سورة القمر

من إمامةبيديا

التمهيد[١]

«سورة القمر» سورة مكية، آياتها ٥٥ آية، نزلت بعد «سورة الطارق».

انشقاق القمر

يصف مطلع السورة حادثا فذّا هو انشقاق القمر بقدرة الله تعالى معجزة لرسول الله(ص). وقد وردت روايات متواترة، من طرق شتّى، عن وقوع انشقاق القمر في مكّة قبل الهجرة. جاءت هذه الروايات في البخاري ومسلم ومسند الإمام أحمد، وغيرها من كتب الثّقات.

وروى البخاري عن عبد الله بن مسعود قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله(ص) فقالت قريش هذا سحر ابن أبي كبشة، قال: فقالوا: انظروا ما يأتيكم من السّفار فإنّ محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلّهم، قال: فجاء السّفار فقالوا ذلك.

وهذه الروايات، مع غيرها، تتفق على انشقاق القمر بمكّة.

كما ثبت أنّ أهل مكة قابلوا هذه الآية بالعناد، وادّعوا أن محمدا(ص) سحر أهل مكة حتى يشاهدوا القمر منشقّا ثم اتّفقوا على أن يسألوا عن الحادث المسافرين القادمين إلى مكّة، وقد شهد المسافرون بأنهم شاهدوا القمر نصفين في ذلك اليوم، فادّعى أهل مكة أن محمّدا(ص) سحر الناس جميعا. قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ[٢].

ويرى بعض المفسّرين أنّ الآية تخبر عن الأحداث الكونية المقبلة، فعند قيام الساعة ستنشق الأرض والسماوات كما قال سبحانه ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ[٣]. كما ينشق القمر وينفصل بعضه عن بعض، وتتناثر النجوم، وتبدّل الأرض غير الأرض والسماوات غير السماوات.

سياق السورة وافكارها

في الآيات [١- ٨] وصف لجحود الكافرين، وعدم إيمانهم بالقرآن، وانصرافهم عنه إلى الهوى والبهتان. وفي الآيات تهديد ووعيد لهؤلاء المشركين بيوم الجزاء، فهم يخرجون من قبورهم خاشعين من الذل، في حالة سيئة من الرعب والهول، فيسرعون الخطى ليوم الحشر كأنهم جراد منتشر، وقد أسقط في أيديهم، فيقول الكافرون هذا يوم صعب عسر.

خمس حلقات من مصارع المكذبين

الآيات [٩- ٤٢] تشتمل على عرض سريع لمصارع قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط، وفرعون وملئه، وكلّها موضوعات سبقت في سور مكّية ولكنها تعرض في هذه السورة عرضا خاصّا، يحيلها جديدة كلّ الجدّة، فهي تعرض عنيفة عاصفة، وحاسمة قاصمة يفيض منها الهول، ويتناثر حولها الرعب ويظللها الدمار والفزع. وأخصّ ما يميزها في سياق السورة، أنّ كلّا منها يمثل حلقة عذاب رهيبة سريعة لاهثة مكروبة، يشهدها المكذّبون، وكأنّما يشهدون أنفسهم فيها، ويحسّون إيقاعات سياطها فإذا انتهت الحلقة وبدءوا يستردّون أنفاسهم اللاهثة المكروبة، عاجلتهم حلقة جديدة أشدّ هولا ورعبا، حتّى تنتهي الحلقات الخمس في هذا الجو المفزع الخانق.

قوم نوح

[[[الآيات]] ٩- ١٧] ونلمح في الآيات مشهد المكذّبين، يتهمون نوحا (ع) بالجنون، ونوح يظهر لله ضعفه ويدعوه أن ينتصر له، وتستجيب السماء فينهمر المطر وتنفجر عيون الأرض، ويلتقي ماء السماء بماء الأرض، ثم يغرق الكافرون، وينجي الله نوحا ومن آمن معه، ويطرح القرآن سؤالا لإيقاظ القلوب إلى هول العذاب وصدق النذير: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ[٤]؟

وهذا القرآن سهل التناول، ميسّر الإدراك، فيه جاذبية الصدق والبساطة وموافقة الفطرة، لا تفنى عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد، وكلّما تدبّره القلب عاد منه بزاد جديد، وكلّما صحبته النفس زادت له ألفة، وبها أنسا: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ[٥]؟ هذا هو التعقيب الذي يتكرّر بعد كل مصرع من مصارع السابقين.

