نقاش:الله في نهج البلاغة
التعريف
تعريف الذات المقدسة: «الله» اسم علم على الذات المقدسة المستجمعة لصفات الجلال والجلال، ولا يقصد من هذا التعريف أنه يطابق القواعد العلمية والمنطقية، بل هو أشبه بالتعريف الاسمي كما في علم المنطق، كما أنه ليس تعريفاً حقيقياً دقيقاً لأن التعريف الحقيقي الدقيق لشيء يستدعي الوقوف على حقيقته وأبعاده وجميع شؤونه، والإنسان عاجز تماماً عن ذلك فيما يتعلق بالله تعالى وتنزه.[١]
العقول قاصرة عن إدراك الكنه
الكنه بمعنى الحقيقة، والعقل في واقعه مخلوق لله ومحدود في قدرته الإدراكية فهو في عجز ذاتي عن أن يحيط بتلك الأبعاد غیر المتناهية، بل إن العقل عاجز عن أن يحيط بأسرار إبداع الخلق في السماوات والأرض وما بينهما -كما هو واضح- فكيف يحيط علماً بخالق الخلق ومبدعه، وعجز الإنسان ليس فقط عن تعريف الله تعالى بدقة بل عجزه عن الإحاطة بسائر الشؤون الإلهية كالقدرة والعلم والخلق والرزق والإحياء والإماتة والتشريع والحساب والجنة والنار والإبداع في الخلق.[٢]
شرح عن أمير المؤمنين (ع) لمقولة: العقول قاصرة عن إدراك الكنه
قال سيد الموحدين (ع): نعرض فيما يلي بعض ما قاله سيد الموحدين علي (ع) حول هذه النقطة «العقولُ قاصرةٌ عن إدراكِ الكُنْه»، وتنبغي مراجعة هذه الخطب بكاملها وبعض الشروح حولها للتوسع قدر الإمكان.[٣]
أولاً: الذي لا يدركه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن
قال (ع)[٤]: «الذي لا يُدْرِكُهُ بُعْدُ الهِمَم ولا ينالُهُ غَوْصُ الفِطَن:»
«بعد الهمم»: نهايتها علوا، في قبال «غوص الفطن» أي نهايتها عمقا، يقول (ع) إن بعد الهمم لا يمكن أن يدرك الله تعالى لأن ما يدركه العقل أشياء من جنسه وفي مجال ما يمكن أن يفقه فيه، أما إذا كان الشيء بمنأى بعيد من أن يفهم فإن العقل لا يدركه، وكذلك غوص الفطن فهي عاجزة عن أن تدرك الذات المقدسة مهما جهدت في ذلك، ولماذا هذا العجز؟
ذكر الإمام (ع) عددا من أسباب ذلك:
- «الذي ليس لصفتِهِ حَدٌّ محدودٌ ولا نَعْتٌ موجود»: ولذلك فإن من يريد وصفه يكون في تمام العجز إذ كيف يوصف من لا تحد حقيقته.
- «ولا وقتٌ معدودٌ ولا أجَلٌ ممدود»: فهذه الذات خارجة عن الزمان والمكان وما يستطيع العقل إدراكه إنما هو في حدود الزمان والمكان بطبيعة الحال.
- ولكن إذا عجزت العقول عن إدراك الله فكيف يعرف ليشكر ويعبد؟ هذا ما بادر الإمام (ع) إلى تبيانه قائلا: «فَطَرَ الخلائقَ بقدرتِه، ونشرَ الرياحَ برحمتِه، ووَتَّدَ بالصخورِ مَيَدَانَ أرضِه:» نعم لا يمكن أن يدركه العقل ولكنه يتعرف على آثاره إجمالا، فإنا هذه الخلائق والرياح والجبال مظاهر من مظاهر الإبداع يمكن أن تكون شواهد ومنافذ للتعرف على الذات المقدسة.[٥]
ثانياً: الحمد لله الذي بطن خفيات الأمور
وقال (ع)[٦]: «الحمدُ للهِ الذي بَطَنَ خَفِيَّاتِ الأُمُور»:
أي علمها من باطنها بل هو في أعماقها، لأن روح الخلق منه والمخلوقات أثر له، فهو مصدر لخلقها ومصدر لبقاء وجودها، وخفيات الأمور بطبعها وتعريفها لا يمكن أن يطلع عليها، فلا شك أن من أوجد فيها السر والإبداع والخفاء هو أخفى منها، فكيف يعرف إذن؟
«ودَلَّتْ عليه أَعامُ الظُهُور»: أي الأدلة الظاهرة، فله من الشواهد على ذاته المقدسة وهيمنته المطلقة ما يذعن له عقل كل عاقل وفكر كل مفكر اعترافاً بأنه هو الواحد الأحد.
