مسجد النبي
بناء مسجد الرسول(ص)
نقل عن علي بن إبراهيم القمي قال: وكان(ص) يصلي بأصحابه في المربد[١] فقال لـ أسعد بن زرارة: اشتر هذا المربد من أصحابه.. فاشتراه بعشرة دنانير. وكان فيه ماء مستنقع فأمر به رسول الله فسيل، وأمر باللبن فضربت. وحفروا في الأرض، ثم أمر بالحجارة فنُقلت إليه من الحرَّة (موضع الحجارة السود خارج المدينة) فأقبل رسول الله يحمل حجراً على بطنه، فاستقبله اسيد بن حضير فقال: يا رسول الله أعطني أحمل عنك. قال: لا، اذهب فاحمل غيره.
فنقلوا الحجارة (يضعونها في حفرة الجدار) حتى بلغ وجه الأرض فبناه بالسعيدة: لبنة لبنة، ثم بناه بالسميط وهو لبنة ونصف، ثم بناه بالانثى والذكر: لبنتين مخالفتين، حتى رفع الحائط قدر قامة في مائة ذراع [٢].
هذا، وقد روى الكليني في «فروع الكافي» بسنده عن عبد الأعلى مولى آل سام قال: « قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ كَمْ كَانَ مَسْجِدُ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ ، قَالَ كَانَ ثَلاَثَةَ آلاَفٍ وَ سِتَّمِائَةِ ذِرَاعٍ مُكَسَّرَةً »[٣].
وظاهر الخبر السابق عن علي بن إبراهيم القمي: أن الأنحاء الثلاثة في البناء كان في مرة واحدة. بينما روى الخبر الكليني أيضاً عنه بسنده «عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ بَنَى مَسْجِدَهُ بِالسَّمِيطِ ثُمَّ إِنَّ اَلْمُسْلِمِينَ كَثُرُوا فَقَالُوا يَا رَسُولَ اَللَّهِ لَوْ أَمَرْتَ بِالْمَسْجِدِ فَزِيدَ فِيهِ فَقَالَ نَعَمْ فَأَمَرَ بِهِ فَزِيدَ فِيهِ وَ بَنَاهُ بِالسَّعِيدَةِ ثُمَّ إِنَّ اَلْمُسْلِمِينَ كَثُرُوا فَقَالُوا يَا رَسُولَ اَللَّهِ لَوْ أَمَرْتَ بِالْمَسْجِدِ فَزِيدَ فِيهِ فَقَالَ نَعَمْ فَأَمَرَ بِهِ فَزِيدَ فِيهِ وَ بَنَى جِدَارَهُ بِالْأُنْثَى وَ اَلذَّكَرِ ثُمَّ اِشْتَدَّ عَلَيْهِمُ اَلْحَرُّ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اَللَّهِ لَوْ أَمَرْتَ بِالْمَسْجِدِ فَظُلِّلَ فَقَالَ نَعَمْ فَأَمَرَ بِهِ فَأُقِيمَتْ فِيهِ سَوَارٍ مِنْ جُذُوعِ اَلنَّخْلِ ثُمَّ طُرِحَتْ عَلَيْهِ اَلْعَوَارِضُ وَ اَلْخَصَفُ وَ اَلْإِذْخِرُ فَعَاشُوا فِيهِ حَتَّى أَصَابَتْهُمُ اَلْأَمْطَارُ فَجَعَلَ اَلْمَسْجِدُ يَكِفُ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اَللَّهِ لَوْ أَمَرْتَ بِالْمَسْجِدِ فَطُيِّنَ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ لاَ عَرِيشٌ كَعَرِيشِ مُوسَى عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ كَانَ جِدَارُهُ قَبْلَ أَنْ يُظَلَّلَ قَامَةً فَكَانَ إِذَا كَانَ اَلْفَيْءُ ذِرَاعاً وَ هُوَ قَدْرُ مَرْبِضِ عَنْزٍ صَلَّى اَلظُّهْرَ وَ إِذَا كَانَ ضِعْفَ ذَلِكَ صَلَّى اَلْعَصْرَ وَ قَالَ اَلسَّمِيطُ لَبِنَةٌ لَبِنَةٌ وَ اَلسَّعِيدَةُ لَبِنَةٌ وَ نِصْفٌ وَ اَلذَّكَرُ وَ اَلْأُنْثَى لَبِنَتَانِ مُخَالِفَتَانِ »[٤].
