دين النبي الخاتم
تنزيهه عن عبادة غير الله
تدلّ الدلائل التاريخية والعقلية والمنطقية، على أنّ النبي الأكرم (ص) لم يعبد غيرَ الله منذُ ولد حتى رحل إلى ربّه، وكذلك ما كان عليه آباوَه وكفلاوَه.
فجدّه عبد المطلب، طلب من الله وهو في الكعبة أن يرد هجوم أبرهة ويهزم جيشه، فقد كان الموحّد الذي لا يلتجىَ في المصائب والمكاره إلى غير كهف الله. كما أنّه كان يستسقي بالتوسّل إلى الله تعالى. وقد اعترف الموَرّخون بذلك، فقد ذكر اليعقوبي: «ورفض عبد المطلب عبادة الأوثان والأصنام، ووحّد الله عزّوجلّ، ووفى بالنذر، وسنّ سنناً نزل القرآن بأكثرها، وجاءت السنّة الشريفة من رسول الله بها، وهي الوفاء بالنذر، ومائة من الإبل في الدية، وألا تنكح ذاتُ محرم، ولا تؤتى البيوت من ظهورها، وقطع يد السارق، والنهي عن قتل الموَودة، وتحريم الخمر، وتحريم الزنا والحدّعليه، والقرعة، وألاّ يطوف أحد بالبيت عرياناً، وتكريم الضيف، وألا ينفقوا إذا حجّوا إلاّ من طيب أموالهم، وتعظيم الأشهر الحرم، ونفي ذات الرايات».[١]
كل ذلك يوَكد تماماً توحيده وإيمانه بالله واعترافه برسالة النبي (ص) .
وكذلك كان عمّه أبو طالب، فله مواقف كثيرة بارزة قبل البعثة، تكشف عن عمق إيمانه وتوحيده، فقد اعتبر حامي الدين والمدافع عن المسلمين، آمن بالنبي (ص) واعتبره في قمة الكمال الإنساني، بالإضافة إلى أنّه أحلّه من قلبه محلَ الابن والأخ، فكان يصحبه معه إلى المصلّى، ويستسقي به، حيث كانت دعوته تُستجاب دون تأخير، كما اصطحبه معه في سفره إلى الشام، كما أنّ دفاعه عن النبي (ص) لم يكن مادياً، فلم يقصد من وراء ذلك كسباً مادياً من مال وثروة، كما لم يهدف للحصول على جاه ومقام وإحراز مكانة اجتماعية مرموقة، لأنّه كان يمتلك في المجتمع أعلى المناصب، فقد كان رئيساً لمكّة المكرّمة، بل إنّه فقد منصبه ومكانته بسبب موقفه الموالي للنبي (ص) وعدم الاستجابة لقومه في تسليمه (ص) لهم، ممّا استوجب سخط الزعماء عليه واستياءهم منه، وإظهار العداء له ولبني هاشم عامة.
فالقول بأنّ تضحية أبي طالب في سبيل النبي (ص) بالنفس والنفيس كان بدافع علاقة القربى والعصبية القبلية، تصوّر باطل، إذ أنّذلك كان بدافع اعتقاده الراسخ برسول الله (ص) الذي اعتبره مظهراً كاملاً للفضيلة والإنسانية، وأنّ دينه أفضل برنامج للسعادة. ولما كان يحب الحقيقة والكمال والحقّ، فقد كان من الطبيعي أن يدافع عن تلك الفضائل وينصرها بكلّ جهوده وقواه.[٢]
كما أنّ هناك مواقف محددة توَكد المعنى السابق:
فقد أصدر تهديداً بمحاربة رجال قريش بالسلاح، إذا أقدموا على أي سوء نحو النبي (ص) فقد حافظ على حياته (ص) لفترة ٤٢ عاماً، ودافع عنه، وخاصةً في سنوات البعثة العشرة، فهو قد تولى مهمة كفالته والدفاع عنه والمحافظة على حياته بصدق وإخلاص، بالنفس والمال، وإيثاره على نفسه وأولاده والإنفاق عليه من ماله، منذ صِغَره (ص) وحتى الخمسين من عمره. ولذا كان لفقده أكبرُ الأثر على سير الدعوة الإسلامية.
