الشفاعة عند السلفية والوهابية

من إمامةبيديا

التعريف

التعريف لغةً

قال ابن فارس: «الشين والفاء والعين أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على مقارنة الشيئين، من ذلك الشَّفْع خلاف الوَتْر. تقول: كان فرداً فشفَعْتُه، وشَفَعَ فلانٌ لفلانٍ؛ إذا جاء ثانِيه ملتمساً مطلبه ومُعِيناً له»[١].

وشَفع لي يشفع شفاعة وتَشفّع: طلب[٢].

والشَّفع: الزيادة، والشفاعة: كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره.

والشافع: الطالب لغيره يستشفع به إلى المطلوب [٣].

التعريف شرعاً

قال ابن حجر: «الشفاعة وهي انضمام الأدنى إلى الأعلى ليستعين به على ما يرومه»[٤].

وقيل: «الشفاعة هي التوسط بالقول في وصول شخص إلى منفعة من المنافع الدنيوية أو الأخروية أو خلاصه من مضرة ما»[٥].

وقيل: «هي التوسط للغير بجلب منفعة، أو دفع مضرة»[٦].

العلاقة بين المعنى اللغوي والشرعي

مناسبة المعنى الشرعي للاشتقاق ظاهرة؛ لأنك إذا توسطت له؛ صرت معه شفعاً تشفعه [٧].

الحكم

حكم الشفاعة يتضح بالنظر إلى شروطها وأقسامها، فالشفاعة الشرعية درجة عالية يقوم بها أفضل الخلق، وهم الأنبياء والملائكة والمؤمنون، ويختص نبينا (ص) لفضله ببعض أنواعها. أما ما فقد شروط الشفاعة الشرعية فمنه ما هو محرم ومنه ما هو كفر، كما سيأتي في مذهب المخالفين.

الحقيقة

حقيقة الشفاعة: أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع؛ ليكرمه[٨].

الأدلة: دلَّ الكتاب والسُّنَّة على إثبات الشفاعة عند الله يوم القيامة.

فمن الكتاب قوله سبحانه وتعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ[٩]. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ[١٠] . وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى[١١].

وأما من السُّنَّة ؛ فالأحاديث في إثبات الشفاعة كثيرة جدّاً، وقد صرح الأئمة المحققون بتواترها، ومنها قوله (ص) في حديث الشفاعة الطويل: «... ثُمَّ أخِرُّ له سَاجِداً، فيُقَالُ: يا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وقُلْ يُسْمَعْ، وسَلْ تُعْطَهْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، فأقُولُ: يا رَبِّ ائْذَنْ لي فِيمَن قالَ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فيَقولُ: وعِزَّتي وجَلَالِي، وكِبْرِيَائِي وعَظَمَتي لَأُخْرِجَنَّ منها مَن قالَ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ....»[١٢].

أقوال أهل العلم

قال أبو بكر الإسماعيلي مبيناً عقيدة أهل السُّنَّة: «ويقولون: إن الله يخرج من النار قوماً من أهل التوحيد بشفاعة الشافعين برحمته، وإن الشفاعة حق»[١٣].

وقال الطحاوي: «والشفاعة التي ادخرها لهم حق، كما روي في الأخبار»[١٤].

وقال ابن تيمية: «وكذلك في أحاديث الشفاعة كلها إنما يشفع في أهل التوحيد، فبحسب توحيد العبد لله وإخلاصه دينه لله، يستحق كرامة الشفاعة وغيرها»[١٥].

وقال ابن القيِّم: «فأخبر أن الشفاعة لمن له ملك السماوات والأرض وهو الله وحده، فهو الذي يشفع بنفسه إلى نفسه ليرحم عبده، فيأذن هو لمن يشاء أن يشفع فيه، فصارت الشفاعة في الحقيقة إنما هي له، والذي يشفع عنده إنما يشفع بإذنه له، وأمره، بعد شفاعته سبحانه إلى نفسه، وهي إرادته من نفسه أن يرحم عبده، وهذا ضد الشفاعة الشركية»[١٦].

الشروط

لا تصح الشفاعة عند الله سبحانه وتعالى إلا بشرطين[١٧]:

  1. إذن الله سبحانه وتعالى للشافع أن يشفع، بدليل قوله سبحانه وتعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ[١٨]، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ[١٩].
  2. رضا الله عن المشفوع له، بدليل قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى[٢٠].

الأقسام

الشفاعة تنقسم إلى قسمين:

  1. باطلة منفية، وهي ما فقدت أحد شروط الشفاعة السابقة.
  2. صحيحة مثبتة، وهي ما تحققت فيها شروط الشفاعة[٢١].

وقد ثبت لنبينا محمد (ص) منها ثمانية أنواع يوم القيامة، منها ما هو خاص به، ومنها ما يشاركه فيها غيره من الأنبياء والملائكة والمؤمنين، وهي[٢٢]:

  1. الشفاعة العظمى، وهي شفاعته (ص) في أهل الموقف أن يقضي الله بينهم، وهذه الشفاعة مما اختص بها نبيِّنا (ص) على غيره من الرسل صلوات الله عليهم.
  2. شفاعته (ص) في قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم فيشفع فيهم أن يدخلوا الجنة.
  3. شفاعته (ص) في أقوام قد أُمر بهم إلى النار أن لا يدخلوها.
  4. شفاعته (ص) في رفع درجات من يدخل الجنة فيها فوق ما كان يقتضيه ثواب أعمالهم.
  5. شفاعته (ص) في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب.
  6. شفاعته (ص) في تخفيف العذاب عمن كان يستحقه كشفاعته في عمه أبي طالب.
  7. شفاعته (ص) في أهل الجنة أن يؤذن لهم بدخول الجنة.
  8. شفاعته (ص) في أهل الكبائر من أمته ممن دخل النار أن يخرج منها.

