الأنبياء في نهج البلاغة
الحجة البالغة على العباد
﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾[١]: لله تبارك وتعالى الحجة البالغة على خلقه، فهيَّأَ لهم عقولًا يميزون بها وتعتبر بمثابة أنبياء باطنة تقودهم إلى الفطرة وتهديهم إلى الله تعالى، ومع ذلك فإن الذنوب والجهل والغفلة والاشتغال بالدنيا تؤدي إلى أن تموت هذه القلوب وهذه العقول وتضمر وتنتهي فلهذا هيَّأَ لهم أنبياء أرسلهم إتمامًا للحجة.
وحول ذلك قال أمير المؤمنين (ع)[٢]: «فبَعَثَ فيهم رُسُلَه، ووَاترَ إليهِمْ أنبياءَه»: إثباتٌ للحقيقة القرآنية التي أشارت إليها الآية المتقدمة، وقد جاء في الحديث الشريف أن أول مخلوق على وجه الأرض هو الحجة وآخر من يموت هو الحجة[٣]، وعن أبي عبد الله (ع) قال: «الحجّةُ قبلَ الخَلْقِ ومع الخَلْقِ وبعد الخَلْقِ»[٤]، وعن أبي جعفر الباقر (ع): «وَالله ِ ما تَرَكَ الله ُ أرضا مُنذُ قُبِضَ آدَمُ (ع) إلّا وفيها إمامٌ يُهتَدى بِهِ إلَى الله ِ، وهُوَ حُجَّتُهُ عَلى عِبادِهِ، ولا تَبقَى الأَرضُ بِغَيرِ إمامٍ حُجَّةٍ لله ِِ عَلى عِبادِهِ.»[٥].
والإمام هنا بالمعنى العام، نبيًّا كان أو رسولًا أو إمامًا وصيًّا لنبيٍّ كأئمتنا عليهم وعلى جدهم وأمهم وعلى أنبياء الله الصلاة والسلام، وقد ذكر الأمیر (ع) من الأنبياء آدم وعيسى وموسى وإبراهيم وإسحاق وإسماعيل وداوود وسليمان (ع)، في مناسبات مختلفة سواءً تعلقت بالموعظة أو الرسالة أو أي ناحية أخرى.[٦]
طهارة الأصلاب والأرحام
قال أمير المؤمنين (ع)[٧]: «فَاسْتَوْدَعَهُمْ في أفْضَلِ مُسْتَوْدَعِ، وَأَقَرَّهُمْ فِي خَيْرِ مُسْتَقَرِّ، تَنَاسَخِتْهُمْ كَرَائِمُ الأَصْلابِ إِلَى مُطَهَّرَاتِ الأرْحَامِ؛ كُلَّمَا مَضَى مِنْهُمْ سَلَفٌ، قَامَ مِنْهُمْ بِدِينِ اللهِ خَلَفٌ»: نعتقد أن أمهات الأنبياء (ع) منزهات عن السفاح والتناسل غیر المشروع والعياذ بالله، كما نعتقد أن آباء الأنبياء (ع) وأجدادهم منزهون عن الشرك، ومن حِكَمِ ذلك أن الأنبياء (ع) يليق بهم هذا التكريم وهذا التطهیر والكمال، وحتى يكونوا محل القبول والإجلال في المجتمعات التي يدعونها وهذا هو الدليل العقلي، ومن الأدلة النقلية قوله تعالى ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾[٨]، يعني آباءك وأجدادك إلى آدم (ع) كانوا كلهم عبادًا لله موحدين ساجدين، وقد جاء في زيارات الرسول الأكرم وأهل بيته(ع): «وَلَمْ تَزالُوا بِعَيْنِ اللهِ يَنْسَخُكُمْ فِي أَصْلابِ كُلِّ مُطَهَّرٍ وَيَنْقُلُكُمْ مِنْ أَرْحامِ الْمُطَهَّراتِ لَمْ تُدَنِّسْكُمُ الْجاهِلِيَّةُ الْجَهْلاءُ».
ولهذا يُدفع ما قد يُتوهم من ظواهر الآيات خلاف هذا المعتقد حول الأنبياء (ع)، وكمثالٍ على ذلك ما يُقرأ من أن آزرَ المشرك كان والدًا حقيقيًّا لإبراهيم (ع) خليل الله تعالى، وهذا لا يمكن أن يكون بل كان آزرُ عمّا لإبراهيم (ع)، وحيث ربَّاه صار يسميه أباه[٩].
ويلحق بهذا كل ما قد يُتوهم منه خلاف هذا الاعتقاد في طهارة نسب الأنبياء (ع) لقيام الدليل العقلي والنقلي الصريح بذلك.[١٠]
النبيُّ والمهمة
قال أمير المؤمنين (ع)[١١]: «بَعَثَ اللهُ رُسُلَهُ بِمَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ وَحْيِهِ»: فالوحي إذن من مختصاتهم (ع) لايشاركهم فيه أحد مهما سما، وهو من عند اللهِ وليس من عندياتهم فهم مبلغون ومؤتمنون على الوحي.
«وَجَعَلَهُمْ حُجَّةً لَهُ عَلَى خَلْقِهِ، لِئَلَّا تَجِبَ الْحُجَّةُ لَهُمْ بِتَرْكِ الْإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ»: وهذه العبارات توأم الآية الكريمة ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾[١٢].