وهو ما دفع ابن أبي الحديد المعتزلي أن ينشد بيتين يوضح تضحيته هو وابنه علي (ع):
| ولولا أبو طالب وابنُه | لما مثلُ الدّين شخصاً وقاما | |
| فذاك بمكة آوى وحامى | وهذا بيثرب جسّ الحِماما[٣] |
ويمكن التعرّف على إيمانه وإخلاصه عن طريق أشعاره وخدماته القيّمة في السنوات العشر الأخيرة من عمره، فمن قصائده المطولة نختار البيتين التاليين:
| ليعلم خيارُ الناس أنّ محمّداً | نبيُّ كموسى والمسيحِ بن مريم | |
| أتى بهدى مثلما أتيا به | فكلّ بأمر الله يهدي ويعصم[٤] |
لقد كان إيمانه قوياً لدرجة أنّه رضى بأن يتعرض كل أبنائه لخطر القتل والاغتيال ليبقى محمد (ص) دون أن يمسّه أعداوَه بأيّ سوء. كما أنّه أوصى أولاده عند وفاته قائلاً: أُوصيكم بمحمّد خيراً فإنّه الأمين في قريش، وهو الجامع لكلّما أوصيكم به. كونوا له ولاةً، ولحزبه حماةً، والله لا يسلك أحد منكم سبيله إلاّ رَشَد، ولا يأخذ أحد بهديه إلاّ سعد.[٥]
وبينما كفّره البعض من علماء السنة، إلاّ أنّ منهم من حكموا بإسلامه وبإيمانه، مثل: «زيني دحلان» مفتي مكة، وقد تمادى بعض منهم في توسيع دائرة الكفر فشملت آباء النبي (ص)، وكان ذلك من آثار الحكومات الأموية والعباسية التي عملت بكلّ جهدها لتأكيد كفر أبي طالب والإعلام ضدّ إيمانه، لأنّه كان والد الإمام علي(ع) الذي اجتهدت الأجهزة الإعلامية لتلك الحكومات في الحط من شأنه دوماً، وخاصةً إنّ إسلامه مع أبيه كان يعد فضيلة بارزة من فضائله.
أمّا علماء الشيعة الإمامية والزيدية فقد اتّفقوا على أنّه كان من أبرز الموَمنين برسول الله (ص) ولم يخرج من الدنيا إلاّ بقلب يفيض إيماناً بالإسلام وإخلاصاً لله تعالى وحباً للمسلمين.[٦]
وأمّا أقاربه وما قدّموه من أفعال وأقوال توَكد موقفه الإيجابي، فإنّ النبي (ص) دفنه بنفسه. كما أنّ الإمام الحسين (ع) أجاب عندما سُئل عن إيمانه قال: «وَا عَجَبَا إِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى نَهَى رَسُولَهُ أَنْ يُقِرَّ مُسْلِمَةً عَلَى نِكَاحِ كَافِرٍ وَ قَدْ كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدٍ مِنَ اَلسَّابِقَاتِ إِلَى اَلْإِسْلأمِ وَ لَمْ تَزَلْ تَحْتَ أَبِي طَالِبٍ حَتَّى مَاتَ».
وقال (ع): «أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلِيّاً عَلَيْهِ السَّلأمُ كَانَ يَأْمُرُ أَنْ يُحَجَّ عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ وَ آمِنَةَ وَ أَبِي طَالِبٍ فِي حَيَاتِهِ ثُمَّ أَوْصَى فِي وَصِيَّتِهِ بِالْحَجِّ عَنْهُمْ».
وقال الإمام الصادق (ع): «إِنَّ مَثَلَ أَبِي طَالِبٍ مَثَلُ أَصْحَابِ اَلْكَهْفِ، أَسَرُّوا اَلْإِيمَانَ وَ أَظْهَرُوا اَلشِّرْكَ فَآتَاهُمُ اَللَّهُ ﴿أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾[٧]»[٨]
ومن المعروف، أنّه للتعرف على عقيدة فردٍ ونمط تفكيره،ينبغي الاعتماد على:
- دراسة آثاره العلمية والأدبية وما تركه من أقوال وكلمات.
- و أسلوب عمله وتصرفاته في المجتمع.
- و آراء أقربائه ومعارفه حوله.
وكلّتلك الجوانب أكدت إسلام أبي طالب، حامي الرسول العظيم (ص)، فتسقط كلّ الأقاويل والأحاديث التي بثّها أعداوَه للحط من شأنه وإلصاق الكفر به.