وقال ابن شهرآشوب في «المناقب»: روي: أنه كان أصحاب النبي(ص) يستقبلونه وينصرفون عند الظهيرة، فدخلوا يوماً، فقدم النبي فأوّل من رآه رجل من اليهود فلما رآه صرخ باعلى صوته: يا بني قيلة[٥] هذا جدّكم[٦] قد جاء.
فنزل النبي(ص) على كلثوم بن هدم، وكان يخرج فيجلس للناس في بيت سعد بن خيثمة[٧].
وكان مقام علي(ع) بعد النبي بمكة ثلاث ليال، ثم لحق برسول الله فنزل معه. فأقام النبي(ص) بقباء يوم الاثنين والثلاثاء، والأربعاء والخميس، وأسّس مسجده. وفي يوم الجمعة (رحل) فصلى (صلاة) الجمعة في بطن وادي رانوناء في المسجد، فكانت أول صلاة (جمعة) صلاها بالمدينة.
(وكان الوادي لـ بني سالم بن عوف من الأوس أيضاً) فأتاه غسان بن مالك و عباس بن عبادة في رجال من بني سالم فقالوا: يا رسول الله، أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة. فقال: خلّوا سبيلها فانها مأمورة (يعني ناقته).
ثم تلقاه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو في رجال من بني بياضة. فقال كذلك.
ثم اعترضه سعد بن عبادة و المنذر بن عمرو في رجال من بني ساعدة (من الخزرج فقال كذلك). ثم اعترضه سعد بن الربيع و خارجة بن زيد و عبد الله بن رواحة في رجال من بني الحارث بن الخزرج (فقال كذلك).
فانطلقت (الناقة) حتى اذا وازت دار بني النجار بركت على مربد لغلامين يتيمين منهم، فلما بركت ولم ينزل رسول الله وثبت فسارت غير بعيد ثم التفتت إلى خلفها فرجعت إلى مبركها أول مرة فبركت، ثم تحلحلت ورزمت ووضعت جرانها[٨] فنزل عنها رسول الله، واحتمل أبو أيوب رحله فوضعه في بيته، ونزل النبي في بيت أبي أيّوب.
وسأل عن المربد فأخبر أنه لسهل وسهيل يتيمين لـ معاذ بن عفراء، فأرضاهما معاذ، وأمر النبي(ص) ببناء المسجد، وعمل فيه رسول الله بنفسه، فعمل فيه المهاجرون والأنصار، وأخذ المسلمون يرتجزون وهم يعملون قال بعضهم:
| لئن قعدنا والنبيّ يعمل | لذاك منّا العمل المضلل |
والنبيّ(ص) يقول:
| لا عيش الا عيش الآخرة | اللهم ارحم الأنصار والمهاجرة |
و علي(ع) يقول:
| لا يستوي من يعمل المساجدا | يدأب فيها قائماً وقاعدا |
من يرى عن الغبار حائدا[٩]
ثم بنيت مساكنه[١٠] وبيوته، فانتقل من بيت أبي أيوب إليها.
وكان مدة مقامه عنده من شهر ربيع الأول إلى صفر من السنة القابلة[١١].[١٢]
الدور حول المسجد
بُنيت حول المسجد دور، اتخذ منها عبد الرحمن بن عوف دورا متعددة:
منهنّ الدار التي كان يقال لها «الدار الكبرى»، وانما سميت الدار الكبرى لأنها أول دار بناها أحد من المهاجرين بالمدينة، وقد بنى فيها النبي(ص) بيده، وكان عبد الرحمن ينزل فيها ضيفان رسول الله(ص)، فكانت تسمّى «دار الضيفان» وكانت على عهد النميري البصري بيد بعض ولد عبد الرحمن بن عوف.
ومنهن «دار القضاء» وانما سميت بذلك لأن عبد الرحمن بن عوف اعتزل فيها ليالي الشورى حتى قضي الأمر. باعها بنو عبد الرحمن من معاوية بن ابي سفيان، وكان فيها الدواوين وبيت المال فهدمها ابو العباس السفاح العباسي فصيرها رحبة للمسجد، فهي اليوم كذلك (على عهد النميري البصري).
ومنهن دار وهبها عبد الرحمن بن عوف فيما بعد لـ عبد الله بن مكمل بن عوف (ابن اخيه) وباعها آل مكمل من المهدي العباسي فكانت بأيدي بعض ولده (ثم ادخلت في المسجد).
