نقاش:برهان المعجزة

تمهيد

إنّ المعجزات والأحداث غير العادية التي تحدث في حياة الناس يمكن اعتبارها دليلاً على وجود الله. وشرح هذه الفكرة وما يتعلّق بها كما يلي:

إنّ المقصود بالمعجزات والأحداث الخارقة هي الأشياء التي تحدث بشكل مفاجئ وغير متوقّع ولا يمكن تفسيرها بالأسباب الطبيعية المعروفة. ومن أمثلتها:

  1. حلّ مشكلة صعبة بطريقة غير متوقّعة ولا يمكن تفسيرها بالصدفة أو بالقدرات العادية للإنسان.
  2. الإلهام المفاجئ الذي يقود لاكتشاف علمي أو حلّ لغز محيّر بشكل لا يمكن تفسيره بالخبرة والمعرفة السابقة.

قد يرى البعض أنّ هذه الأحداث هي دلالة على وجود قوّة إلهية خارقة؛ لأنّه لا يوجد لها تفسير مادي واضح، وبالتالي فهي تشير لسبب فوق الطبيعة وهو الله. لكن هذا الرأي يواجه بعض الصعوبات، من أهمها:

  1. يمكن للشخص الذي لم يشهد الحدث بنفسه أن يشكّك في حدوثه من الأساس.
  2. حتّى مع التسليم بوقوع الحدث، يمكن التشكيك في كونه فعلاً من الله، فلكي نثبت ذلك يجب:
    1. أن نثبت أنّ لهذا الحدث سبباً وفق قانون السببية الفلسفي.
    2. أن نستبعد كلّ الأسباب الطبيعية والمادية المحتملة لهذا الحدث.

وبسبب صعوبة ذلك، يميل بعض الفلاسفة لرفض هذا الدليل، خاصّة من لا يؤمن أصلاً بقانون السببية. كما قد يكون للأحداث الخارقة المزعومة تفسيرات أخرى غير ظاهرة، كأن يكون حلّ المشكلة الصعبة نتيجة تجارب وخبرات سابقة غير مدركة مثلاً.

حتّى بعض المعجزات الدينية الشهيرة كانشقاق البحر لموسى (ع) أو انشقاق القمر للنبي محمد (ص)، يمكن الظن بإمكانية وجود أسباب طبيعية لها لم تُكتشف بعد. وبالتالي فهي وإن أوجدت يقيناً شخصياً لمن شاهدها آنذاك، إلّا أنّها قد لا تصلح كدليل برهاني عقلي قطعي لإثبات وجود الله.

والخلاصة أنّ الاستدلال بالمعجزات والخوارق على وجود الله فيه وجاهة من حيث المبدأ، لكنّه يواجه بعض الصعوبات والتحدّيات التي تجعله غير حاسم، ولا يرقى لمستوى البرهان المنطقي اليقيني[١].

المعجزة بين الحكماء المسلمين و اللاهوتيّين الغربيّين

المعجزة في الإسلام تُستخدم عادة لإثبات نبوّة الأنبياء وصدقهم، وليس لإثبات وجود الله. فالقرآن الكريم ينسب المعجزات للأنبياء كدليل على أنّهم مرسلون من الله حقّاً.

أمّا في الفكر المسيحي الغربي، فقد حاول بعض علماء اللاهوت استخدام المعجزة كدليل على وجود الله نفسه. لكنّ هذه الفكرة واجهت انتقادات كبيرة في الفلسفة الغربية، وتأثّر بهذه الانتقادات بعض المفكّرين المسلمين أيضاً.

والمعجزة هي حدث خارق للعادة لا يمكن تفسيره بالأسباب الطبيعية المعروفة. لكنّ هناك صعوبات في إثبات وجود الله من خلال المعجزة، خاصّة لمن يشكّك في وجود الله أصلاً، أو يشكّك في مبدأ السببية (أنّ لكلّ حدث سبباً)، أو لا يقتنع إلّا بما يمكن إدراكه بالحواس المادية.