الفروق

الفرق بين الشفاعة والتوسل:

أن الشفاعة فيها طلب، وإذن، ورضا، ويقوم الشفيع بطلب الشفاعة من الرب.

أما التوسل فهو التقرب بالعمل الصالح، فالذي يقوم بها هو المتوسل نفسه، وهو صاحب الحاجة.

وقد انتقد ابن تيمية العامة الذين يستعملون لفظ الشفاعة في معنى التوسل، وبيَّن أن هذا خطأ لغة وشرعاً. فيقول أحدهم: اللَّهُمَّ إنا نستشفع إليك بفلان وفلان؛ أي: نتوسل به، ويقولون لمن توسل في دعائه بنبيٍّ أو غيره، قد تشفع به من غير أن يكون المستشفع به شفع له ولا دعا له بل وقد يكون غائباً لم يسمع كلامه ولا شفع له، وهذا ليس هو لغة النبي (ص) وأصحابه وعلماء الأمة؛ بل ولا هو لغة العرب، فإن الاستشفاع طلب الشفاعة، والشافع هو الذي يشفع للسائل فيطلب له ما يطلب من المسؤول المدعو المشفوع إليه[٢٣].

تقرير السلفية والوهابية لعقائد مخالفيهم

يقول أبناء المذهب السلفي والوهابي:

المخالفون في الشفاعة على أقوال:

  1. قول المعتزلة والخوارج بإنكار شفاعة نبيِّنا (ص) وغيره في أهل الكبائر.
  2. المشركون والنصارى والمبتدعون من الغلاة في المشايخ وغيرهم يجعلون شفاعة من يعظمونه عند الله كالشفاعة المعروفة في الدنيا، فيسألونهم بغير إذنهم، وتجيب الملوك سؤالهم لحاجتهم إليهم، وهذا كفر.
  3. قول ابن سينا وأمثاله أن الشفاعة تنفع لتعلق الشفيع بالمشفوع وإن لم يكن هناك دعاء من الشفيع، وشُبِّه ذلك بشعاع الشمس الذي يظهر في المرآة، والمرآة تطرح شعاعها على الماء، والشعاع الذي على الماء يظهر فيه الحائط، وأن العبد إذا تعلق بالملائكة والأنبياء كان ما ينزل عليهم من الرحمة ينزل عليه من ذلك بتوسطهم، كما ينتفع أتباع المتبوع بما يحصل له من الجاه والمنزلة، وهذا الذي قاله هو شر من قول المشركين وهذه هي الشفاعة التي أبطلها الله ورسوله (ص)[٢٤].[٢٥]

المراجع والمصادر

  1. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة

الهوامش

  1. مقاييس اللغة (٣/٢٠١) [دار الفكر].
  2. انظر: لسان العرب (٨/١٨٤) [دار صادر].
  3. انظر: تهذيب اللغة (١/٤٣٦ ـ ٤٣٧) [الدار المصرية للتأليف والترجمة].
  4. فتح الباري (١١ / ٤٣٣) [دار الفكر]
  5. تفسير أبي السعود (٢/٢١٠) [دار إحياء التراث العربي]، وانظر: روح المعاني (٥/٩٧) [دار إحياء التراث العربي].
  6. انظر: شرح الواسطية لابن عثيمين (٢/١٦٨) [دار ابن الجوزي، ط٢، ١٤١٥هـ].
  7. انظر: شرح الواسطية لابن عثيمين (٢/١٦٨).
  8. انظر: تيسير العزيز الحميد (٢٩٥).
  9. سورة البقرة، الآية ٢٥٥.
  10. سورة سبأ، الآية ٢٣.
  11. سورة الأنبياء، الآية ٢٨.
  12. أخرجه البخاري (كتاب التوحيد، رقم ٧٥١٠)، وبنحوه مسلم (كتاب الإيمان، رقم ١٩٣).
  13. اعتقاد أهل السُّنَّة (٤٣).
  14. متن العقيدة الطحاوية (١٠).
  15. مجموع الفتاوى (٢٧/٤٤١).
  16. إغاثة اللهفان (١/٢٢٠).
  17. انظر: تيسير العزيز الحميد (٢٧٩) [الدار البيضاء للنشر، ط٣، ١٤١٢هـ].
  18. سورة البقرة، الآية ٢٥٥.
  19. سورة سبأ، الآية ٢٣.
  20. سورة الأنبياء، الآية ٢٨.
  21. انظر: مجموع الفتاوى (١/٣٣٢) [مكتبة النهضة الحديثة، ١٤٠٤هـ]، شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (٢/١٦٨).
  22. انظر: شرح العقيدة الطحاوية (١/٢٨٣ ـ ٢٩٠) [مؤسسة الرسالة، ط١]، وفتح الباري (١١/٤٢٨).
  23. انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (٣٢).
  24. انظر: الرد على البكري (١/١٥٦) [مكتبة الغرباء الأثرية، ط١، ١٤١٧هـ].
  25. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج٤، ص١٦٨٨.