السنة الهجرية الأولى
لا يوجد موضوع ذو صلة - لا يوجد مدخل ذو صلة - لا يوجد سؤال ذو صلة
وصول النبي إلى قباء
روى الكليني في «روضة الكافي» بسنده عن سعيد بن المسيب عن علي بن الحسين(ع) قال (وهو في مسجد الرسول بالمدينة): «قَدِمَ اَلرَّسُول اَلْمَدِينَةَ لاِثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ اَلْأَوَّلِ - مَعَ زَوَالِ اَلشَّمْسِ فَنَزَلَ بِقُبَا فَصَلَّى اَلظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَ اَلْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ لَمْ يَزَلْ مُقِيماً يَنْتَظِرُ عَلِيّاً عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ يُصَلِّي اَلْخَمْسَ صَلَوَاتٍ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ - وَ كَانَ نَازِلاً عَلَى عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَأَقَامَ عِنْدَهُمْ بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْماً يَقُولُونَ لَهُ - أَ تُقِيمُ عِنْدَنَا فَنَتَّخِذَ لَكَ مَنْزِلاً وَ مَسْجِداً فَيَقُولُ لاَ إِنِّي أَنْتَظِرُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَ قَدْ أَمَرْتُهُ أَنْ يَلْحَقَنِي وَ لَسْتُ مُسْتَوْطِناً مَنْزِلاً حَتَّى يَقْدَمَ عَلِيٌّ وَ مَا أَسْرَعَهُ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ فَقَدِمَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ وَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فِي بَيْتِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَنَزَلَ مَعَهُ ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ تَحَوَّلَ مِنْ قُبَا إِلَى بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ وَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ مَعَهُ يَوْمَ اَلْجُمُعَةِ مَعَ طُلُوعِ اَلشَّمْسِ فَخَطَّ لَهُمْ مَسْجِداً وَ نَصَبَ قِبْلَتَهُ - فَصَلَّى بِهِمْ فِيهِ اَلْجُمُعَةَ رَكْعَتَيْنِ وَ خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ - ثُمَّ رَاحَ مِنْ يَوْمِهِ إِلَى اَلْمَدِينَةِ عَلَى نَاقَتِهِ اَلَّتِي كَانَ قَدِمَ عَلَيْهَا وَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ مَعَهُ لاَ يُفَارِقُهُ يَمْشِي بِمَشْيِهِ وَ لَيْسَ يَمُرُّ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ بِبَطْنٍ مِنْ بُطُونِ اَلْأَنْصَارِ إِلاَّ قَامُوا إِلَيْهِ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ فَيَقُولُ لَهُمْ خَلُّوا سَبِيلَ اَلنَّاقَةِ فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ فَانْطَلَقَتْ بِهِ وَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَاضِعٌ لَهَا زِمَامَهَا حَتَّى إِذَا اِنْتَهَتْ إِلَى اَلْمَوْضِعِ اَلَّذِي تَرَى وَ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى بَابِ مَسْجِدِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ اَلَّذِي يُصَلَّى عِنْدَهُ بِالْجَنَائِزِ - فَوَقَفَتْ عِنْدَهُ وَ بَرَكَتْ وَ وَضَعَتْ جِرَانَهَا عَلَى اَلْأَرْضِ فَنَزَلَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ أَقْبَلَ أَبُو أَيُّوبَ مُبَادِراً حَتَّى اِحْتَمَلَ رَحْلَهُ فَأَدْخَلَهُ مَنْزِلَهُ - وَ نَزَلَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ مَعَهُ حَتَّى بُنِيَ لَهُ مَسْجِدُهُ وَ بُنِيَتْ لَهُ مَسَاكِنُهُ وَ مَنْزِلُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ فَتَحَوَّلاَ إِلَى مَنَازِلِهِمَا - فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ اَلْمُسَيَّبِ لِعَلِيِّ بْنِ اَلْحُسَيْنِ عَلَيْهِمَا اَلسَّلاَمُ جُعِلْتُ فِدَاكَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ حِينَ أَقْبَلَ إِلَى اَلْمَدِينَةِ فَأَيْنَ فَارَقَهُ فَقَالَ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ إِلَى قُبَا فَنَزَلَ بِهِمِ انْتَظَرَ قُدُومَ عَلِيٍّ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ اِنْهَضْ بِنَا إِلَى الْمَدِينَةِ فَإِنَّ الْقَوْمَ قَدْ فَرِحُوا بِقُدُومِكَ وَ هُمْ يَسْتَرِيثُونَ إِقْبَالَكَ إِلَيْهِمْ فَانْطَلِقْ بِنَا وَ لَا تَقُمْ هٰاهُنَا تَنْتَظِرُ عَلِيّاً عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَمَا أَظُنُّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكَ إِلىٰ شَهْرٍ - فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ كَلاَّ مَا أَسْرَعَهُ وَ لَسْتُ أَرِيمُ حَتّىٰ يَقْدَمَ اِبْنُ عَمِّي وَ أَخِي فِي اَللَّهِ تَعَالَى وَ أَحَبُّ أَهْلِ بَيْتِي إِلَيَّ فَقَدْ وَقَانِي بِنَفْسِهِ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ قَالَ فَغَضِبَ عِنْدَ ذٰلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَ اِشْمَأَزَّ وَ دَاخَلَهُ مِنْ ذَلِكَ حَسَدٌ لِعَلِيٍّ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ وَ كَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ عَدَاوَةٍ بَدَتْ مِنْهُ لِرَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فِي عَلِيٍّ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ وَ أَوَّلَ خِلَافٍ عَلىٰ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَانْطَلَقَ حَتّىٰ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَ تَخَلَّفَ رَسُولُ اَللّٰهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ بِقُبَا يَنْتَظِرُ عَلِيّاً عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ»[١].[٢]
سائر أخبار وصول الرسول
نقل الطبرسي في «إعلام الورى» عن ابن شهاب الزهري قال: كان ناس من المهاجرين قد قدموا على بني عمرو بن عوف قبل قدوم رسول الله فنزلوا فيهم... فلما أقبل رسول الله ووافى ذا الحليفة سأل عن طريق بني عمرو بن عوف فدلّوه.
فوافى رسول الله(ص) ونزل، واجتمع إليه بنو عمرو بن عوف وسُرّوا به، فنزل على شيخ صالح منهم مكفوف البصر هو كلثوم بن هدم. وبنو عمرو بن عوف من بطون الأوس. فأقبل رسول الله يتصفّح الوجوه فلا يرى أحداً من الخزرج.. لما كان بينهم من الحروب والعداوة[٣].
فلما صلّى رسول الله(ص) صلاة المغرب والعشاء الآخرة جاء أسعد بن زرارة مقنّعاً فسلّم على رسول الله ثم قال: يا رسول الله، ما ظننت أن أسمع بك في مكان فأقعد عنك، الا أنّ بيننا وبين إخواننا من الأوس ما تعلم، فكرهت أن آتيهم، فلما أن كان هذا الوقت لم أحتمل أن أقعد عنك!
فقال رسول الله للأوس: من يجيره منكم؟
فقالوا: يا رسول الله، جوارنا في جوارك، فأجره.
قال: لا، بل يجيره بعضكم. فقال عويم بن ساعدة و سعد بن خيثمة: نحن نجيره، فأجاروه، فكان يختلف إلى رسول الله فيتحدث عنده ويصلي خلفه.
فلما أمسى رسول الله فارقه أبو بكر ودخل المدينة ونزل على بعض الأنصار، وبقي رسول الله بقبا نازلاً على كلثوم بن هدم.
فجاء أبو بكر فقال: يا رسول الله تدخل المدينة، فإنّ القوم متشوّقون إلى نزولك عليهم. فقال: لا أريم من هذا المكان حتى يوافي أخي علي(ع).
فقال أبو بكر: ما أحسب عليا يوافي! فقال: بلى ما أسرعه إن شاء الله.
فبقي خمسة عشر يوما فوافى علي(ع) بعيال الرسول وعياله.
وبقي رسول الله(ص) بعد قدوم علي يوماً أو يومين، ثم ركب راحلته فاجتمع إليه بنو عمرو بن عوف فقالوا: يا رسول الله، أقم عندنا فانا أهل الجد والجهد والحلقة والمنعة! فقال: دعوها فانها مأمورة (أي الناقة).
وبلغ سائر الأوس والخزرج خروج رسول الله(ص)، فلبسوا السلاح وأقبلوا يعدون حول ناقته، وأخذ لا يمرّ بحيّ من أحياء الأنصار الا وثبوا في وجهه وأخذوا بزمام ناقته وتطلّبوا إليه أن ينزل عليهم. ورسول الله يقول: خلّوا سبيلها فانها مأمورة.
