آية السابقون في القرآن

من إمامةبيديا

آية السابقون

﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ[١]

تمهيد

هذه الآيات الشريفة تستعرض فضيلة اخرى من فضائل الإمام أمير المؤمنين (ع) أيضاً و التي اعترف بها علماء السنّة بصورة واسعة، فنقرأ في هذه الآيات الشريفة التي تتحدّث عن طوائف ثلاث من الناس يوم القيامة، تعليمات راقية و مطالب مهمة تتعلق بمسيرة الإنسان في حركة الحياة الدنيوية، و سيأتي تفصيل البحث لاحقاً.[٢]

مضمون سورة الواقعة

إنّ سورة الواقعة كسائر سور القرآن الكريم تتضمن مفاهيم عميقة و مواضيع مثيرة للغاية، و الأصل و المحور في مواضيع آيات هذه السورة المباركة هو الحديث عن المعاد و الحياة الاخروية، فالآيات الاولى من هذه السورة تستعرض علائم و آثار يوم القيامة حيث يبدأ هذا اليوم بانقلاب كبير في عالم الوجود كما هو الحال في الانقلاب و الانفجار الذي حدث في بداية ظهور الأرض و المجرّات و السماوات، و عليه فإنّ الدنيا بدأت بانفجار مهيب و ستنتهي أيضاً كذلك، فعند ما تقوم القيامة تهتزّ الأرض بشدّة و تتحطم الجبال‌ العظيمة و تتلاشى‌ في الفضاء نتيجة اصطدامها فيما بينها في الفضاء بحيث تتحول إلى غبار منثور، و بعد ذلك يقوم اللَّه تعالى بخلق عالم الآخرة على خرائب و أطلال عالم الدنيا و يخلق أرضاً و سماءً جديدة، و في ذلك اليوم تدبُّ الحياة في الأموات و يبعثون من قبورهم مرّة ثانية و يكونون على ثلاث طوائف:

  1. «أصحاب الميمنة» و هم السعداء و المفلحون في ذلك اليوم.
  2. «أصحاب المشأمة» [٣] و هم الأشخاص الذين يواجهون الشقاء و المصير السيئ و تقدّم إليهم صحيفة أعمالهم بيدهم الشمال.
  3. «السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ» و هذه الطائفة من الناس هم أسعد حظاً من الطائفة الاولى و هم الذين ينالون وسام مقام القرب من اللَّه تعالى بحيث لا يدانيهم في هذا المقام و المنزلة أحد من المؤمنين.

و بهذا التقسيم القرآني لطوائف الناس في ذلك اليوم تشرع الآيات الكريمة باستعراض أنواع المثوبات و العقوبات المقرّرة لأفراد هذه الطوائف الثلاث، المثوبات التي تثير الوجد و الفرح في قلوب المؤمنين، و العقوبات الرهيبة التي تثير الفزع و الخوف لدى كلّ إنسان.

و تتحدّث الآيات 11 إلى 26 عن المثوبات المقرّرة للسابقين و المقرّبين، و هي المثوبات غير القابلة للتصور أحياناً، و تتحدّث الآيات 27 إلى 40 عن مثوبات أصحاب اليمين، و من الآية 41 فما بعد يتحدّث القرآن الكريم عن عقوبات أصحاب الشمال بصورة مفصلة.[٤]

الشرح و التفسير

من هم السابقون؟

﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ[٥] و هم الذين ينبغي أن يكونوا اسوة و قدوة لجميع أفراد البشر في حركتهم المعنوية و سيرهم التكاملي في خطّ الإيمان و الرسالة.

سؤال: من هم هؤلاء السابقون الذين ينالون مقام القرب من اللَّه تعالى؟

الجواب: لقد ذكرت تفاسير مختلفة للمقصود من هذه العبارة:

  1. السابقون في الإيمان.
  2. السابقون في الجهاد.
  3. السابقون في العبادة و الصلاة اليومية.
  4. السابقون في التوبة.
  5. السابقون في طاعة اللَّه.
  6. السابقون في دخول الجنّة.
  7. السابقون في الهجرة.
  8. السابقون في أعمال الخير.

