سهو النبي في علم الكلام

من إمامةبيديا

شبهة وقوع السهو والنسيان من النبي الأكرم (ص)

إن من بين الأبحاث الفقهية والكلامية المعقدة، مسألة إمكان وقوع السهو والنسيان في سيرة النبي الأكرم (ص). وقد اشتملت المصادر الروائية على عدد من الروايات الدالة على وقوع السهو للنبي، حيث تتحدث عن نسيان النبي لبعض السور، أو نسيان بعض آياتها في أثناء الصلاة فيذكره بعض من يصلي خلفه[١]، أو تفوته صلاة الصبح فيقضيها[٢] (النسيان)، أو أن يصلي صلاة رباعية ركعتين فيذكره بذلك شخص اسمه «ذو اليدين»[٣].

وقد ذهب الشيخ الصدوق[٤] لا إلى أصل السهو، وإنما قال بأن الله لسبب خاص يُسهي النبي أو يُنسيه عمداً، كي يتعامل معه الناس على أنه بشر اعتيادي، فلا يؤلّهونه كما صنع النصارى مع السيد المسيح (ع)، ومن هنا سها في صلاة رباعية فأداها ركعتين. وبطبيعة الحال هناك من أنكر السهو على النبي في بعض الموارد الخاصة التي تتعلق بتبليغ أحكام الدين مثلاً[٥].

مناقشة وتحليل

في معرض تحليل هذه الشبهة، يجدر التأمل في المسائل الآتية:

الإشكالات السندية

إن أول إشكال يتجه إلى روايات سهو النبي الأكرم (ص)ونسيانه، يتعلق بسندها؛ إذ ذهب أكثر العلماء إلى القول بأن هذه الروايات تعاني من ضعف السند. ومن بين المعاصرين قام العلامة الشوشتري بإثبات ضعف أسانيد هذه الروايات بالتفصيل، وذلك في كتابه القيم «قاموس الرجال»[٦].

أخبار الآحاد

وعلى افتراض تجاوز الإشكال السندي، يبقى الأمر على حاله من عدم جواز العمل بمضمون هذه الروايات؛ ذلك لأن القول بسهو النبي أو عصمته داخل في الأمور الاعتقادية التى لا يكفي فيها مجرّد خبر الواحد، بل لا بد فيها من التواتر الذي يورث القطع واليقين، هذا والحال أن الروايات المعتمدة في إثبات سهو النبي لا تتجاوز أخبار الآحاد التي لا تفيد إلا الظن الذي لا يغني من الحق شيئاً. وهذا ما استدل به الشيخ المفيد في نقده لنظرية الشيخ الصدوق[٧]؛ فقد قال المفيد: «الحديث الذي روته الناصبة والمقلدة من الشيعة ... من أخبار الآحاد ... من عمل عليها كان بالظن عاملاً، حرم الاعتقاد بصحته»[٨].

موافقة العامة

والنقطة الثالثة التى أوجبت إعراض الفقهاء عن روايات سهو النبي ونسيانه، موافقة مضمونها لنظرية أهل السنة القائمة على عدم عصمة النبي في العبادات وفي سائر أفعاله[٩]. من هنا يحتمل أن تكون هذه الروايات المأثورة عن الأئمة (ع) قد صدرت بداعي التقية.

مخالفة الآيات القرآنية

عندما نراجع القرآن الكريم ندرك أن هذا الكتاب السماوي يثبت عصمة النبي الأكرم (ص)تصريحاً وتلميحاً. وقد تقدمت الآيات الدالة على هذه الدعوى في مبحث إثبات عصمة الأنبياء، ولذلك سنكتفي هنا بمجرد الإشارة إلى بعضها: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى[١٠].

وعلى الرغم من أن هذه الآية تعتبر كلام النبي هو عين الوحي المنزه عن الأهواء، بيد أن مجرد الكلام لا خصوصية له في عصمة النبي، وإنما يشمل حتى أفعال النبي أيضاً.﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً[١١].

