الحديبية: رحلة دينية سياسية

كانت السنة ٦ هـ تقترب من نهايتها حينما رأى الرسول(ص) في المنام أنّه دخل الكعبة وحلق رأسه وأخذ مفتاح البيت. فقص (ص) رؤياه على أصحابه، وتفاءل بها خيراً.[١]

إنّ هذه الرحلة الروحانية انتجت مصالح اجتماعية وسياسية، عزّزت مكانة المسلمين في الجزيرة العربية وساعدت على نشر الدين الإسلامي فيها، وذلك لأنّ:

  1. القبائل العربية المشركة تصورت أنّ النبي (ص) خالف كلّ عقائد العرب وتقاليدهم الموروثة بما فيها الحج والعمرة، فأكد بذلك الصلح وتجنّب القتال في الشهر الحرام أنّه لا يعارض تلك الطقوس الدينية، بل يعتبرها فريضة مقدسة مثل والد العرب الأكبر إسماعيل بن إبراهيم ويعمل على المحافظة على هذه التقاليد الدينية، ممّا قلل من مخاوفهم تجاه الرسول (ص) ودعوته.
  2. ولما لم يكن يحمل أسلحة معه على أساس حرمة الأشهر الحرم، فإنّ ذلك غيّر من نظرة هؤلاء تجاه دعوة الإسلام حين شاهدوا الرسول (ص) وهو يحرّم القتال في الشهر الحرام، ويدعو إلى رعاية هذه السنة الدينية القديمة.
  3. وستكون مناسبة يتمكن المهاجرون فيها من زيارة وطنهم وأهاليهم وأقربائهم. أمّا إذا منعتهم قريش من الدخول فإنّ سمعتها هي تتعرض للخطر، ويتضح عدوانُها، وينكشف للجميع بطلان مواقفها، نظراً لموقفها السيى تجاه جماعة مسالمة أرادت أداء مراسم العمرة فقط.
  4. وإذا نجح المسلمون في سعيهم بأداء مناسك العمرة، فإنّه سيكون أفضل إعلام لجميع مناطق العرب، إذ أنّ نداء الإسلام سينتشر في تلك البقاع والمناطق التي لم يصلها دعاة النبي (ص) ومبلغوه حتى هذا الوقت.
  5. ولذا فإنّ الرسول (ص) أمر أصحابه بالتهيّؤ للعمرة داعياً القبائل المجاورة التي لم تزل على كفرها وشركها إلى مرافقة المسلمين في هذه الرحلة وبلغت أعدادهم ألف وأربعمائة أو ١٦٠٠ أو ١٨٠٠، أحرموا في ذي الحليفة فشاع في الجزيرة العربية أنّ المسلمين متجهون صوب مكة للعمرة في شهر ذي القعدة.

وعند «عُسفان»، أخبروا الرسول (ص) بأنّ قريشاً ترفض السماح لهم بالدخول إلى مكّة، كما أرسلت كتيبة من أفرادهم بقيادة: خالد بن الوليد، لتنفيذ الأوامر المعلنة، فغيّر الرسول (ص) طريقه حتى لا يلتقي بخالد، سالكاً طرقاً وعرة حتى وصل الحديبية، التي بركت فيها ناقة الرسول (ص) فنزلوا في ذلك المكان، إلاّ أنّ خالد بن الوليد تمكن من الوصول بكتيبته وحاط بهم وحاصر موكبهم. ولكن النبي (ص) لم يكن قد جاء ليحارب في سبيل دخول مكة، ولم يكن هذا هدفه، ولذا فإنّ التفاوض كان من أفضل الحلول لهذه المشكلة، فقال (ص): «لَا تَدْعُونِي قُرَيْشِ الْيَوْمِ إِلَى خُطَّةٍ يسألونني فِيهَا صِلَةُ الرَّحِمِ إِلَّا أَعْطَيْتَهُمْ إِيَّاهَا». فبلغ ذلك مسامع الجميع، فقرروا إرسال عدد من أفرادهم إلى الرسول (ص) للتعرف على هدفه الأصلي من رحلته ومجيئه إلى مكة، فبعثوا إليه بأربعة أشخاص لتفهّم موقف الرسول (ص) فقال لهم (ص): «إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ وَ لَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ».

إلاّ أنّ المندوبين أكدوا للمسلمين أنّ قريشاً لن تقبل بدخولهم مكة: «يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبداً». فذهبت كلّ تلك المفاوضات سدى دون جدوى، ممّا جعل الرسول (ص) يرسل مندوباً عنه إلى قريش يوضح الصورة الصحيحة لهدفهم، وهو زيارة بيت الله وأداء مناسك العمرة، إلاّ أنّ قريشاً ـ خلافاً لكلّ الأعراف الدولية والاجتماعية ـ والتي تقضي بحماية السفراء واحترامهم، عمدت إلى عقر الجمل الذي قدم عليه السفير والمندوب النبوي، بل كادوا أن يقتلوه أيضاً، لولا تدخل جماعة من قادة العرب، فخلّت سبيله ليعود إلى النبي (ص) . كما أنّ قريشاً أرسلت كتيبة لإرهاب الرسول وجماعته وإرعابهم ونهب شيء من أموالهم، إلاّ أنّ الوضع لم يكن في صالحهم فقد أسرهم المسلمون وكانوا خمسين فرداً، فتدخل النبي (ص) وعفا عنهم وخلّى سبيلهم، ليؤكد لهم أنّه جاء يريد السلام، وأنّ هؤلاء ينشدون الحرب والقتال.

