موسى في نهج البلاغة

من إمامةبيديا

تمهيد

قال (ع): «مَا شَكَكْتُ فِي الْحَقِّ مُذْ أُرِيتُهُ! لَمْ يُوجِسْ مُوسَى (ع) خِيفَةً عَلَى نَفْسِهِ، بَلْ أَشْفَقَ مِنْ غَلَبَةِ الْجُهَّالِ وَدُوَلِ الضَّلالِ»[١].[٢]

أولاً: أهداف الإمام (ع) من عرض السيرة

لم يكن الإمام (ع) في عرضه للسیرة بصدد الترجمة والإفاضة والتحليل لحياة هذا النبي أو حياة ذلك الوصي، وإنما غرضه كغرض القرآن الكريم من التنبيه والتركيز على جانب الموعظة أحيانًا، وأحيانًا أخرى أخذ العبرة من سیرة العظماء وتأريخ الزمان، ولهذا نلاحظ الفرق بن كلامه (ع) عن آدم (ع) وعن بديع خلقته وكونه أول الخلق ومظهر القدرة والابتلاء وبین حديثه هنا عن موسى وهارون.[٣]

ثانياً: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ[٤]

قال الإمام (ع)[٥]:

«مَا شَكَكْتُ فِي الْحَقِّ مُذْ أُرِيتُهُ! لَمْ يُوجِسْ مُوسَى (ع) خِيفَةً عَلَى نَفْسِهِ، بَلْ أَشْفَقَ مِنْ غَلَبَةِ الْجُهَّالِ وَدُوَلِ الضَّلالِ».[٦]

مناسبة الكلمة

يشیر الإمام (ع) إلى موقف من المواقف الصعبة الحرجة بعد واقعة الجمل المشومة وبعد قتل طلحة والزبیر اللذين في البدء كانا معه يدافعان عنه ثم بايعاه ثم ألَّبا عليه وحارباه في الجمل حتى أمكنه الله منهما.[٧]

دلالة الكلمة

يقول علي(ع): «ما شَكَكْتُ في الحَقِّ» فيركز أولًا على موضوع الشك وما يحمله (ع) من بصیرة تامة وثبات ويقین أبرزه في كلمته المعجزة الخالدة: «لو كُشِفَ الغطاءُ ما ازددتُ يقينًا»، وقوله (ع) مُذْ أُرِيْتُه لا يعني -والعياذ بالله- أنه لم يكن يعرف الحق في فترة سابقة ثم عرفه في فترة متأخرة بل المعنى أنه عرفه منذ وجوده الشريف نظرًا لعلمه وإحاطته سواءً كان ذلك بالإلهام أو بتعليم النبي له (صلى الله عليهما وآلهما) أو بأي مصدر من مصادر علم الإمام (ع) كما مرَّ علينا في الدرس الأول من هذا الدرس الشريف.

يرصِّح (ع) أن هذا القلق الذي يعيشه الإمام (ع) في هذا المعترك وفي الموقف العصيب لم يكن من باب الخوف والتردُّد في أنه محق أو ليس كذلك أو أنه وُفِّقَ للصواب أو لم يوفَّق له، وينظِّر (ع) تنظیرًا مهماًّ ورائعًا بنبي الله موسى (ع) الذي هو في مقام العصمة والتسديد من قبل الله تعالى وهو من أولي العزم الكرام وصاحب رسالة ضخمة وشاملة، فقد ألقى السحرة عِصِيَّهم فإذا هي ثعابین ترهب الناس ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى[٨]، ولكن هذه الخيفة لم تكن على نفسه شكًّا منه في السلاح الذي يملكه أو أنه سيخسر الموقف أو شكًّا في نصرة الله تعالى له وأنه على الحق بل كان يخشى على الأمة أن تكون عاقبتها الضلال وتكون للظالمین دولة.

