الشفاعة في علم الكلام

من إمامةبيديا

شبهة عدم تناسب الشفاعة مع العدالة

تمّ التأكيد في التعاليم الدينية على أن مسألة الشفاعة تعدّ واحدة من سُبل نجاة العبد المذنب من العقاب في الآخرة، بمعنى أن يكون الفرد بحسب أعماله مستحقاً للعذاب والعقاب ولكن يتمّ التكفير عن ذنوبه بوساطة من شخص ثالث، وينجو من العذاب بهذه الوساطة.

وقد ذكرت النصوص الدينية من بين من تكون لهم الوساطة والشفاعة النبي الأكرم(ص) والأئمة (ع)، والشهداء والصالحون وأمثالهم. كما تمّ التأكيد في النصوص الدينية على أن الشفاعة لا تشمل كل شخص، وإنما تقتصر على أناس بعينهم مثل:المسلمين أو الشيعة الذين تتوفر فيهم بعض المواصفات.

وقد ذهب التصوّر ببعض من الناس أن من الصعب الحصول على مرضاة الله وعفوه عن العصاة والمذنبين ومن هنا يتعيّن البحث عن وسطاء وشفعاء. وقد أدّت هذه القراءة للشفاعة بالملحدين إلى إثارة الشبهة حول عدالة الله بسبب اختصاص الشفاعة ببعض الجماعات. وقد وجد المخالفون للتشيّع أن الشفاعة - بسبب توظيفها للوسائط وإلغائها لدور الله - متعارضة مع التوحيد العبادي والربوبي.

وعليه يطرح هذا التساؤل نفسه: ألا تعتبر الشفاعة نوعاً من التمييز العنصري والأبرتايد الديني في يوم القيامة؟

مناقشة وتحليل

إن الإجابة عن هذه الشبهة باختصار.

الإجابة عن الشبهة على أساس اعتبارية العقوبات الأخروية

إن مثل هذا الإشكال ينشأ من عدم الفهم الصحيح لمعنى الشفاعة. وفيما يأتي نشير إلى المعنى الصحيح لهذا المفهوم.

لقد تمّ تعريف الشفاعة اصطلاحاً بالعفو عن الذنوب، وفي بعض الموارد بإعطاء الثواب والمنزلة، إلا أن ذلك لا يتمّ بشكل مطلق ودون قيد وشرط. إذ يؤكد القائلون بالشفاعة على مسألة الاستحقاق وأرضية الحصول على الشفاعة بالنسبة إلى الشخص الذي يُشفع له (المشفوع له)، بمعنى أن شمول الشفاعة لا يعمّ الجميع، وإنما يخصّ بعضاً من المنتجبين وفقاً لبعض الملاكات والشروط، ومنها الأهلية والاستحقاق قال السيد المرتضى: «حقيقة الشفاعة وفائدتها: طلب إسقاط العقاب عن مستحقه»[١]. من باب المثال: إن الطالب الذي يرتكب خطأ صغيراً للمرّة الأولى، أو الذي تكون درجته على الحافة - بحسب المصطلح الشائع - ويحتاج إلى درجة أو درجتين لينتقل إلى المرحلة العليا، يتوسّل إلى أستاذه من خلال توسيط شخص كي يتسامح معه، أو الشخص الذي يرتكب جريمة في لحظة غضب وبعبارة أخرى: لا يكون مجرماً محترفاً، ويكون نادماً على ما بدر منه حقيقة؛ فيطلب من المظلوم والشاكي أو القاضي أن يصفح عنه، أو يسأله تخفيف العقوبة عنه.

إن هذين المثالين ناظران إلى وجود الأهلية والاستحقاق بالنسبة إلى مرتكب الخطأ نفسه. وهناك موارد أخرى يتمّ فيها الصفح والعفو عن الخاطئ بسبب انتسابه إلى شخصية بارزة أو مكان مرموق ومحترم، كأن يكون ابن الأستاذ أو المعلم، أو يكون محسناً أو بطلاً وطنياً، ويرتكب خطأ للمرّة الأولى في حياته، فيمكن للمظلوم أو الشاكي أن يتنازل عن حقه الخاص.