ومنهن دار أنزلها ابن عوف فيما بعد مليكة بنت سنان المرية، قدمت المدينة في خلافة أبي بكر فقال: من ينزل هذه المرأة فأنزلها عبد الرحمن داره، فسميت دار مليكة. ثم باعها سهيل بن عبد الرحمن بن عوف من عبد الله بن جعفر فباعها عبد الله من معاوية بن أبي سفيان، فلما ولي المهدي العباسي أدخلها في المسجد.
وكنّ هذه الدور ثلاث يدعين «القرائن» وهي ثلاث جنابذ (أي قبب) أدخلن في المسجد[١٣].
وروى النميري البصري بسنده عن يحيى بن جعدة قال: لما قدم رسول الله المدينة أقطع الدور للناس[١٤].
ثم قال النميري البصري: وقد أخبرني مخبر: أن منها دار نعيم بن عبد الله النحام العدوي، التي بابها باتجاه زاوية رحبة دار القضاء فهي بأيدي ولده على حيازة الصدقات[١٥] وهي في غربيّ المسجد جوار دار ابن مكمل والطريق بينهما قدر ست أذرع.
ثم إلى جنب دار النحام: الدار التي منها اطم حسّان بن ثابت التي كان يقال لها «الفارع» والتي دخل فيها بيت عاتكة بنت يزيد بن معاوية، وصارت إلى جعفر بن يحيى البرمكي ثم صودرت منه.
ثم دار كانت لـ سكينة بنت الحسين بن علي(ع) ثم صارت إلى «نصير» أو «معين» مولى المهدي (او نصير صاحب المصلى).
ثم إلى جنبها الطريق ست أذرع.
ثم إلى جنب الطريق: دار كانت لـ عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وهي الدار التي صارت لمنيرة مولاة أم موسى الهادي العباسي[١٦]، ثم صارت بعد ليحيى بن خالد البرمكي، ثم صودرت[١٧].
ثم إلى جنبها حشّ (أي نخل صغار لا تسقى) لـ طلحة بن أبي طلحة الأنصاري، ثم صارت لآل برمك ثم صودرت وهي اليوم خراب.
ثم إلى جنبها الطريق خمس أذرع.
ثم إلى جنب الطريق أبيات كانت لحباب مولى عتبة بن غزوان ثم صارت لخالصة مولاة الخليفة العباسي، فباعتها لابني حرملة الأسود الفزي مولى هارون الرشيد.
ثم إلى جنبها دار لـ أبي المغيث بن المغيرة بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، أوقفها صدقة بيد بني عذير.
ثم إلى جنبها بقية دار عبد الله بن مسعود، صارت لـ جعفر بن يحيى البرمكي ثم صودرت منه (هذا كله في غربيّ المسجد).
ثم من الشرق: دار ابتاعها عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(ع) وشاركه فيها موسى بن إبراهيم المخزومي، وظن عبيد الله أنّ موسى يريد الربح فتركها له.
ثم دار عمرو بن العاص ثم دار خالد بن الوليد ثم دار جبلة بن عمر الساعدي، ثم صارت لـ سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان، ثم صارت إلى أسماء بنت الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس.
ثم دار ربطة بنت أبي العباس، وهي اليوم لولدها.
ثم الطريق بينها وبين دار عثمان بن عفان خمس أذرع.
ثم دار عثمان... ثم الطريق بعد دار عثمان.
ثم دار أبي أيوب الأنصاري، الذي نزله رسول الله، وابتاعه منه المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي، وجعل فيه ماء يستقى منه في المسجد.
ثم إلى جنبه دار حارثة بن النعمان الأنصاري، فصارت إلى جعفر بن محمد بن علي الصادق(ع).
ثم الطريق بينها وبين دار إبراهيم بن هشام المخزومي، فصارت إلى أبي مسلم مولى بني العباس ثم إلى جنبها بيت عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام، ثم دار عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي[١٨].
هذه هي كل الدور التي ذكرها النميري البصري في كتابه «أخبار المدينة» تحت عنوان: «الدور الشوارع على مسجد النبي(ص) اليوم» ولذلك لم يذكر فيها من دور بني هاشم سوى دور: عبد الله بن جعفر، وذكر أنه اشتراها من سهيل بن عبد الرحمن بن عوف. ودار سكينة بنت الحسين(ع)، ودار الإمام جعفر بن محمد الصادق(ع) اشتراها من حارثة بن النعمان الأنصاري، ودار عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين(ع) اشتراها. ولم يذكر ما بينها دارا لعلي(ع) شارعة إلى المسجد.
