المعراج في علم الكلام

من إمامةبيديا

شبهة المعراج

إن من بين معجزات النبي الأكرم (ص) معجزة المعراج التي تحققت على مرحلتين؛ المرحلة الأولى الإسراء من مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى وبيت المقدس، وكان ذلك في لحظة ليلية. والمرحلة الثانية العروج من المسجد الأقصى إلى السماوات، وما رافق ذلك من تفاصيل من قبيل رؤية الجنة وجهنم والملائكة على ما جاء في الروايات.

إلا أن الذين أنكروا المعراج أوردوا الشبهة على كلتا مرحلتيه، وقالوا بأن الرحلة بين مكة وبيت المقدس البالغة ٤٥٠ كيلومتراً كانت تستغرق عدّة أيام، ومن المستحيل القيام بها في لحظات قليلة[١].

أما المرحلة الثانية فهي تخالف العلوم التجريبية، بمعنى أن هناك موانع تقف في طريق الإيمان بالمعراج، من قبيل:

  1. إنّ الخروج والعروج من الأرض إلى السماء بشكل اعتيادي مع وجود قانون الجاذبية ليس أمراً ممكناً، فلكي نتغلب على قانون الجاذبية نحن بحاجة إلى سرعة تقدّر بأربعين ألف كيلومتر في الساعة.
  2. وفي حال النجاح في الخروج من الأرض، والعروج في السماء، سنواجه مانعاً آخر يتمثل بالتنفس والأوكسجين.
  3. إن المناخ في الفضاء الخارجي إما شديد الحرارة أو شديد البرودة بشكل لا يُطاق.
  4. يحتوي الفضاء الخارجي على مختلف أنواع الأشعة، من قبيل الأشعة الكونية، والأشعة ما فوق البنفسجية، والأشعة السينية، الذي يعني نفوذها داخل جسم الإنسان الموت المحتوم.
  5. إن المسير والحركة في السماوات على نحو ما هو مذكور في الروايات، يستغرق فترات زمنية طويلة، ويلزم من ذلك أن يسير النبي الأكرم (ص)في المعراج بما يفوق سرعة الضوء، وهي سرعة مستحيلة على الجسم، بالإضافة إلى عدم وجود مثل هذه السرعة.

وعلى هذا الأساس أنكر المخالفون أصل المعراج، وفسّروه بأنه مجرّد رؤيا روحية أو رحلة معنوية[٢].

مناقشة وتحليل

فيما يتعلق بتحليل هذه الشبهة وبيان كيفية المعراج، يجدر الالتفات إلى ما يأتي:

الوقوع أدلّ دليل على الإمكان

إن أول سؤال يرد إلى الذهن بشأن المعراج هو هل الحركة الآنية للنبي الأكرم من مكة إلى المسجد الأقصى أمر ممكن؟ وهل يمكن أن يندرج معراج النبي الجسماني والمادي في دائرة الإمكان؟

من خلال الاستناد إلى وقوع الموارد والمصاديق المشابهة، يمكن لنا إثبات إمكان المعراج، وفيما يأتي نشير إلى بعض هذه الموارد:

١. إحضار عرش بلقيس: يحكي القرآن الكريم قصة إحضار عرش ملكة سبأ بطلب من النبي سليمان (ع) على النحو الآتي: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ[٣].

وعليه ندرك أن بإمكان فرد بعينه - بسبب امتلاكه علماً خاصاً - أن يقطع مسافة تقدّر بمئات الكيلومترات في معشار من الثانية ويجلب معه عرش ملكة سبأ، وبذلك يثبت إمكان هذه السرعة بالنسبة إلى إنسان يمتلك هذا العلم الخاص.

وعلينا هنا أن نلتفت إلى أن الذي جاء بعرش بلقيس إنما هو أحد أفراد وحاشية النبي سليمان (ع) وحاشيته، وليس سليمان نفسه، وعليه إذا كان الشخص الاعتيادي يمتلك مثل هذه القدرة، فيجب أن يمتلك الأنبياء - وخاصة النبي محمد (ص)الذي هو أشرفهم - هذه القدرة على نحو أعلى وأسمى.