«فَدَعَاهُمْ بِلِسَانِ الصِّدْقِ إِلَى سَبِيلِ الْحَقِّ. أَلاَ إِنَّ اللهَ قَدْ كَشَفَ الْخَلْقَ كَشْفَةً، لاَ أَنَّهُ جَهِلَ مَا أَخْفَوْهُ مِنْ مَصُونَ أَسْرَارِهِمْ وَمَكْنُونِ ضَماَئِرِهمْ، وَلكِنْ لِيَبْلُوَهُمْ ﴿أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [١٣]، فَيَكُونَ الثَّوَابُ جَزَاءً، وَالْعِقَابُ بَوَاءً»: [١٤]
نلاحظ بيان مهمة الأنبياء من عناوين الإِعذار والحجة وبيان السبيل ليكون اختبار الخلق، يأتيهم النبي فيعلمون صدقَه وأمانته ويرون معجزته ويدعوهم دعوة الخیر في الدنيا والآخرة ليكشف من يتمسك بحبله ونهجه ومن يخالفه، لا أنه -تبارك وتعالى- جهل حالهم فأراد أن يعلمه -تعالى اللهُ عن هذا علوًّا كبیرًا.
وتحدث عن مهام الأنبياء (ع) فقال(ع)[١٥]: «وَهُوَ الَّذِي أَسْكَنَ الدُّنْيَا خَلْقَهُ، وَبَعَثَ إِلَى الْجِنِّ وَالاِْنْسِ رُسُلَهُ، لِيَكْشِفُوا لَهُمْ عَنْ غِطَائِهَا، وَلِيُحَذِّرُوهُمْ مِنْ ضَرَّائِهَا، وَلِيَضْرِبُوا لَهُمْ أَمْثَالَهَا، وَلِيُبَصِّرُوهُم عُيُوبَهَا، وَلِيَهْجُمُوا عَلَيْهِمْ بِمُعْتَبَر مِنْ تَصَرُّفِ مَصَاحِّهَا وَأَسْقَامِهَا، وَحَلاَلِهَا وحَرَامِهَا، وَمَا أَعَدَّ سُبْحَانَهُ لِلْمُطِيعِينَ مِنْهُمْ وَالْعُصَاةِ مِنْ جَنَّة وَنَار، وَكَرَامَة وَهَوَان.»
ونلاحظ هنا نوعًا من التفصيل الآخر والأكثر حول مهمات الأنبياء (ع) تجاه الخلق.
وقال (ع) عن ذلك أيضًا[١٦]: «ويَحتَجّوا عَلَيهِم بِالتَّبليغِ، ويُثيروا لَهُم دَفائِنَ العُقولِ، ويُروهُم آياتِ المَقدِرَةِ...»: قلنا إن العقول تخبو وتنتهي وكذلك القلوب تموت بفعل الاشتغال بالدنيا والذنوب والغفلة والجهل فيأتي الأنبياء (ع) لإحياء كل ذلك وهذا معنى البعثة، أي إحياء ما أماتته الدنيا والذنوب وتنبيه الناس من غفلتهم وإرشادهم بعد جهلهم إلى الفطرة التي بدَّلوها.[١٧]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة فاطر، الآية ٢٤.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١.
- ↑ يقول السيد عبد الأعلى السبزواري (رحمه الله) في كتابه «مواهب الرحمن» ١/ ١٧٦ إن الرواية مستفيضة عن أهل البيت (ع) أن أول مخلوق على وجه الأرض هو الحجة وآخر من يموت هو الحجة.
- ↑ الكافي ١/ ١٧٧.
- ↑ الكافي ١/ ١٧٨. وقد ذكره الميرزا حبيب الله الخوئي في «منهاج البراعة» ٢/ ١٥٩.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٥٥-١٥٦.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٩٤.
- ↑ سورة الشعراء، الآية ٢١٨-٢١٩.
- ↑ ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ سورة الأنعام، الآية ٧٤. وقد ناقش السيد الطباطبائي (رحمه الله) صلة القرابة بن إبراهيم (ع) و«آزر» من وحي آيات القرآن، وذلك في ج ٧، ص ١٦١ - ١٦٥ من تفسره الميزان، وبیّن فيما بیّن أن القرآن الكريم أطلق على آزر صفة «الأب» لإبراهيم (ع)، وأنه استغفر له، ثم تبرأ منه بعد إصراره على الكفر، وبعد ذلك دعا إبراهيم (ع) لنفسه ولوالديه بالمغفرة، فالذي تبرأ منه وترك الاستغفار له ليس هو الذي دعا إليه بعد ذلك بالمغفرة، مما يدل على أن آزر هو أب إبراهيم (ع) أي جده أو عمه وليس والده، وبیّن السيد أن لفظ الأب في القرآن يطلق أيضًا على الجد والعم، بينما الوالد هو الأب الصلبي، ووالد إبراهيم (ع) الوارد في التأريخ وفي التوارة هو «تارخ» وليس «آزر».وفي الآية إشارة واضحة إلى أن آزر لم يكن أبًا حقيقيًّا لإبراهيم (ع)، ولو كان كذلك لم تذكر الآية اسم «آزر» واكتفت بكلمة «أبيه».
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٥٦-١٥٧.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١١٤.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٦٥.
- ↑ سورة الكهف، الآية ٧.
- ↑ باءَ فلانٌ بفلانٍ أي قُتل به.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٨٣.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٥٧-١٥٩.