نعم مرّ ذكره لدار عثمان بن عفان، وذكر دارا لأبي بكر في ذكره لدور بني تيم قال: واتخذ أبو بكر دارا قبالة الدار الصغرى لعثمان في زقاق البقيع، واتخذ داراً أخرى عند المسجد، وهو الذي قال فيه رسول الله(ص): «سدّوا عنّي هذه الأبواب الا ما كان من باب أبي بكر» او قال: «سدّوا عنّي هذه الأبواب الا ما كان من خوخة أبي بكر»[١٩].
وقد مرّ عنه: أنّ «دار القضاء» كانت من دور عبد الرحمن بن عوف في رواية، ولكنه قال: وسمعت من غير واحد: أن رحبة القضاء كانت لـ عمر بن الخطاب، وأنها انما سمّيت رحبة القضاء لأنه أوصى أن تباع بعد وفاته لدين كان عليه، فسمّيت «دار القضاء» فلما ولي معاوية اشتراها، وفي سنة ثمان وثلاثين ومائة هدمها والي المدينة زياد بن عبيد الله وجعلها رحبة للمسجد وقسط اجرة هدمها على أهل السوق فلحق كل واحد منهم أربعة دوانيق[٢٠].
ثم ذكر النميري البصري محالّ القبائل من المهاجرين، فذكر دارا لـ جهينة بن زيد، ودارين للـ مصطلق بن سعد و كعب بن عمرو، وثلاث منازل لـ بني أفصى، وثلاث منازل لـ بني قيس بن عيلان، واثني عشر منزلاً (اثنتي عشرة) اسرة. ومن قريش بدأ بـ بني أسد بن عبد العزى: الزبير بن العوام وأخيه عبد الرحمن بن العوام و حكيم بن حزام و نوفل بن عدي و هبّار بن الأسود و ذؤيب بن حبيب.
وذكر دار طليب بن كثير من عبد قصي.
ودار عمرو بن العاص من بني سهم.
ودارين لـ بني محارب بن فهر.
وثلاث دور لـ بني جمح.
وأربع دور لـ بني تيم: أبي بكر وابنته «أسماء» و طلحة بن عبيد الله وحليفهم صهيب الرومي.
وست دور لـ بني عامر بن لؤي منهم عبد الله بن أبي سرح (ولم يكن من المهاجرين الأولين) وثماني دور لـ بني عدي بن كعب منهم عمر وابنه عبد الله بن عمر.
وثماني دور لـ بني مخزوم منهم الأرقم بن أبي الأرقم، و خالد بن الوليد (بعد الفتح) وداراً لـ عمار بن ياسر حليفهم بناها له عمر عند رجوعه من الشام، وهبتها له أم سلمة زوج النبي(ص) فبعضها اليوم بأيدي بعض ولده، وبعضها باعوها فصارت إلى الفضل بن يحيى البرمكي. وكانت لعمار قبلها دار اخرى ادخلت في المسجد في الضلع الغربي اليماني منه.
وذكر دارا لحليفهم الآخر: خراش بن أمية الكعبي، وقال: انها كانت بين زقاق الصفارين وبابها شارع في سوق الخبازين، وأوقفها على ولده[٢١].
وفي دور بني زهرة ذكر خمس دور لـ عبد الرحمن بن عوف الزهري: «دار مليكة» و«دار القضاء» و«الدار الذميمة» و«دار الضيفان الكبرى» وداراً باعها ابنه سهيل لعبد الله بن جعفر فباعها لمعاوية فصارت لمنيرة ثم صارت ليحيى البرمكي ثم صودرت. وذكر أن ثلاثا منها كانت تدعى «القرائن» و«الجنابذ» أي القباب، ادخلت في المسجد.
واتخذ أخوه عبد الله بن عوف داراً فهي صدقة في ولده. وذكر أن سعد بن أبي وقاص الزهري اتخذ دارا بالمصلّى عند زقاق الحمارين.