عاد قوم هود

[الآيات ١٨- ٢٢] أرسل الله عليهم ريحا عاتية، تدمّر كلّ شيء بإذن ربّها، وقد سلسلوا أنفسهم بالسلاسل حتّى لا تعصف بهم الريح، وشقّوا لأجسامهم شقوقا داخل الأرض، وتركوا رؤسهم خارجها، فكانت الريح تكسر رؤوسهم وتتركهم كالنخيل التي قطعت رؤوسها، وتركت أعجازها وجذورها.

ثمود قوم صالح

[الآيات ٢٣- ٣٢] وقد أرسل إليهم نبي الله صالح ومعه الناقة، وأخبرهم بأن الماء قسمة بينهم وبينها، فللناقة يوم ولهم يوم، لها شرب ولهم شرب يوم معلوم.

وكان اليوم الذي ترد فيه ثمود البئر، لا تأتي الناقة اليه ولا تشرب منه، ولكنها تسقيهم لبنا وفي اليوم التالي تحضر شربها وحدها. ومع وضوح هذه الآية، فإنّ ثمود ملّت هذه القسمة، وحرّضوا شقيّا من الأشقياء على قتل الناقة، فلما قتلها استحقّوا عقاب الله، وأرسل الله عليهم صيحة واحدة فكانوا كفتات الحشيش اليابس الذي يجمعه صاحب الحظيرة لغنمه.

قوم لوط

[[[الآيات]] ٣٣- ٤٠] اشتهر قوم لوط، (ع)، بالشذوذ الجنسي، حيث استغنى الرجال بالرجال، وهو انتكاس للفطرة وشرود في الرذيلة، ولقد حذرهم لوط مغبة فعلتهم، فكذبوه وجادلوا بالباطل، وجاءت الملائكة إلى نبي الله لوط في صورة رجال عليهم مسحة الجمال والجلال، فرغب قوم لوط ان يفعلوا فعلتهم الشنعاء في الملائكة، وراودوه عن ضيفه ليفعلوا بهم اللّواط، فاستحقوا عقوبة السماء، وأرسل الله عليهم حاصبا أي ريحا تحمل الحجارة ليذوقوا العذاب.

ثم تعرض حلقة قصيرة عن فرعون وعناده وجحوده، وعقاب الله له حيث أخذه أخذ عزيز مقتدر.

وفي الآيات الأخيرة من السورة [٤٣- ٥٥] تعقيب على هلاك السابقين، وتوجيه لأهل مكة بأنهم لن يكونوا أحسن حالا ممن سبقهم ثم إنّ السّاعة تنتظرهم وهي أدهى وأمرّ من كلّ عذاب شاهدوه فيما سبق، أو سمعوا وصفه فيما مرّ، من الطوفان الذي أصاب قوم نوح، إلى الريح الصرصر مع عاد، إلى الصاعقة مع ثمود، إلى الحاصب مع قوم لوط، إلى إغراق فرعون.

حكمة الخالق

وتشير الآيات إلى حكمة الله العالية وهذه الحكمة تظهر في خلق الكون، وفي خلق السماء والأرض، وفي خلق الإنسان، وفي خلق الطيور والحيوانات، وفي سائر خلق الله ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[٦].

إنّ قدرة الله تعالى وراء طرف الخيط البعيد لكل حادث، ولكلّ نشأة ولكلّ مصير، ووراء كل نقطة وكل خطوة وكل تبديل أو تغيير، إنّه قدر الله سبحانه، النافذ الشامل الدقيق العميق.

وأحيانا تخفى الحكمة على العباد، فيستعجلون أمرا، والله لا يعجّل لعجلة العباد فالواجب أن يرضى المؤمن بالقضاء والقدر، وأن يحني رأسه أمام حكمة الله ومشيئته.

