تحريف وقائع عاشوراء

من إمامةبيديا

لا يوجد موضوع ذو صلة - لا يوجد مدخل ذو صلة - لا يوجد سؤال ذو صلة

تمهيد

استهدفت نهضة الإمام الحسين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنقاذ الإسلام ومحاربة الطغيان والتسلّط، ولا شكّ انّ للتطلّعات الكبرى أهداف سياسية واجتماعية، وهذا التشجيع الذي يدعو إلى البكاء على سيّد الشهداء، والعزاء على سيّد المظلومين إنمّا يرمي إلى الحفاظ على مدرسة الجهاد والشهادة وصيانة القيم، ولكن ممّا يبعث على الأسف انّ الكثير من التحريف قد طرأ على هذه الواقعة سواء فيما يتعلّق باهدافها ودوافعها، أم فيما يخصّ الشخصيات البارزة التي شاركت في صنع تلك الملحمة، أم في منهجها وتوجهاتها.

بعض التحريف لواقعة عاشوراء استهدف محتواها، والبعض الآخر تعرّض لصورتها الظاهرية وشخصياتها ؛ فبعض الكتب التي كتبت تحت عنوان المقتل، والمجالس التي تعقد لاحياء ذكرى عاشوراء والتي تبدو وكأنّها قد وضعت لمجرّد ابكاء المستمعين، امتزجت بالاخبار الضعيفة وغير المسندة، حتّى الكاذبة.

ان المحبوبية التي حظيت بها شخصيات عاشوراء في قلوب الناس دفعت إلى نقل احداث تلك الملحمة بكثير من الغلو والمبالغة غير المعقولة، والبعد عن الصدق. فأضيفت أرقام إلى عدد القتلى، ونقلت بعض الحوادث المأساوية ظاهريا، بمزيد من التهويل والغلو.

وانحدر الدافع من وراء تلك الملحمة الدموية حتّى إلى درجة «القتل لغرض الشفاعة لذنوب الامّة» احياناً. وبدت مواقف الإمام الحسين، وزينب، والإمام السجاد، والأطفال، وأهل البيت بصورة العجز والذلة والحقارة والمهانة امام بعض الفساق من امثال يزيد، وعمر بن سعد، وابن زياد، وشمر. وتبدّلت الإرادة الكبرى للإمام في ساحة القتال هذه ـ والتي تلخصت برفض البيعة للحكومة الجائرة ـ تبدلت إلى طلب جرعة من الماء لشفاهه الذابلة، أو لفم طفله الرضيع. وعرضت في مجالس العزاء أشعار وقصائد تصوّر زينب والإمام السجاد ومسلم بن عقيل بصور تتنافى مع الروح السامية، والنفس الآبية لسلالة العزّة والشرف. وحتى الخصومة المتأصّلة عند بني اميّة ضد الدين والوحي والنبوّة، تحولت إلى عداء شخصي بين الحسين ويزيد، وتقلّصت رسالة مناصرة الجبهة الحسينية الواسعة على طول التاريخ إلى مجرّد البكاء على عطش ومظلومية أصحاب الكساء. وصار يعرض جسم الحسين المبضّع قبل استعراض افكاره واستقراء منهجه. وحتّى المناوئين لاصل فكرة اقامة العزاء على الشهداء صاروا ممن يدعو لحريّة تلك الشعائر ويروّج لها، ولكن اذا اقترنت بمسخ حقيقة عاشوراء وفلسفة ثورة كربلاء ؛ بحيث لا يتعارض برنامجها مع حكومات الجور والفسق. وكان هذا أكبر تحريف لمحتوى الثورة، في حين انّ ثورة التوابين إنمّا تبلورت بعد البكاء على مزار شهداء كربلاء وذكر مظلومية الإمام الحسين. وثار الشيعة في كربلاء بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي مستلهمين مبادئ ثورتهم من ثورة الطف. وعاشوراء في حقيقته كان يفرض تكليفا على كلّ مسلم، ولا يعني ابدا انّ الإمام أدى واجبا خاصا به وانتهى الأمر.

انّ الاعتقاد بشفاعة سيّد الشهداء، والإيمان بثواب البكاء عليه بالنتائج الحسنة المترتّبة على محبّة أهل البيت صحيحة كلّها. إلّا انّ طرح هذه الامور من جانب واحد جعل الكثير من محبّي أهل البيت لا يرون اي تعارض بين البكاء على الحسين، وارتكاب المعاصي وهضم حق الناس واهمال الفرائض الدينية، واملهم في ذلك هو الحسين(ع)حتّى وان غرقوا في الآثام.

كانت للإمام السجاد(ع) تلك الروح الحسينية والشجاعة العلوية ذاتها، وقضت المصلحة الربانية ان يمرض في عاشوراء ويفقد القدرة على القتال، إلّا انّ هذه الحقيقة حرّفت حتّى سمّي في الاخبار «بالإمام المريض» وصوّر في اذهان الناس وكأنه رجل نحيف ممتقع اللون اصفر الوجه نحيل ويتوكّأ على العصا، بل واختلقت امور لا اساس لها من الصحّة من قبيل حجرة زواج القاسم في ليلة عاشوراء، لاجل استدرار دموع الحاضرين في مجالس العزاء، وتسللت امثال هذه التلفيقات إلى كتب المقاتل والمراثي، وفتح باب القضايا تحت عنوان الرؤيا (الصادقة أم الكاذبة) وتمّ تناقلها من فم إلى فم حتى أضحت تدريجياً وكأنّها امر صحيح وبديهي لا غبار عليه.

انّ واجب الواعين والمتصدين لهذه القضايا هو التبيان الصحيح لماهيّة الثورة الحسينية، وعرض المقاتل والمراثي والخطب الصحيحة التي تنقل من مصادر موثوقة، وكذلك الوقوف دون قراءة المراثي الكاذبة، ومنع قراء المراثي الجاهلين، والمدّاحين المتكسّبين والوعّاظ الاميين من نقل أمثال هذه الأكاذيب والتحريفات.

تمّ في العقدين الأخيرين تأليف كتب قيّمة في تحليل ماهيّة وأهداف الثورة الحسينية، ونظمت أشعار ذات مغزى ومتطابقة مع روح عاشوراء. وأشارت بعض الكتب إلى التحريفات التي وقعت في نقل وقائعها وحقيقتها سواء في اللفظ أم في المضمون [١].[٢]

المراجع والمصادر

  1. جواد المحدثي، موسوعة عاشوراء

الهوامش

  1. نوصي في هذا الصدد بمطالعة كتاب: «الملحمة الحسينية» للشهيد المطهري كما يمكن مراجعة كتاب «اللؤلؤ والمرجان» للمحدّث النوري الذي نقل فيه امثلة كثيرة للاخبار الكاذبة، والحوادث المختلقة التي جاءت على ألسنة قرّاء المراثي وفي الاشعار بشأن وقائع الطف، التي اوردها في باب ضرورة اجتناب الكذب، والتزام الصدق في الكلام، ويمكن أيضاً مراجعة كتاب «التنزيه لاعمال الشبيه» الذي اورد السيّد محسن الامين خلاصة له في كتاب «اعيان الشيعة ١٠: ٣٧٣» فما بعدها، وكتاب «اكسير السعادة في اسرار الشهادة» للسيد عبد الحسين اللاري، و«الآيات البينات في قمع البدع والضلالات» لكاشف الغطاء.
  2. جواد المحدثي، موسوعة عاشوراء، ص ٨٦.