٢. النبي عيسى المسيح (ع) فيما يتعلق بمصير السيد المسيح يعتقد النصارى أنه بعد مقتله على يد اليهود، وبعد دفنه بثلاثة أيام أعاده الله إلى الحياة وعرج به نحو السماء[٤].

هذا وقد أنكر القرآن الكريم مسألة قتل السيد المسيح وموته من الأساس، وصرّح بأنهم لم يقتلوه وإن الله رفعه إلى السماء ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً[٥].

وعليه يتضح من عروج السيد المسيح عيسى بن مريم (ع) إلى السماء وبقائه حياً، أن أصل الصعود والعروج إلى العوالم العليا، والبقاء على قيد الحياة، أمر ممكن، بل واقع ومتحقق.

عدم تعارض المعراج مع القوانين الطبيعية والعلمية

عندما نمعن النظر في مختلف صيغَ الشبهة، يتضح لنا أن أصحاب هذه الشبهة يسعون إلى إنكار المعراج من خلال التعويل على القوانين التجريبية المعروفة، ومن أهمها قانون الجاذبية، ومسألة انعدام الأوكسجين في الفضاء، والمناخ الشديد البرودة أو الحرارة، والأشعة ما فوق البنفسجية، والسرعة التي تفوق سرعة الضوء وما إلى ذلك. إلا أن هذه القوانين الطبيعية والمادية المدعاة ليست مطلقة، بل إن اعتبارها مؤقت وقابل للنقض، إذ إنّها إنما تقبل التأييد في إطارها المحدد. وإن العلماء في حقل العلوم التجريبية إنما يصفون القوانين الطبيعية بأنها مجرد «قوانين إحصائية»[٦]. وقد ذهب فيلسوف العلم المعاصر «كارناب» إلى القول بأن القوانين العلمية تحمل «صفة الفرضية»[٧].

وقد عمد الفيلسوف المعاصر الشهير كارل ريموند بوبر من خلال إبداعه نظرية «الحدس والإبطال» إلى إثبات أن جميع القوانين الطبيعية لها خاصية ال- «ad,hoc» بمعنى الاعتبار المرحلي [٨].

وقد أكد هانس رايشنباخ قائلاً: «لم يكن بالإمكان التشكيك بالقوانين الطبيعية أو الفيزيائية في القرن التاسع عشر للميلاد، وأما فيزياء القرن العشرين فقد أثبتت أن القوانين الاحتمالية والنسبية، قد حلت محل القوانين العلية والطبيعية المطلقة»[٩]. وعليه حتى إذا كان المعراج مخالفاً للقوانين الطبيعية والعلمية، لا يمكن لنا أن نستنتج من ذلك إنكار المعراج؛ إذ تقدّم أن القوانين الطبيعية متغيّرة، فيحتمل أن يكون قانون طبيعي آخر قد حلّ محل القانون الطبيعى السابق. واليوم يتجوّل العلماء بصواريخهم العابرة للفضاء حول الكرات والأجرام السماوية الأخرى، وقد تغلبوا على مشكلة قانون الجاذبية والأشعة السينية وما إلى ذلك. ربما وضع الله تحت تصرّف نبيه وسيلة أكثر تطوّراً من الصواريخ العابرة للفضاء، وإن هذه الوسيلة هي التي قد اصطلح عليها في الروايات بـ «البراق». وبذلك يتحقق المعراج الجسماني. وإن العلم - كما تقدّم أن أشرنا - لا يستطيع إثبات عدم وجود هذه الوسيلة.

عجز العلوم التجريبية عن بيان الأمور الخارقة للعادة

لو تجاوزنا الإشكال السابق، وأخذنا القوانين الطبيعية بوصفها قوانين ثابتة لا تقبل التغير، مع ذلك يمكن بيان الأمور الخارقة للعادة - من قبيل المعراج - في ضوء المباني التجريبية والعلمية، ذلك على النحو الآتي:

  1. إن معرفة العلة الطبيعية والواقعية لظاهرة مادية أمر في غاية الصعوبة والتعقيد؛ فالعلم إنما يحكم بالتقارن الزمني بين ظاهرتين، ويعجز عن المعرفة الدقيقة والكاملة للعلة المادية للمعلول الطبيعي.
  2. إلى جانب الحقائق والظواهر الاعتيادية والطبيعية، نشهد سلسلة من الأمور الخارقة للعادة وغير الطبيعية التي لا يمكن بيانها وتفسيرها في إطار العلوم التجريبية، وفيما يأتي نشير إلى بعض هذه الأمور:
    1. النوم في القبر لفترة طويلة: هناك من المرتاضين الهنود من يستطيع النوم في القبر لفترة طويلة - قد تستمر لأربعين يوماً - من دون أن تحدث له مشكلة فيما يتعلق بالهواء والأوكسجين[١٠]
    2. الخروج من الأماكن المغلقة: لقد تمكن المواطن الأمريكي (هودني) من الخروج من صندوق حديدي مغلق أمام أعين الجماهير من دون أن يفتح بابه الذي أحكم قفله. كما تمكن من الهروب من السجون الأمريكية، بل وحتى سجون (الكي. جي. بي) في عهد الاتحاد السوفيتي السابق[١١].
    3. تحريك الأجسام من بُعد: هناك من يستطيع التأثير في الأشياء والتحكّم بها من مسافة بعيدة، كأن يقوم بتحريكها ونقلها من مكان إلى آخر مثلاً. فعلى سبيل المثال كان بإمكان يوري جيلر (المولود عام ١٩٤٦م) أن يثني الأشياء المعدنية، من قبيل الملاعق والشوكات والمفاتيح من خلال تركيز بصره عليها. وقد تمّ اختباره في مؤسسة بلاسما لماكس بلانغ للفيزياء، وكذلك مؤسسة استانفورد للتحقيقات في كاليفورنيا أيضاً. وقد وصفوا قدراته بلحاظ علم الفيزياء الحديث بأنها غير قابلة للتفسير [١٢].
    4. التخاطر عن بُعد (التلباثي): هناك من يستطيع مشاهدة الأشياء والأحداث من مسافات بعيدة قد تصل إلى مئات الكيلومترات، والإخبار عنها. والمثال البارز على ذلك ما يحصل لقرّاء القرآن والحفاظ، حيث يتمكنون من تحديد الصفحة القرآنية المفتوحة من مسافة بعيدة، وتحديد الآية المكتوبة في بداية تلك الصفحة.


وكذلك الإخبار عن المستقبل، وعلاج المرضى في المراكز الروحية والعبادية، وتحضير الأرواح وما سوى ذلك من الأحداث والوقائع التي يعجز العلماء في الحقول التجريبية عن بيانها وتفسيرها.

وعلى هذا الأساس يمكن لنا أن ندعي بأن معراج النبي من مصاديق الحوادث الطبيعية التي يعجز العلماء في الحقل التجريبي عن تفسيرها وبيان كنهها، رغم اعترافهم بواقعيتها.

إمكان بيان المعراج من خلال العلوم التجريبية

انبساط الزمان مع زيادة السرعة طبقاً لمعادلة أنشتاين

إن من بين المشاكل الجادة التي تواجه مسألة المعراج، تحقق كل تلك الأحداث التي شاهدها النبي في معراجه في تلك المدة القصيرة التي استغرقها المعراج؛ لأن تلك الأحداث والوقائع تحتاج إلى فترات زمنية طويلة!

وفي معرض الإجابة عن هذه الشبهة نقول بالإضافة إلى أن أصل المعراج كان ضرباً من الإعجاز الذي لا يمكن تفسيره بالقوانين المادية والطبيعية، مع ذلك يمكن تقريب الفكرة إلى حدٍّ ما من خلال العلوم التجريبية؛ وذلك لوجود علاقة وثيقة ومباشرة بين الزمان وزيادة السرعة.

فطبقاً للمعادلة (١-V٢/C٢ T٠=T) - التي اكتشفها ألبرت أنشتاين - عندما يسير الجسم بسرعة الضوء، فإن الزمان سوف ينبسط بالنسبة له، فمثلاً إذا كانت V =٠/٠٠٠ge (بأن تكون سرعة الجسم ٢٧٠٠٠٠ متراً على الثانية تقريباً)، فإننا سنحصل على T= ١٠٠٠T٠، وهذا يعني أنّ الساعة الواحدة على الكرة الأرضية تعادل ألف ساعة للفرد الذي يسير بتلك السرعة الهائلة[١٣].

