علم الإمام
تمهيد
تمثّل صفة «العلم» إحدى صفات الإمام الحائزة على قدر كبير من الأهمية. وقد اعترف بأصل وجودها قاطبة متكلّمي المسلمين، بيد أنّهم اختلفوا في كيفية تحقّقها، وسعة نطاقها؛ فقد ذهب القاضي أبوبكر الباقلاني - وهو أحد الأعلام البارزين من متكلّمي الأشاعرة - عند حديثه عن إحراز منصب الخلافة إلى وجوب تحقّق ثلاثة شروط؛ منها: أن يتحلّى بالعلم الذي يتيح له القدرة على القضاء؛ غير أنّه لم يقل بلزوم اتّصافه بالعلم بالغيب[١].
أمّا القاضي عبد الجبار الهمداني - وهو أحد علماء المعتزلة - فقد قرّر ثلاثة شروط أصليّة لمنصب الإمام؛ وهي «العلم الاجتهادي»، و«العدالة والتقوى»، و«الشجاعة». فاتّصاف الإمام بالعلم بحدّ يتيح له الاجتهاد، وحلّ مشاكل الناس والتمكّن من تمييز القول الضعيف، هو من لوازم منصب الإمام [٢].
وبناءً على ذلك، ترتهن رؤية علماء العامة من المسلمين - في ما يتعلّق بعلم الإمام - بما قدّموه من تبيين وشرح الحقيقة الإمامة نفسها؛ فقد أصرّوا فيها على عدم الاعتراف بأنّ الإمامة امتداد للنبوّة، واستمرار لهديها، وذهبوا إلى أنّ منصب الإمام مقام يتساوى مع منصب تنفيذ الأحكام على نحو اجتهاديّ. وبالطبع، لا يلزم الإمام - والحال هذه - سوى مرتبة متدنّية من العلم، يكفي فيها أن يكون بمستوى القاضي، والمفتي، والمجتهد.
والسؤال المطروح هنا هو: كيف يمكن لإمام لا يملك من العلم إلّا ما هو بحدود العلم الاجتهادي الذي يتحلّى به القاضي أن يمسك بزمام قيادة المجتمع، وأن يغدو أسوة الناس ومثلهم الأعلى؟! وكيف يمكن له - والحال هذه - أن يمهّد الطريق لضمان سعادتهم، وتحقّق هدايتهم؟
والحقّ أنّ الإمام ليس فقط يجب أن يكون واجداً للعلم بالفعل في جميع الأمور التي تتعلّق بمصالح الناس - دنيويةً كانت، أم أخروية - بل يتحتّم أيضاً أن يكون أعلم ممّن سواه. والعلم على هذا المستوى لا يتأتّى بالعلم الاجتهادي، كما أنّه لا يتحصّل بالاكتساب والتعلّم الاعتياديين. ولهذا، يلزم ههنا تحقّق العلم اللدني الإلهي[٣].
لقد قطع علماء الإمامية بضرورة ثبوت العلم اللدني والأعلميّة المطلقة للإمام؛ من أجل أن تتوافر أسباب السعادة والهداية الدينية والدنيويّة، وقد عملوا على تبيين مختلف مجالاته، وأكّدوا ويؤكّدون على ثبوت هذا النوع من العلم للإمام، وعلى تحقّق الأعلمية له .غاية الأمر، أنّ بعضهم تطرّقوا إلى شرط الأعلمية في مبحث أفضليّة الإمام[٤].
يرى السيد المرتضى أنّ صفات الإمام تنقسم إلى طائفتين؛ الأولى: تثبت للإمام من خلال العقل، والأخرى: تثبت له بحكم الشرع. فالعقل يثبت أعلميّة الإمام في جميع مسائل الشريعة وأحكامها، وفي الأبعاد السياسية، وتدبير الأمور؛ ذلك من خلال «قبح تقديم المفضول على الفاضل»[٥]. وقد تناول أيضاً إثبات الأعلمية في الأحكام الشرعية على أنّه أمر تعبّدي؛ لا عقليّ[٦].
أمّا الشيخ الطوسي فقد استعرض علم الإمام على أنّه واحد من سبعة شروط لازمة لتحقّق مقام الإمامة؛ فقال: ويجب أن يكون الإمام عالماً بتدبير ما هو إمام فيه من سياسة رعيته والنظر في مصالحهم وغير ذلك بحكم العقل ويجب أن يكون أيضاً بعد الشرع عالماً بجميع الشريعة؛ لكونه حاكماً في جميعها[٧].
وقد اشترط المحقق الطوسي في تلخيص المحصل» أعلميّة الإمام أيضاً[٨].[٩]
براهين علم الإمام(ع)
تمسّكت الإمامية في إثبات ضرورة علم الإمام بأدلّة عديدة؛ منها ما نُقل عن المحقق الطوسي: لمّا كان الأنبياء والأئمة (ع) تحتاج إليهم الأمة، للتعليم والتأديب وجب أن يكونوا أعلم وأشجع[١٠].
