الدنيا في نهج البلاغة

من إمامةبيديا

الدنيا وشؤونها

الدنيا حافلة ببواعث الانشداد وتفاعل القوى، مترعة بعوامل التعلق والهوى، فيّاضة بالجمال والمغريات والمشتهى، مكمن تنزع اليه الرغائب، يحيا فيها الإنسان فتجذبه إلى حب بقائها والبقاء فيها، وتتغلغل في أعماقه فتملك عليه مشاعره، ويخلد اليها فتستهويه فلا يعقل سواها، وتأسره فتكون همه فيشتد للوله بها وامتلاك أسبابها.

وقد يرمقها عاقاً فيحسن التعامل فيها بجميل التصرف في متعها، فتخادعه فلا ينخدع، وتغالبه فلا يغلب، بل يستولي عليها فيملكها ولا تملكه مهما فتنت وأغرت.

وحيث هي محور التنازع والراع والافتتان والتجاذب فلا محيص للإنسان من إمداده ببصرة نافذة، وقوة قادرة تفي له بالظفر والغلبة على كافة سبل سحرها وخداعها والركون اليها، والإنجذاب إلى مفاتنها، والسامة من فتنها، والافادة منها دونما الافادة منه.

وهنا يتجى دور (التربية الإلهية والهداية الربانية) فتمدانه بالحصانة وتبصرانه بمواقع الورطة والتعلق، وتنبهانه مواضع الغفلة، وتحكمان فيه القوة والاقتدار لمعرفة أخفى السبل وأخبث الحيل للوقوع في الشراك، والاصطياد في الشباك.

والإمام علي صنيعة التربية الإلهية رائد الهداية ممنوح القوى الكاملة خبیر بالدين عالم بالدنيا بصیر بهما يزودنا بخیر الهدي ودقيق التبصیر فهو كما قال (ع): «أَنَا كَابُّ الدُّنْيَا لِوَجْهِهَا، وَقَادِرُهَا بِقَدْرِهَا، وَنَاظِرُهَا بِعَيْنِهَا»[١].

فلنسر في (نهجه) ونسترشد ببليغ حكمه، ولنقتف خطاه فنسلك بذلك الصراط المستقيم فلا نضل ونأمن الحیرة والعثار.

الدنيا دار الابتلاء

«وَأَهْبَطَهُ إلى دَارِالَبَلِيَّةِ، وَتَنَاسُلِ الذُّرِّيَّةِ»[٢].

فالدنيا إنما خلقت محطة للابتلاء والامتحان ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ[٣].

والذرية عامل من عوامل الفتنة فيها.

حلاوتها المضلة

«وَلكِنَّهُمْ حَلِيَتَ الدُّنْيَا في أَعْيُنِهمْ، وَرَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا»[٤].

فنكثوا لذلك بيعتهم، وتخلوا عن صفقة يمينهم، وتنكروا للحق الذي عرفوه، حباً منهم لحاوة الدنيا، واستجابة لبريق زبرجها.

مضمار العمل

«أَلاَ وَإِنَّ الْيَوْمَ المِضْمارَ، وَغَداً السِّبَاقَ، وَالسَّبَقَةُ الْجْنَّةُ، وَالْغَايَةُ النَّارُ؛ أَفَلَا تَائِبٌ مِنْ خَطِيئَتِهِ قَبْلَ مَنِيَّتِهِ! أَلاَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمِ بُؤْسِهِ! أَلاَ وَإِنَّكُمْ في أَيَّامِ أَمَلٍ مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ، فَمَنْ عَمِلَ في أَيَّامِ أَمَلهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ فَقَدْ نَفَعَهُ عَمَلُهُ، وَلَمْ يَضْرُرْهُ أَجَلُهُ؛ وَمَنْ قَصَّرَ في أَيَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ، فَقَدْ خَسِرَِ عَمَلَهُ، وَضَرَّهُ أَجَلُهُ»[٥].