وكذلك كان أبو النبي (ص) عبد الله، فقد ذكر النبي (ص) إنّه انتقل في الأرحام المطهّرة ممّا يوَكّد طهارة آبائه وأُمّهاته من كلّدنس وشرك.
وقد أشار الشيخ المفيد إلى أنّ الإماميّة تتفق على أنّ آباء رسول الله (ص) من لدن آدم إلى عبد الله بن عبد المطلب كانوا موَمنين بالله وموحّدين إيّاه، واحتجّوا في ذلك بالقرآن والأخبار.[٩]
إيمانه بالله قبل البعثة
تدلّ الشواهد التاريخية بالإضافة إلى البراهين العقلية، على أنّه النبي كان موَمناً بالله وموحّداً إيّاه قبل البعثة، فلم يعبد وثناً قط، ولم يسجد لصنم أبداً. وقد أجمع المؤرّخون على أنّه (ص) كان يخلو بحراء أشهراً كلّ عام يعبد الله تعالى فيه، فقد ذكر الإمام علي (ع): «وَ لَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ وَ لَا يَرَاهُ غَيْرِي».[١٠]
حتى وافاه جبرائيل (ع) بالرسالة في هذا المكان وفي تلك الحال، وقد صرح بهذا أيضاً أصحاب الصحاح الستة، وجاء في الأخبار أنّ الرسول (ص) حجّ قبل البعثة عدّة حجّات، وكان يأتي بمناسكها على وجه صحيح بعيداً عن أعين قريش، فقال الإمام الصادق(ع): «حَجَّ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ عَشْرَ حَجَّاتٍ مُسْتَسِرّاً فِي كُلِّهَا».[١١]
وكلّ تلك الوقائع أصدق دليل على إيمانه وتوحيده، وهو النبي الخاتم والأفضل من جميع الأنبياء والمرسلين بنصّ القرآن الكريم. وجاء عن «العلاّمة المجلسي»، أنّه قد وردت أخبار كثيرة أنّه (ص) كان يطوف ويعبد الله في حراء، ويرعى الآداب المنقولة من التسمية والتحميد عند الأكل وغيره،فكيف يمكن لله تعالى أن يهمل أفضل أنبيائه أربعين سنة بغير عبادة[١٢]
والنبي (ص) كان موَمناً موحّداً عابداً لله ساجداً قائماً بالفرائض العقلية والشرعية، مجتنباً عن المحرمات، عالماً بالكتاب وموَمناً به إجمالاً، وراجياً لنزوله إليه، إلى أن بعثه الله لإنقاذ البشرية عن الجهل وسوقها إلى الكمال.
فكان (ص) أفضل الخلق وأكملهم خلقاً وخُلقاً وعقلاً، وأنّه كان يعمل حسب ما يُلهَم سواء كان مطابقاً لشرع ماقبله أم مخالفاً، وأنّ هاديه وقائده، منذ صباه إلى أن بُعِث هو نفس هاديه بعد البعثة.[١٣].[١٤]
المراجع
الهوامش
- ↑ تاريخ اليعقوبي: ٢/ ٩.
- ↑ وقد أشار إلى كلّ ذلك في قصائده وأشعاره. ونقل ابن هشام في سيرته: ١/ ٣٥٢، ١٥ بيتاً من قصيدته.
- ↑ شرح نهج البلاغة: ١٤/ ٨٤.
- ↑ مجمع البيان: ٧/ ٣٧؛ الحجة: ٥٧؛مستدرك الحاكم: ٣/ ٦٢٣.
- ↑ السيرة الحلبية: ١/ ٣٥.
- ↑ يوضح هذا الجانب جيداً صاحب موسوعة الغدير، العلاّمة الأميني.
- ↑ سورة القصص، الآية ٥٤.
- ↑ أُصول الكافي: ١|٤٤٨.
- ↑ جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٥٣-٥٧.
- ↑ نهج البلاغة: الخطبة ١٩٢.
- ↑ وسائل الشيعة: ٨/ ٨٨.
- ↑ بحار الأنوار: ١٨/ ٢٨٠.
- ↑ للتوسع في ذلك يراجع مفاهيم القرآن: ٥/ ١٣٥.
- ↑ جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٥٧-٥٨.