الثواب في الفقه المقارن

من إمامةبيديا

التعريف

الثواب لغةً هو العوض، ومنه: يأجر الله عبده أي يثيبه، وأصله من ثاب أي رجع، كأنّ المثيب يعوِّض المثاب مثل ما أسدى إليه، وثاب في الهبة أي عوّضها، والثواب الجزاء؛ لأنّه نفع يعود إلى المجزيّ‌، وهو اسم من الإثابة والتثويب، والثواب جزاء الطاعة، وكذلك المثوبة[١].

وفي الاصطلاح عرّفه بعض فقهاء الإمامية بأنّه: النفع المستحقّ الواقع على جهة التعظيم، فاشترط فيه التعظيم ليميّزه عن العوض[٢].

وعرّفه الجرجاني بأنّه ما يستحقّ به الرحمة والمغفرة من الله‌تعالى، والشفاعة من النبي (ص). وقيل: الثواب هو إعطاء ما يلائم الطبع[٣].

وعرّفه بعض المالكية بأنّه مقدار من الجزاء يعلمه الله يعطيه لعباده جزاء أعمالهم الحسنة المقبولة[٤].

واستعمل الفقهاء الثواب بمعنى الجزاء والعطاء على العمل[٥].

كما استعمل بمعنى العوض في مورد الهبة المعوضة، فإنّه يقال: هذه هبة مشروطة بالثواب.[٦]

الأحكام

سنقتصر في البحث هنا على الثواب بمعنى الأجر والجزاء من الله‌ عزّ وجلّ‌.

ثبوت الثواب واستحقاقه

اختلف العلماء في أنّ إعطاء الثواب هل يكون لاستحقاق الإنسان له أم يكون على سبيل التفضّل من الله‌ تعالى‌؟ فالمعروف بين الإمامية[٧] هو الأوّل؛ فهو مقتضى قاعدة العدل التي أجرى الله‌ تعالى نظام الدنيا والآخرة على أساسها، ومن هنا جاء في القرآن الكريم: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ[٨]، بينما ذهب بعضهم[٩] إلى الثاني، واستدلّ له تارة بأنّ عمل العبد كنفسه مملوك لله‌ تعالى، فلا يملك العبد شيئاً حتى يعاوضه بشيء[١٠]. واُخرى إنّ إطاعة المولى لازمة بحكم العقل وليس هو في عمله أجيراً للمولى حتى يستحقّ عليه شيئاً[١١]. وقد يجمع بين القولين بحمل القول بالاستحقاق على أنّ العبد بامتثاله أوامر المولى ونواهيه يصير أهلاً للثواب، فلو تفضّل المولى في حقّه كان في محلّه[١٢].

وقال علماء المذاهب[١٣] أنّ الأصل أنّه لا يجب على الله شيئاً، بل الثواب فضله والعقاب عدله، والتكاليف كُلّها راجعة إلى مصالح العباد في دنياهم واُخراهم، والله غني عن عبادة جميع خلقه، وقد أجرى الله‌ سبحانه وتعالى أحكامه في الدنيا على أسباب ربطها بها، ليعرف العباد بالأسباب أحكامها، فيسارعوا بذلك إلى طاعته واجتناب معصيته، وقد وعد من أعطاه بالثواب، وتوعّد من عصاه بالعقاب.[١٤]

ما يثاب عليه وشروطه

يثاب الإنسان بالطاعات وفعل الخيرات المشتملة على كثير من الأعمال الجوانحية والجوارحية، وهي كالتالي:

  1. الإيمان والاعتقاد الصحيح: إنّ المنشأ الأصلي لاستحقاق الثواب الدائم هو الإيمان[١٥]، فإنّه خير محض موجب للخلاص من النيران والخلود في الجنان[١٦]، وأمّا الإسلام فإنّه موجب لجريان أحكام المعاشرة بين المسلمين وحقن الدماء. ويدلّ على ترتّب الثواب على الإيمان مع العمل الصالح الكثير من‌آيات القرآن الكريم، منها قوله‌تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ[١٧]. ومن الروايات، رواية الصيرفي عن الإمام أبي عبد الله الصادق(ع) أنّه قال: «اَلْإِسْلاَمُ يُحْقَنُ بِهِ اَلدَّمُ وَ تُؤَدَّى بِهِ اَلْأَمَانَةُ وَ يُسْتَحَلُّ بِهِ اَلْفُرُوجُ وَ اَلثَّوَابُ عَلَى اَلْإِيمَانِ»[١٨]. ثمّ إنّ الثواب على الإيمان مشروط بالموافاة عليه وإلّا يُحبط عمل الإنسان جميعاً[١٩].
  2. العمل بالتكاليف والاجتناب عن المنهيّات: يستحقّ الإنسان الثواب بعمل الواجب والمستحبّ‌، وبالتحرّز من المنهيات [٢٠] مع توفّر شروط الثواب. ويدلّ على ذلك الكثير من‌ آيات القرآن الكريم، منها قوله‌ تعالى: ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى[٢١]، وقوله‌ تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ[٢٢]، وقوله‌تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[٢٣]. وقول الإمام علي بن الحسين (ع) في دعائه: «فَإِنَّكَ خَلَقْتَنَا وَ أَمَرْتَنَا وَ نَهَيْتَنَا وَ رَغَّبْتَنَا فِي ثَوَابِ مَا أَمَرْتَنَا وَ رَهَّبْتَنَا عِقَابَهُ»[٢٤]. وما روي عن الإمام الصادق (ع): «مَنِ اِجْتَنَبَ مَا أَوْعَدَ اَللَّهُ عَلَيْهِ اَلنَّارَ إِذَا كَانَ مُؤْمِناً كَفَّرَ اَللَّهُ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَ يُدْخِلُهُ مُدْخَلاً كَرِيماً»[٢٥].
  3. العزم على الامتثال والانقياد: لاريب - بل لا خلاف - في بناء العقلاء على حسن الانقياد واستحقاق المدح، بل الثواب على القيام بما هو مقتضى العبودية[٢٦]. والمعروف بين علماء الإمامية اشتراط ترتّب الثواب بقصد التقرّب والامتثال[٢٧]. وذكر فقهاء المذاهب أنّ فعل الواجبات والمندوبات وترك المحرّمات و المكروهات ليس سبباً في حدّ ذاته - للثواب - مع أنّه قد يكون الفعل مُجزياً ومبرئاً للذمّة، والترك كافياً للخروج من العهدة؛ لأنّه يشترط لحصول الثواب في الفعل والترك نيّة امتثال أمر الله‌تعالى[٢٨].
  4. الإتيان بالمباحات مع قصد القربة: لا إشكال في عدم استحقاق الإنسان ثواباً بفعل المباحات مما لا يكون التقرّب شرطاً في صحّته كالعقود والإيقاعات والأكل والنوم ونحوها، إلّا فيما قصد به التقرّب إلى الله، أو تحصيل القدرة والاستطاعة لامتثال أمره‌تعالى، كما هو في النكاح والقرض والعارية[٢٩]، وغيرها.
  5. الإسلام والإيمان: المعروف بين فقهاء ومتكلمي الإمامية أنّه يشترط في ترتّب الثواب على الفعل إسلام فاعله؛ لأنّ الكافر لا يستحقّ بفعله ثواباً[٣٠]، غاية الأمر أنّه يتفضّل الله‌سبحانه وتعالى عليه بإزاء بعض الأعمال النافعة بدفع البلاء والسعة في النعماء، فإنّ الله لا يضيع عمل عامل[٣١].

واختلف فقهاء المذاهب في ترتّب الثواب على عمل الكافر، فذهب بعضهم إلى أنّ الكافر لا يُثاب على العمل الصالح الصادر منه في شركه ولو أسلم بعد ذلك، بينما ذهب آخرون إلى أن ثواب أعماله الصالحة حين شركه تُكتب له بعد إسلامه. كما اُدّعي إجماعهم على أنّ ما فعله الكافر من أعمال البرّ ثمّ مات على كفره لا ثواب له في الآخرة، وإنّما يطعم في الدنيا بما عمله من الحسنات[٣٢]. ثمّ إنّ المعروف بين الإمامية أنّ الإيمان شرط في قبول الأعمال، وبتبعه في استحقاق الثواب. واستدلّ له ببعض النصوص المستفيضة والتي مفادها أنّه لا عبادة لغير المؤمن مطلقاً؛ لأنّه تعتبر فيها موافقة الأمر من حيث دلالة وليّ الله‌تعالى شأنه عليه؛ ولذا قرن طاعته بطاعتهم ومحبته بمحبّتهم[٣٣]، كما قال الإمام الباقر (ع) في خبر زرارة: «لَوْ اَنَّ رَجُلاً قام لَيْلَهُ و صامَ نَهارَهُ و تَصَدَّق بِجَميعِ مالِهِ وَ حَجَّ جَميعَ دَهْرِهِ وَ لَمْ يَعْرِفْ وِلايَةَ وَلِى اللهِ فَيُوالِيِه و يكون جَميعُ اَعْمالِهِ بِدِلالَتِهِ مِنْهُ اِلَيْهِ، ما كانَ عَلىَ اللهِ حَقٌّ فى ثَوابِهِ ولا كانَ من اَهْلِ الإيمانِ.»[٣٤].[٣٥]