فالإمام (ع) يثبت أنه قد يعرض على النبي الخوف الذي لا يعني النقص والجبن ومن ذلك أيضًا الآية التي تحدثت عن خروج موسى (ع) ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ[٩]، إلاَّ أنه صلوات الله عليه ينزِّه موسى (ع) عن الشك ويبین هذا المقام الشامخ من اليقین والبصیرة.

فالحسین (ع) أبدى من الشجاعة ما حیرَّ العقول ولم يُرَ شجاعٌ مثله كما تحكي سیرته الخالدة، وإنما كان خوفه (ع) على مستقبل الدين ومصیر الأمة.

وقد قال الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية في شرحه للنهج[١٠] إن هذه الجملة الشريفة هي أحسن تفسیر لقوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى[١١] وأفضل تبرئة لنبي الله (ع) من الشك في أمره، فهي تفسر الآية بمعنى من المعاني الكبیرة والمهمة لا أنها تعني الخوف والتردد والشك في الحق، كما تعطي هذه المعاني الجليلة وتشیر إليها في شخصية أمیر المؤمنین (ع).[١٢]

الدلالة على العصمة

هذه الكلمة التي ذكرناها للإمام (ع) فيها دلالة على العصمة في حق الأئمة(ع)، لماذا؟ لأن البصیرة والعلم والتسديد والإلهام وتمام الموازنة في سائر الملكات الموجودة عند الإمام (ع) تمنعه من ارتكاب جرم أو وقوع في خطيئة والعياذ بالله، لذلك بين الشيخ ميثم البحراني (رحمه الله) أن هذه الكلمة فيها دلالة على العصمة[١٣].[١٤]

ثالثًا: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا[١٥]

ومما قاله الإمام حول نبي الله موسى (ع)[١٦] بعد تقديس الله تعالى:

«وَلاَ يُوصَفُ بِالاَْزْوَاجِ، وَلاَ يُخْلَقُ بِعِلاَج، وَلاَ يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ، وَلاَ يُقَاسُ بِالنَّاسِ. الَّذِي كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيماً، وَأَرَاهُ مِنْ آيَاتِهِ عَظِيماً؛ بِلاَ جَوَارِحَ وَلاَ أَدَوَات».

وهذا بيانٌ جلي لمقام موسى (ع) فهو كليم الله تعالى، وبالطبع فإن المسألة مشروحة في موطن آخر سواءً كان في بحث الاعتقاد أو التفسیر أو الرواية باعتبار أن الكلام الذي صدر من الله تعالى لم يكن بجارحة إنما خلق الله تعالى الكلام وأوجده في الشجرة فخرج منها مخلوقًا من مخلوقات الله تعالى، وقد تعرَّضنا في أحاديث سابقة لما ينفع مما يتعلق بهذه النقطة من الجهة الاعتقادية.[١٧]

رابعًا: موسى (ع) مثال الزهد والانقطاع

تحدث الإمام (ع) عن الزهد في الدنيا الفانية، وذكر من يؤثرها على الآخرة ومن يؤثر هواه على الله تعالى، وتعرَّض لكثیر من زخارفها ومعايبها ثم أعطى للزهد فيها أمثلة ابتدأها بالمثل الأعلى والقدوة الكبرى لكل الخلق ألا وهو النبي الأعظم محمد (ص)، ثم ثنَّى بالحديث عن موسى (ع)، فقال (ع)[١٨]:

«وإنْ شئتَ ثنَّيتُ بموسى كليم الله -(ص)- حيث يقول: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ سورة القصص، الآية ٢٤، واللهِ، ما سأله إلاَّ خبزًا يأكله، لأنه كان يأكلُ بقلةَ الأرض، ولقد كانت خضرةُ البقلِ تُرى من شفيفِ صِفاقِ بطنه، لهزالِه وتشذُّبِ لحمه».