وعلّق الفاضل المقداد شارحاً ذلك بقوله: يجب كون الأنبياء والأئمة أفضل من كلّ واحد من الأمة. والمراد بالأفضليّة: أن يكون أجمع الخصائص الكمال كمّاً وكيفاً، وإنّما قلنا بوجوب ذلك؛ لأنّ العلة في وجوب رئاستهم نقص الرعية، واحتياجهم إلى التعليم والتأديب؛ فلو لم يكن المحتاج إليهم أفضل، لما تحقّق معنى حيثية الاحتياج إليهم، لكنّ الفرض خلاف ذلك، فيدخل في وجوب كونهم أفضل من رعاياهم أن يكونوا أعلم وأشجع وأكرم إلى غير ذلك من الخصائص[١١].
وفي الرواية عن أمير المؤمنين عليّ (ع) أنّه قال في بيانه لمقام الأئمة (ع): «هُمْ مَوْضِعُ سِرِّهِ، وَلَجَأُ أَمْرِهِ، وَعَيْبَةُ عِلْمِهِ، وَمَوْئِلُ حُكْمِهِ، وَكُهُوفُ كُتُبِهِ، وَجِبَالُ دِينِهِ، بِهِمْ أَقَامَ انْحِناءَ ظَهْرِهِ، وَأَذْهَبَ ارْتِعَادَ فَرَائِصِهِ»[١٢].
وقد كتب الشيخ الطوسي في بيان إثبات علم الإمام يقول: ويدلّ أيضاً على كونه عالماً . الشرع، أنّا قد دلّلنا على كونه حافظاً للشرع، فلو لم يكن عالماً بجميعه لجوّزنا أن يكون وقع فيه خلل من الناقلين أو تركوا بعض ما ليس الإمام عالماً به، فيؤدّي إلى أن لا يتّصل بنا ما هو مصلحة، ولا تنزاح علّتنا في التكليف لذلك، وذلك باطل بالاتّفاق[١٣].
وقال ابن ميثم البحراني في ضرورة علم الإمام: فأمّا العلم فلابدّ من أن يكون عالماً بما يحتاج إليه في الإمامة من العلوم الدينية والدنيويّة كالشرعيّات، والسياسات والآداب، وفصل الحكومات والخصومات؛ إذ لو جاز أن يكون جاهلاً بشيء منها مع حاجة إمامته إلى ذلك، لكان مخلّاً ببعض ما يجب عليه تعلّمه، والإخلال بالواجب ينافي العصمة[١٤].
فالإمامة في مفهومها الصحيح وبالنظر إلى المهام المناطة بها، وفقاً لرؤية الإسلام والعقل، أمر لا يمكن له أن يتحقّق من دون شرط العلم، ومن دون هذا الشرط، فهو أمر غير مقبول، وليس حقيقاً بالمجتمع الإسلامي.
وإذا ما ألقينا نظرة على آيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة لوجدنا اشتراط العلم في تحقّق الأهلية لتسنّم المسؤوليات التنفيذية والاجتماعيّة، بل ولكلّ شكل من أشكال التطور والتقدم[١٥]؛ يقول تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾[١٦]. ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾[١٧].
يقول السيد المرتضى: أمّا الذي يدلّ على أنّه أعلم الخلق بأحكام الشريعة، فهو أنّه إمام فيها، ورئيس في الشرع، وقبيح في العقل أن يُجعل المفضول رئيساً لمن هو أفضل فيه فيما كان رئيساً فيه[١٨].
وقد كتب الشيخ الطوسي في هذا الصدد: ضرورة من قبح تقديم المفضول على الفاضل؛ ألا ترى إنّه يقبح من ملك حكيم أن يجعل رئيساً في الخط على مثل ابن مقلة[١٩]، ونظرائه من يكتب خطوط الصبيان والبقّالين ويجعل رئيساً في الفقه على مثل: أبي حنيفة، و الشافعي، وغيرهما[٢٠].
وأكمل يقول أيضاً: ويجب أن يكون أيضاً بعد الشرع عالماً بجميع الشريعة؛ لكونه حاكماً في جميعها. يدلّ على ذلك أنّه لا يَحسُن من حكيم من حكماء الملوك أن يولّي وزارته والنظر في مملكته من لا يُحسِنها، أو لا يُحسّن أكثر من ذلك، ومتى فعل ذلك كان مضيّعاً لمملكته، واستحقّ الذم من العقلاء[٢١].
وقد أشار بعض أعلام الإمامية؛ مثل: الشيخ الحمصي الرازي[٢٢]، و السيد إسماعيل الطبرسي النوري[٢٣]، والشيخ محمد حسين المظفر[٢٤]، إلى ضرورة علم الإمام.
ومن هنا نقول: طالما أنّ القرآن الكريم قد بيّن الأحكام وقوانين الشرع الإسلامي على نحو كلّي، وطالما أنّ رسول الإسلام (ص) الذي لم يعمِّر طويلاً - لم يبيّين جميع تفاصيل الدين للناس، وطالما أنّ الناس متماثلون في قدرتهم على اكتشاف أحكام الدين ومعارفه واستشفافها من مصادرها، ولا يمكن ترجيح أحدهم على الآخر؛ لأنّهم كلّهم عاجزون عن التمييز بين الناسخ والمنسوخ، والتأويل والتشبيه، والعامّ والخاصّ والمجمل والمبيّن من الدين فإنّ الحكمة الإلهية تقتضي وجود أئمّة عالمين؛ بل وأعلم من غيرهم وتقتضي أن يقوم الله سبحانه وتعالى بتعيينهم؛ ليصون بذلك الناس من الضلال، ويضمن تحقّق الهداية لهم. فلو لم يكن الإمام أعلم من غيره للزم رجوعه في فهم بعض المسائل إلى إمام آخر، ولو لم يكن الإمام الآخر هو الأعلم، فإنّ وجود إمام أعلم من غيره ضروري، وعدمه يستلزم التسلسل، أو الدور، أو تقدّم المفضول على الفاضل.
وليس خفيّاً أنّ العقل البشري غير قادر على اكتشاف القضايا الدينية كشفاً قطعيّاً يقينيّاً. ولهذا، فإنّ عدم وجود إمام يتحلّى بصفة الأعلمية في المجتمع، ليقوم بمهمّة الكشف عن أحكام الدين ومعارفه على نحو قطعيّ، والعمل على تبيينها من بعد ذلك، سوف يستلزم اعتماد الأساليب الظنية في الوصول إلى أحكام الدين والمعارف الإسلامية؛ وهو ما لا يُقرّه صاحب الشريعة؛ فالأحكام والمعارف التي تحصل بهذه الطريقة ليست لا تحمل الصفة الدينية وحسب، بل هي فاقدة لأيّ حجيّة إلهيّة أو شرعيّة أيضاً.[٢٥]
سعة نطاق علم الإمام(ع)
مصادر علم الإمام (ع)
القرآن الكريم
العلم النبوي
الصحيفة الجامعة للإمام عليّ (ع)
الجفر
مصحف فاطمة(ع)
التحديث
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، ص ٤٧١.
- ↑ شرح الأصول الخمسة،ص ٥١٠.
- ↑ للمزيد من المعلومات في هذا المجال؛ راجع: موسوعة الإمام عليّ (ع) [بالفارسية: دانشنامه امام عليّ (ع)]،ج ٣، ص ٣٤٦- ٣٥٢.
- ↑ نهج المسترشدين،العلّامة الحلي، ص ٦٣ .أنوار الملكوت، ص ٢٠٦ .نهج الحق وكشف الصدق، ص ١٦٨ .اللوامع الإلهية، ص ٣٣٣ .المسلك في أصول الدين ص ٢٠٥ و٢٠٦. تجريد الاعتقاد ص ٢٦٦- ٢٦٣ .كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد،ص .٣٨٣
- ↑ الذخيرة في علم الكلام،ص ٤٢٩. شرح جمل العلم والعمل، ص ١٩٤ و١٩٥.
- ↑ الذخيرة في علم الكلام،ص ٤٢٩ و٤٣٠.
- ↑ الاقتصاد إلى طريق الرشاد،الشيخ الطوسي، ص١٩٢. ويُراجع: تلخيص الشافي، ج ١ ص ٢٤٥.
- ↑ تلخيص المحصل، ص ٤١٧.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٣، ص ٩١-٩٤.
- ↑ الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية،الفاضل المقداد، ص ١٦٧. يُراجع: أيضاً: رسالة الإمامة (طبعت في تلخيص المحصل)، ص .٤٣٠
- ↑ الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية،الفاضل المقداد، ص ١٦٧.
- ↑ نهج البلاغة،الخطبة ٢، ص ٩ .
- ↑ الاقتصاد إلى طريق الرشاد، ص ١٩٣.
- ↑ قواعد المرام في علم كلام، ص ١٧٩.
- ↑ ومن قبيل المثال نورد قول النبي الأكرم (ص): من استعمل عاملاً من المسلمين وهو يعلم أنّ فيهم أولى بذلك منه وأعلم بكتاب الله وسنّة نبيّه؛ فقد خان الله ورسوله وجميع المسلمين. سنن البيهقي، ج ١٠، ص ١١٨، كتاب آداب القاضي باب لا يولي الوالي امرأة ولا فاسقاً ولا جاهلاً أمر القضاء.
- ↑ سورة يونس، الآية ٣٥.
- ↑ سورة الزمر، الآية ٩.
- ↑ الذخيرة في علم الكلام، ص ٤٣٢ و٤٣٣.
- ↑ الذخيرة في علم الكلام، ص ٤٣٢ و٤٣٣.
- ↑ الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد، ص ١٩١.
- ↑ الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد،ص ١٩٢؛ تلخيص الشافي، ج٢، ص ٢٤٥- ٢٤٦؛تمهيد الأصول، ص ٨١١.
- ↑ المنقذ من التقليد، ج ٢، ص ٢٩٠.
- ↑ كفاية الموحدين، ج ٢، ص ٢١١.
- ↑ الشيعة والإمامة، ص ١٤ و١٥.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٣، ص ٩٤-٩٩.