وكان خروج رسول الله من قبا يوم الجمعة، فوافى بني سالم عند زوال الشمس، فعرض له بنو سالم وقالوا: هلّم يا رسول الله إلى الجد والجلد والحلقة والمنعة! وقد كانوا بنوا مسجدا قبل قدوم رسول الله، فبركت ناقته عند مسجدهم! فنزل في مسجدهم وصلّى بهم الظهر إلى بيت المقدس، وخطبهم، وكانوا مائة رجل. فكان أول مسجد خطب فيه رسول الله بالجمعة[٤].
ثم ركب رسول الله ناقته وأرخى زمامها، فانتهت به إلى عبد الله بن أبي بن سلول وهو(ص) يقدّر أنه يعرض عليه النزول عنده فوقف عليه، فثارت الغبرة، فأخذ كمّه ووضعه على أنفه وقال: يا هذا اذهب إلى الذين غرّوك وخدعوك وأتوا بك، فأنزل عليهم ولا تغشانا في ديارنا!
فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله لا يعرض في قلبك من قول هذا شيء، فانا كنا قد اجتمعنا على أن نملّكه علينا، وهو يرى - الآن - أنك قد سلبته أمراً قد كان أشرف عليه، فانزل عليّ يا رسول الله، فانه ليس في الخزرج - ولا في الأوس - أكثر فم بئر منّي، ونحن أهل الجلد والعزّ، فلا تجزنا يا رسول الله.
فأرخى زمام ناقته، فمرت تخبّ به حتى انتهت إلى باب المسجد الذي هو اليوم، وكان مربدا ليتيمين من الخزرج يقال لهما: سهل وسهيل، وكانا في حجر أسعد بن زرارة، فبركت الناقة على باب أبي أيوب خالد بن يزيد، فنزل عنها رسول الله(ص)، فلما نزل اجتمع عليه الناس وسألوه أن ينزل عليهم، فوثبت أم أبي أيوب إلى الرحل فحملته وادخلته منزلها. فلما أكثروا عليه قال رسول الله: أين الرحل؟ فقالوا: أم أبي أيوب قد ادخلته بيتها. فقال: المرء مع رحله. وأخذ أسعد بن زرارة بزمام الناقة فحوّلها إلى منزله.
وكان أبو أيوب له منزل أسفل، وفوق المنزل غرفة، فكره أن يعلو رسول الله فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، العلو أحبّ إليك أم السفل؟ فأني اكره أن أعلو فوقك؟ فقال: السفل أرفق لمن يأتينا.
وكانوا يتناوبون في بعثة العشاء والغداء إليه: أسعد بن زرارة، و سعد بن خيثمة[٥] و المنذر بن عمرو، و سعد بن الربيع، و أسيد بن حضير. فكان أبو أمامة أسعد بن زرارة يبعث إليه في كل يوم غداء، في قصعة ثريد عليها عراق لحم، فكان يأكل من جاء حتى يشبعون ثم ترد القصعة كما هي، وكان سعد بن عبادة يبعث إليه في كل يوم عشاء ويتعشى معه من حضره وترد القصعة كما هي. ووافى رسول الله(ص) من الصلاة وقد حمل أسيد بن حضير قدر الطعام بنفسه فقال له: حملتها بنفسك؟ قال: نعم يا رسول الله لم أجد أحدا يحملها. فقال: بارك الله عليكم من أهل بيت [٦].[٧]
بناء مسجد قباء
كان أوّل عمل رأى النبي (ص) أن يقوم به قبل أي عمل آخر، هو أن يبني محلاً للمسلمين ليتسنّى لهم أن يعبدوا الله فيه ويذكروه في أوقات الصلوات، مضافاً إلى أنّه كان هناك حاجة أكيدة لمركز يجتمع فيه أعضاء حزب الإسلام ـ حزب الله ـ كلّ أُسبوع في يوم معيّن، ويتشاوروا في مصالحهم وشؤونهم، بجانب أدائهم صلاة العيد فيه مرّتين كلّ عام. ولم يكن المسجد في عهد الرسول (ص) للعبادة فحسب، بل لتُلقى فيه العلوم والمعارف الإسلامية والتربوية، إضافة إلى الأمور القضائية والفصل بين الخصومات وإصدار الحكم على المجرمين، فكان بمنزلة المحكمة في هذا اليوم. كما استخدمه الشعراء في إلقاء قصائدهم أمام الرسول (ص) الذي اتّخذه قاعة لاِلقاء خطبه الحماسية والجهادية في تعبئة المسلمين ضدّ الكفار والمشركين. ممّا يبين أنّ النبي (ص) أراد بذلك أن يعلن للجميع أنّ دينه ليس مجرّد أمر معنوي لا يتصل بالأُمور الدنيوية، بل هو دين شامل كامل يهتم بالتقوى وشوَون المعيشة والاَوضاع الاجتماعية.