إنّ الاستدلال بالمعجزة على وجود الله يتطلّب الإيمان المسبق ببعض الأمور، مثل:

وفي ظلّ هذا الإيمان، لا تكون المعجزة خرقاً لقانون السببية، بل دليلاً عليه؛ لأنّه لو كانت المعجزة خرقاً لهذا القانون، لأمكن عزو أيّ شيء لأيّ سبب بشكل عشوائي، ولمّا أمكن الاستدلال بها على وجود الله.

والخلاصة أنّ المعجزة في الفكر الإسلامي دليل على صدق الأنبياء وليس على وجود الله مباشرة. واستخدامها كدليل على وجود الله يواجه تحدّيات منطقية وفلسفية، ما لم يقترن بالإيمان المسبق ببعض المبادئ والأسس العقدية[٢].

المعجزة و الكرامة؛ الإعانة و الإهانة

المعجزة هي حدث خارق للعادة يحدث على يد الأنبياء بقدرة الله، ليثبت صدقهم في ادعاء النبوّة. وهي تختلف عن:

  • الكرامات: وهي خوارق تحدث للأولياء الصالحين، لكنّهم لا يدّعون النبوّة.
  • الإعانات: وهي أمور خارقة تحدث استجابة لدعاء بعض الصالحين.
  • السحر: وهو أمور خارقة يفعلها السحرة بوسائل شيطانية.
  • الإهانات: وهي أمور خارقة تحدث لتفضح وتبطل ادعاءات النبوّة الكاذبة.

والمعجزة مميّزة؛ لأنّها:

  • تستند إلى قدرة الله المطلقة، فليس فيها شكّ أنّها من عند الله.
  • تثبت صدق النبي وصحّة رسالته؛ لأنّ الله أيّده بها.
  • لا يمكن معارضتها أو هزيمتها؛ لأنّها من عند الله.

فالله سبحانه يختار أنبياءه ويوحي إليهم، ويؤيّدهم بالمعجزات التي تشهد بصدقهم. فكما أنّ الوحي أمر خارق للعادة، فالمعجزة دليل إضافي يثبت أنّ هذا النبي موصول حقّاً بالله.

ومن رحمة الله بالبشر أنّه لا يسمح بحدوث المعجزة على يد مدّعي نبوّة كاذب، حتّى لا يضلّ الناس به. بل قد يقع له ما يثبت كذبه ويفضحه، كما حصل مع مسيلمة الكذاب الذي ادّعى النبوّة زوراً، فدعا ليزيد ماء بئر ببصقه فيه، فجفّ البئر بدلاً من أن يزيد ماؤه!

فالمعجزة إذاً علامة فارقة تميز الأنبياء الصادقين عن غيرهم، وتثبت أنّ دعواهم حقّ وأنّ ما جاؤوا به وحي من عند الله، فلا يمكن دحضها أو إبطالها[٣].

المعجزة كدليل عقلي

إنّ المعجزة تُعتبر دليلاً عقلياً على نبوّة الأنبياء الذين أُرسلوا لأقوامهم خاصّة - وليس للعالمين كافّة -. لكن ليس كلّ الناس قادرين على الاستفادة من المعجزة والاقتناع بها. فالذين يستخدمون عقولهم وتفكيرهم المنطقي هم الأقدر على:

  • تمييز المعجزة الحقيقية عن الظواهر الطبيعية أو الخدع.
  • الربط بين حدوث المعجزة وبين صدق ادعاء النبي للنبوّة.

أمّا من يعتمد فقط على ما يراه بحواسه دون تفكير عميق، فقد يندهش من المعجزة، لكنّه لن يجزم بأنّها دليل على نبوّة صاحبها.

ويظهر هذا الفرق جليّاً في قصة معجزة سيدنا موسى (ع) أمام سحرة فرعون. فالسحرة كانوا الأكثر خبرة ودراية، فميّزوا بين السحر والمعجزة الحقيقية، وأيقنوا أنّ موسى نبي حقّاً، فآمنوا به رغم تهديد فرعون بقتلهم. بينما الذين نظروا للمعجزة نظرة سطحية، سرعان ما انحرفوا وعبدوا العجل عندما سمعوا خواره وظنّوه إلهاً!