الدنيا والاتعاظ بمن ركن إليها

«فَلْتَكُنِ الدُّنْيَا أَصْغَرَ في أَعْيُنِكُمْ مِنْ حُثَالَةِ الْقَرَظِ، وَقُرَاضَةِ الَجْلَمِ، وَاتَّعِظُوا بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ قَبْلَ أَنْ يَتَّعِظَ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ؛ وَارْفُضُوهَا ذَمِيمَةً، فَإِنَّهَا قَدْ رَفَضَتْ مَنْ كَانَ أَشْغَفَ بِهَا مِنْكُمْ»[٦].

ويوقفنا بيان هديه (ع) على أمور:

  1. ينبغي للكيِّس أن ينظر الدنيا حقیرة صغیرة فهي لا خير فيها كالساقط من كل ذي قشر، وإن نفع فما هو إلا كورق السلم أو ما يدبغ به من ثمر السنط! وما هي إلا ما يتساقط من صوف إذا اعمل فيه مقراض جزه.
  2. أن دراسة حياة من سقطوا في حب الدنيا أعظم معتبر فليربأ العاقل بنفسه ان يقع فيما وقعوا فيه، وليصن نفسه أن يعتبر به غیره.
  3. وما دامت حقیرة فلترفض فإن من هام بها أردته، ومن شغف بهاتركته، فلا تكافئ المستهام بحبها الا تنكراً، وكلما أوغل في التعلق بها ازدادت عليه تمرداً وانقلاباً.

التقييم الدقيق

قال (ع) وقد سمع رجلاً يذمّ الدنيا: «أَيُّهَا الذَّامُّ لِلدُّنْيَا، المُغْتَرُّ بِغُرُورِهَا، المَخْدُوعُ بِأَبَاطِيلِهَا! أَتَغْتَرُّ بِالدُّنْيَا ثُمَّ تَذُمُّهَا؟ أَنْتَ المُتَجَرِّمُ عَلَيْهَا، أَمْ هِيَ المُتَجَرِّمَةُ عَلَيْكَ؟ مَتَى اسْتَهْوَتْكَ أَمْ مَتى غَرَّتْكَ؟ أَبِمَصَارِعِ آبَائِكَ مِنَ الْبِلَى أَمْ بِمَضَاجِعِ أُمَّهَاتِكَ تَحْتَ الثَّرَى؟ كَمْ عَلَّلْتَ بِكَفَّيْكَ، وَكَمْ مَرَّضْتَ بِيَدَيْكَ! تَبْتَغِي لَهُمُ الشِّفَاءَ، وَتَسْتَوْصِفُ لَهُمُ الْاَطِبَّاءَ، غَدَاةَ لاَيُغْنِي عَنْهُمْ دَوَاؤُكَ، وَلاَ يُجْدِي عَلَيْهِمْ بُكَاؤُكَ. لَمْ يَنْفَعْ أَحَدَهُمْ إِشْفَاقُكَ وَلَمْ تُسْعَفْ فِيهِ بِطِلْبَتِكَ وَلَمْ تَدْفَعْ عَنْهُ بِقُوَّتِكَ! قَدْ مَثَّلَتْ لَكَ بِهِ الدُّنْيَا نَفْسَكَ وَبِمَصْرَعِهِ مَصْرَعَكَ. إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لَمِنْ صَدَقَهَا، وَدَارُ عَافِيَةٍ لَمِنْ فَهِمَ عَنْهَا، وَدَارُ غِنىً لَمِنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا وَدَارُ مَوْعِظَةٍ لَمِنْ اتَّعَظَ بِهَا. مَسْجِدُ أَحِبَّاءِ اللهِ، وَمُصَلَّى مَلاَئِكَةِ اللهِ، وَمَهْبِطُ وَحْيِ اللهِ، وَمَتْجَرُ أَوْلِيَاءِ اللهِ، اكْتَسَبُوا فِيهَا الرَّحْمَةَ وَرَبِحُوا فِيهَا الْجَنَّةَ. فَمَنْ ذَا يَذُمُّهَا وَقَدْ آذَنَتْ بِبَيْنِهَا وَنَادَتْ بِفِراقِهَا، وَنَعَتْ نَفْسَهَا وَأَهْلَهَا، فَمَثَّلَتْ لَهُمْ بِبَلاَئِهَا الْبَلاَءَ، وشَوَّقَتْهُمْ بِسُرُورِهَا إلى السُّرُورِ؟! رَاحَتْ بِعَافِيَةٍ وَابْتَكَرَتْ بِفَجِيعَةٍ، ترغِيباً وَتَرْهِيباً، وَتَخوِيفاً وَتَحذِيراً، فَذَمَّهَا رِجَالٌ غَدَاةَ النَّدَامَةِ، وَحَمِدَهَا آخَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ذَكَّرَتْهُمُ الدُّنْيَا فتَذَكَّرُوا، وَحَدَّثَتْهُمْ فَصَدَّقُوا، وَوَعَظَتْهُمْ فَاتَّعَظُوا»[٧].

