جندب بن كعب الأزدي
نبذة
جندب بن كعب الأزدي من صحابة الإمام، رافق الإمام مرافقة تلميذ ذكي لاستاذ كبير، وعده بعض المترجمين له: من صحابة الرسول الكريم. كانت حياته يسودها أحداث جسام كان عظيم الحركة شهيرا بشجاعته وإندفاعاته، لقد كان هو ورفاقه يشكلون نواة الثورة في الكوفة ضد الولاة المتعجرفين، وفي ذات يوم أرتاد ابن كعب قصر أمير البلد: الوليد بن عقبة، وهناك لفت نظره تجمهر حاشية الأمير في ساحة القصر الكبير، فنهد باتجاه الحشد المتجمهر، فرأى رجلا يقوم بحركات ساحرة، وكان الجمهور قد ضربوا حوله حلقة كبيرة يتأملون الحركات الساحرة، وقد انطبعت في ملامحهم الدهشة من الرجل وحركاته، وكانوا بين فينة وأخرى يطلقون صيحات معبرة عن الدهشة.
وقف ابن كعب إلى رفاقه الذين كانوا مع الحشد المتحلق حول الرجل، وكانوا ينادون الرجل الساحر ب «أبي بستان» ترى ما هي حركات أبي بستان الساحرة.
كان يضرب عنق الرجل، ثم يأخذ العنق ويعيده إلى قاعدته، فيقوم الرجل كأنه لم يمس بشيء.
كان يضرب بالسيف عنق نفسه أو يحزه فيتدحرج العنق، ثم يعدو وراء عنقه، ويمسكه ويعيده إلى مكانه، فإذا به يعود سويا.
كان يدخل في فم الحمار، ويخرج من دبره أو يدخل في است الحمار، ويخرج من فمه.
وكان الوليد بن عقبة قد جلس على عرش الامارة ينظر إلى هذه الحركات الساحرة، وكانت الحاشية قد افتتنت بهذه المناظر. كان ابن كعب ينظر إلى هذه الحركات، وهو سادر في تفكير قد امتلكه، إنه عزم في نفسه أن يقتل الساحر، فيقضي على افتتان الناس به، ويلقي ابن عقبة في ازمة حيث انه بهذه المناورة يذيع في صفوف أهل البلد حياة ابن عقبة اللاهية التي يعيشها خلف أسوار قصره، ولأجل تحقيق الفكرة فإنه عرضها قبل تنفيذها على رفاقه.. همس في روعهم عن الفكرة، أيدها رفاقه، وحبذوا تنفيذها، وكان ابن عقبة وحاشيته لاهين ضاحكين فكهين قد ملئوا القصر الكبير بالضوضاء والجلبة، وكانت جنباته تردد صدى الضحكات والصيحات، وكان أبو بستان الساحر ماضيا في سحره ونفئاته، ولتحقيق الفكرة كان ابن كعب يحتاج إلى سيف، وكان سيفه قد سلمه للصقال حتى يبرده ويجلوه، ويجعل ذبابته حادة ماضية، وما هي الأ لمحة بصر حتى غاب ابن كعب سعيا وراء سيفه عند الصقال، فاستلم منه السيف، ومنحه أجره قائلا له، وهو يلهث قد أضطمت جوانحه على أمر مهم: «وجب أجرك فهاة السيف». اشتمل على السيف ثم كر راجعا إلى القصر، ولما كانت الحاشية والحراس في شغل شاغل بالساحر وسحره الذي سحر به أعين الناس لم يأبه لمشتمل السيف أحد، وفي هدوء خف ابن كعب إلى رفاقه، واندس فيما بينهم، همس إليهم باقتراب تنفيذ الخطة، فتأهب الرفاق لرد كل التحسبات التي ربما تظهر على الساحة.
رمق ابن كعب الساحر فإذا به لا يزال يمارس سحره، والناس غمر مشاعرهم وأحاسيسهم السحر، وضع ابن كعب يده على قائمة سيفه، ثم تقدم رويدا رويدا حتى وقف في المقدمة، وفي لحظة خاطفة هجم ابن كعب شاهرا سيفه الذي كاد بريقه يخطف الأبصار على الساحر، ثم وفي احتدام الغضب المزمجر ضرب بالسيف وسط الساحر، فإذا به لقي على الأرض خضيبا بدمه، يفحص برجله الأرض، وابن كعب يقول ولا يكاد يبين من سورة الغضب: «قولوا له فليحيي نفسه» وتلى هذه الآية الكريمة: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾[١] ثم تمتم يقول: «حد الساحر ضربة بالسيف»، وانطلقت من جماعة ابن كعب هتافات تستنكر على ابن عقية وحاشيته هذه التصرفات العابئة الأمر الذي ازداد الخوف والذعر في صفوف الحاشية، وتوجس ابن عقبة نفسه خيفة من تطورات الحادث، كان ابن عقبة وبطانته وحاشيته في سكرة السحر، ولما قتل السحر والساحر، فإذا السكرة تنقشع كغمامة، وإذا بالحاشية يلوذون بالفرار، وقد شاهدوا الساحر مجندلا حقا ريب فيه، ولمحوا السيف الجديد يمرق كالبرق الخاطف، ويقصف جذع الساحر.
نعم إنهم لاذوا بالفرار لأن الضربة القاصفة لم تكن من السحر لا من قريب ولا من بعيد، أنها ضربة طن منها القضاء، واعقبتها صيحة هائلة من الساحر القتيل، رغم أن المتجمهرين كانوا قبل قليل ينظرون إلى الساحر، وهو يضرب الأعناق، فلم ترهبهم هذه الأعناق المتدحرجة، وذلك لأنهم قد نفثوا في روعهم ان ما يجري من الحركات إنما هي حركات ساحرة لا واقع لها، ولا حقيقة على المسرح، ولكن هجوم ابن كعب كان الواقع بعينه، والحمرة القانية التي خضبت الأرض من جرح الساحر القتيل كانت لها مداليلها الواقعية.