إنّ المعجزة وحدها تثبت نبوّة النبي الخاص، لكنّها لا تكفي لإثبات صحّة مضمون رسالته، والتي تشمل الدعوة للإيمان بالله وتوحيده. فالعقل السليم ينبغي أن يهتدي إلى وجود الله ووحدانيّته قبل إدراك الحاجة للنبوّة، بل يستطيع إبطال ادعاء النبوّة إن دعا صاحبها للشرك بالله.

ويمكن تقسيم المعجزات علی نوعين:

  1. المعجزات القولية: مثل القرآن الكريم، وهي الأنسب للعلماء وأهل المعرفة.
  2. المعجزات الفعلية: مثل معجزات النبي محمد (ص)، وهي الأنفع لعامّة الناس.

والقرآن الكريم معجزة خالدة تثبت نبوّة محمد (ص) لكلّ عاقل في كلّ زمان ومكان.

فالمعجزة إذاً أمر يتطلّب تفكيراً عقلياً لإدراك دلالتها، فليست مجرّد حدث عجيب يُنظر إليه بسطحية. وهي تثبت نبوّة الأنبياء، لكنّها ليست المدخل الوحيد للإيمان بالله[٤].

الإمكان العقلي و الاستحالة العادّية للمعجزة

من المهم توضيح أنّ المعجزات لا تتعارض مع العقل أو قانون السببية. فالمعجزات هي أحداث نادرة لا تحدث وفقاً للأسباب الطبيعية المألوفة، وإنّما تتطلّب تدخّلاً من القدرة الإلهية المطلقة لكي تتحقّق. ولنأخذ بعض الأمثلة:

  1. تحوّل عصا سيدنا موسى (ع) إلى ثعبان.
  2. توقّف مياه نهر النيل عن الجريان.
  3. انشقاق القمر لسيدنا محمد (ص).

فهذه الأحداث ممكنة من الناحية النظرية، لكن لا يمكن أن تحدث بالسرعة المذهلة التي وقعت بها آنذاك إلّا عن طريق معجزة من الله عزّ وجلّ.

وهنا لابدّ من التمييز بين المعجزة وبين المستحيل عقلاً. فالمستحيل عقلاً لا يمكن أبداً أن يتحقّق في الواقع، حتّى لو كان بقدرة الله تعالى. وليس ذلك لعجز من الله سبحانه، وإنّما لأنّ المستحيل بحدّ ذاته لا يقبل الوجود. ومن الأمثلة على المستحيل عقلاً: اجتماع النقيضين في آنٍ واحد.

وكما قال الإمام الصادق (ع): «وَالَّذِي سَأَلْتَنِي لَا يَكُون‏»[٥] أي أنّ ما طلبتَ تحقيقه من المستحيلات هو في الأصل لا شيء، ولا يمكن تحويله إلى شيء بأيّ حال.

كذلك فإنّ القرآن الكريم يُعتبر معجزة بحدّ ذاته للأسباب التالية:

  1. أنّه كتاب سماوي نزل على قلب النبي محمد (ص) على مدار ثلاث وعشرين سنة.
  2. أنّه خالٍ تماماً من أيّ تناقض أو اختلاف بين آياته، رغم طول الفترة الزمنية لنزوله. وهذا أمر فوق قدرات البشر، خاصّة الأميّين منهم.
  3. بلاغة القرآن وفصاحته تفوق الطاقات البشرية المعتادة.

ويشير الله تعالى لذلك في قوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا[٦].

كما كان نزول القرآن مصحوباً بتحدٍّ للعرب بأن يأتوا بمثله إن استطاعوا، وذلك لإثبات نبوّة محمد (ص) كخاتم الأنبياء، وليس لإثبات وجود الله عزّ وجلّ.

فخلاصة القول، أنّ المعجزات ممكنة عقلاً رغم استحالتها بالطرق العادية، وهي لا تتناقض مع العقل والمنطق. أمّا المستحيل عقلاً فلا يمكن حدوثه بأيّ حال، حتّى بقدرة الله، ليس لعجز منه سبحانه، بل لأنّ تحقّق المستحيل ينافي ذاته[٧].

المراجع

  1.   عبد الله الجوادي الآملي، تبیین البراهین علی اثبات وجود الله

الهوامش

عُد إلى صفحة "برهان المعجزة".