وعلى هذا الأساس يحتمل أن تكون سرعة النبي الأكرم (ص)في المعراج قد بلغت سرعة الضوء أو أنها فاقت سرعة الضوء[١٤]، وتبعاً لذلك ينبسط الزمان بالنسبة له ويتسع، وبذلك يمكن تفسير تلك الوقائع والأحداث الكثيرة في ضوء هذا التفسير العلمي.

تصوّر السرعة الهائلة والنفوذ من الأمكنة المغلقة من خلال البعد الرابع[١٥]

لا يمكن لنا أن ندرك البعد الرابع مباشرة؛ لأننا في الأساس نعيش عالماً ثلاثي الأبعاد. بيد أن بالإمكان تصوّر البعد الرابع من خلال التدرج من الأبعاد الأقل وتعميمها.

إن العالم الذي تنعدم فيه الأبعاد عبارة عن نقطة، وهذا العالم لا ينطوي على كبير أهمية بالنسبة إلى بحثنا.

والعالم ذو البعد الواحد عبارة عن خط مستقيم ينشأ من حركة النقطة (عدد كبير من النقط المتتالية). وسوف نصطلح في أبحاثنا القادمة على هذا العالم بـ «الخط المعمور». ومثال الجسم الأحادي البعد، خط بطول a.

العالم ذو البعدين ينشأ من وضع عدد كبير من الخطوط في اتجاه البعد الثاني (وليس في امتداد بعضها). وهو ما نصطلح عليه بعالم (العرش المعمور)، ومثال الجسم ذي البعدين، مربع بمساحة a٢.

أما العالم الثلاثي الأبعاد فينشأ من وضع عدد كبير من الصفحات في اتجاه البعد الثالث، ومثال هذا العالم، مكعب بحجم a٣.

وبتعميم ما تقدّم نحصل على العالم الرباعي الأبعاد من خلال حركة مكعّب ثلاثي الأبعاد في اتجاه البعد الرابع، ومثال الجسم الرباعي الأبعاد مكعب هائل إلى حجم هائل a٤.

كما أن البحث بشأن الكرات المتعددة الأبعاد ممتع إلى حدّ ما.

فالكرة ذات البعد الواحد هو المكان الهندسي لجميع النقاط في خطّ واحد، والتي تبتعد عن النقطة المركزية بنسبة واحدة . وإن هذه الكرة التي لا تعدو أن تكون مجرّد نقطتين معادلتها R٢=x٢، وإن حجم هذه الكرة في الواقع طول ٢R.

والكرة ذات البعدين عبارة عن المكان الهندسي لجميع النقاط في صفحة واحدة، والتي تبتعد عن النقطة المركزية بنسبة واحدة. ويتم تحديد هذه الكرة بمعادلة R٢=y٢+x٢، والتي هي في الحقيقة عبارة عن دائرة بشعاع R وحجم R٢.

وعلى هذا النحو فإنّ الكرة الثلاثية الأبعاد مكان هندسي لجميع النقاط في الفضاء، التي تبتعد عن النقطة المركزية بنسبة واحدة. ويتمّ تحديدها من خلال المعادة الآتية R٢=Z٢+X٢، وهي بحجم R٣.

وبعد تعميم هذا الكلام نتوصّل إلى ماهية الكرة الهائلة ذات الأبعاد الأربعة من خلال معادلة y٢+x٢=t٢+Z٢+R٢. ويمكن إثبات أنها تشتمل على الحجم الهائل ٢ R٤.

وفيما يأتي ندرس كيف يمكن للكائن الثلاثي الأبعاد أن يشاهد جسماً رباعي الأبعاد.

نبدأ من عالم «الخط المعمور». لو أن دائرة (كائن ذو بُعدين) اجتازت بعالم الخط المعمور، فإن الكائنات ذات البعد الواحد لا تشاهد في كل لحظة سوي وتر للدائرة. فهم يشاهدون في البداية نقطة ظاهرة تذهب بالتدريج لتغدو خطاً مستقيماً يأخذ بالطول حتى يبلغ أبعد مداه (أي قطر الدائرة) ثمّ يأخذ بالتضاؤل حتى يتحوّل إلى نقطة، ليزول بعد ذلك نهائياً .