و هناك تفاسير اخرى أيضاً [٦].

و لكننا نرى عدم وجود منافاة بين هذه التفاسير المذكورة للآية الشريفة، و عليه فلا ينبغي أن نقيّد الآية بأحد الموارد المذكورة بل نرى أن المفهوم منها يستوعب جميع ما ورد لها من هذه التفاسير، و على أيّة حال فالسابقون يتّسمون بفضائل جمّة و يختصّون بخصائص مهمّة ترتفع بهم في عالم الملكوت، و أسمى مقام لهم هو مقام القرب الإلهي، و بلا شك أن اللذّة التي يعيشها هؤلاء السابقين في هذا المقام العظيم ترتفع عن كلِّ لذّة اخرى.

«فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ» و هذا التعبير بصيغة الجمع يشمل كافة النِّعم المادية و المعنوية في الجنّة، و قد يشير أيضاً إلى أن بساتين الجنّة هي محل النعيم الحقيقي لا غير خلافاً لبساتين الدنيا التي قد تكون سبباً للتعب و الشقاء، و هكذا بالنسبة إلى حال المقرّبين و تفاوت مقامهم‌ في الآخرة بالنسبة إلى الدنيا لأنّ مقامهم الدنيوي كان مقترناً مع تحمل المسئوليات و الأتعاب و المشاكل في حين أن مقامهم الاخروي هو التنعم الخالص بالمواهب الإلهية في الجنّة.

فهل تليق هذه المواهب و المثوبات الإلهية لغير السابقين؟

نسألك اللهمّ بلطفك و كرمك أن تحشرنا مع هذه الطائفة و تجعلنا من المقرّبين عندك.[٧]

الإمام علي (ع) المصداق الأتم و الأكمل للسابقين‌

كما تقدّم آنفاً فإنّ مفهوم الآية الشريفة شامل و عام في دائرة السابقين و يستوعب في مضمونه جميع الأشخاص الذين سبقوا الآخرين في الإيمان و الجهاد و الصلاة و التوبة و المسير في خطّ الطاعة و العبودية و الدخول إلى الجنّة و أمثال ذلك، و لكن طبقاً لما ورد في الروايات الشريفة أن الإمام علي (ع) هو أسبق السابقين في هذه الموارد و المصداق الأتم و الأكمل لهذه الآية الشريفة، و هنا نلفت النظر إلى بعض ما ورد في هذه الروايات:

  1. ما ورد عن المفسّر و الراوي المعروف ابن عبّاس المقبول لدى السنّة و الشيعة أنه قال: سابِقُ هذِهِ الْامَّةِ عَلِيُّ بْنُ أبي طَالِبٍ‌ [٨].
  2. و قال ابن عبّاس أيضاً في رواية اخرى: يُوشَعُ بْنُ نُون سَبَقَ إلى‌ مُوسى‌، وَ مُؤْمِنُ آلِ ياسين سَبَقَ الى‌ عيسى‌، وَ عَلِيُّ بْنُ ابي طالِبٍ سَبَقَ إلى‌ مُحَمَّدٍ [٩].
  3. عند ما أراد رسول اللَّه (ص) إجراء عقد الزواج بين الإمام علي (ع) و ابنته فاطمة الزهراء (ع) قال مخاطباً لابنته: زَوَّجْتُكِ بأَوَّلِ مَنْ آمَنَ بِي وَ عَرَفَنِي وَ ساعَدَنِي‌ [١٠].