وقد استمرت أغلبية المساجد على هذا المنوال حتى مطلع القرن ٤ هـ حيث كانت تتحول في غير أوقات الصلاة إلى مراكز لتدريس العلوم المتنوعة، بل إنّها حتى بعدما فصلت المراكز العلمية عن المساجد فيما بعد، بقيت المدارس تبنى بجانب المساجد، الأمر الذي جسّد الصلة الوثيقة والارتباط الأقوى بين العلم والدين.
وفي بناء المسجد اشترك النبي (ص) بنفسه في عملية البناء، ينقل الحجارة واللبن، ويردّد وهو يعمل: «لاَ عَيْشَ إِلاَّ عَيْشُ اَلْآخِرَةِ، اَللَّهُمَّ اِرْحَمْ لِلْأَنْصَارِ وَ اَلْمُهَاجِرِينَ». وكان عمار بن ياسر ممّن عمل بشدّة وقوّة مع الرسول (ص) في البناء، إذ كان يحمل اللبن والأحجار بدل النبي (ص) وبدل الآخرين، حتى شكا إليه (ص) فعلهم وقال: يا رسول الله قتلوني يحملون عليّ ما لا يحملون. فقال له النبي (ص): «وَيْحَ ابْنِ سَمَّيْتَ لَيْسُوا بِالَّذِينَ يقتلونك، إِنَّما تقتلك الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ».[٨]
وبنى كذلك بجانب المسجد صُفَّة يسكن فيها الفقراء والمهاجرون المحرومون، وكلف عبادة بن الصامت بأن يعلّمهم الكتابة وقراءة القرآن.
ثمّ بعد ذلك بنيت منازله ومنازل أصحابه حول المسجد.
وفي هذه البيئة الجديدة، واجه النبي (ص) ثلاث مشكلات أو قضايا أساسية:
- قريش والوثنيين في شبه الجزيرة العربية.
- اليهود في المدينة أو خارجها، مع توافر الاموال لديهم.
- الاختلاف بين المهاجرين والاَنصار، وبين الانصار أنفسهم ـ الأوس والخزرج ـ، أي الجبهة الداخلية.
وقد تمكّن الرسول (ص) من التغلب على تلك المشكلات والقضايا بأساليب حكيمة وسياسية محنّكة. فبالنسبة إلى التناقضات بين فئات المجتمع، فقد عالجها بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، حينما جمعهم الرسول (ص) وقال لهم: «تآخوا فِي اللَّهِ أَخَوَيْنِ أَخَوَيْنِ». فأصبح هذا التآخي والوحدة بين الأطراف المتنازعة، طريقاً لحلّ المشكلات الأخرى. كما اختار عليّاً (ع) أخاً لنفسه وقال: «يَا عَلِيُّ أَنْتَ أَخِي فِي اَلدُّنْيَا وَاَلْآخِرَةِ».
أمّا مشكلة يهود يثرب، فإنّ النبي (ص) أدرك أنّه ما لم تصلح الأوضاع الداخلية في المدينة، ومالم يضم اليهود إلى جانبه، أي أن يقيم وحدة سياسية متوسعة، فإنّ شجرة الإسلام لن تتمكن من النمو، بالإضافة إلى أنّه لن يتمكن من معالجة القضية الأخرى وهي خطر قريش. ومن هنا رأى النبي (ص) أن يتقدّم بالتفاهم معهم بعقد معاهدة تعايش سلمي ودفاع مشترك بين الأنصار والمهاجرين، يوقّع عليها اليهود أيضاً.