ثم يعرض الختام مشهد المجرمين يسحبون في النار على وجوههم ليذوقوا العذاب. ويعرض مشهد المتقين في نعيم الجنة، ورضوان الله العلي القدير.

ترابط الآيات في السورة[٧]

تاريخ نزولها ووجه تسميتها

نزلت «سورة القمر» بعد «سورة الطارق»، ونزلت «سورة الطارق» بعد «سورة البلد»، ونزلت «سورة البلد» بعد «سورة ق»، وكان نزول «سورة ق» فيما بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء، فيكون نزول «سورة القمر» في ذلك التاريخ أيضا.

وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم لقوله تعالى في أولها: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ[٨] وتبلغ آياتها خمسا وخمسين آية.

الغرض منها وترتيبها

الغرض من هذه السورة: بيان اقتراب الساعة التي أنذر المشركون بها، وقد جاء في آخر «سورة النجم»، أن ساعتهم قد أزفت، فجاءت هذه السورة بعدها في هذا الغرض تأكيدا له، ورجوعا إلى سياق «سورة الذاريات» و«سورة ق» من الإنذار بالعذاب، وقد جاءت «سورة النجم» بعد «سورة الذاريات»، للمناسبة المذكورة فيها فلما انتهت مناسبتها عاد السياق إلى أصله قبلها.

اقتراب ساعة العذاب الآيات [١- ٥٥]

قال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ[٩] فذكر سبحانه أن ساعة عذابهم قد اقتربت، وأنهم مع هذا مستمرون في إعراضهم وزعمهم أن ما ينذرون به سحر لا حقيقة له، وأنهم يتبعون في تكذيبهم بذلك أهواءهم، وسيعلمون أنه أمر مستقر، ولقد جاءهم في القرآن من أنباء من قبلهم ما فيه مزدجر وحكمة لهم ثم أمر النبي(ص) أن يتولى عنهم لأنهم لا يتبعون إلا أهواءهم، وأخذ السياق في تهديدهم بذلك اليوم الذي اقترب أجله، وانتقل هذا السياق من تهديدهم بهذا إلى تهديدهم بما حصل لمن كذّب قبلهم، ففصّل في هذا ما أجمل في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ[١٠].

وذكر السياق ما حصل لقوم نوح، وما حصل لعاد، وما حصل لثمود، وما حصل لقوم لوط، وما حصل لآل فرعون، ثم ذكر أنهم ليسوا خيرا من أولئك المكذّبين قبلهم حتى يبقي الله عليهم، وأنه سبحانه سيهزم جمعهم ويهلكهم ثم يذيقهم عند قيام الساعة ما هو أدهى وأمرّ، وقد فصّل ما يحصل لهم فيها، ما يحصل فيها للمتقين، ليجمع بهذا بين الترهيب والترغيب، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ[١١].[١٢]

المراجع والمصادر

  1. السيد جعفر شرف الدين، الموسوعة القرآنية

الهوامش

  1. انتقي هذا الفصل من كتاب «أهداف كلّ سورة ومقاصدها»، لعبد الله محمود شحاته، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، ١٩٧٩- ١٩٨٤.
  2. سورة القمر، الآية ١-٢.
  3. سورة الإنشقاق، الآية ١.
  4. سورة القمر، الآية ١٦.
  5. سورة القمر، الآية ١٧.
  6. سورة النور، الآية ٤٥.
  7. انتقي هذا المبحث من كتاب «النظم الفني في القرآن»، للشيخ عبد المتعال الصعيدي، مكتبة الآداب بالجمايز- المطبعة النموذجية بالحكمية الجديدة، القاهرة، غير مؤرّخ. [.....]
  8. سورة القمر، الآية ١.
  9. سورة القمر، الآية ١.
  10. سورة القمر، الآية ٤.
  11. سورة القمر، الآية ٥٤-٥٥.
  12. السيد جعفر شرف الدين، الموسوعة القرآنية، ٩: ٦٥ - ٧٢.