حيث لا يتناسب القول بإمكان صدور الخطأ والسهو والنسيان عن النبي الأكرم (ص)مع إطلاق هذه الآية الشريفة، خاصة بالنظر إلى كلمة «تطهيراً».﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى[١٢].

حيث تنفي هذه الآية بشكل صريح كل أنواع النسيان عن النبي الأكرم (ص).

كما تنسجم الآيات الدالة على وجوب إطاعة رسول الله بشكل مطلق، وكذلك تلك الدالة على اعتبار النبي أسوة وقدوة للمسلم في جميع شؤون حياته، مع القول بعصمة النبي في أقواله وأفعاله بالمطلق، فلابدّ من أن يكون النبي معصوماً عن الجهل والخطأ والسهو والنسيان ليكون أهلاً للاقتداء به؛ وإلا فإن الأمر بجعله أسوة وقدوة بشكل مطلق مع جواز الخطأ والسهو والنسيان عليه، مخالف للحكمة.

معارضة مع الروايات

ولو غضضنا الطرف عن الإشكالات المتقدمة (ضعف السند ووجه الصدور)، واعتبرنا تمامية السند والدلالة، مع ذلك لا نستطيع الاستناد إلى هذه الروايات والاحتجاج بها؛ ذلك لوجود روايات أكثر منها في نفي جميع أنواع السهو والنسيان عن النبي الأكرم (ص)، ذلك لأن النبي يتمتع بحماية وصيانة ورعاية من «الروح القدس»، وفيما يأتي نشير إلى جانب من هذه الروايات:

قال النبي الأكرم (ص) في وصف الأئمة: «هُمُ اَلْمَعْصُومُونَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ وَ خَطِيئَةٍ»[١٣].

وروي عنه (ص)أنه قال أيضاً: «إِنَّ عَيْنِي تَنَامُ وَ قَلْبِي لاَ يَنَامُ» [١٤].

وروي عن الإمام علي (ع) أنه قال في بيان مقام الإمامة: «أَنَّهُ مَعْصُومٌ مِنَ اَلذُّنُوبِ كُلِّهَا صَغِيرِهَا وَ كَبِيرِهَا لاَ يَزِلُّ فِي اَلْفُتْيَا وَ لاَ يُخْطِئُ فِي اَلْجَوَابِ وَ لاَ يَسْهُو وَ لاَ يَنْسَى وَ لاَ يَلْهُو بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ اَلدُّنْيَا»[١٥].

وروي عن الإمام الباقر (ع) أنه قال في وصف مقام نبوة رسول الله (ص): «إِنَّ اَللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى جَعَلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ خَمْسَةَ أَرْوَاحٍ رُوحَ اَلْحَيَاةِ فَبِهِ دَبَّ وَ دَرَجَ وَ رُوحَ اَلْقُوَّةِ فَبِهِ نَهَضَ وَ جَاهَدَ وَ رُوحَ اَلشَّهْوَةِ فَبِهِ أَكَلَ وَ شَرِبَ وَ أَتَى اَلنِّسَاءَ مِنَ اَلْحَلاَلِ وَ رُوحَ اَلْإِيمَانِ فَبِهِ أَمَرَ وَ عَدَلَ وَ رُوحَ اَلْقُدُسِ فَبِهِ حَمَلَ اَلنُّبُوَّةَ فَإِذَا قُبِضَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ اِنْتَقَلَ رُوحُ اَلْقُدُسِ فَصَارَ فِي اَلْإِمَامِ وَ رُوحُ اَلْقُدُسِ لاَ يَنَامُ وَ لاَ يَغْفُلُ وَ لاَ يَلْهُو وَ لاَ يَسْهُو وَ اَلْأَرْبَعَةُ اَلْأَرْوَاحُ تَنَامُ وَ تَلْهُو وَ تَغْفُلُ وَ تَسْهُوَ وَ رُوحُ اَلْقُدُسِ ثَابِتٌ يَرَى بِهِ مَا فِي شَرْقِ اَلْأَرْضِ وَ غَرْبِهَا وَ بَرِّهَا وَ بَحْرِهَا»[١٦].