في هذا النوع من الأمثلة يُعدّ صفح الأستاذ أو منحه الطالب المستحق درجة أو درجتين، والعفو أو التخفيف في عقوبة الخاطئ من قبل الشاكي أو المحكمة أمراً عقلائياً ومقبولاً. والشاهد على ذلك هو قيام السيرة وحكم العقلاء في العالم، ووجود قانون العفو العام أو تخفيف العقوبات في جميع المحاكم في العالم أو أغلبها.

إن جميع أنواع الشفاعة في يوم القيامة ستكون على أساس وجود الأهليات والاستحقاقات من باب المثال: إن المذنبين سيتمّ تصنيفهم يوم القيامة بحسب حجم معاصيهم، وإن الصفح أو تخفيف العقوبات أو زيادة الثواب سيتم على أساس مقادير الذنوب وأعمال البر أو اقتراف المعاصي. فأصحاب الذنوب القليلة سيتمّ الصفح عنهم بشكل أسرع من ذوي المعاصي الكثيرة. وفيما يتعلق بأتباع الأنبياء والأئمة والمقربين منهم ستكون أرضية العفو والصفح ممهدة لهم بشكل أفضل من غيرهم، وهكذا بالنسبة إلى الكفار الذين يقومون بالكثير من أعمال البرّ في الدنيا، فإنهم يتمتعون بفرصة أكبر ليشملهم التخفيف أو رفع العذاب عنهم. وبعبارة أخرى: إن إعطاء الثواب أو العفو من قبل الله بوصفه شافعاً وعلة فاعلية ومفيضاً على الجميع بشكل متوازن ومشترك يفيض الخير على الجميع على قدم المساواة، ولكن فيما يتعلق بتحقق الفعل علاوة على العلة الفاعلية يُشترط تحقق العلة القابلة ومقدماتها أيضاً. إن الحصول على شفاعة الله وغيره من الشفعاء تتطلب علة قابلة واستحقاقاً وأهلية في شخص المشفوع له وإن نعمة الشفاعة الإلهية ستنزل على العبد بمقدار استحقاقه وأما الفاقد لهذا الاستحقاق فإنه سيُحرم من هذا الفيض الإلهي كما هو الحال بالنسبة إلى المطر الذي يهطل على التربة الخصبة والسبخة والصخرية، فإنه ينزل على جميع هذه الأنواع من الأرض بالسوية، ولكن التربة الخصبة وحدها هي التي ستمرع بالخضرة والثمار اليانعة دون الأرض السبخة والصخرية. وفي الحقيقة يمكن القول فيما يتعلق بالشفاعة وحصول الأفراد عليها: لا يوجد تمييز بين الناس، بل كل ما هنالك تفاوت بحسب الاستحقاق لا أكثر.

وقد أشارت الروايات إلى الشروط الضرورية التي يجب توفرها في الشخص المشمول للشفاعة، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلم أنه قال: «فَمَنْ سَرَّهُ أَنْ تَنْفَعَهُ شَفَاعَةُ اَلشَّافِعِينَ عِنْدَ اَللَّهِ فَلْيَطْلُبْ إِلَى اَللَّهِ أَنْ يَرْضَى عَنْهُ وَ اِعْلَمُوا أَنَّ أَحَداً مِنْ خَلْقِ اَللَّهِ لَمْ يُصِبْ رِضَا اَللَّهِ إِلاَّ بِطَاعَتِهِ وَ طَاعَةِ رَسُولِهِ وَ طَاعَةِ وُلاَةِ أَمْرِهِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ»[٢].

وإن أهمية العمل بالأحكام والواجبات الدينية فيما يتعلق باستحقاق الشفاعة تبلغ حدّاً بحيث أن الاستخفاف بها يؤدى إلى الحرمان من الشفاعة؛ فقد روي عن النبي الأكرم(ص) أنه قال: «لاَ يَنَالُ شَفَاعَتِي مَنِ اِسْتَخَفَّ بِصَلاَتِهِ»[٣].

الإجابة عن الشبهة على أساس تكوينية العقوبات الأخروية

يذهب أكثر الفلاسفة والعرفاء إلى القول بأن العذاب والثواب في الآخرة ليس اعتبارياً، وإنما هو تكويني. وإن مسألة الشفاعة من هذا القبيل أيضاً.

