البسط في نهج البلاغة
تمهيد
«البَسط»: الاتساع في الشيء، والانتشار والسرور، وأصله الإطلاق والإرسال، نقيض القبض الذي أصله: الشد والتماسك وضم الشيء إلى شيء آخر وجمعه. يقال: بَسَطَ الشيء يَبسُطُهُ بَسطاً: نَشَرَهُ، أو مدَّه، فهو باسِط، واسم المفعول: مبسوط، ومؤنثه: مبسوطة. ويقال: بَسَطَ ذراعَهُ أو يده: فَرشها، وبَسَطَ كفه: نَشَرَ أصابعها. وبَسَطَ الله الرزق لعباده: كَثَّرَهُ ووسَّعَهُ، وبَسَطَ يده في الإنفاق: جاوز القَصد، وبَسَطَ يده في العطاء: توسَّعَ فيه.
وبَسطُ اليد: مدها طلباً لشيء، وتارة يستعمل للصولة والضرب، وأخرى يستعمل في مدها للبذل والإعطاء[١]. ويقال: بَسط فلان يده بما يحب ويكره. وبسط نفوذه: سيطر. ويقال: بَسَطَ العذر: قَبِلَه. وبَسُطَ لسانه: انطلق. وبَسَطَ إليه لسانَه بالسوء.
وبَسُطَ وجهه يَبسُطُ بِساطةً: تلألأ وانفرجت أساريره، وبَسَطَ الشيءُ فلاناً: سَرَّهُ وطيبَ نَفسَهُ.
قال رسول الله(ص): «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي؛ يَبْسُطُنِي مَا يَبْسُطُهَا، وَ يَقْبِضُنِي مَا يَقْبِضُهَا». أي يَسُرُّني ويُطَيِّبُ نفسي ما يسرها، ويسوؤني ما يَسُوؤُها. وروى الخفاجي أنه جاء في المشارق معناه: يسرني ما يسرها، ويسوؤني ما يسوؤها؛ لأن الإنسان إذا سُرَّ، انبسط وجهُهُ واستَبشَر، ولذا يُقال: انبسط إليه: إذا هَشَّ وأظهر البِشرَ، وفي ضِدِّهِ يقال: انقبض.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾[٢]. أي يسلب تارة، ويعطي أخرى، أو يضيق على بعض، ويوسع على بعض؛ حسبما اقتضته مشيئته المبنية على الحكمة والمصلحة.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ﴾[٣]. أي وسعه عليهم، ونشره فيهم.
وقال تعالى: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾[٤]. أي مددتها لتعتدي علي، وهو مجاز عن الصولة والضرب[٥].
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ﴾[٦]. ﴿يَبْسُطُهُ﴾: ينشره ويجعله في السماء قطعا هنا وهناك.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾[٧]. ﴿ا تَبْسُطْهَا﴾: لا تبالغ في صرف المال مجاز عن البذل والإعطاء.
وقال تعالى: ﴿وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾[٨]. أي بما يسوؤكم من القتل والأسر والأذى والشتم.
من دعائه(ع): «اللَّهُمَّ وَ قَدْ بَسَطْتَ لِي فِيمَا لَا أَمْدَحُ بِهِ غَيْرَكَ وَ لَا أُثْنِي بِهِ عَلَى أَحَدٍ سِوَاكَ»[٩]. أي بسطت لي القدرة، وهو كناية عن بلاغة الكلام، وفصاحة البيان، وعذوبة اللسان.
ومن بيانه(ع) لإزواء الله سبحانه للدنيا عن النبي(ص): «وَ إِنْ قَالَ أَكْرَمَهُ فَلْيَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهَانَ غَيْرَهُ حَيْثُ بَسَطَ الدُّنْيَا لَهُ وَ زَوَاهَا عَنْ أَقْرَبِ النَّاسِ مِنْهُ فَتَأَسَّى مُتَأَسٍّ بِنَبِيِّهِ»[١٠]. وسع الدنيا له في التصرف والتسلط.
وقال(ع) في وصف توبة آدم(ع): «ثُمَّ بَسَطَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ فِي تَوْبَتِهِ وَ لَقَّاهُ كَلِمَةَ رَحْمَتِهِ»[١١]. أي قبل توبته.