وشبيه بذلك ما يحدث للكائنات ذات البعدين في عام «العرش المعمور» عندما تجتاز به كرة ثلاثية الأبعاد. حيث يشاهدون أول الأمر أن الكرة تظهر لهم على شكل نقطة، ثم تتحوّل إلى دائرة، ويبدأ شعاع الدائرة بالاتساع التدريجي حتى يبلغ غاية حجمه، بحيث يتساوى قطره مع قطر الكرة، ثم يبدأ بالتناقص ليتحول إلى مجرّد نقطة، ثم يتلاشى نهائياً.

ومن خلال تعميم ذلك على الكائن الرباعي الأبعاد (من قبيل كرة هائلة مثلاً) عندما تجتاز بعالم ثلاثي الأبعاد، فإنه سيبدو للوهلة الأولى على شكل نقطة، ثمّ تتحوّل بالتدريج إلى كرة صغيرة تأخذ بالاتساع التدريجي، حتى تبلغ غاية حجمها (بمعنى أن يغدو شعاعها مساوياً لشعاع الكرة الهائلة)، ثم تأخذ بالتضاؤل والنقصان حتى تتحوّل إلى نقطة وتزول نهائياً.

وعليه إذا أراد الكائن الرباعي الأبعاد أن يدخل إلى غرفتك، لا تكون هناك ضرورة إلى تسوّره الجدران أو الأبواب، وإنما يكفيه أن يظهر فجأة داخل فضاء الغرفة.

إنّ السجن ذا البعدين ليس سوى شكل مغلق من قبيل المستطيل ولكن إذا تمكن كائن ذو بُعدين من الحركة في اتجاه البعد الثالث، فإنه سيتمكن من الخروج واختراق هذا السجن من دون حاجة إلى العبور من أبوابه أو جدرانه.

وعلى هذا الأساس يمكن لمعراج النبي الأكرم (ص)أن يكون قد تحقق من خلال البعد الرابع، بأن يكون قد ظهر وسط السماوات الأخرى - المجهولة لنا - فجأة من دون أن تكون هناك حاجة إلى سلوك الطرق الاعتيادية، حتى ترد الإشكالات العلمية السابقة، من قبيل قانون الجاذبية والأوكسجين والحرارة وما إلى ذلك.

المعراج المثالي والعقلي

بالالتفات إلى ما تقدّم يتضح أن تفسير معراج النبي بأنه معراج جسماني لا يخالف العلم والعقل. وهناك من العرفاء من تجاهل احتمال تعارض المعراج الجسماني مع العلم والعقل، وقدّم تفسيراً عرفانياً للمعراج، وفيما يأتي نشير إلى تقريرين هامين بهذا الشأن:

المعراج المثالي

هناك من العرفاء وفلاسفة الإشراق من يذهب إلى الاعتقاد بأن معراج النبي الأكرم (ص)لم يكن بجسد مادي ولم يتحقق في عالم المادة، وإنما كان بجسد مثالي[١٦].

وبعبارة أخرى إن معراج النبي لم يكن بعنصر مادي وجسد كثيف، وإنما بجسم مثالي ولطيف. قال الملا هادي السبزواري في هذا الشأن: «ففي نبينا الخاتم ليس الترقي بالجثة الكثيفة، بمعنى أن السالبة منتفية بانتفاء الموضوع، بل ترقيه بجسده اللطيف»[١٧].

وهكذا عمد سماحته إلى بيان موقف العرفاء، محذراً القراء من مغبّة نسبة المعراج الروحاني إليهم؛ لأنهم إنما يقولون بمعراج الجسم المثالي، حيث قال: «وإياك أن تتوهّم هذا قول بالمعراج الروحاني؛ لأن القائل بالروحاني فقط لا يقول بالصورة أصلاً»[١٨].

كما يذهب الشيخية[١٩] إلى القول بأن المعراج لم يكن مادياً ولا جسمانياً، بل تحقق بجسم لطيف، ولكن هذا الكتاب لا يتسع إلى الخوض في تفاصيل ذلك.

المعراج الروحاني والعقلي

أما التقرير الآخر فيذهب إلى الاعتقاد بأن معراج النبي الأكرم (ص)كان أسمى من السير والسلوك في عالم المثال، وإنما قد تحقق في عالم «العقل»، ولكن الروايات عبّرت عنه بمضاين مادية لكي يتمكن الآخرون من فهم مسائله العرفانية والعقلية التي حصلت من خلال وقائع المعراج وتفصيلاته.