وكانت له داران بالبقّال، وكانت لأبي رافع القبطي دار قريبة فساومه عليها سعد فكان أبو رافع يريدها بخمسمائة دينار، وسعد يقول: لا والله لا أزيدك على أربعة آلاف منجّمة (أي مقسّطة) فناقله أبو رافع على ذلك. ثم أوقفهما سعد على ذريته.
واتخذ سعد داراً أخرى بالبلاط قبال دار إبراهيم بن هشام المخزومي. فلما قدم سعد من العراق وقاسم أمواله عمر على مقاسمته لأموال عماله قاسمه داره هذه، بالنصف، فوهب نصفها لامرأة تدعى «جبّى» كانت قد أرضعت عمرا، فكانت بيدها حتى سمعت نقيضا في سقف البيت، فقالت: والله لا سكنت هذا البيت، فخرجت منه ثم باعت الدار لبعض ولد عمر بن الخطاب فهي بأيديهم إلى اليوم. وباع سعد النصف الباقي له لعثمان بن عفان باثني عشر الف درهم، ثم صارت لعمرو بن عثمان. واتخذ اخواه عامر بن أبي وقاص داره، و عتبة بن أبي وقاص داره بالبلاط، وكانت بايدي ولديهما حتى ابتاعه الربيع حاجب المنصور من ولد عتبة بدارهم.
وذكر لهم دارين آخرين لـ عبد الرحمن بن ازهر و مخرمة بن نوفل، وهي في زاوية المسجد عند المنارة الشرقية اليمانية، فاشترى المهدي بعضها فأدخله في رحبة المسجد، وصارت بقيتها لآل برمك ثم صودرت اليوم.
وذكر أن المقداد بن عمرو البهرائي (ابن الاسود الكندي) حليف بني مخزوم اتخذ دارين صارتا إلى ولد ابنته من وهب بن عبد الله الأسدي، باعوا احداهما لـ يزيد بن عبد الملك والاخرى بأيديهم في بني جديلة يقال لها: دار المقداد[٢٢].
قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله في بيت أبي أيوب حتى بني له مسجده ومساكنه، ثم انتقل من بيت أبي أيوب إلى مساكنه[٢٣] ولم يعين مدة ذلك.
وقد مرّ عن ابن شهرآشوب في «المناقب» قال: كان مدة مقامه عنده من شهر ربيع الأول إلى صفر من السنة القابلة[٢٤] وقيل سبعة أشهر، وقيل شهراً واحداً[٢٥].
وفي «وفاء الوفاء» للسمهودي قال: استظهر الشمس الذهبي: أنه(ص) بنى أولاً بيت سودة، ثم لما احتاج إلى منزل عائشة بناه، وهكذا سائر بيوته بناها في أوقات مختلفة[٢٦].
وقد خرجت عائشة من مكة إلى المدينة مع أخيها «عبد الله» وأُمها أم رومان ومعهم طلحة بن عبيد الله التيمي بعد أن رجع إليهم من المدينة عبد الله بن اريقط فأخبرهم بمكان أبيهم بالسنح من المدينة [٢٧].
أما علي(ع) فانما حمل معه أمه فاطمة بنت أسد ومعها من بنات الرسول فاطمة وأما سائر بناته: فزينب مع زوجها أبي العاص بن الربيع، ورقية مع زوجها عثمان في هجرة الحبشة، وأما أمّ كلثوم فقد مرّ أن عكرمة كان قد طلّقها ولم يذكر أنها هاجرت إلى الحبشة، ولم يذكر أن علياً(ع) حملها مع اختها فاطمة إلى المدينة. ولكن قالوا: إن رسول الله بعث أبا رافع القبطي و زيد بن حارثة الكلبي من المدينة إلى مكة فحملا إليه زوجته سودة بنت زمعة وسائر بناته[٢٨] بل هي أم كلثوم فقط. ويبدو أنّ ذلك كان قبل دخوله بعائشة لما مرّ أنّ أوّل بيت بناه كان لسودة ثم لعائشة فيبدو أن ذلك كان في الشهر السابع رمضان قبل دخوله بعائشة في الشهر الثامن شوال، وعليه فمدة اقامته بدار أبي أيوب سبعة أشهر وفيها بنى مسجده وبيته.[٢٩]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ المربد: موضع نزول الابل، وتجفيف التمور.
- ↑ إعلام الورى ١: ١٥٩ بتغيير يسير في الترتيب. ونقله القطب الراوندي في قصص الأنبياء: ٣٣٨.