ومن أمره(ع) لمالك الأشتر بالتحفظ من أعوانه: «وَ تَحَفَّظْ مِنَ الْأَعْوَانِ فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَى خِيَانَةٍ اجْتَمَعَتْ بِهَا عَلَيْهِ عِنْدَكَ أَخْبَارُ عُيُونِكَ اكْتَفَيْتَ بِذَلِكَ شَاهِداً فَبَسَطْتَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ فِي بَدَنِهِ»[١٢].
«بَسَطَ يَدَهُ إِلَى خِيَانَةٍ»: مدها. «فَبَسَطْتَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ»: أقمت عليه العقوبة المفروضة لمثل هذه المخالفة على قدر سعتها ومساحتها وتأثيرها في المجتمع، فيقيمها في بدنه إن كانت حدا أو تعزيرا، وفي هذا إهانة تدرجه في سلك الخائنين[١٣].
ومن وصفه(ع) لزهد النبي(ص) وإعراضه عن الدنيا: «قَدْ حَقَّرَ الدُّنْيَا وَ صَغَّرَهَا وَ أَهْوَنَ بِهَا وَ هَوَّنَهَا وَ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ زَوَاهَا عَنْهُ اخْتِيَاراً وَ بَسَطَهَا لِغَيْرِهِ احْتِقَاراً»[١٤].
«زَوَاهَا»: نحاها وأبعدها، و«بَسَطَهَا»: وسعها. وبين «زَوَاهَا» و«بَسَطَهَا» طباق، وبين «اخْتِيَاراً» و«احْتِقَاراً» سجع متواز جسد اختيار الرسول(ص) لما كان موافقاً لإرادة الله، وقد اختار الإعراض عن الدنيا وزينتها، فأزاحها الله عنه حبا له، وتقديراً لمنزلته، واعلاء لمقامه، بينما بسطها لغيره احتقاراً له، وتصغيراً لقدره، من خلال ذلك نستشف العبرة والموعظة بأن الدنيا وما يتبعها لا تحمل صفات الرفعة والشرف، ولا القرب إلى الله، ولو كانت لبسطها إلى أخلص أنبيائه، وأصفى أصفيائه.
ومن حديثه(ع) عن خلق الأرض: «فَسُبْحَانَ مَنْ أَمْسَكَهَا بَعْدَ مَوَجَانِ مِيَاهِهَا وَ أَجْمَدَهَا بَعْدَ رُطُوبَةِ أَكْنَافِهَا فَجَعَلَهَا لِخَلْقِهِ مِهَاداً وَ بَسَطَهَا لَهُمْ فِرَاشاً»[١٥]. أي مهدها وجعلها كالبساط.
وقال(ع) في وصف بيعته: «وَ بَسَطْتُمْ يَدِي فَكَفَفْتُهَا وَ مَدَدْتُمُوهَا فَقَبَضْتُهَا»[١٦]. البيعة تتم بالمصافحة ببسط اليد، وكفها إعراض عنها، وزهد فيها.
وقال(ع) في ذم من نكث بيعته: «تَقُولُونَ: الْبَيْعَةَ الْبَيْعَةَ، قَبَضْتُ كَفِّي فَبَسَطْتُمُوهَا»[١٧]. أي جمعت كف يدي لئلا تلامس أيديكم للبيعة، فمددتموها قسراً.
ومن وصيته(ع) لمالك الأشتر برعاية ذوي الحاجات: «وَ اجْعَلْ لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْكَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيهِ شَخْصَكَ وَ تَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَامّاً فَتَتَوَاضَعُ فِيهِ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَكَ وَ تُقْعِدُ عَنْهُمْ جُنْدَكَ وَ أَعْوَانَكَ مِنْ أَحْرَاسِكَ وَ شُرَطِكَ حَتَّى يُكَلِّمَكَ مُتَكَلِّمُهُمْ غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص) يَقُولُ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ لَا يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهَا حَقُّهُ مِنَ الْقَوِيِّ غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ ثُمَّ احْتَمِلِ الْخُرْقَ مِنْهُمْ وَ الْعِيَّ وَ نَحِّ عَنْهُمُ الضِّيقَ وَ الْأَنَفَ يَبْسُطِ اللَّهُ عَلَيْكَ بِذَلِكَ أَكْنَافَ رَحْمَتِهِ»[١٨]. «يَبْسُطِ اللَّهُ عَلَيْكَ»: يكثر ويوسع لك.