والإمام (ع) بنظرته الثاقبة، وكشفه الواقعي لحقيقة (الدنيا) ومفهومها يقدم التصور ويصحح المفهوم الخاطئ الذي انطبع في أذهان الكثیر حول (الدنيا) والقاء اللائمة عليها حتى كأنها ليس لها سمة الا الفتنة منها، والهيمنة والأسر وفي ذلك الخلط بین واقعها هي في ذاتها وبین المنشدين اليها والمتعلقین بها وعلة ذلك عدم النظر بموضوعية إلى جوهرها وواقعها، ولاسيما في فكر وعین الزاهدين فيهاالمعرضین عنها.

وهنا يتجلّى عمق بيان الإمام النافذ، وتحليله الدقيق، وتجليته الواقعية باستيعاب التأمل في كافة شؤونها، ولا سيما في المواطن الخفية لدى الكثیر وفد أفاد (ع) في بيانه ما يلي:

  1. ضعف النفس والنظرة الضيقة: فمن هو الذام للدنيا ولاعنها؟ انه المفتون بها، غرته فاغتر، وخدعته فانخدع، وقد علم بأباطيلها وزخرفها، فاللائمة عليه، والتبعة تخصه، فلو عقل مغرياتها لما جذبته، ولو حذر منها لما فتنته.
  2. الوجه الآخر موطن التبصر والاعتبار: فلماذا الاقتصار على الاغترار؟! وأيامها مسرح للأحزان والأشجان: ابتلاء بفقد أعز عزيز وأحب قريب. يشهد من يحيى فيها مصارع آبائه، ويودع في الثرى أمه التي ولدته، ويشقى بكرب أعز أهل مودته، ويسعى لإسعافهم جهد طاقته فلا ينفعهم همه، ولا يجديه سعيه وألمه، ولا يملك من أمره وأمرهم إلا بسخي دمعه حيث لا يعيد ميتاً ولا يشفي مريضاً.
  3. داؤك ودواؤك: إنه الابتلاء المحيط بصاحبه في أعز الأنفس عليه وهي نفسه، فلئن كان يعالج مصائب ومصارع أمه وأبيه فهو الآن يصارع مرض نفسه، ويغص بريقه فهو المبتلى كما كانوا مبتلین والممتحن كما كانوا ممتحنین، وهو العاجز لا يدفع مرضاً ولا يمنع موتاً.
  4. الصورة المشرقة: فليست الدنيا فقط مرتعاً للغرور والأباطيل، وملعباً للشهوات والنزوات بل هي الدار المتسعة لمواطن الخیرات، الحافلة بجهات البركات، العامرة أرجاؤها بمباهج العطاء والمسرات المخصبة بمكامن القربات.
  5. الدنيا تحذر من نفسها: فلا لائمة تنحى عليها بل هي على من لم ينظر إليها بعین باصرة ولم يصغِ إلى تحذيرها بإذن مستمعة كيف وقد أعلنت هي نفسها برحيلها وانقضائها وعدم بقائها على حال وأنبأت عن حياة الساكنين فيها ورحيلهم عنها بل وجسدت صورتین ناطقتین فصيحتین معبرتین إحداهما البلاء والمحنة والكربات والشدة وثانيتهما الرخاء والراحة والفرحة وقرة العین والغبطة. وقد مثلت كذلك قائمة دائمة غدوة ورواحاً فهي ديدنها الإنذار والتذكیر والتخويف والتحذير والترغيب والترهيب. ويقرأ كلامه (ع) الذي قاله عند تلاوته ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ[٨] ومنه ما يخص حديثنا هنا: «وَحَقّاً أَقُولُ! مَا الدُّنْيَا غَرَّتْكَ، وَلكِنْ بِهَا اغْتَرَرْتَ، وَلَقَدْ كَاشَفَتْكَ الْعِظَاتِ، وَآذَنَتْكَ عَلىَ سَوَاءٍ...»[٩]، فإنها أجل من أن يقال عنها جليلة، تأخذ بمجامع القلوب وتحيي الضمائر وتهدي إلى سواء السبيل.
  6. تجلي المواقف: وستتجلى النتائج غداة العواقب فلسانٌ ذامٌّ يوم الحسرة والندامة حيث لم يكن مرعوياً بالعبر متعظاً بالغِیرَ يرى صنيعه سيئًا وعمله وبالاً، ولسانٌ حامد شاكر حيث كان له قلب وألقى السمع وهو شهيد، إذ أصغى لتحذيرها وادّكر لتذكيرها واتّعظ بمواعظها فسلم وغنم.