وينسب هذا الرأي إلى فلاسفة من أمثال ابن سينا، وإن لأبي علي بن سينا رسالة في بيان المعراج تحت عنوان «المعراجية»، وقد سعى من خلالها إلى تفسير المعراج العقلي[٢٠].

هذا وقد ذهب العلامة - ضمن إيمانه بدلالة ظاهر الآيات والروايات على المعراج الجسماني - إلى إمكان المعراج الروحاني أيضاً، وذلك حيث يقول «إنّه من الجائز أن يقال بكونه بروحه لكن لا على النحو الذي يراه القائلون به من كون ذلك من قبيل الأحلام ومن نوع ما يراه النائم من الرؤى... بل ذلك - إن كان - بعروجه (ص)بروحه الشريفة إلى ما وراء هذا العالم المادي مما يسكنه الملائكة المكرمون»[٢١].

وقد ذهب العلامة الطباطبائي إلى القول بأن سبب تفسير معراج النبي بالمادي هو اعتقاد بعضهم بانحصار الوجود المجرد بالله سبحانه وتعالى، إذ قال: «والقوم لذهابهم إلى أصالة الوجود المادي وقصر الوجود غير المادي فيه تعالى ... حملوا ذلك على كونها أجساما مادية»[٢٢]..

وقال العلامة بأنّ هذه الرؤية تمثل حالة وسطية بين الرؤيتين الأخريين (المعراج الجسماني، والمعراج في عالم الرؤيا والخيال)[٢٣]..

حصيلة الكلام أن النظرية الأولى (المعراج الجسماني) بالالتفات إلى ما تقدم، قابلة للهضم، وهكذا الأمر بالنسبة إلى النظرية العرفانية التي تخلو من الإشكالات الافتراضية أيضاً.

الأمر الأخير أنه على فرض المحال، لو لم يقتنع القارئ بما تقدم، يمكن تفسير المعراج الجسماني للنبي الأكرم (ص) على أنه معجزة، على غرار جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم، وإحياء الموتى، وتحويل العصا إلى أفعى. فإن الله القادر على هذه الأمور قادر أيضاً على الأخذ بنبيه بقدرته الغيبية إلى السماوات العليا فى لحظة واحدة، وأن يكشف له الحجب عن بعض الأحداث والوقائع، وإعادته ثانية إلى موضعه الأول.[٢٤]

