علم الله في القرآن
تمهيد
ذكرت عدة آيات في القرآن الكريم في العلم الإلهي، سواء من الصيغ الفعلية مصدر (علم) مثل: عَلِم، يعلم، أو صفة عليم وفروعها مثل سميع وبصير ... حيث استعملت في القرآن عشرات المرات كصفات الله، بالإضافة إلى أنه جاء في بعض الآيات صفات أكثر خصوصية مثل (عالم الغيب) و(علام الغيوب) من البديهي أن البحث في كل الآيات ولو بالاجمال يحتاج إلى كتابة كتاب مستقل، فلا سبيل هنا إلا إلى بيان جزء منها.[١]
إثبات العلم الإلهي
يكتفي القرآن في إثبات صفة العلم بذكر الآيات التي تُبيّن ثبوت كل الصفات الإلهية الكمالية، وإن كان يُمكن الاستدلال ببعض الآيات القرآنية الأخرى، مثلاً: نقرأ في الآية ۱۴ من سورة الملك: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾[٢] هذه الآية يسأل مخاطبيه في قالب استفهام إنكاري، هل يُمكن أن يكون الله الخالق ليس عالماً؟ فالقرآن يعتبر هذا الأمر واضح، حيثُ إنّ هناك نوع تلازم بين الخلق والعلم بالمخلوقات ويلزم أن يعلم الخالق لشيء ما بخصوصيات ذلك الشيء قبل خلقته وبما أن خلق وفيض الله مستمر ودائم فإن الآية تثبت العلم الله بعد الإيجاد أيضاً، وتُبيّن أن الله في كل زمان عالم الموجودات المخلوقة له.[٣]
علم الله المطلق غير المحدود
عندما يصف القرآن الله بالعلم، يؤكد على عدم محدودية علمه. وهذا بيان لحقيقة أساسية في باب الصفات الإلهية، وله دور مهم في تعميق معرفة الله، وله آثار تربوية قيمة. نعم! إن الإيمان بعلم الله المطلق بكل الأمور له تأثير عميق في تقوية روح التوكل عند الإنسان والاعتقاد بأن الله مُطلع على كل الأعمال الظاهرة والباطنة، بل حتى الأغراض والنيات، إن هذا الإيمان يؤثر على اجتناب الإنسان للذنوب، فالقرآن يُصرّح أحياناً بعلم الله المطلق ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾[٤]، وأحياناً يُشير إلى دائرة خاصة من العلم، فتحكي مجموع هذه الآيات سعة علم الله، مثلاً: ﴿عْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾[٥]، التعابير التي جاءت في أول هذه الآية لها مصاديق عديدة[٦] مما يظهر سعة علم الله، لنتأمل في تعبير ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾[٧] الذي يحكي أن الله بدليل معيته[٨] الدائمة للإنسان مُطلع على كل أعماله، بحيث أن كل ما يعمله الإنسان هو في محضر الله. إن اطلاع الله على نيات الإنسان جاء في آيات عديدة ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[٩][١٠].[١١]
علم الله بالغيب
في آيات أخرى جاء فيها علم الله بالغيب واطلاعه على أمور لاتعرفها البشرية، مثلاً: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾[١٢]، تُشير هذه الآية إلى بعض موارد علم الله بالغيب والتي هي عبارة عن: علم الله بزمان القيامة - علمه بزمان نزول المطر - العلم بأحوال ومستقبل الجنين الذي في رحم الأم - العلم بمستقبل الإنسان - العلم بزمان ومكان موته، وجاءت هذه العلوم الخمسة في الروايات تحت عنوان مفاتح الغيب والعلوم المختصة بالله، وينبغي الالتفات إلى أن مفهوم الغيب نسبي إضافي محدود بدائرة الموجودات التي علمها محدود، وإلا فإن كل العالم حاضر عند الله ولا يوجَد أي علم غائب عنه، فالمقصود من علمه بالغيب، أي: اطلاعه على أمور هي غائبة عن الإنسان وغيره من المخلوقات.[١٣]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٢٩-٢٣٠.
- ↑ سورة الملك: ۱۴.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٣٠.
- ↑ سورة البقرة: ۲۸۲.
- ↑ سورة الحديد: ۴.
- ↑ تشمل هذه التعابير: النباتات وقطرات المطر، جذور الأشجار، المعادن والكنوز، الحيوانات التي تحت الأرض والعيون التي في أعماق التراب، الملائكة النازلة والصاعدة، السحاب، الطيور، شهب السماء ومئات من الموارد الأخرى.
- ↑ سورة الحديد: ۴.
- ↑ من البديهي أن هذه المعية، ليست معية زمانية ولا مكانية، بل كما يُعبر الحكماء عنها معية قيومية العلة ومعلولها.
- ↑ سورة آل عمران: ۲۹.
- ↑ و أيضاً سورة الأنعام: ۳، سورة التوبة: ۷۸.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٣٠-٢٣١.
- ↑ سورة لقمان: ۳۴.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٣١-٢٣٢.