«وامتنعَ على عنیِ البصیرِ» لاستحالة إبصاره إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾[٧]،
والذي يرى يجب أن يكون في جهة وفي وقت ما، والله تعالى خارج عن الزمان والمكان، ولكن إذا لم تبصره العین فهل يعني هذا أنه لا وجود له؟ يجيب (ع):
«فلا عینُ من لم يرَهُ تنكِرُه»: أي صاحب العین التي لم تره يجب أن لا ينكره إذ أن وجودها في ذاتها أثر من آثاره ودليل عليه.
«ولا قلبُ من أثبته يُبْصرِه»: ولا يخفى ما في هذه المقابلة من جهة بلاغية، فلا العین الناظرة التي لم تره يحق لها إنكاره، ولا القلب الذي أثبته رآه، وأثبته أي جزم بوجوده.
«سَبَقَ في العُلُوِّ فلا شيءَ أعلى منه، وقَرُبَ في الدُّنُوِّ فلا شيءَ أقرب منه، فلا اسْتِعْلاؤُه باعَدَهُ عن شيءٍ من خلقِه، ولا قُرْبُهُ ساواهم في المكانِ به»: فهو ﴿مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾[٨]،، وهذه المعية والقرب ليس مساواتهم في المكان به، بل هو في علوه وهذا العلو ليس بعدا عنهم بل هو محيط بهم رغم علوه.
«لم يُطْلِعِ العقولَ على تحديدِ صفتِهِ»: فهذا العقل المركب قاصر عن إدراك المركب المبدع له فقد حجب العقول عن إدراكه.
«ولم يحجبْها عن واجبِ معرفتِه»: لماذا؟
«فهو الذي تشهدُ له أعلامُ الوجودِ على إِقرارِ قلبِ ذي الجحود.»
«تعالى اللهُ عما يقولُه المشبِّهونَ به والجأحدونَ له»: أي أيها العبد لا تفكر في ذات الله فإن ما يحوم حول فكرك من شبه إنما هي على صور ما ترى من المحسوسات والماديات مما هو في مجال إدراكك ولكن الله تعالى ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾[٩]، لذلك ثق تماما أيها العبد أن ما تراه من صور ليست هي الله تعالى، ويقول (ع): أيها الجأحد إن عدم إدراكك لله ليس دليل عدم وجوده إذ تشهد له أعلام الوجود على إقرار قلبك أي أنك أيها الجأحد مقر بالله تعالى في قرارة نفسك.[١٠]
ثالثاً: لا تقع الأوهام له على صفة ولا تعقد القلوب منه على كيفية
وقال (ع)[١١]: «لا تَقَعُ الأوهامُ له على صِفَةٍ ولا تُعْقَدُ القلوبُ منه على كيفِيَّة»:
يؤكد الإمام (ع) هذه الناحية أن الأوهام والأفكار لا يمكنها وصفه، لماذا؟ لأنها -كما مر- إذا كانت تجهل كنهه وحقيقته فكيف تصفه، فقد يفاجأ الإنسان بجهاز ضخم لا يعرف لم هو فضلاً عن أن يعرف دقائق تركيبه فيكون حذراً في التعامل معه،
فكذلك -ولله المثل الأعلى- ذاته المقدسة لا يمكن وصفها لاستحالة الإحاطة بها وإدراك أبعادها.[١٢]
شواهد على عجزنا
وهي شواهد نحياها في واقعنا وندرك أبعادها وشيئاً من أمورها ومع ذلك لا نقف على حقيقتها وأسرارها فكيف نطمع أن نقف على حقيقة خالقها ومبدعها.
ونأخذ شاهدا من كلام أمیر المؤمنین نفسه (ع) في وصفه للطاووس، فيقول (ع)[١٣]:
«وإذا تصفحت شعرة من شعرات قصبه أرتك حرة وردية وتارة خضرة زبرجدية وأحياناً صفرة عسجدية، فكيف تصل إلى صفة هذا عمائق الفطن أو تبلغه قرائح العقول أو تستنظم وصفه أقوال الواصفین! وأقل أجزائه قد أعجزالأوهام أن تدركه والألسنة أن تصفه، فسبحان الذي بهر العقول عن وصف خلق جاله للعيون فأدركته محدوداً مكوناً ومؤلفاً ملوناً وأعجز الألسن عن تلخيص صفته وقعد بها عن تأدية نعته.»
نلاحظ أنه قد أشار إلى الطاووس وهو ليس أعظم مخلوقات الله بل أشار إلى أقل أجزائه شعرة واحدة منه بل أشار إلى صفة واحدة لهذه الشعرة وهي اللون ليبین عظمة الخالق وأن كل شيء يدل عليه تعالى وتقدس، فما بالك لو ذكر فسيولوجيته وتشريحه وما في عقله مركز هدايته، وأحشائه وأسرارها واستقامة جهاز التغذية عنده فلو أفاض في ذلك لأتى بكتاب كهذا الكتاب، وفي هذا النص الشريف من الاستدلالات به الشيء الكثیر وإنا ذكرنا موضع الشاهد من حديثنا، وكم من شواهد أخرى في أنفسنا، فعقولنا وأرواحنا وغرائزنا وهي فينا ومع ذلك لا نستطيع تحليلها وتجزأتها والوقوف على أسرارها.[١٤]
جوانب بلاغية وعلمية في هذه النصوص الشريفة
- «بعد الهمم»: فإن الأصل «الهمم البعيدة»، الموصوف تليه الصفة ولكنه (ع) أضاف المصدر «بعد» إلى الموصوف «الهمم» لأن موضع الشاهد هو في البعد وأنه عاجز عن إدراك الله تعالى فليس الشاهد في الهمم بل في بعدها ولذلك قدم البعد، وكذلك الحال في «غوص الفطن».