اكتساب الثواب بفعل الغير

ظاهر الآيات‌الكريمة والروايات - بل صريحها - أنّه يمكن أن يكتسب الإنسان الثواب بفعل غيره بالاستغفار والدعاء والصدقة وأداء الواجب ونحو ذلك. فمن الآيات قوله‌تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ[٣٦]، وقوله‌تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ[٣٧].

وأمّا الأخبار فيه متظافرة في ذلك، منها ما روي عن النبي (ص) أنّه ضحّى بكبشين أملحين، أحدهما عنه (ص) والآخر عن اُمّته[٣٨]. وما روي عنه - أيضاً قوله لعمرو بن العاص لمّا سأله عن أبيه: «لَو كانَ مسلِمًا فأعتقتُمْ عنهُ أو تصدَّقتُمْ عنهُ أو حجَجتُمْ عنهُ بلغَهُ ذلِكَ»[٣٩].

وممّا رواه الإمامية عن أهل البيت(ع) رواية معاوية بن عمّار قال: «قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ مَا يَلْحَقُ اَلرَّجُلَ بَعْدَ مَوْتِهِ فَقَالَ سُنَّةٌ سَنَّهَا يُعْمَلُ بِهَا بَعْدَ مَوْتِهِ فَيَكُونُ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَ اَلصَّدَقَةُ اَلْجَارِيَةُ تَجْرِي مِنْ بَعْدِهِ وَ اَلْوَلَدُ اَلصَّالِحُ يَدْعُو لِوَالِدَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا وَ يَحُجُّ وَ يَتَصَدَّقُ عَنْهُمَا وَ يُعْتِقُ وَ يَصُومُ وَ يُصَلِّي عَنْهُمَا فَقُلْتُ أُشْرِكُهُمَا فِي حَجِّي قَالَ نَعَمْ»[٤٠].

ورواية عمر بن يزيد قال: «وَ قَالَ عُمَرُ بْنُ يَزِيدَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ يُصَلَّى عَنِ اَلْمَيِّتِ فَقَالَ «نَعَمْ حَتَّى إِنَّهُ لَيَكُونُ فِي ضِيقٍ فَيُوَسِّعُ اَللَّهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ اَلضِّيقَ ثُمَّ يُؤْتَى فَيُقَالُ لَهُ خُفِّفَ عَنْكَ هَذَا اَلضِّيقُ بِصَلاَةِ فُلاَنٍ أَخِيكَ عَنْكَ» قَالَ فَقُلْتُ لَهُ فَأُشْرِكُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فِي رَكْعَتَيْنِ قَالَ «نَعَمْ» فَقَالَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ «إِنَّ اَلْمَيِّتَ لَيَفْرَحُ بِالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِ وَ اَلاِسْتِغْفَارِ لَهُ كَمَا يَفْرَحُ اَلْحَيُّ بِالْهَدِيَّةِ تُهْدَى إِلَيْهِ »»[٤١].

ولإيصال الثواب إلى الغير طريقان:

  1. النيابة، وبناء عليها قال فقهاء الإمامية[٤٢]: يقضى عن الميّت الصلاة والصوم والحجّ ونحوها من العبادات، بنيابة الغير عنه تبرعاً أو بالاستيجار، وينتفع الميّت بذلك بسقوطها عن ذمّته و الانتفاع بثوابها في الجنّة. ولا يجوز التبرّع والاستيجار عن الأحياء في الواجبات، إلّا في الحجّ عند غير المالكية. وتفصيل الكلام يأتي في محلّه.
  2. إهداء الثواب، بأن يصلّي الإنسان أو يصوم أو يحجّ - مثلاً - ويهدي ثوابها إلى الميّت أو الحيّ‌، وإن لم تحصل براءة الذمّة بالإهداء، ويستحبّ عند فقهاء الإمامية إهداء ثواب الأعمال والطاعات والقربات، وخصوصاً القرآن الكريم للأموات والأحياء من المؤمنين، وعلى الخصوص العلماء وذوي الأرحام، والوالدين خاصّة، وكذا يستحبّ عندهم لمن حضر مزاراً أن يزور عن والديه وأحبّائه وجميع المؤمنين[٤٣].