المراجع والمصادر

  1. محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية

الهوامش

  1. يعود منشأ هذه الشبهة إلى القول بنظرية بطليموس في علم الفلك والهيئة، حيث كانت تقسم العالم إلى قسمين، القسم العنصري، والقسم الفلكي. وإن الكرة الأرضية كانت تقع في مركز الكون، وبعد أن أحاطت العناصر الأربعة (الماء والهواء والنار والتراب) الكرة الأرضية، بدأت عملية تكوين الكرات الأربعة والأجرام السماوية والفلكية، حتى بلغت تسعة أفلاك متراكبة على بعضها تراكب طبقات البصلة، بحيث يستحيل اختراقها وفصلها ووصلها، وحيث أن المعراج الجسماني يتوقف على اجتياز الكرات الأربعة والأفلاك التسعة، كان ذلك محالاً. وحيث ثبت بطلان هذه النظرية بالعلوم الحديثة، لم نر حاجة إلى تحليلها ونقدها.
  2. أُنظر: علي دشتي، بيست وسه سال، إعداد وتنقيح بهرام چوبينه، ص ٥١؛ واشنطن أروينغ، التاريخ المقدس، ص ١٣٣.
  3. سورة النمل، الآية ٣٨-٤٠.
  4. ورد في إنجيل متى لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ... (أُنظر: إنجيل متى، الإصحاح الثاني عشر، الفقرة ٤٠ - ٤١).
  5. سورة النساء، الآية ١٥٧-١٥٨.
  6. statistical law.
  7. أُنظر: بهاء الدين خرمشاهي، پوزيتيويسم منطقي، ص ٢٩.
  8. أُنظر: كارل ريموند بوبر، حدس ها وابطال ها، ص ٧٧؛ كارل ريموند بوبر، منطق اكتشافات علمي (منطق الاكتشافات العلمية)، ترجمه إلى الفارسية أحمد آرام، ص ٤٤ و٤٢٦ .
  9. هانس رايشنباخ، پيدايش فلسفه علمي (ظهور الفلسفة العلمية)، ص ١٩١ و١٩٤ و١٩٥ .
  10. نقلاً عن محمد رشيد رضا، الوحي المحمدي، ص ١٤٣.
  11. نقلاً عن الطنطاوي الجوهري، تفسير الجواهر، ج ١٦، ص ٢١٢.
  12. نقلاً عن عن ريدرز دايجست بوك، جهان عجايب (عالم العجائب)، ترجمه إلى الفارسية ارغون وشهكام جولاني، ص ١١٠ .
  13. لفهم المعادلة أعلاه، لا بدّ من فهم رموزها، وهي كالآتي: T = الزمن المتحرك بسرعة كبيرة. V = السرعة المتحركة. C = سرعة الضوء. To = سكان الأرض.
  14. وبطبيعة الحال فإن علم الفيزياء لا يقرّ إمكان بلوغ الجسم المادي إلى ما يفوق سرعة الضوء، وفي هذا الشأن يجب القول أولاً إن هذا هو الرأي الذي توصلت إليه الفيزياء المعاصرة، وكما تقدم أن أشرنا، فإن العلوم في معرض التغير والتبدّل. وثانياً إن تبرير السرعة التي تفوق سرعة الضوء بالنسبة إلى النبي الأكرم في المعراج قابلة للتحقق من خلال القدرة الإلهية.
  15. أُنظر: روكر، رودولف، هندسه، نسبيت وبُعد چهارم (الهندسة والنسبية والبُعد الرابع)، ترجمه إلى الفارسية يوسف امير ارجمند؛ أليس، جورج ووليم روث، فضا زمان تخت وخميده، ترجمه إلى الفارسية يوسف ارجمند؛ وانظر أيضاً كاظم نفيسي، بُعد چهارم در قرآن (البُعد الرابع في القرآن)، مجلة مطالعات إسلامية الفصلية، العد ٨١.
  16. يقسم فلاسفة الإشراق الوجود إلى ثلاثة أقسام: (عقلي) و(مثالي وملكوتي) و(مادة). وإن الوجود المثالي لا يمتلك من العنصر المادي سوى الشكل والصورة دون الوزن والجرم، من قبيل الصور التي يشاهدها الإنسان في المنام .
  17. صدر المتألهين، الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة، ج ٩، ص ٤٨، الهامش.
  18. المصدر أعلاه، ص ٥٠؛ حسن حسن زاده آملي، هزار ويك نكتة (ألف مسألة ومسألة)، الرقم ٢٤٩ و٢٨٤ و٨٥٥ و٩٤٣؛ حسن حسن زاده آملي، دروس معرفت نفس (دروس في معرفة النفس)، الكتاب الثالث، ص ٥٣٠؛ علي زماني قمشه اي، رهاورد ومشهودات معراج (مسالك المعراج ومشاهداته)، الموجود في كتاب رفعت حكمت (سموّ الحكمة)؛ انديشنامه رفيعي قزويني، ص ١٤٧، إعداد محمد علي اردستاني.
  19. لقد قام الشيخ أحمد الأحسائي (١١٦٦ - ١٢٤١ للهجرة) بتأسيس هذه الفرقة من خلال التلفيق بين المنهج الإخباري في الفقه، والاتجاه الفلسفي والعرفاني في التفسير. وقد عمد هو وأتباعه إلى تأويل بعض التعاليم الدينية، فعلى سبيل المثال أنكر المعاد الجسماني، وفسره بحالة شبيهة بعالم المثال. (أُنظر: الحاج محمد خان، هداية المسترشدين، ص ١٨٢، نقلاً عن يوسف فضائي، (شيخي گري، بابي گري، بهائي گري)، ص ٦٠).
  20. أبو علي بن سينا، الرسالة المعراجية، ص ٩٨.
  21. العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج ١٣، ص ٣٢.
  22. العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج ١٣، ص ٣٢.
  23. العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج ١٣، ص ٣٢.
  24. محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٨٣.