- «غوص الفطن»: فإن فيه استعارة إذ شبه العلوم العقلية والعوالم الإلهية بالبحار المتلاطمة والإنسان سابح يغوص باحثاً عن ضالته من الجواهر واللؤلؤ وهي هنا الأسرار الإلهية وحقيقة الذات المقدسة ولكنه لا ينال ذلك كما قدمنا.
- «ووتد بالصخور ميدان أرضه»: والمقصود بالصخور الجبال والميدان التحرك بتمايل، وهي إشارة إلى حركة الأرض وأنه من أجل أن لا تميل في حركتها ثبتها الله بالجبال، وهذا التعبیر والإشارة مستعارة من القرآن الكريم إذ يقولُ تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾[١٥].[١٦]
مطاف الخاتمة
قال ابن أبي الحديد من شعر المناجاة[١٧]:
- والله لا موسى ولا ***عيسى المسيح ولا محمد
- علموا ولا جبريل وهو*** إلى محل القدس يصعد
- كلا ولا النفس البسيطة*** لا ولا العقل المجرد
- من كنه ذاتك غیر أنك*** واحدي الذات سرمد
- وجدوا إضافات وسلبا*** والحقيقة ليس توجد[١٨]
- ورأوا وجودا واجبا*** يفنى الزمان وليس ينفد
- فلتخسىء الحكماء عن*** حرم له الأملاك تسجد
- من أنت يا رسطو ومن*** أفاط قبلك يا مبلد
- ومن ابن سينا حین قرر*** ما بنيت له وشيد
- هل أنتم إلا الفراش*** رأى الشهاب وقد توقد
- فدنا فأحرق نفسه*** ولو اهتدى رشداً لأبعد
تنبيه: يجب أن نعيش جميعاً مع الإمام (ع) فكراً وروحاً وحياة من أجل تحقيق الفائدة القصوى من هذا الدرس الشريف لنيل الكمالات، وهناك أسباب مهمة للتوفيق، فأولها وجوهرها الإخاص في العمل، ومنها أن يأتي الطالب العزيز على وضوء فإنه ليس أمراً عادياً أن يأتي الإنسان ليتحدث أو يسمع كلاماً حول أمیر المؤمنین (ع)، ونحن هنا نتعلم التوحيد، نتعلم سيد العلوم على يد سيد الأوصياء علي (ع) وباب مدينة علم رسول الله (ص).
إذن ينبغي أن يلاحظ للدرس قدسيته واحترامه ومن ذلك التهيؤ له بالحضور والمراجعة والحفظ والتتبع قدر الإمكان، وهذه المسائل فيما أعتقد متروكة للتفاعل الخاص مع أمیر المؤمنین (ع) لأنه روحنا ووجودنا ودنيانا وآخرتنا، فلنجعل هذا الدرس وهذا الإخلاص طريقا للوصول إلى أمیر المؤمنین (ع).
خاتمة المطاف: عن أبي حمزةَ عن زين العابدين وسيدِ الساجدين (ع) قال: «يا أبا حمزةَ إن الله لا يوصَفُ بمحدودية، عَظُمَ ربُّنا عن الصفة، فكيف يُوصَفُ بمحدوديةٍ من لا يُحدُّ و﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾[١٩].»[٢٠].[٢١]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص77.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص77-78.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص78.
- ↑ خ 1، ص 39 . ويمكن مراجعة «منهاج البراعة» 1/ 293 وكذلك شرح الشيخ ميثم البحراني 106/1 للاطلاع أكثر على شرح هذه الخطبة الشريفة.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص78-79.
- ↑ خ 49، ص 87 .
- ↑ سورة الشورى، الآية 11.
- ↑ سورة المجادلة، الآية 7.
- ↑ سورة الشورى، الآية 11.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص79-81.
- ↑ خ 85، ص 115 .
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص81.
- ↑ خ 165، ص 235 التي أولها «ابتدعهم خلقاً عجيباً». وموضع الشاهد في ص 238 .
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص81-82.
- ↑ سورة النحل، الآية 15.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص82-83.
- ↑ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 13 / 50 .
- ↑ أي أنهم بفضل الله تعالى علموا الصفات الثبوتية والسلبية ولكنهم ما علموا الذات المقدسة التي لها هذه الصفات.
- ↑ سورة الأنعام، الآية 103.
- ↑ أصول الكافي 1/ 100 .
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص83-87.