ويتحفنا الإمام - عليه صلوات ربّه - بمتنوع تلكم المناحي فيقول عنها:

  1. دار صدق: فمن صدقها ورعى الحق أفاد منها، وعمرها بالخير عاجلاً وآجلاً.
  2. دار عافية: ولكم لمن وعاها فسلم من بلائها وآفاتها مما يبتلى به من تعلق بأسباب الهلكة وبواعث العطب.
  3. دار غنى: فيتزود مما فيها لآخرته زاداً، زاهداً في امتلاك بعضها أو كلها لذاتها اذ ليس هذا تزوداً وإنما هو الاكتناز وحب المال حبّاً جمّاً.
  4. دار موعظة: يمر فيها الإنسان عبر مراحل حياته وتفاوت أدواره وأطواره وليداً ويافعاً وكهلاً وشيخاً أضعفه أرذل العمر، فقیراً وغنياً وملكاً ورعية يَظلم ويُظلم، لا تستقر في أيامها أوضاع شدة ورخاء وصراع وتقلبات. وكل هذا واعظ ومبصّ ولافت ومذكّر.
  5. مسجد أحباء الله.
  6. مصلّی ملائكة الله.
  7. مهبط وحي الله.
  8. متجر أولياء الله.

فالأرض جعلت مسجداً وطهوراً، وأحباء الله يعلمون أن أفضل القربات إلى الله مولاهم الصلاة يستكثرون منها ليلا ونهارا فهم في ذلك قد اتخذوا الدنيا مسجدا والحياة معبدا والدنيا بذلك عامرة بذكر الله وعلي القائل هذا القول هو القائل المقالة الأخرى المعبرة: «اَلْجَلْسَةُ فِي اَلْجَامِعِ خَيْرٌ لِي مِنَ اَلْجَلْسَةِ فِي اَلْجَنَّةِ فَإِنَّ اَلْجَنَّةَ فِيهَا رِضَا نَفْسِي وَ اَلْجَامِعَ فِيهَا رِضَا رَبِّي»[١٠].

وكما عمرها أحباء الله من البشر فكذلك عمرها أحباؤه من الملائكة وهم الأكثر عدداً والأدوم عبادة.

وفي هذا ما يأخذ بابن آدم إلى الفخر حيث يشارك خیرة الله من خلقه الذين مأ بهم سماءه وأرضه ويحاكيهم في أنماط من عبادة مولى الخلق ورب العالمین.

والملائكة أمناء وحي الله وحملة علمه وهديه سفرة كرام بررة يهبطون به من عرش الله نسخة من اللوح والقلم صحفا مطهرة على الصفوة المنتخبة والخیرة المنتجبة فكان من ذلك التوراة والانجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى والقران العظيم والذكر الحكيم وشاركت الدنيا السماوات العلا حيث يتنزل من الاعلى ويهبط إلى الدنيا فيملأ أرجاء الأرض كما ملأ آفاق السماء.

وبماذا تنال الجنة ويبلغ ماينعم فيها مما لاعین رأت ولاأذن سمعت ولاخطر على قلب بشر؟!