- ↑ فروع الكافي ١: ٨١ و٣١٧. والصدوق في الفقيه ١: ٧٥ والطوسي في التهذيب ١: ٣٢٧. كما في الوسائل ٣: ٥٤٦.
- ↑ فروع الكافي ١: ٨١ والصدوق في معاني الأخبار: ٥١ والطوسي في التهذيب ١: ٣٢٧.
- ↑ أم الأوس والخزرج.
- ↑ أي: عظيمكم أو حظّكم.
- ↑ ومرّ ما انفرد به اليعقوبي ٢: ٤١.
- ↑ أي تحركت وتثاقلت ووضعت رقبتها على الأرض لتبرك فيه.
- ↑ قال ابن إسحاق: فأخذها عمار بن ياسر فجعل يرتجز بها، فلما أكثر ظنّ عثمان بن عفان أن عماراً انما يعرض به فقال له: يابن سُميّة، قد سمعت ما تقول منذ اليوم - وكان بيده عصا فقال - والله إني لاراني - أعرض هذه العصا لأنفك! وسمعه رسول الله (ص) وسلّم فغضب وقال: ما لهم ولعمار: يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النار، إنّ عمّاراً جلدة ما بين عيني وأنفي. وكره ابن هشام أن يسمّى عثمان فقال: ظن رجل من أصحاب رسول الله! ثمّ قال: وقد سمّى ابن إسحاق الرجل! وقال السهيلي: فلا ينبغي البحث عن اسمه! سيرة ابن هشام ٢: ١٤٢-١٤٣.
- ↑ كما في ابن هشام ٢: ١٤٣ وفي وفاء الوفاء ٢: ٤٦٢ عن الذهبي: أنه(ص) بنى أولا بيت سودة ثم لما احتاج إلى منزل لعائشة بناه وهكذا سائر بيوته بناها في اوقات مختلفة.
- ↑ مناقب آل أبي طالب ١: ١٨٤-١٨٦ يبدو أنه مختصر خبر سيرة ابن هشام ٢: ١٣٨-١٤٢ ما دون مدة اقامته بدار أبي أيوب، وقيل سبعة أشهر وقيل شهرا واحدا كما في وفاء الوفاء ١: ٢٦٥ والسيرة الحلبية ٢: ٦٤، والقول الوسط أضبط، كما سيأتي ذلك.
- ↑ محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ٢٤ـ٢٨.
- ↑ تاريخ المدينة ١: ٢٣٢-٢٣٥.
- ↑ تاريخ المدينة ١: ٢٤٢.
- ↑ تاريخ المدينة ١: ٢٤٧ بينما قال ابن حجر في الاصابة ٣: ٥٣٨: ذكر عمر بن شبّة في أخبار المدينة عن أبي عبيد المدني قال: ابتاع مروان من النحام داره بثلاثمائة درهم فأدخلها في داره. والنحام هنا إبراهيم بن نعيم. وهذا يخالف ما نقلناه هنا عن المؤلف والكتاب نفسهما.
- ↑ تاريخ المدينة ١: ٢٥٨.
- ↑ تاريخ المدينة ١: ٢٣٤.
- ↑ تاريخ المدينة ١: ٢٥٦-٢٦٠.
- ↑ تاريخ المدينة ١: ٢٤٢ وعلق عليه المحقق نقلا عن النهاية في غريب الحديث والرواية لابن الأثير ٢: ٨٦ الّا خوخة علي. والخوخة: باب صغير كالنافذة الكبيرة تكون بين بيتين.
- ↑ جمع دانق معرّب: دانه أي واحدة، وهي سدس الدرهم.
- ↑ تاريخ المدينة ١: ٢٤٣-٢٤٦.
- ↑ تاريخ المدينة ١: ٢٢٢-٢٤١.
- ↑ سيرة ابن هشام ٢: ١٤٣.
- ↑ مناقب آل أبي طالب ١: ١٨٦.
- ↑ وفاء الوفاء ١: ٢٦٥ والسيرة الحلبية ٢: ٦٤.
- ↑ وفاء الوفاء ٢: ٤٦٢.
- ↑ الطبري ٢: ٤٠٠ وعنه الكازروني في المنتقى وعنه في بحار الأنوار ١٩: ١٢٩.
- ↑ الطبري ٢: ٤٠٠ وعنه الكازروني في المنتقى وعنه في بحار الأنوار ١٩: ١٢٩.
- ↑ محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ٣٦ـ٤٣.