ويجوز عند الحنفية والحنابلة إهداء ثواب العبادة للغير، وعبّر الحنفية عنه بالأفضل. واستدلّ له بظاهر الأدلّة، ومنها قوله‌تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ[٤٤]، وقوله‌تعالى: ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ[٤٥]، وغير ذلك من الأدلّة[٤٦]. وأجاز المالكية ذلك فيما عدا الصلاة والصيام، واستثنى الشافعية الصلاة، واختلفوا في الصيام وقراءة القرآن[٤٧]. والمسألة ذات تفاصيل اُخرى نوكلها إلى محلّها.[٤٨]

التفاوت في الثواب

يتفاوت ثواب الأعمال قلّة وكثرة باعتبارات مختلفة منها:

  1. المشقّة أو طول مدّة الالتزام: الأغلب أنّ الثواب في الكثرة والقلّة تابع للعمل في الزيادة والنقصان؛ لأنّ المشقّة أصل التكليف المؤدّي إلى الثواب ومداره، فكلّما عظمت المشقّة عظم الثواب[٤٩]، رغم أنّها من حيث هي غير مقصودة للشارع، كما في صلاة الليل في أواخره، فهي أشقّ منها في ثلثه. وزيادة المشقّة إنّما توجب زيادة الثواب إذا كانت في طريق الطاعة، لا في ما هو خارج عنها. واُلحق بذلك طول مدّة الالتزام بالعمل أو الترك فهو موجب للمشقّة أكثر ويترتّب عليها ثواب أكثر، كعدّة الحامل المتوفّى عنها زوجها، حيث ذهب الإمامية فيه إلى الاعتداد بأبعد الأجلين[٥٠]، وذكروا في وجهه: أنّ العدّة عبادة يستحقّ بها الثواب، وإذا بَعُد مداها زادت مشقّتها وكثر الثواب عليها، ومن وضعت حملها عقيب وفاة زوجها لا مشقة عليها في العدّة، وإذا مضت عليها أربعة أشهر وعشرة أيام كانت المشقّة أكثر والثواب أوفر[٥١].
  2. من حيث الزمان والمكان: تتفاوت الأزمنة من حيث الفضيلة وتبعاً لذلك في ثواب الأعمال المنجزة فيها، ويدلّ عليه من الكتاب الكريم قوله‌تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ[٥٢]، ومن السنّة[٥٣] ما ورد من الروايات في تفضيل يوم عرفة والعيدين والجمعة وليلة النصف من شعبان مضافاً لما ورد في فضل شهر رمضان وأيامه ولياليه، بل ما ورد في تفضيل الثلث الأخير من الليل على باقي ساعاته[٥٤]. وكذلك تتفاوت الأمكنة من حيث الشرف وبالتبع تضعيف الثواب على العبادة فيها، فالمسجد الحرام أشرف من سائر البقاع والمساجد، فالصلاة فيه أفضل وأكثر ثواباً، كما أنّ مسجد الرسول (ص) يأتي في الدرجة الثانية بعد المسجد الحرام، والصلاة فيه أفضل وأكثر ثواباً من باقي المساجد؛ لقول الرسول (ص) في رواية جبير بن مطعم: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ»[٥٥].
  3. من حيث قصد القربة والإخلاص في العمل: كثرة الثواب إنّما يستحقّ على الله‌سبحانه وتعالى بأحد وجهين: إمّا بالاستكثار من فعل الطاعات، أو بأن تقع الطاعة على وجه من الإخلاص والخضوع لله‌تعالى والقربة إليه يستحقّ بها لأجل ذلك الثواب الكثير، ولهذا كان ثواب النبي (ص) على كلّ طاعة بصلاة أو صيام يفعلها أكثر من ثواب كلّ فاعل منها لمثل تلك الطاعات[٥٦].
  4. من حيث نفس العمل: دلّت النصوص الشرعية على تفاوت الأعمال في نفسها من حيث الثواب[٥٧]، وأنّ بعضها أكثر وأعظم درجة من الاُخرى، كالصلاة والصوم والحجّ والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..[٥٨]

بطلان الثواب ونقصانه

قد يكون الفعل صحيحاً من حيث الإتيان بالأجزاء والشرائط المقرّرة شرعاً، ويترتّب عليه الثواب في نفسه لكن يتبعه الفاعل بما يبطل ثوابه، كما أشارت إليه بعض‌آيات الكتاب الكريم، وذكرت بعض الموارد التي تؤدّي إلى إبطال العمل وإحباطه وبطلان الثواب كالمنّ والأذى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ[٥٩]، والكفر والشرك﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ[٦٠]، ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[٦١]، وتكذيب‌آيات الله ولقاء الآخرة﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[٦٢]، والرياء بعد العمل[٦٣].