وتعتبر هذه المعاهدة من أهمّ الأعمال، ومسنداً تاريخياً قوي الدلالة، تكشف عن مدى التزام الرسول (ص) بمبادئ الحرية والعدالة، كما تكشف عن حنكته السياسية حيث استفاد من هذه الوسيلة من أجل إيجاد جبهة متحدة قوية في وجه الحملات الخارجية، فهي في الواقع واحدة من أكبر الانتصارات السياسية التي أحرزتها الحكومة الإسلامية الناشئة في ذلك الوقت، بل هي أعظم معاهدة تاريخية على الإطلاق. وهي نموذج كامل لرعاية الإسلام وحرصه على مبدأ حرية الفكر والاعتقاد، وضرورة التعاون، وتوضيح حدود صلاحيات واختيارات القائد ومسؤولية الموقعين عليها. وقد احترم فيها النبي (ص) دين اليهود وثرواتهم في إطار شرائط معينة.
وبالإضافة إلى التعاهد مع يهود يثرب، فإنّ النبي (ص) عقد مع طوائف اليهود الأخرى: بني قريظة، بني النضير، وبني قينقاع، معاهدات مماثلة فيما بعد، كان من أهمّ بنودها: عدم الاعتداء على الرسول (ص) وأصحابه، فإن فعلوا فإنّ الرسول (ص) في حلّ من سفك دمائهم وسبي ذراريهم ونسائهم والاستيلاء على أموالهم.
إلاّ أنّ اليهود تميّزوا بمجادلة النبي (ص) وطرح الأسئلة العويصة عليه بغية إحراجه وزعزعة إيمان المسلمين به (ص)، ولكن جميع تلك المخططات باءت بالفشل، وقلّ تأثيرها في صفوف المسلمين، بل إنّها ساعدت في الواقع على إقبال بعضهم على الإسلام، كما حدث لـ عبد الله بن سلام الذي كان من علماء اليهود وأحبارهم، أعلن إسلامه بعد سلسلة مناظرات ومجادلات مطوّلة، كما التحق بعده عالم آخر منهم هو «المخيريق».
ولم يكتف اليهود بذلك أنّهم استخدموا أُسلوب المؤامرات والدسائس مثل: «فَرِّق تسد» لإضعاف المسلمين، وذلك باستغلال رواسب الماضي بين الأوس والخزرج، وإثارة العداء بينهم، وإقامة العلاقات السرية مع مشركي الأوس والخزرج والمنافقين، واشتراكهم صراحة في اعتداءات قريش على المسلمين في الحروب التي دارت بين الطرفين، فقدموا كلّدعم ومساندة للوثنيين والعمل لصالحهم، كما اشتهروا بنقض العهود والمواثيق، الأمر الذي أدّى إلى وقوع مصادمات وحروب مستمرة بينهم وبين المسلمين، نتج عنه إنهاء الوجود اليهودي في المدينة.
وقد أقام النبي (ص) في المدينة، منذ ربيع الأول من السنة الأولى للهجرة إلى شهر صفر من السنة الثانية. وأسلم في هذه الفترة من تبقّى من الأوس والخزرج، ولم يبق دار من دور الأنصار إلاّ أسلم أهلُها، ماعدا بعض الفروع والعوائل ممّن بقوا على شركهم، إلاّ أنّهم أسلموا بعد معركة بدر[٩].[١٠]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ روضة الكافي: ٢٨٠.
- ↑ محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ٩ـ١٠.