إن ذلك يدرك بالاتجار مع الله بصالح الأعمال، والمتجر الدنيا وأولياء الله يعملون ليل نهار فيها، «اَلدُّنْيَا مَزْرَعَةُ اَلْآخِرَةِ»، ومن ثم فقد غنموا اكتساب الرحمة وربحوا الجنة.

وبعد...

فإذا كانت الدنيا بهذه السمة وعظيم الشأن والمنزلة معمورة لصفوة الله وخالصة أوليائه مملؤة بألطافة ممنوحة باتحافه فهي ترتقي بذلك لتكون لمن عقل ووعى من شاكلة الجنة وسنخها.

عاملا الدنيا

«النَّاسُ فِي الدُّنْيَا عَامِلاَنِ: عَامِلٌ عَمِلَ فِي الدُّنْيَا لِلدُّنْيَا، قَدْ شَغَلَتْهُ دُنْيَاهُ عَنْ آخِرَتِهِ، يَخْشَى عَلَى مَنْ يَخْلُفُهُ الْفَقْرَ، وَيأْمَنُهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَيُفْنِي عُمُرَهُ فِي مَنْفَعَةِ غَیْرِهِ. وَعَامِلٌ عَمِلَ فِي الدُّنْيَا لَمِا بَعْدَهَا، فَجَاءَهُ الَّذِي لَهُ مِنَ الدُّنْيَا بِغَیْرِ عَمَلٍ، فَأَحْرَزَ الَحَظّیْنِ مَعاً، وَمَلَكَ الدَّارَيْنِ جَمِيعاً، فَأَصْبَحَ وَجِيهاً عِنْدَاللهِ، لاَ يَسْأَلُ اللهَ حَاجَةً فيَمَنعَهُ»[١١].

تصنيف دقيق وتقييم جامع لكافة من يعمل في الدنيا، ففئة همها ذاتها والدنيا، وفئة همها الله والآخرة.

أما الصنف الأول: فقد ملكت عليه الدنيا قلبه وجوارحه فلا ينظر إلا إليها ولا يعمل إلا لها، وأما آخرته فلا تخطر له على بال، فتراه يشقي نفسه لغیر عائدة تنفعه، بل يكدح لغیره ويجمع لسواه غافلاً عن إسعاد نفسه متوهماً بجمعه إغناء غیره فكأن بيده التوفیر لمن يخلفه وكأنه بمأمن عن افتقار ذاته فيعيش شقاءه متخیراً سعادة غیره وذلك غاية الحماقة والجهل.

وأما الصنف الثاني: فإنه اعتد الدنيا ممراً والآخرة مقرّاً. فهو عامل فيها لا لذاتها فليست هي بدار بقاء لا له ولا لمن يخلفه وإنا كل همه وغاية سعيه المنزل الأسمى يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم فهو على بينة ويقین بأن ما اكتسب فهو من عطاء الله وتقديره وتدبیره وليس بحوله وطوله وتعبه ونصبه فنال بذلك الحظین وأدرك السعادتين وملك الدارين بل وأصبح عند الله وجيها يدعو فيجاب ويسأل فيعطى.

وأي مقام أسمى يتبوأه العبد فيكون عند المولى مرموقاً منظوراً إليه بالعطف وكمال اللطف، هذا وللإمام (ع) حديث مستفيض شمل كثیراً من شجونها وشؤونها بثه في نهج بلاغته.[١٢]

المراجع والمصادر

  1. محسن علي المعلم، الأخلاق من نهج البلاغة

الهوامش

  1. خطبة ١٢٨/ ١٨٦.
  2. خطبة ١/ ٤٣.
  3. سورة الملك، الآية ٢.
  4. خطبة ٣/ ٤٩- ٥٠.
  5. خطبة ٢٨/ ٧١.
  6. خطبة ٣٢/ ٧٦.
  7. خطبة ١٣١/ ٤٩٢- ٤٩٣.
  8. سورة الإنفطار، الآية ٦.
  9. خطبة ٢٢٣/ ٣٤٤- ٣٤٥.
  10. بحار الأنوار٨٠/ ٣٦٢.
  11. خطبة ٢٦٩/ ٥٢٢.
  12. محسن علي المعلم، الأخلاق من نهج البلاغة، ص ١٠٢.