آية الابتلاء
تمهيد
قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾[١]. للاستدلال بهذه الآية، لابدّ من توضيح المقصود من ﴿إِمَاماً﴾، و﴿الظَّالِمِينَ﴾.
المقصود من ﴿إِمَاماً﴾ (الإمامة) في الآية
قد يقول البعض إنّ المقصود من «الإمامة» في الآية هو النبوة، أي أنّ الآية تتحدّث عن إعطاء مقام النبوة لإبراهيم (ع). لكنّ هذا القول لا يتناسب مع ظاهر الآية والقرائن الموجودة فيها، فالواضح من عبارة: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ أنّ هذا الكلام لم يكن هو الوحي الأوّل للنبي إبراهيم (ع)، بمعنى أنّه كان قد وصل إلى مقام النبوة قبل هذا الخطاب. كما أنّ طلب إبراهيم (ع) الإمامة لأبنائه دليل آخر على ذلك، فمن غير المعقول أن يطلب ذلك في الوحي الأوّل له.
ثانياً، هذا الطلب يدلّ على أنّ إبراهيم في ذلك الوقت كان قد رُزق بأبناء «إسحاق» و «إسماعيل». ومن جهة أخرى، يصرّح القرآن بأنّ إبراهيم لم يصبح أباً إلّا في سنّ الشيخوخة، أي بعد مرور سنوات طويلة من نبوّته. فهذه الشواهد تؤكّد أنّ المقصود من «الإمامة» في الآية ليس النبوة، بل المقصود هو حفظ التشريع الإلهي وتطبيق أحكام الشريعة في المجتمع، أي القيادة الإلهية للأمّة نحو أهداف الشريعة ومقاصدها، وهذا هو نفس المعنى الذي يقصده المسلمون عندما يتحدّثون عن خليفة النبي (ص).
المقصود من ﴿الظَّالِمِينَ﴾ (الظلم) في الآية
أمّا بالنسبة لمعنى الظلم في الآية، فللظلم معاني كثيرة في اللغة العربية. الظلم هو عكس العدل بمعنى عدم وضع الشيء في مكانه الصحيح. لذلك فكلّ معصية تُعتبر ظلماً. وبما أنّ كلمة ﴿الظَّالِمِينَ﴾ في الآية جاءت بصيغة الجمع المعرّف بـ (ال)، فإنّ ذلك يفيد معنى العموم، أي أنّ أيّ نوع من أنواع الظلم والذنب يمنع من الوصول إلى مقام الإمامة، المقام الذي عبّرت عنه الآية بـ ﴿عَهْدِي﴾. فالشخص إذا ارتكب ذنباً في مرحلة التكليف ولو مرّة واحدة، فإنّه لا يصلح لمقام الإمامة. وهذا يعني ضرورة عصمة الإمام.
إذن، يُفهم من هذه الآية أنّ العصمة هي أحد شروط الإمامة. وقد أيّدت بعض الروايات هذا المعنى، فعن النبي (ص) أنّ الله قال في جواب إبراهيم (ع): مَن الظالم من ولدي؟: «مَنْ سَجَدَ لِصَنَمٍ مِنْ دُونِي لَا أَجْعَلُهُ إِمَاماً أَبَداً، وَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ إِمَاماً»[٢].[٣].[٤]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٢٤.
- ↑ محمد باقر بن محمد تقي، العلامة المجلسي، بحار الأنوار ۲۵: ۲۰۱.
- ↑ انظر: محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الإسلامي: ٤٨٧ و٤٨٨.
- ↑ انظر: محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الإسلامي: ٤٨٧ - ٤٨٨.