الجهل في الفقه المقارن

من إمامةبيديا

التعريف

لغةً‌: الجهل نقيض العلم، يقال: جهل فلان جهلاً وجهالة بخلاف علمه، وجهل الحقّ أضاعه، وتجاهل: أظهر الجهل وليس به، والتجهيل أن تنسبه إلى الجهل[١].

اصطلاحاً: وهو اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه في الواقع، وقسّم علماء المنطق الجهل إلى جهل بسيط: وهو الجهل بالشيء مع الالتفات إلى الجهل به، فيعلم أنّه لا يعلم، كجهلنا بوجود السكان في المريخ. والجهل المركّب: وهو الجهل بالشيء والجهل بهذا الجهل، واعتقاد الجاهل به أنّه من أهل العلم به، فلا يعلم أنّه لا يعلم، كأهل الاعتقادات الفاسدة ممّن يحسبون أنّهم عالمون بالحقائق، وهم جاهلون بها في الواقع، وهو جهل مركّب من الجهل بالواقع والجهل بهذا الجهل، وعلى هذا جرى الفقهاء[٢]، لكن لا بدّ من الالتفات إلى أنّ الفقهاء يفرّقون بين الجهل والجهالة في اطلاقاتهم، حيث يستعملون الجهل مضافاً إلى الإنسان، والجهالة مضافة إلى الأشياء المجهولة ونحوها.[٣]

الأحكام

حكم الجهل الذي يعذر صاحبه، والجهل الذي لا يعذر صاحبه، والكلام في الجاهل القاصر والجاهل المقصّر، والقواعد الكلّية المرتبطة بالجهل، كلّها موكولة إلى محلّها من علم الاُصول، ونقتصر هنا على بيان أهمّ الموارد الفقهية للموضوع:

  1. جهل المرأة عادتها: المرأة الناسية لعادتها ولا تميّز حيضها، تسمّى (المتحيّرة)، وقد يطلق عليها (المضطربة)، وللفقهاء كلام في بيان حكمها، ولها أحوال[٤]، نوكل الكلام في ذلك إلى محلّه.
  2. الجهل بوقت الصلاة: لا يجوز الدخول في الصلاة إلّا بعد حصول العلم بدخول وقتها، أو أن يغلب على ظنّه ذلك بأي طريق عقلائي من الاجتهاد ونحوه[٥]. وتفصيل البحث موكول إلى محلّه.
  3. الجهل بالنجاسة في الصلاة: ذهب فقهاء الإمامية على الأشهر الأظهر، ونقل عليه الإجماع فيمن جهل بالنجاسة غير المعفو عنها في ثوبه إلى أن صلّى وخرج الوقت، ثمّ علم بها إلى أنّه لا قضاء عليه، ولهم في لزوم الإعادة لو التفت داخل الوقت قولان، أشهرهما أنّه لا يجب[٦]، وذهب جمهور فقهاء المذاهب إلى بطلان الصلاة ووجوب القضاء، وذهب المالكية إلى عدم اشتراط الطهارة من الخبث إلّا حال الذكر والقدرة على المشهور[٧].
  4. الجهل بالقبلة: لا خلاف بين الفقهاء في أنّ حكم جاهل القبلة الاجتهاد والتعويل على الأمارات المفيدة للظنّ‌، أو السؤال من العالم بها[٨]، على بيان وتفصيل موكول إلى محلّه.
  5. الجهل بالفاتحة: من جهل بالفاتحة وضاق عليه الوقت لتعلّمها أتى بما يقدر عليه منها؛ لقول النبي (ص): «إذا أمرتكم بشيء فاتوا منه ما استطعتم»[٩]، وإذا جهل بها تماماً قرأ شيئاً من القرآن بقدرها؛ للدليل المتقدّم ولقوله‌ تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ[١٠]، ومع العجز عن البديل من القرآن يجب التعويض عنها بالذكر بقدرها بلسان عربي[١١]؛ لما روي من الاجتزاء بقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلّا بالله[١٢].
  6. الجهل بمبطلات الصلاة: ذهب الإمامية إلى أنّ الجهل عن تقصير بمبطلات الصلاة كالتكلّم في أثنائها مبطل لها كالعمد؛ لعمومات أدلّة المبطلات[١٣]، ووافقهم الحنفية والمالكية، وذهب الشافعية إلى أنّه إذا تكلّم قليلاً جاهلاً لا تبطل صلاته إن كان قريب عهد بالإسلام، أو نشأ بعيداً عن العلماء، بخلاف من بعد إسلامه وقرب من العلماء لتقصيره بترك التعلّم [١٤]، وقد استثنى الإمامية الجهل بالجهر والإخفات والقصر والتمام[١٥].
  7. الجهل بالفوائت: ذهب فقهاء الإمامية إلى أنّ من عليه صلوات فوائت يجهل عددها يجب عليه قضاؤها، حتى يغلب عليه ظنّه الوفاء على ما هو المشهور المقطوع به عندهم٧، ومال بعضهم إلى الاكتفاء بما تيقّن فواته خاصّة[١٦]. وذهب جمهور فقهاء المذاهب إلى أنّ عليه القضاء حتى يتيقّن براءة ذمّته من الفروض، وذهب الحنفية إلى أنّه يعمل بأكبر رأيه، فإن لم يكن له رأي يقضي حتى يتيقّن أنّه لم يبق عليه شيء[١٧]. والمسألة ذات تفاصيل اُخرى نوكلها إلى محلّها.