- ↑ وهنا قال الطبرسي: وروي: أن النبيّ(ص) لما قدم المدينة جاء النساء والصبيان فقلن:
طلع البدر علينا من ثنيّات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
ثم يعود إلى أخبار الرسول في قباء، بينما هذا الخبر عن نساء المدينة، فهو يقحمه بين أخبار قباء. وقد خلت سيرة ابن إسحاق وابن هشام وتواريخ اليعقوبي والطبري والمسعودي عن هذا الخبر. ولعل أول من نقله هو البيهقي (ت ٤٥٨) في دلائل النبوة ٢: ٢٣٣ ثم ابن حجر (ت ٨٥٢) في فتح الباري ٧: ٢٠٤ ثم السمهودي (ت ٩١١) في وفاء الوفاء ٤: ١١٧٢ ثم الديار بكري (ت ٩٨٢) في تاريخ الخميس ١: ٣٤١ ثم الحلبي (ت ١٠٤٤) في سيرته ٢: ٥٤. والسمهودي نقلها وقال: ولم أر لثنيّة الوداع ذكرا في سفر من الأسفار التي بجهة مكة. وقد قال قبله ياقوت الحموي (ت ٦٢٦) في معجم البلدان ٢: ٨٥: الثنيّة: كل عقبة في الجبل مسلوكة، وثنية الوداع - بفتح الواو - ثنية مشرفة على المدينة يطؤها من يريد مكة، سمّي لتوديع المسافرين. وكذلك في مراصد الاطلاع ١: ٣٠١. فقال السمهودي يرده: إن ثنيّات الوداع ليست من جهة مكة ولا يراها القادم من مكة إلى المدينة ولا يمر بها الّا اذا توجه إلى الشام فهي من جهة الشام. والظاهر أن مستند من جعلها من جهة مكة ما سبق من قول النسوة، وأن ذلك عند القدوم في الهجرة. ودور بني ساعدة في شامي المدينة، فلعله دخل المدينة من تلك الناحية. ولكن من نقل الخبر قال: ثم عدل ذات اليمين حتى نزل بقباء. فهل مرّ على بني ساعدة في المدينة قبل نزوله بقباء؟! هذا من المستبعد جدّا. وروى ابن شبّة في تاريخ المدينة ١: ٢٦٩ بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري: انما سميت ثنية الوداع لأن رسول الله أقبل من خيبر ومعه المسلمون ومعهم ازواجهم بالمتعة فقال لهم: دعوا ما بأيديكم من نساء المتعة. فارسلوهن فسمّيت ثنية الوداع، لتوديع النساء اللاتي استمتعوا بهن، كما في وفاء الوفاء ٢: ٢٧٥ وخلاصته: ٣٦١. فليست من قبل مكة، ولا كانت عند الهجرة بهذا الاسم. ويقال لها اليوم: كشك يوسف پاشا العثماني لانه هو الذي نقر الثنية ومهّد طريقها سنة ١٩١٤م كما في هامش تاريخ المدينة. - ↑ بينما مرّ في خبر الكليني عن علي بن الحسين(ع): أنه خطّ مسجدهم ونصب قبلتهم وصلّى بهم فيه الجمعة وخطب خطبتين، وسيأتي ذكر الخطبتين.
- ↑ لعلّ في هذا سهوا، فان سعد بن خيثمة الأنصاري من بني عمرو بن عوف في قباء، وكان عزبا كما مرّ، فلعله كان يتكفل ذلك اذ كان الرسول عندهم في قباء لا في المدينة.
- ↑ وهنا أيضا نقل الطبرسيّ عن (دلائل النبوة) للبيهقي عن أنس بن مالك: أنّ ناقة الرسول لما بركت على باب أبي أيّوب بجوار أسعد بن زرارة من بني النجار خرجن جوار لهم يضربن بالدفوف ويقلن:
نحن جوار من بني النجار يا حبّذا محمد من جار! فخرج إليهم رسول الله(ص) فقال: أتحبّونني؟! فقالوا: إي والله يا رسول الله. فقال: وأنا والله احبّكم. ثلاث مرّات. والخبر في دلائل النبوة ٢: ٢٣٤ هو أول من رواه، ولم يروه ابن إسحاق وابن هشام واليعقوبي والطبري والمسعودي. وهنا نلفت النظر إلى أنّ البيهقي كذلك هو أول من نقل خبر شعر جواري المدينة في استقبال الرسول(ص): طلع البدر علينا. والكلام هنا هو الكلام السابق، فالسند غير تام. وقد قال العلامة الحلي في كتابه: نهج الحق وكشف الصدق: قد رووا عنه(ع)، أنه: «لما قدم من سفر خرجن إليه نساء المدينة يلعبن بالدفّ فرحا بقدومه وهو يرقص باكمامه» ثم علّق عليه بقوله: هل يصدر هذا عن رئيس أو من له أدنى وقار؟! نعوذ بالله من هذه السقطات! مع أنه لو نسب أحدهم إلى مثل هذا قابله بالشتم والسبّ وتبرّأ منه، فكيف يجوز نسبة النبيّ(ص) إلى مثل هذه الأشياء التي يتبرّأ منها؟! كما في نهج الحق وكشف الصدق: ١٥١، ودلائل الصدق ١: ٣٨٩.
- ↑ محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ١٩ـ٢٣.
- ↑ السيرة الحلبية: ٢/ ٧١؛ تاريخ الخميس: ١/ ٣٤٥.
- ↑ السيرة النبوية: ١/ ٥٠.
- ↑ جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ١١١-١١٥.