وروي عن الإمام جعفر الصادق (ع) أنه قال في بيان مكمن السر في العصمة: «إِنَّ رَسُولَ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) كَانَ مُسَدَّداً مُوَفَّقاً مُؤَيَّداً بِرُوحِ اَلْقُدُسِ، لاَ يَزِلُّ وَ لاَ يُخْطِئُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَسُوسُ بِهِ اَلْخَلْقَ»[١٧].

مخالفة الأدلة العقلية

أمّا الدليل الآخر الذي يمكن إقامته للتخلي عن روايات سهو النبي الأكرم (ص)، ونسيانه، فهو الدليل العقلي القائم على ضرورة عصمة الأنبياء، وهو الدليل الذى أقامه المتكلمون والفقهاء المتقدمون من أمثال الشيخ المفيد[١٨]، والشيخ الطوسي[١٩]، والمحقق الطوسي، والعلامة الحلي[٢٠]، والشهيد الأول[٢١]، والعلامة المجلسي[٢٢].

وفيما يأتي نذكر بعض تقريرات هذا الدليل العقلي:

١. المقام العلمي والمعنوي للنبي الأكرم (ص): لمّا كان النبي الأكرم (ص)هو الصادر الأول والعلة والواسطة في الفيض الإلهى على سائر المخلوقات، وله الإحاطة العلية، فإن هذا المقام يتعارض مع نسبة السهو والنسيان إلى النبي الأكرم.

٢. الأدلة العقلية على ضرورة العصمة: تقدّم أن أشرنا في معرض تحليلنا ونقدنا لشبهة إنكار العصمة إلى ثلاثة أدلة عقلية، وهي:

  1. إن العصمة من لوازم الدور التعليمي للنبي الأكرم (ص).
  2. إن العصمة من لوازم الدور التربوي للنبي الأكرم (ص).
  3. المقام العلمي والروحي للنبي الأكرم (ص).

وإنّ نسبة السهو والنسيان إلى النبي يعرّض الغاية من بعثته ودوره في حقل التربية والتعليم إلى التشكيك؛ لأننا إذا قلنا بجواز السهو والنسيان والخطأ على رسول الله في سلوكه وسيرته، وحتى في مثل الصلاة ونسيان الآيات القرآنية، فإن هذا الاحتمال سوف يرد، ويجوز حتى في الدور التربوي والتعليمي للوحي أيضاً، وبذلك يتمّ التشكيك بقداسة وسماوية الوحي، ويطال هذا التشكيك حتى اعتبار النبي ليكون أسوة وقدوة واجبة الاتباع والطاعة مطلقاً[٢٣].

أما المسألة الأخيرة في هذا البحث فهي إنه بناء على ما ذهب إليه بعض علماء الإمامية، فإن القول بسهو النبي ونسيانه في غير الوحي وإبلاغه إلى الناس، وبعبارة أخرى حصر دائرة السهو والنسيان بالسلوك الفردى والشخصي لرسول الله (ص)، لا يضرّ بأصل الدين. وحاصل الكلام أن الذين ينكرون سهو النبي ونسيانه لا يعتبرون من الغلاة فيما ذهبوا إليه، وإنما اتبعوا في ذلك ما تقتضيه منهم الأدلة العقلية والنقلية. ومن جهة أخرى فإن القائلين بجواز السهو والنسيان على النبي، وإن كانوا غير مدركين لحقيقة مقام النبوة وعمق رسالة الرسول (ص)ومقامه العلمي والروحي، إلا أنهم ليسوا سوى جاهلين قاصرين وليسوا بمقصرين.