يضربُ الإمام (ع) مثلاً أروع بشخصية كبیرة عظيمة جليلة، نبي من الأنبياء الكرام من أولي العزم وأنه كان في تمام الانقطاع عن الدنيا إلى الله تعالى، والتأريخ يحدث أن نبي الله موسى (ع) سار مسافات طويلة يقطع الفيافي والبيد بلا كلأ ولا ماء ثمانية أيام، فلما أرهقه الجوع شكا إلى الله تعالى وتضرَّع إليه أن يرزقه خبزًا فقط، فهو على شدة جوعه في تمام الإعراض عن الدنيا وإنا يطلب خبزًا كي يحفظ حياته ويتقوَّى على العبادة والطاعة والشكر، فهذه اللذات ليست مرغوبة بالأصالة وإنما بالعرض.

وقول الإمام (ع): واللهِ ليس في صدد أن يقسم لمحض القسم فهو يستعرض العبَّاد والزهَّاد والأولياء الذين انقطعوا عن الدنيا إلى الله تعالى ولكن نظرًا إلى أن الأمر قد يصعب على الأذهان، واقتلاع حب الدنيا من ذوات الناس يحتاج إلى قول قاطع لذلك عزَّزه بالقسم وجاء القسم في الصميم عقيب الآية المباركة مباشرة واللهِ، ما سأله إلاَّ خبزًا يأكله فقط ولا يجمعه ويكنزه، وفي تصوير الإمام (ع) لشدة الجوع الذي وصل له نبي الله (ع) لم يرد أن يبالغ بل هو يذكر الواقع كما هو، فلقد كان صفاق بطنه وهو الجلد الأسفل الذي فوقه الجلد الظاهر للبطن شفيفًا أي رقيقًا يُستشفُّ ما وراءه بحيث ترى خضرة البقل داخل بطنه فقد كان شديد الهزال متفرق اللحم، هذا وهو في تمام المنزلة والكرامة عند الله بحيث لو سأله ما يشاء من الملذات لأعطاه إياها حلالاً طيِّبًا لا ينقص من منزلته عند الله شيء، ومع ذلك يترك هذه الملذات تعففًا.

ويلاحظ في حياة الزهاد كالرسول الأعظم محمد (ص) وكأمیر المؤمنین (ع) ونبي الله موسى (ع)، أنهم رغم زهدهم وقلة طعامهم لم يكن ذلك ليقعد بهم عن العبادة والحرب والجهاد وكل مظاهر القوة والكمالات الجسمية.[١٩]

تواضع ويقين موسى وهارون (ع)

وقال (ع) عن تواضعهما وقوة يقينهما (علیهما السّلام)[٢٠]:

ولقد دخل موسى بنُ عمرانَ ومعه أخوه هارونُ (علیهما السّلام) على فرعونَ، وعليهما مدارِعُ الصوف، وبأيديهما العِصِّی، فَشَرطا له -إنْ أسلمَ- بقاءَ ملكِه، ودوامَ عزِّه، فقال: «ألا تَعجَبونَ مِن هذَينِ يَشرِطانِ لي دَوامَ العِزِّ، وبَقاءَ المُلكِ، وهُما بِما تَرَونَ مِن حالِ الفَقرِ وَالذُّلِّ! فَهَلّا اُلقِيَ عَلَيهِما أساوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ»؟ إعظاما لِلذَّهَبِ وجَمعِهِ، وَاحتِقارا لِلصّوفِ ولُبسِهِ!...».

في هذه الجمل الشريفة أبعاد كثیرة وإنما يعنينا منها ما نربطه بموضوعنا حول هذين النبيین العظيمین.[٢١]

أولاً: التواضع وصلابة الموقف

يسجل الإمام (ع) التواضع الذي تمثل في هذا اللباس البسيط وتلك العصي وأنهما على طبيعتهما ودونما تكلف يدخلان على فرعون وهو يتقلب في أفخر لباس من خز وذهب، فلا يقعد بهما هذا التفاوت في المظهر أن يؤدِّيا وظيفتها بكل صلابة وثقة، فإن القيمة ليست في اللباس بل فيما يحملان في قلبيها وفي فكرهما وإيمانهما.[٢٢]

