأنه أن يعينه ويسدده، ويجعل علمه وعمله خالصاً لوجهه الكريم[٢١].

ومن حثه(ع) على تقديم الصلاة على النبي(ص) في طلب الحاجة: «إِذَا كَانَتْ لَكَ حَاجَةٌ فَابْدَأْ بِمَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ وَ آلِهِ ثُمَّ سَلْ حَاجَتَكَ فَإِنَّ‏ اللَّهَ‏ أَكْرَمُ‏ مِنْ‏ أَنْ‏ يُسْأَلَ‏ حَاجَتَيْنِ‏ فَيَقْضِيَ إِحْدَاهُمَا وَ يَمْنَعَ الْأُخْرَى»[٢٢]

فالأولى قطعاً مستجابة لكرامة الرسول وآله(ص) على الله تعالى، والثانية كذلك.

ومن بيانه(ع) لما جرى بينه وبين أهل صفين: «وَ كَانَ بَدْءُ أَمْرِنَا أَنَّا الْتَقَيْنَا وَ الْقَوْمُ‏ مِنْ‏ أَهْلِ‏ الشَّامِ وَ الظَّاهِرُ أَنَّ رَبَّنَا وَاحِدٌ»[٢٣].

«بَدْءُ أَمْرِنَا»: ابتداء الحرب.

ومن تحذيره(ع) من الفتن: «إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الْفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ، وَ أَحْكَامٌ تُبْتَدَعُ، يُخَالَفُ‏ فِيهَا كِتَابُ‏ اللَّهِ»[٢٤].

إشارة إلى ما وقع بين المسلمين من الاختلاف بعد وفاة رسول الله(ص) وأُسلوب القصر بطريق «إِنَّمَا» للإفراد على تنزيل المخاطبين منزلة المعتقدين أن مبدأه كما يكون بهذا يكون بغيره، و«يُخَالَفُ» جاء به للتأكيد وزيادة التوضيح.

وبين «تُتَّبَعُ» و«تُبْتَدَعُ» جناس وسجع متواز؛ لبيان أن سبب هيجان الفتن هو اتباع آراء الغواة، وابتداع الفرق الضالة وأحكامها.

وقال(ع) في تذمره من أهل الكوفة: «وَ دَعَوْتُهُمْ‏ سِرّاً وَ جَهْراً وَ عَوْداً وَ بَدْءاً فَمِنْهُمُ الْآتِي كَارِهاً وَ مِنْهُمُ الْمُعْتَلُّ كَاذِباً وَ مِنْهُمُ الْقَاعِدُ خَاذِلًا أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ لِي مِنْهُمْ فَرَجاً عَاجِلًا فَوَاللَّهِ لَوْ لَا طَمَعِي عِنْدَ لِقَائِي عَدُوِّي فِي الشَّهَادَةِ وَ تَوْطِينِي نَفْسِي عَلَى الْمَنِيَّةِ لَأَحْبَبْتُ أَلَّا [أَبْقَى‏] أَلْقَى مَعَ هَؤُلَاءِ يَوْماً وَاحِداً وَ لَا أَلْتَقِيَ بِهِمْ أَبَداً»[٢٥].

الألفاظ والتراكيب تمتاز بما منحها الإمام(ع) من نفسه وما أضفى عليها من القوة وشدة التأثير؛ بحيث تبدو نبراته نابعة من صميم قلبه، لتجسد حالة الضعف والانهيار المتمثل بأصحابه.[٢٦]

المراجع والمصادر

  1. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج۲

الهوامش

  1. المعجم الكبير، ج٢، ص١١٧.
  2. ينظر: لسان العرب، ج٢، ص٣١-٣٢، مادة: «بدأ».
  3. سورة يوسف: ٧٦.
  4. سورة الروم: ٢٧.
  5. سورة التوبة: ١٣.
  6. سورة سبأ: ٤٩.
  7. معجم ألفاظ القرآن الكريم، ج١، ص٨٢.
  8. سورة الأعراف: ٢٩.
  9. نهج البلاغة، الخطبة ١٦٣.
  10. سورة السجدة: ٨.
  11. نهج البلاغة، الخطبة ١٩١.
  12. سورة غافر: ١٦.
  13. نهج البلاغة، الخطبة ١٨٦.
  14. نهج البلاغة، الخطبة ٦٥. وآده الأمر: أثقله وأجهده.
  15. نهج البلاغة، الخطبة ١٩٨.
  16. نهج البلاغة، قصار الحكم ٧٣.
  17. نهج البلاغة، الكتاب ١٤.
  18. نهج البلاغة، الكتاب ٣١.
  19. نهج البلاغة، الخطبة ١٥١.
  20. نهج البلاغة، الكتاب ٣١.
  21. شرح النهج، دخيل، ص٥١١.
  22. نهج البلاغة، قصار الحكم ٣٦١.
  23. نهج البلاغة، الكتاب ٥٨.
  24. نهج البلاغة، الخطبة ٥٠.
  25. نهج البلاغة، الكتاب ٣٥.
  26. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة، ج٢، ص ٥٠-٥٦.