فقد تقدمّ أنهم يعتقدون بأن الثواب والعذاب في الآخرة لا يأتي من خارج وجود الإنسان، وإنما ينشآن داخله ومن صميم ذاته وكيانه. وقد سبق أن ذكرنا بأن النفس الإنسانية من خلال اكتساب الأعمال - الأعم من الصالحة أو الطالحة - وانعكاسها وانطباعها واستقرارها في صقع النفس تتحول بالممارسة والتكرار إلى ملكات وإن هذه الملكات هي التي سيتبلور منها العذاب أو النعيم في الآخرة. وبعبارة أدق إن هذه الملكات تتجسّد على شكل عذاب أو نعيم. فإن الأعمال الحسنة من قبيل الصلاة والإحسان والبرّ بالآخرين وعلى رأسهم الأنبياء والأئمة، سوف تتمثّل على صور جميلة، وستعمل على فكاك رقبة العبد من النار بما يتناسب ومقدار عمله.

وبحصول الشفاعة في ذات المشفوع له تتحوّل الملكات الحسنة وتأخذ طريقها إلى التكامل وفي المقابل تأخذ الصور الضعيفة إلى الزوال والاضمحلال. وبسبب تغيير الموضوع سابقاً، بيد أن الحكم متوقف؛ بخلاف القول باعتبارية العذاب والشفاعة حيث لا يحدث تغيير أو تحوّل في ذات الشفيع.

وقد فسّر العلامة الطباطبائي حقيقة الشفاعة بتصرّف نفوس الكاملين من البشر - كالأنبياء مثلاً - في النفوس الضعيفة التي هي بحاجة إلى الشفاعة، وبذلك تزول الصور والهيئات الرذيلة والقبيحة[٤]. وقد أوضح ذلك من خلال التمثيل بالمريض الذي تغزو جسده المكروبات فتارة تكون مناعة الجسد قوية بحيث يتمكن من التغلب على المكروبات والامتثال للشفاء من تلقائه، وتارة تكون المناعة من الضعف بحيث يحتاج الإنسان إلى العلاج وتناول الدواء، وهنا يلعب الدواء دور الشفاعة. وينبغي الالتفات هنا إلى أن الدواء يعمل على تعزيز مناعة الجسد، وبذلك يبرز دور طبيعة الجسد في مواجهة المكروبات[٥].

وفي موضع آخر فسّر سماحته الشفاعة بتبديل ذنوب المشفوع له إلى حسنات، وتبعاً لذلك يتغيّر موضوع «الإنسان المذنب» إلى «إنسان غير مذنب»، وبذلك يرتفع العقاب أيضاً، وذلك إذ يقول: «إن فائدة الشفاعة تكمن في تبديل الذنوب التي توجب الفسق إلى حسنات .. إن حالة الشفاعة تتلخص في التحاق المشفوع له بالشافع أولاً، ومن ثمّ يتمّ تبديل أعماله السيئة إلى أعمال حسنة. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بقوله تعالى: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ[٦]؛ إذ لو لم يكن هناك أصل محفوظ بين المبدل والمبدل منه سيكون التبدل في الواقع من خلال إعدام المبدل وإيجاد المبدل منه، لا تبديل شيء بآخر»[٧].

وقد عمد العلامة إلى توضيح ذلك من خلال الإشارة إلى صحّة وسلامة الجسد، إذ إنّ الطبيعة قد زوّدت الجسد بوسائل دفاعية لمواجهة المكروبات، ولكن أحياناً لا تكفي هذه الوسائل الذاتية في الدفاع عن الجسد، ويكون الإنسان بحاجة إلى مراجعة الطبيب وتناول الأدوية لرفع مستوى مناعة الجسد وقدرته الدفاعية، وفى كلا الحالين تكون المقاومة للمكروبات من ذات الجسد[٨].

وقد عمد الأستاذ الشهيد مرتضى المطهري في كتابه القيّم «العدل الإلهي» إلى بيان مسألة الشفاعة بأسلوبه الشيق والبسيط؛ ليكون مفهوماً للقارئ الكريم، ولكنه لم يُشر إلى الآراء الفلسفية التي طرحها الفلاسفة الكبار بمن فيهم صدر المتألهين. ولم يكن سبب ذلك يعود إلى رفضه لتلك الآراء، وإنما لصعوبة فهمها[٩].