نعم، اختلفت آراء العلماء وكلماتهم في تفسير التحابط وبطلان الثواب، كما اختلفوا في بعض آثاره الفقهية كملازمة الحكم ببطلان الثواب والحبط لفساد ما أتى به بحيث تجب الإعادة أم لا.

وأمّا نقصان الثواب فقد ينشأ من اُمور شتى أشارت إليه النصوص كالتكاسل عن الاتيان بآداب العمل وسننه، والغفلة عن ذكر الله أثناء العمل، أو الاتيان بالعبادة في زمان أو مكان أو حالة غير لائق بها[٦٤].[٦٥]

مقالات ذات صلة

المراجع والمصادر

  1. السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، موسوعة الفقه الإسلامي المقارن

الهوامش

  1. الصحاح ١٠٩٢:٣. المعجم الوسيط ١٠٢:١. المنجد: ١٧٤، مادة (ثوب).
  2. رسائل السيد المرتضى ١٦:٣. الكافي في الفقه: ٤٥٨.
  3. التعريفات (البركتي): ٦٧، ط دار الكتب العلمية (بيروت).
  4. الفواكه الدواني ٣٢:١.
  5. المبسوط (الطوسي) ٣٢٦:١. المعتبر ١٦٠:١. بدائع الصنائع ٨:٢. الثمر الداني: ٥٥٤-٥٥٥. المجموع ٤٠٣:١.
  6. السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، موسوعة الفقه الإسلامي المقارن، ج٦، ص٢٤٥.
  7. أجود التقريرات ٢٥٠:١. وانظر: رسائل السيد المرتضى ١٣٢:١. كشف المراد: ٤٠٨.
  8. سورة الرحمن، الآية ٦٠.
  9. أوائل المقالات (مصنّفات الشيخ المفيد) ١١١:٤. التبيان ٥٥٣:٢. أجود التقريرات ٢٥٠:١.
  10. انظر: تهذيب الاُصول ١٩٥:١.
  11. أجود التقريرات ٢٥٠:١.
  12. محاضرات في اُصول الفقه ٤٠٣:٢.
  13. قواعد الأحكام ١٤:١، ٦٣:٢. الفروق (القرافي) ٣:٢، ١٩٣:٣. التلويح ١٢٢:٢. الأحكام (الآمدي) ١٤٧:١-١٤٨.
  14. السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، موسوعة الفقه الإسلامي المقارن، ج٦، ص٢٤٥.
  15. رسائل السيد المرتضى ١٤٨:١. تذكرة الفقهاء ١١١:٧.
  16. مشارق الشموس: ٣٩١، (حجرية).
  17. سورة القصص، الآية ٨٠.
  18. وسائل الشيعة ٥٥٦:٢٠، ب ١١ ممّا يحرم بالكفر، ح ٤.
  19. مسالك الأفهام ١٤٦:٢.
  20. جمل العلم والعمل (رسائل السيد المرتضى) ١٦:٣، ١٤٧. الكافي في الفقه: ٤٥٨. وانظر: تحرير الأحكام ٤٠:١. الموسوعة الفقهية الكويتيّة ٥٥:١٥-٥٦.
  21. سورة النجم، الآية ٣١.
  22. سورة الزلزلة، الآية ٧.
  23. سورة الأنعام، الآية ١٢٧.
  24. الصحيفة السجادية: ١٢٩.
  25. وسائل الشيعة ٣٢٩:١٥، ب ٤٦ من جهاد النفس، ح ٣٠.
  26. مستمسك العروة ٥٠٢:١. وانظر: فرائد الاُصول (تراث الشيخ الأعظم) ٤٣:١.
  27. مستند الشيعة ٥٣:٢.
  28. الذخيرة: ٦٢، ٢٤٠. الموافقات (الشاطبي) ١٤٩:١-١٥١.
  29. الروضة البهية ١١:٤-١٢. العروة الوثقى ٤٨٣:٥،م ٣. وانظر: تحريرات الاُصول ١٦١:٣. المنثور في القواعد ٢٨٧:٣-٢٨٨.
  30. جوابات المسائل الطبرية (رسائل السيد المرتضى) ١٦٢:١. وانظر: جواهر الكلام ٢٢٩:٣٣.