وليست الحاشية فحسب لاذت بالفرار بل ان ابن عقبة نفسه اصطدم بالواقع المر حيث لم يكرم جنابه، ولم يجل رحابه، ولم يحترم مجلسه، وقتلوا ساحره الخاص.
إن هذا هو خرق لقانون الاحترام المتبادل، وكيف وهو عامل البلد، ان الوليد أسرع إلى بيته ليكنه من العاصفة التي كادت أن تؤدي بحياته أيضاً، ثم وبعد أن هدأ روعه أرسل الجلاوزة واعتقلوا جندبا وصحبه الذين عاضدوه وأيدوه في مغامرته تلك، ولما أن ضم السجن على ابن كعب وجماعته بعث ابن كعب إلى السجان رسالة يقول فيها: «قد عرفت السبب الذي من أجله سجنا، فخل سبيل أحدنا ليذهب إلى عثمان ليخبره بالحادث، وبالفعل أطلق السجان واحدا من الجماعة، فسار مغذا السير تخب به ناقته ساعية حتى بلغ بعد أسابيع عاصمة الدولة، وهناك توجه توا إلى عثمان وأخبره بالحادثة، فأرسل هذا بدوره رسالة إلى عامله ابن عقبة تأمره باطلاق سراح المعتقلين، وعدم التعرض لهم.
كان ابن عقبة في قصره، وإذا بالأنباء تأتيه أن صاحب سجنه قد أطلق أحد المعتقلين في حادثة الساحر، وأنه ذهب إلى المدينة ليخبر عثمانا بقصة الساحر، وهنا انتابت ابن عقبة غضبة عاصفة وأمر بالسجان أن يصلب، ولكن السجان المسكين قبل أن يذوق طعم الموت كانت رسالة عثمان قد وصلت إلى يد ابن عقبة، ولما أن أدرك محتواها سارع ممتعضا وأطلق سراح المعتقلين، وخلى سبيل سجانه الذي كاد أن يموت مصلوباً.
إن ابن كعب نجى من طائلة العقاب، وطفق يذيع بين الناس الحديث الذي سمعه من رسول الله أو رواه ممن سمعه من الرسول الكريم(ص) والحديث هو، قال رسول الله (ص): «حد الساحر ضربة بالسيف».
إن حركة ابن كعب المهاجمة لم تكن الا ترجمة لهذا الحديث، وتنفيذا لمفاده، وقد أخبر الرسول الكريم عن هذه الحادثة استشفها من وراء الغيب، قال رسول الله(ص): «زيد الخير الأجذم، وجندب وما جندب»، فقيل يا رسول الله تذكر رجلين، فقال: أما أحدهما فسبقته يده إلى الجنة بثلاثين عاما، وأما الآخر فيضرب ضربة يفصل بها بين الحق والباطل.
فكان أحد الرجلين زيد بن صوحان،شهد يوم جلولاء، فقطعت يده في المعركة، وأما الآخر فهو جندب بن كعب - صاحب الترجمة - ضرب ساحراً كان يلعب بين يدي الوليد بن عقبة.
ثم ان جندب بن كعب كان أحد الشهود الذين شهدوا عند عثمان، وقالوا: ان الوليد بن عقبة شرب الخمر، وصلى بالناس إماما صلاة الصبح، وهو ثمل سكران أربع ركعات، ثم التفت إلى المصلين، وقال في نبرات متقطعة: «هل أزيدكم».
نعم ان جندب سعى في هذا الصدد حتى أدين ابن عقبة، ولقى جزاء تصرفاته المشينة في وقت كان عليه أن يكون قدوة لأهل محافظته.
ثم ان ابن كعب رافق الإمام في مراحل دولته الهادفة، وانتهل من ذلك المعين العذب، وطالما ان روح ابن كعب كانت روح التضحية والفداء في سبيل المثل العليا، وشاهدنا آنفا بعض تلكم النماذج، فإنه سرعان ما تقبلت نفحات الإمام ودولته الفتية تقبل الزهرة للطل، والنسرين للندى، وسار في موكبه نحو القاسطين، وخاض ضدهم معركة حامية متأورة[٢].
ومن حديث جندب:
الكليني: وفي حديث عبدالرحمن بن جندب، عن أبيه: ان أمير المؤمنين(ع) كان يأمر في كل موطن لقينا فيه عدونا فيقول: «لاَ تُقَاتِلُوا اَلْقَوْمَ حَتَّى يَبْدَءُوكُمْ فَإِنَّكُمْ بِحَمْدِ اَللَّهِ عَلَى حُجَّةٍ وَ تَرْكُكُمْ إِيَّاهُمْ حَتَّى يَبْدَءُوكُمْ حُجَّةٌ أُخْرَى لَكُمْ عَلَيْهِمْ فَإِذَا قَاتَلْتُمُوهُمْ فَهَزَمْتُمُوهُمْ فَلاَ تَقْتُلُوا مُدْبِراً وَ لاَ تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ وَ لاَ تَكْشِفُوا عَوْرَةً وَ لاَ تُمَثِّلُوا بِقَتِيلٍ»[٣].[٤]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة الأنبياء، الآية ٣.
- ↑ الاستيعاب ١: ٢١٩ – ٢٢٢.
- ↑ الكافي ٥: ٣: ٣٨ باب ما كان يوصي أمير المؤمنين به عند القتال.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج٢، ص ٢٠٩-٢١٤.