  8. الجهل بوقت الصوم: اتّفق الفقهاء في أنّ الجاهل بالأهلّة ومن اشتبهت عليه الشهور، كالأسير في بلد الكفر أو المحبوس ونحوهما، يجب عليه الاجتهاد حتى يغلب على ظنّه شهراً أنّه من رمضان، وإن لم يغلب على ظنّه شهر رمضان توخّى شهراً مخيّراً فيه، واختلفوا فيما لو صام بغير اجتهاد فبان شهر رمضان، فذهب الإمامية وأبو حنيفة إلى الإجزاء، وذهب الجمهور إلى عدم الإجزاء[١٨]. وتمام الكلام يأتي في محلّه.
  9. فعل المفطِّر جهلاً: اختلف الفقهاء في إفساد الصوم ولزوم القضاء والكفّارة على من أفطر في نهار شهر رمضان جهلاً بارتكابه أحد المفطّرات كالجماع وغيره[١٩]. وتفصيل الكلام يأتي في محلّه.
  10. فعل تروك الإحرام جهلاً: اختلف الفقهاء في المُحرم يرتكب أحد تروك الإحرام جهلاً، هل يلزمه الكفّارة كالعامد أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
    1. سقوط الكفّارة عنه في جميع محظورات الإحرام إلّا الصيد فإنّه لا يفرّق فيه بين الجاهل والناسي والعامد، وهو للإمامية[٢٠].
    2. إنّ حكمه حكم العامد في لزوم الكفّارة، وهو للحنفية والمالكية[٢١].
    3. التفصيل بين التروك المستلزمة للإتلاف كالحلق وتقليم الأظافر وبين ما ليس فيه إتلاف كاللبس وتغطية الرأس للرجال والادّهان، فتجب الكفّارة فيما فيه إتلاف، ولا تجب فيما ليس فيه إتلاف، وهو مذهب الشافعية والحنابلة[٢٢]. وقد تقدّم الكلام في الموضوع.
  11. الجهل في الإتلاف: اتّفق الفقهاء على أنّ الإتلاف موجب للضمان بلا فرق بين القصد وعدم القصد، وبين العلم والجهل، والبلوغ وعدم البلوغ، والعقل والجنون؛ لعموم دليل الضمان، وهو قاعدة (من أتلف مال غيره فهو له ضامن)[٢٣].
  12. الجهل بتحريم الزنا: هل يُعذَر الجاهل بحرمة الزنا ويدرأ عنه الحدّ أو لا؟ وهل يفرّق فيه بين من كان حديث عهد بالإسلام أو بعيد عن العلماء، وبين غيره؟[٢٤] فيه خلاف وتفصيل بين الفقهاء موكول إلى محلّه.
  13. الجهل بتحريم السرقة: لا يدرأ الجهل بتحريم السرقة الحدّ عند فقهاء الإمامية وجمهور فقهاء المذاهب، فلم يشترطوا العلم في شروط إقامة الحدّ، وذهب الشافعية إلى أنّ يد السارق الجاهل لا تقطع إذا كان قريب عهد بالإسلام[٢٥]. نعم، إذا جهل بأنّ المال مال الناس وتخيّل أنّه ماله ونحوه فلا يجري عليه الحدّ[٢٦].
  14. الجهل بتحريم الخمر: اختلف الفقهاء في ثبوت حدّ شر الخمر على من ادّعى الجهل بالتحريم بعد اتّفاقهم على عذره لو ادّعى الجهل بالموضوع[٢٧].