ثانیاٌ: الحاكم العادل

يفهم من هذه الحادثة وهذا الوصف أنه من صالح العباد والبلاد بقاء الحاكم العادل، بل إن عدل الحاكم هو من موجبات بقاء عزِّه، فليتمتع كما يشاء، ولكن فليكن عادلًا في رعيته يقوم بالنظام ويحفظ الحقوق، ولكن إذا كان فرعونًا جائرًا متعسفًا فإن ملكه إلى الزوال، وهو يحتقر أولياء الله تعالى بقوله (ألا تعجبون من هذين) فإنه لا يسميهما باسميهما بل يشیر لها باسم الإشارة (هذين) احتقارًا ومهانةً لهما.[٢٣]

ثالثاٌ: اليقين في الدعوة

فهما يحملان دعوة الحق على تمام اليقین والبصیرة، ويحملان ضمان الغيب، ومن يضمن الغيب سوى الله تعالى؟ إذن فهما ينبأان عن الله تعالى في هذه القضية الضخمة وهي ضمان بقاء ملك فرعون، وأي مُلكٍ هذا الملك؟! كل ذلك دلالة واضحة على أنها رسولا رب العالمین اللذين هما بعزة الله فوق كل عز ومقام،

وفوق مقياس فرعون المادي الذي ينظر للذهب واللباس والمال على أنه يرفع من شأن الإنسان، والواقع كما هو في مقياس الله تعالى أن الإنسان يشرِّف اللباس ويشرِّف الذهب وكل مظهر للترف.

نعم، يتشرَّف ويتربَّك الناس بتراب أقدام العالم، وهم يحتقرون قصور الظالم، وفي الرواية «لا يهوننَّ عليكَ من قَبُحَ مَنْظَرُهُ ورثَّ لباسُه، فإن الله تعالى ينظر إلى القلوب ويجازي بالأعمال».[٢٤].

وقد تتربَّى أفكارنا ونفسياتنا بحسب ما نعايش في حياتنا أن صاحب المركب الفخم، والدار الواسعة، والمال الكثیر هو إنسان كريم على الله تعالى ولذا أعطاه وأنعم عليه، وقد نتصور أن صاحبة الجلال واللباس الحسن هي التي تستحق التقدير والإجلال بسبب جمالها ولباسها، فنقيِّم الناس ونصاحبهم بهذه المقاييس الخاطئة التي تأخذ أثرها في مجتمعنا وأعماقنا، في حین أن مقياس الله تعالى في تقييم عباده لا يُعْنَى بهذه المظاهر فرب عبد في أطماره لو أقسم على الله تعالى لأبرَّ قسمه، وهذا درس نستفيده جميعًا من أمیر المؤمنین (ع).[٢٥]

المراجع والمصادر

  1. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة

الهوامش

  1. نهج البلاغة، الخطبة ٤.
  2. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٦١.
  3. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٦١.
  4. سورة هود، الآية ١٧.
  5. نهج البلاغة، الخطبة ٤.
  6. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٦١-١٦٢.
  7. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٦٢.
  8. سورة طه، الآية ٦٧.
  9. سورة القصص، الآية ٢١.
  10. نهج البلاغة، الخطبة ١.
  11. سورة طه، الآية ٦٧.
  12. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٦٢-١٦٣.
  13. ميثم البحراني، شرح نهج البلاغة، ١/ ٢٧٥.
  14. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٦٤.
  15. سورة النساء، الآية ١٦٤.
  16. نهج البلاغة، الخطبة ١٨٢.
  17. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٦٤.
  18. نهج البلاغة، الخطبة ١٦٠.
  19. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٦٤-١٦٦.
  20. نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
  21. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٦٦-١٦٧.
  22. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة (كتاب)|العقائد من نهج البلاغة، ص١٦٧.
  23. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة (كتاب)|العقائد من نهج البلاغة، ص١٦٧.
  24. من حكم أمير المؤمنين (ع). شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٢٠ / ٣٢٦.
  25. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٦٧-١٦٨.