أجل، فطبقاً لهذه الروايات و الروايات الاخرى التي لم نذكرها هنا رعاية للاختصار فإنّ الإمام علي (ع) هو أسبق السابقين من جميع المسلمين، فهل من اللائق مع وجود مثل هذا الإمام اختيار شخص آخر لخلافة النبي؟

و ما أجمل ما قاله الشاعر العربي:

ا لَيْسَ اوَّلُ مَنْ صَلّى بِقِبْلَتِهِمْ‌ *** وَ اعْلَمُ النّاسِ بِالْقُرْآنِ وَ السُّنَنِ‌ [١١]

إذن فلما ذا مع وجود عليّ بن أبي طالب (ع) و اعترافهم بأفضليته و أسبقيته يتم اختيار شخص آخر و ترجيحه عليه؟

الروايات المذكورة آنفاً وردت في منابع متعددة لدى أهل السنّة و نكتفي هنا بذكر 10 مصادر و منابع منها:

  1. ابن المغازلي في المسند [١٢].
  2. السبط ابن الجوزي في التذكرة [١٣].
  3. ابن كثير الدمشقي‌ [١٤].
  4. محيي الدين الطبري في الرياض النضرة [١٥].
  5. السيوطي في الدرّ المنثور [١٦].
  6. ابن حجر في الصواعق المحرقة [١٧].
  7. العلّامة الشوكاني في فتح القدير [١٨].
  8. مير محمّد صالح الترمذي في المناقب المرتضوية [١٩].
  9. الآلوسي في روح المعاني‌ [٢٠].
  10. القندوزي في ينابيع المودّة [٢١].

و مع الالتفات إلى كثرة هذه الروايات الواردة في شأن الإمام علي (ع) في ذيل الآية الشريفة فهل يعقل أن اللَّه تعالى يختار شخصاً آخر للخلافة مع وجود الإمام علي (ع) و فضائله الكثيرة؟[٢٢]

تفسير السابقين على لسان النبي (ص)‌

و قد ورد في الحديث النبوي الشريف أن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله قال: «السّابِقُونَ إلى‌ ظِلِّ الْعَرْشِ طُوبى لَهُمْ». قيلَ: يا رَسُولُ اللَّهِ وَ مَنْ هُمْ؟ قال:

  1. «الَّذِينَ يَقْبَلُونَ الْحَقَّ إذَا سَمِعُوهُ»، إنّ السابقين يتّصفون بأنهم يذعنون للحقّ أياً كان و من أي شخص سمعوه حتّى لو كان من عدو أو صبي صغير فلا يجدون في أنفسهم حرجاً و لا تعصباً أو تكبّراً على الحقّ، فعند ما يدرك الإنسان خطأه و تتضّح له آفاق الحقيقة فيجب عليه أن يتحرك من موقع الشجاعة و الشهامة و يعترف بخطئه و يقبل بالحقّ و ليعلم أن ضرر الاعتراف بالخطإ أقلُّ بكثير من ضرر العناد و الإصرار على الخطأ و عدم الاعتراف به.
  2. «وَ يَبْذَلُونَهُ إذا سَألُوهُ»، فلا يحقُّ للسابقين كتمان الحقّ، لأن كتمان الحقّ من الذنوب الكبيرة، و لذلك لا يقولون أننا قد نتعرض للضرر من قول الحقّ أو قد يتألم والدنا أو والدتنا أو زوجتنا أو صديقنا و جارنا من قول الحقّ، فهم يعلمون أن الواجب يحتم عليهم أن يشهدوا بما يعلمون أنه الحقّ‌ و الصواب كما ذكر اللَّه تعالى ذلك في الآية الشريفة 283 من سورة البقرة و قال: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ[٢٣].
  3. «وَ يَحكُمُونَ لِلنّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ» [٢٤]. الخصوصيّة الاخرى للسابقين هي أنهم يحبّون لغيرهم ما يحبّون لأنفسهم و لا يحكمون لغيرهم إلّا بما يرونه صلاحاً لأنفسهم، و بعبارة اخرى أنهم يرون منافعهم و منافع الآخرين بعين واحدة، و بلا شك إنّ هذه المرتبة الأخلاقية لا تتيسر لكلِّ شخص و ليس من اليسير أن ينظر الإنسان لمصالح الآخرين كما يراها لنفسه و يذعن للحقّ من دون أن تتدخل في ذهنه عناصر الأنانية، و بذلك ينال مرتبة السابقين.