ومن أمره(ع) لمحمد بن أبي بكر بالتواضع واللين لأهل المصر: «فَاخْفِضْ لَهُمْ جَنَاحَكَ وَ أَلِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ وَ ابْسُطْ لَهُمْ وَجْهَكَ»[١٩]. أي ليكن وجهك مستبشراً بشوشا يحكي عن الخير والسرور.
ومن وصفه(ع) لطغيان بني أمية: «فَالْأَرْضُ لَكُمْ شَاغِرَةٌ وَ أَيْدِيكُمْ فِيهَا مَبْسُوطَةٌ»[٢٠]. أي مسيطرة ومسلطة، و«شَاغِرَةٌ»: خالية من شغر المكان؛ أي خلا. استعار لفظ الشاغرة للأرض، وكنى به عن خلوها لهم، وبسط الأيدي –هنا- كناية عن القدرة والسيطرة، وكفها كناية عن القصور والمنع.
ومن حثه(ع) على العمل والتوبة قبل الموت: «فَاعْمَلُوا وَ أَنْتُمْ فِي نَفَسِ الْبَقَاءِ وَ الصُّحُفُ مَنْشُورَةٌ وَ التَّوْبَةُ مَبْسُوطَةٌ»[٢١]. أي مفتوحة مقبولة، وليست مردودة، ولا مقبوضة.
ومن ذمه(ع) للكوفة: «مَا هِيَ إِلَّا الْكُوفَةُ أَقْبِضُهَا وَ أَبْسُطُهَا إِنْ لَمْ تَكُونِي إِلَّا أَنْتِ تَهُبُّ أَعَاصِيرُكِ فَقَبَّحَكِ اللَّهُ»[٢٢].
«مَا هِيَ إِلَّا الْكُوفَةُ»: أي ليس تحت تسلطه من دولته الواسعة إلا مدينة الكوفة، والكلام في معرض التحقير لما آلت إليه الأمور بعد اغتصاب حقه، واستفحال قوى العدوان.
فيه القصر للأفراد، و«أَقْبِضُهَا وَ أَبْسُطُهَا» جملة استئنافية دالة على الجواب عن السؤال المقدر عن سبب هذا الحصر. وفي «أَقْبِضُهَا وَ أَبْسُطُهَا» طباق؛ للدلالة على تذمره مما عاناه. وكنايتان عن وجوه التصرف فيهما؛ أي ما تحت تصرفي لحقير بالنسبة إلى سائر البلدان، والتي تمتد من أطراف خراسان حتى شمال أفريقيا، ومن أطراف أذربيجان؛ لتغطي الجزيرة العربية بأسرها، ويريد به حقارة من فيها؛ لتقاعسهم عن الجهاد، وتفرقهم عن حقهم، ومعصيتهم، إمامهم، وهذا مما حدا به(ع) إلى أن يعدل من الغيبة إلى الخطاب؛ ليؤكد حقيقة ما آل إليه أصحابه، وجاء بالقصر ثانيا لتأكيد احتقارها.
كما أكسبت الاستعانة بالصور الخيالية النص قوة وتأثيراً، كالاستعارة التصريحية في القبض والبسط للدلالة على هيمنته على التصرف بمدينة الكوفة إدارياً وسياسياً، وكنى عنها بهبوب الأعاصير، أو استعار لما يحدث من آراء أهلها المختلفة التي هي منبع الغدر به والتثاقل عن تلبية ندائه(ع).[٢٣]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ معجم ألفاظ القرآن، ج١، ص٩٦.
- ↑ سورة البقرة: ٢٤٥.
- ↑ سورة الشورى: ٢٧.
- ↑ سورة المائدة: ٢٨.
- ↑ معجم ألفاظ القرآن الكريم، ج١، ص٩٦.
- ↑ سورة الروم: ٤٨.
- ↑ سورة الإسراء: ٢٩.
- ↑ سورة الممتحنة: ٢.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٩١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٦٠.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
- ↑ ينظر: شرح النهج، الموسوي، ج٥، ص٥٩.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٠٩.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٢١١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٢٢٩.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٣٧.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٢٧.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٠٥.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٢٣٧.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٢٥.
- ↑ السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج٢، ج٢، ص ١٨٣.