ويجب الالتفات إلى أن إنكار السهو والنسيان ليس من أصول الدين والمذهب، وعلى حدّ تعبير بعض المعاصرين[٢٤] لا يُعدّ من ضروريات العقيدة.[٢٥]

المراجع

  1. محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية

الهوامش

  1. أُنظر: البخاري، صحيح البخاري، ج ٦، ص ١١٠، وباب من لم يرَ بأساً، وكتاب الشهادات، باب شهادة الأعمى، ح ٢٦٥٥؛ مسلم النيسابوري، صحيح مسلم، ص ٣٠٩، كتاب الصلاة، باب الأمر بتعهد القرآن، ح ٧٨٨ .
  2. أُنظر: العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ١٧، ص ١٠٣ - ١٠٤ .
  3. أُنظر: المصدر أعلاه، ج ١٧، ص ١٠٠ فما بعد.
  4. أُنظر: الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج ١، ص ٢٣٤، الباب ٢٩، أحكام السهو، مختلف الشيعة، ج ٢، ص ١٩٩؛ محمد تقي المجلسي، روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه، ج ٢، ص ٤٥٣ .
  5. أُنظر: السيد المرتضى، تنزيه الأنبياء، ص ٨٧؛ الفضل بن الحسن الطبرسي، تفسير مجمع البيان، ج ٢، ص ٣١٧؛ محمد تقي مصباح اليزدي، آموزش عقايد (دروس في العقيدة)، الدرس الخامس والعشرون.
  6. أُنظر: محمد تقي الشوشتري، قاموس الرجال، ج ١١، ص ٢٣٣؛ العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج١٧، ص١١١ فما بعد؛ السيد عبد الحسين اللاري، المعارف السلمانية، ص ٨٧، ومن المعاصرين السبحاني، حيث وصف نظرية السهو، ونظرية الشيخ الصدوق (الإسهاء) بالواقعية، معتبراً الإشكال الوحيد الوارد عليها هو ضعف سندها (جعفر سبحاني، منشور جاويد (الرسالة الخالدة)، ج ١٠، ص١٨٨).
  7. أُنظر: رسالة نقد سهو النبي، الموجودة في بحار الأنوار للعلامة محمد باقر المجلسي، ج ١٧، ص ١٢٣ - ١٢٦ .
  8. الشيخ المفيد، تفسير الشيخ المفيد، ج ٨، ص ٣.
  9. أُنظر: الشيخ الطوسي، تهذيب الأحكام، ج ١، ص ٢٣٦؛ العلامة محمد باقر المجلسي، ج ١٧، ص ١١١.
  10. سورة النجم، الآية ٣-٤.
  11. سورة الأحزاب، الآية ٣٣.
  12. سورة الأعلى، الآية ٦.
  13. العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٣٦، ص ٢٤٤.
  14. العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٢٢، ص ٢٧.
  15. العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ١٧، ص ١٠٩ .
  16. العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ١٧، ص ١٠٦.
  17. محمد بن يعقوب الكليني، أصول الكافي، ج ١، ص ٢٦٦ .
  18. الشيخ المفيد، تفسير الشيخ المفيد، ص ٥١٠.
  19. الشيخ الطوسي، تهذيب الأحكام، ج ٢، ص ١٨١؛ الشيخ الطوسي، الاستبصار، ج١، ص ٢٧١.
  20. المحقق الطوسي والحسن بن يوسف الحلي، في كشف المراد، ص ١٩٥؛ منتهى المطلب، ص ٤١٨ .
  21. الشهيد الأول، الذكرى، ص ٢١٥.
  22. العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ١٧، ص ١١٨ - ١١٩ .
  23. أُنظر: عبد الله جوادي آملي، تفسير موضوعي قرآن، ج ٩، ص ٥٠؛ عبد الله جوادي آملي، تفسير تسنيم، ج ٦، ص ١١٢.
  24. أُنظر: محمد تقي مصباح اليزدي، آموزش عقايد (دروس في العقيدة)، بداية الدرس الخامس والعشرين، ص ٣٥.
  25. محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية، ص ١٣٣.