إذا عمل الإنسان المعاصر بهذه التعليمات النبوية الثلاث فإنّ العالم سوف يتبدل إلى جنّة، و لكن مع الأسف فإنّ تعامل دعاة حقوق الإنسان مع الشعوب الاخرى من موقع الانتهازية و الرياء حوّل المجتمع البشري إلى كيانات مهزوزة و بدّل العالم إلى جهنم محرقة و لم يبق من حقوق الإنسان في أذهان البشر سوى أوهام خاوية و توهيمات زائفة، فعند ما يسمع أبناء البشر ادعاءات هؤلاء المدّعين و المنادين لحقوق الإنسان يتبادر إلى أذهانهم مفاهيم جديدة و هي «حفظ منافع السلطات الاستكبارية بأي قيمة و بأي شكل كان».[٢٥]

المراجع والمصادر

  1. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن

الهوامش

  1. سورة الواقعة، الآية 10-12.
  2. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص301.
  3. «الميمنة» و «المشأمة» يمكن تفسيرهما بمعنيين: أحدهما: أن يكون المراد منهما هو اليُمن و البركة في الاولى، و الشؤم و الشر في الثانية، و الآخر أن يكون المراد هو اليد اليمنى و اليسرى، حيث استخرج منهما هاتان الكلمتان للدلالة على أصحاب اليمين و أصحاب الشمال و لكن يمكن القول بأن المعنى الأوّل أقرب إلى أجواء الآيات من خلال التقابل الموجود بينهما في سياق الآيات، و كذلك يمكن القول بالثاني بلحاظ ما يرد في هذه الآيات من إعطاء كتاب الأعمال للصالحين بأيديهم اليمنى، و إعطاء كتاب الأعمال للمجرمين بأيديهم الشمال.
  4. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص301-302.
  5. سورة الواقعة، الآية 10-11.
  6. هذه الاحتمالات وردت أيضاً في التفسير الامثل ذيل الآية مورد البحث، و تفسير التبيان: ج 9، ص 490، و مجمع البيان: ج 5، ص 215.
  7. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص302-304.
  8. احقاق الحقّ: ج 3، ص 114.
  9. احقاق الحقّ: ج 3، ص 115.
  10. روضة الأحباب: ج 3، ص 10 نقلًا عن احقاق الحقّ: ج 3، ص 117.
  11. الشعر من خزيمة بن ثابت.
  12. نقلًا عن احقاق الحقّ: ج 3، ص 114.
  13. التذكرة: ص 21 نقلًا عن احقاق الحقّ: ج 3، ص 115.
  14. تفسير ابن كثير: ج 4، ص 283 نقلًا عن احقاق الحقّ: ج 3، ص 115.
  15. الرياض النضرة: ص 158 نقلًا عن احقاق الحقّ: ج 3، ص 115.
  16. الدرّ المنثور: ج 6، ص 154 نقلًا عن احقاق الحقّ: ج 3، ص 116.
  17. الصواعق المحرقة: ص 123 نقلًا عن احقاق الحقّ: ج 3، ص 116.
  18. فتح القدير: ج 5، ص 148 نقلًا عن احقاق الحقّ: ج 3، ص 117.
  19. المناقب المرتضوية: ص 49 نقلًا عن احقاق الحقّ: ج 3، ص 117.
  20. روح المعاني: ج 27، ص 114 نقلًا عن احقاق الحقّ: ج 3، ص 118.
  21. ينابيع المودّة: ص 60 نقلًا عن احقاق الحقّ: ج 3، ص 118.
  22. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص304-306.
  23. سورة البقرة، الآية 283.
  24. نوادر الراوندي: ص 15 نقلًا عن بحار الأنوار: ج 66، ص 403.
  25. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص306-307.