حصيلة الكلام أن شفاعة الله وغيره من الشفعاء ستقوم على أساس وجود العلة المقتضية والقابلة للشفاعة في المشفوع له بمعنى إذا كانت حسنات الإنسان أكثر من سيئاته، فإن أرضية الشفاعة ستكون أكثر خصباً، وإذا كان لدى الإنسان في الدنيا تعلق خاص بإنسان كامل مثل رسول الله(ص) والإمام علي (ع) أو الإمام الحسين (ع) مثلاً؛ بحيث يلهج بذكره والتدبّر في أخلاقه ونصائحه، أو كان مثلاً ممّن يشارك في مراسم العزاء على الإمام الحسين (ع)، فإنّ هذه الأعمال ستؤثر في صقع النفس وتتحوّل إلى ملكات حسنة، وسوف تتمثل له يوم القيامة على هيئات وصور جميلة تقضي على الصور والملكات العقابية أو تقلل منها، حيث يقال إن الإمام الحسين (ع)يشفعل لمثل هؤلاء الأشخاص.

الصورة الأخرى للشفاعة تتمثل باهتمام الشافع بالمشفوع له يوم القيامة، ولكن بشرط أن تتوفر لدى المشفوع له ملكات تتناسب مع مفهوم الشفاعة، فعلى سبيل المثال: إن حبّ الإمام علي (ع) أو الإمام الحسين (ع) يؤدي إلى خلق تكويني للملكات والصور الجميلة والنورانية في النفس، وبتبع ذلك سوف يتجلى هذا الفرد في يوم القيامة وهو يتمتع بأرضية أكثر من غيره خصباً للاستفادة من اهتمام هذين الإمامين الهمامين وشفاعتهما.

وفي الحقيقة فإن الملكات والأنوار النفسية تكون لها مثل جاذبية المغناطيس، وكلما كانت هذه الجاذبية أقوى، أمكن لها أن تستقطب كمية أكبر من الحديد. وهكذا الأمر بالنسبة إلى النفس فكلما كانت أقرب من الله وغيره من الشفعاء، أمكن لها أن تجتذب الفيض الإلهي وعناية الأولياء الكاملين واهتمامهم بصورة تكوينية.

المسألة الدقيقة الأخرى هي أن إفاضة الفيض والمغفرة من الله ومن غيره من الشفعاء تعمّ جميع الأفراد بالسوية ودونما استثناء، إلا أن بعض الناس لا يتمتعون بقابلية وقدرة اجتذاب الرحمة والشفاعة أو أنهم يمتلكونها بشكل ضعيف، مثل المطر الذي ينزل على الأرض وتأخذ منه كل نبتة بمقدار ظرفيتها وقدرتها الاستيعابية، في حين لا تحصل الأرض الجرداء من نعمة المطر على شيء أبداً.[١٠]

المراجع والمصادر

  1. محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية

الهوامش

  1. السيد المرتضى الشافي، رسائل الشريف المرتضى، ج ٢، ص ٢٧٣.
  2. محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٧٥، ص ٢٢٠.
  3. محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٨١، ص ٢٤١.
  4. انظر: العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج ١، ص ١٨٣ ١٨٤.
  5. انظر: العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي إنسان از آغاز تا انجام (الإنسان من المبدأ إلى المعاد ص ١٧٥.
  6. سورة الفرقان، الآية ٧٠.
  7. انظر: العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي إنسان از آغاز تا انجام (الإنسان من المبدأ إلى المعاد ص ١٧٤-١٧٦.
  8. انظر: العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي إنسان از آغاز تا انجام (الإنسان من المبدأ إلى المعاد ص ١٧٥.
  9. إن لصدر المتألهين في تفسيره لسورة الحديد بياناً دقيقاً وعلمياً. فإنه من خلال تعميم البحث قام بطرح مسألة العلل الذاتية والعلل الاتفاقية، ومسألة الغايات الذاتية والغايات العرضية ثم يدخل في تفاصيل البحث ليبين كيف يكون للعلل الاتفاقية في هذا العالم - الذي لا يقتصر على المجتمعات البشرية - أن تحدد مصير شيء، أو تحول دون وصوله إلى غايته الذاتية، فيقنع ببلوغ غايته العرضية، بيد أن عالم الآخرة بعيد عن تأثيرات العلل الاتفاقية والعرضية. ولمّا كان المستوى العلمي لهذا البحث عال جداً، فإننا نؤثر الإحجام عن الدخول في تفاصيله ونكتفي بإحالة أهل الفضل إلى كلمات صدر المتألهين في تفسيره القيم.
  10. محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٢٥٩.