وهناك موارد اُخرى عديدة للجهل لاتخفى على المتتبّع للأبواب الفقهية.[٢٨]

المراجع والمصادر

  1. السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، موسوعة الفقه الإسلامي المقارن

الهوامش

  1. لسان العرب ٢٠٤: ٢.
  2. المنطق (المظفر): ١٩. وانظر: التحفة السنية (المخطوط) ٤٢: ١-٥٦. كتاب الصلاة (الداماد): ١٤٥ وما بعدها، ٢٤٦. الأشباه والنظائر (السيوطي): ١٨٧ وما بعدها. الأشباه والنظائر (ابن نجيم): ٣٠٣. المنثور في القواعد ١٢: ٢-١٣. كشّاف اصطلاحات الفنون ٢٥٣: ٢.
  3. السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، موسوعة الفقه الإسلامي المقارن، ج٦، ص ٦٠٢.
  4. المعتبر ٢١٨: ١ وما بعدها. العروة الوثقى ٥٤٠: ١-٥٧٩. الفتاوى الهندية ٣٦: ١-٣٧. حاشية الخرشي ٢٠٦: ١. المغني ١٩٧: ١-١٩٨، ط دار الفكر. مغني المحتاج ١١٦: ١-١١٧.
  5. النهاية: ٦٢. الجامع للشرائع: ٥٩. مغني المحتاج ١٢٧: ١. حاشية الدسوقي ٢٢٧: ١. كشّاف القناع ٣١٦: ١.
  6. المختصر النافع: ١٩. غنية النزوع: ٦٦. رياض المسائل ٣٩٨: ٢-٣٩٩.
  7. حاشية ابن عابدين ٣٧٣: ١. مغني المحتاج ١٨٨: ١-١٩٤. حاشية الخرشي ٢٣٧: ١. المغني ١٠٩: ١. المقنع ١٢٦: ١.
  8. مدارك الأحكام ١٣١: ٣-١٣٢. رياض المسائل ١٢٩: ٣-١٣٢ وما بعدها. حاشية ابن عابدين ٢٨٨: ١. حاشية الدسوقي ٢٢٤: ١. نهاية المحتاج ٤٢٢: ١. الشرح الكبير مع المغني ٤٩٠: ١.
  9. عوالي اللئالي ٥٨: ٤، ح ٢٠٦. صحيح مسلم ٩٧٥: ٢، ط عيسى الحلبي.
  10. سورة المزمل، الآية ٢٠.
  11. مدارك الأحكام ٣٤٢: ٣-٣٤٣. مصباح الفقيه ٢٧٨: ٢ وما بعدها. مستمسك العروة الوثقى ٢٢٣: ٦-٢٢٤. الفتاوى الهندية ٦٩: ١. حاشية الخرشي ٢٧٠: ١. مغني المحتاج ١٥٩: ١. المغني ٢٨٨: ١-٢٨٩.
  12. سنن أبو داوود ٥٢١: ١، تحقيق عزت عبيد دعاس.
  13. تذكرة الفقهاء ٣٠٣: ٣-٣٠٤،م ٣٣٥. مستند الشيعة ٣٥: ٧، ٨٧.
  14. حاشية ابن عابدين ٤٢٣: ١. القوانين الفقهية: ٣٩. مغني المحتاج ١٩٤: ١-١٩٥.
  15. مستند الشيعة ٨٨: ٧-٨٩.
  16. تذكرة الفقهاء ٣٦١: ٢،م ٦٣. مدارك الأحكام ٣٠٧: ٤.
  17. حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح: ٢٤٣. القوانين الفقهية: ٥٠. مغني المحتاج ١٢٧: ١. كشّاف القناع ٢٦١: ١.
  18. تذكرة الفقهاء ١٤٢: ٦،م ٨٦-١٤٥،م ٨٧. الفتاوى الهندية ٦٤: ١. بدائع الصنائع ١١٨: ١. كشّاف القناع ٣٠٧: ١. المهذّب (الشيرازي) ١٨٧: ١. حاشية الدسوقي ٥١٩: ١. وانظر: الموسوعة الفقية الكويتيّة ٢٩٦: ٤-٢٩٧.
  19. تذكرة الفقهاء ٦٢: ٦،م ٣٢. جواهر الكلام ٢٥٤: ١٦-٢٥٧. حاشية العدوي ٤٠٠: ١-٤٠١. مغني المحتاج ٤٢٧: ١. كشّاف القناع ٤٢٤: ٢.
  20. مدارك الإحكام ٤٥٤: ٨-٤٥٥. مستند الشيعة ٢٠٩: ١٣، ٣٠٤. جواهر الكلام ٤٣٨: ٢٠، ٤٣٩.
  21. المسلك المتقسّط: ١١٩، ٢٢٣. حاشية ابن عابدين ٢٧٤: ٢، ٢٧٥. شرح الزرقاني على مختصر خليل ٣٠٥: ٢. حاشية العدوي ٤٨٨: ١.
  22. المجموع ٣٤٧: ٧-٣٤٩. نهاية المحتاج ٤٥٢: ٢، ٤٥٤. المغني ٥٠١: ٣-٥٠٢.
  23. تحرير المجلّة ١٧٧: ٣. مصباح الفقاهة ١٣١: ٣. القواعد الفقهية (البجنوردي) ٢٥: ٢. مجلة الأحكام، المادة (٩١٢). بدائع الصنائع ١٦٨: ٧. حاشية ابن عابدين ١٢٥: ٥، ١٢٦. الشرح الصغير ٤٠٠: ٤، ٤٠٥. نهاية المحتاج ٣٦٤: ٧-٣٦٥. المغني ٥٦٨: ٩.
  24. الدر المنضود (الكلبايكاني) ٣٥: ١ وما بعدها. الفتاوى الهندية ١٤٧: ٢. القوانين الفقهية: ٢٣٢. الأشباه والنظائر (السيوطي): ٢٠٠. المغني ١٥٦: ١٠.
  25. جواهر الكلام ٤٧٦: ٤١-٤٨٩. بدائع الصنائع ٦٧: ٧. القوانين الفقهية: ٢٣٥. الأشباه والنظائر (السيوطي): ٢٠٠.
  26. جواهر الكلام ٤٨١: ٤١. الموسوعة الفقهية الكويتيّة ٣٠٢: ٢٤.
  27. مجمع الفائدة ١٨٧: ١٣. جواهر الكلام ٤٥٤: ٤١. الفتاوى الهندية ١٥٩: ٢. القوانين الفقهية: ٢٣٧. الأشباه والنظائر (السيوطي): ٢٠٠. كشّاف القناع ١١٨: ٦.
  28. السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، موسوعة الفقه الإسلامي المقارن، ج٦، ص ٦٠٢-٦٠٦.