  31. شرح الكافي (المازندراني) ١٩٦:١٠.
  32. صحيح مسلم بشرح النووي ١٥٠:١٧. فتح الباري ٩٩:١-١٠٠، ٣٠١:٣-٣٠٢. هامش الفروق ٢٢٢:٣. الموسوعة الفقهية الكويتيّة ٥٥:١٥.
  33. جواهر الكلام ٢٢٩:٣٣.
  34. وسائل الشيعة ١١٩:١، ب ٢٩ من مقدّمة العبادات، ح ٢.
  35. السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، موسوعة الفقه الإسلامي المقارن، ج٦، ص٢٤٦.
  36. سورة الحشر، الآية ١٠.
  37. سورة محمد، الآية ١٩.
  38. مجمع الزوائد ٢٢:٤، ط القدسي.
  39. سنن أ بي داوود ٣٠٢:٣، تحقيق عزّت عبيد دعاس.
  40. وسائل الشيعة ١٧٢:١٩-١٧٣، ب ١ من الوقوف والصدقات، ح ٤.
  41. وسائل الشيعة ٤٤٤:٢، ب ٢٨ من الاحتضار، ح ٢.
  42. العروة الوثقى 3:75-76، مستمسك العروة 7: 105، 108
  43. مختلف الشيعة ٤٥٣:٣. الدروس الشرعية ١٧:٢. جواهر الكلام ٣٧٩:٢٧. العروة الوثقى ٦٧٦:٣، ٥٩٧:٤. الفتاوى الواضحة: ٥٦. تحرير الوسيلة ٤٠٢:١. منهاج الصالحين (الخوئي) ٢٠٦:١.
  44. سورة الحشر، الآية ١٠.
  45. سورة محمد، الآية ١٩.
  46. حاشية ابن عابدين ٢٣٦:٢-٢٣٧. المغني ٧٣:٣.
  47. منح الجليل ٣٠٦:١-٣٤٢. مواهب الجليل ٥٤٢:٢-٥٤٦. مغني المحتاج ٦٧:٣-٧٠. قواعد الأحكام (ابن عبد السلام) ١١٤:١-١١٥.
  48. السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، موسوعة الفقه الإسلامي المقارن، ج٦، ص٢٤٩.
  49. نضد القواعد الفقهية: ٢٠٠-٢٠١. قواعد الأحكام ٣١:١. الموافقات ١٢٥:٢.
  50. الانتصار: ٣٣٨. رسائل الشريف المرتضى ١٨٦:١. السرائر ٧٤٤:٢. جواهر الكلام ٢٧٥:٣٢-٢٧٦.
  51. الانتصار: ٣٣٩.
  52. سورة القدر، الآية ٣.
  53. انظر: دعائم الإسلام ٢٨٤:١. وسائل الشيعة ٤٤٠:١٠-٤٤٦، ٥٥:١٣. المغني ١٧٨:٣. قواعد الأحكام ٢٦:١-٢٧.
  54. فتح الباري ٦٣:٣-٦٥. الجمل ٣٣٣:٥. وانظر: مسالك الأفهام ٤٠٠:١٤.
  55. فتح الباري ٦٣:٣. صحيح مسلم ١٠١٢:٢، ح ٥٠٥-٥٠٩. سنن ابن ماجة ٤٥٠:١، ب ١٩٥.
  56. رسائل السيد المرتضى ١٤٧:٣.
  57. انظر: وسائل الشيعة ٣٨:٤، ب ١٠، ح ١، ٤٠٠:١٠، ب ١، ح ١٥، ١٦. صحيح مسلم ٨٨:١. فتح الباري ٧٧:١.
  58. السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، موسوعة الفقه الإسلامي المقارن، ج٦، ص٢٥١.
  59. سورة البقرة، الآية ٢٦٤.
  60. سورة المائدة، الآية ٥.
  61. سورة الأنعام، الآية ٨٨.
  62. سورة الأعراف، الآية ١٤٧.
  63. وسائل الشيعة ٧٠:١، ب ١٤ من مقدّمة العبادات، ح ٢.
  64. التحفة السنية ١٩٩:١. وانظر: الموافقات (الشاطبي) ٢٩٥:١-٢٩٦. أعلام الموقعين ١٨٥:١. صحيح مسلم بشرح النووي ٢٢٧:١٤.
  65. السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، موسوعة الفقه الإسلامي المقارن، ج٦، ص٢٥٣.