واختار الرسول (ص) عمر بن الخطاب لمهمة سفارة أُخرى لقريش، لأنّه لم يكن قد أراق دم أيّمن المشركين حتى ذلك الوقت، ولكنّه اعتذر عن تحمّل هذه المسؤولية المحفوفة بالمخاطر قائلاً: «يا رسول الله، إنّي أخاف قريشاً على نفسي، وليس بمكة من بني عدي من يمنعني، ولكنّي أدلّك على رجل أعزّ بها منّي عثمان بن عفان».[٢] إلاّ أنّ قريشاً ألقت القبض على عثمان وحبسوه، لعلّهم يتوصلون إلى حلّ فيطلقوه ليبلغ الرسول رأيهم. فلمّا أبطأ عثمان عنهم، وأوجد ذلك قلقاً شديداً في نفوس المسلمين، وخاصة إنّه أُشيع أنّ عثمان قتل، فإنّ المسلمين ثاروا وقرروا الإنتقام والقتال، ممّا دعا النبي إلى أن يجدّد بيعته مع المسلمين، فبايعوه تحت الشجرة على الإستقامة والثبات والوفاء، وحلفوا ألاّ يتخلّوا عنه أبداً، وأن يدافعوا عن حياض الإسلام حتى النفس الأخير، وسميت هذه البيعة: بيعة الرضوان، التي ذكرها القرآن الكريم بقوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً[٣] وبذا فإنّ موقف المسلمين تحدّد في: إمّا دخول مكة وزيارة بيت الله، وإمّا القتال فيما لو تصلب موقف قريش الرافض لذلك. ولكن «عثمان بن عفان» رجع إليهم وأخبرهم أنّ اليمين التي التزمت بها قريش بمنعهم من دخول مكة هذا العام، هي التي تجعلهم في موقف متصلب رافض، وأنّهم سيرسلون إلى الرسول (ص) من يتفاوض معه في هذا الشأن. وكُلّف سهيل بن عمرو بإنهاء هذه المشكلة. ونتج عن التفاوض بين الطرفين عقد صلح شامل وواسع بينهما.

وفي الوقت الذي كان المندوب القرشي يتصلب في بعض البنود والمواد، فإنّ النبي (ص) كان يتساهل معه ويتنازل عنها، ممّا كان له أثر بعيد، فالتسامح الذي أبداه الرسول (ص) في تنظيم وثيقة الصلح، لا يعرف له نظير في تاريخ العالم، لأنّه أظهر بجلاء أنّ رسول الله (ص) لم يقع فريسة بيد الأهواء والأغراض الشخصية والعواطف والأحاسيس العابرة، فكان يعلم أنّ الحقائق لا تتبدل ولا تتغير بالكتابة والمحو، وهو ما جعله يتسامح مع مفاوض قريش الذي تصلب في مطالبه غير الشرعية، وذلك حفاظاً على أصل الصلح وحرصاً على السلام. وقد حدث خلال ذلك، أنّ طلب المندوب القرشي بأن يمسح الرسول (ص) ما كتبه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ[٤] ويكتب بدلاً منه: باسمك اللهم. كما طلب مسح كلمة «رسول الله» وإبدالها بـ محمد بن عبد الله. فأجابه الرسول (ص) إلى ذلك.

أمّا صلح الحديبية، فكان من أبرز بنوده:

  1. وقف القتال عشر سنين بين الطرفين.
  2. من قدم إلى النبي من قريش دون إذن وليّه، يردّه عليهم، ومن جاء قريشاً من محمّد لا يردّوه إليه.
  3. السماح بدخول أيّ طرف في التحالف مع أيّة أطراف.
  4. يرجع المسلمون هذا العام على أن يقدموا العام القادم للعمرة.
  5. لا يُستكره أحدٌ على ترك دينه، ويعبد المسلمون الله بمكة بحرية وأمان.
  6. احترام الطرفين لأموالهم، فلا خيانة ولا سرقة.
  7. لا تعين قريشٌ على محمّد وأصحابه أحداً، سواء بسلاح أو أفراد.[٥]

ثمّ كتبت الوثيقة بنسختين، ووقع عليها نفر من شخصيات قريش والمسلمين شهوداً عليها، وتسلم سهيل بن عمرو نسخة قريش، واحتفظ النبي (ص) بالنسخة الأخرى.

وكثيراً ما اعترض المسلمون على بعض البنود، كالبند القاضي بتسليم كلّ مسلم سار إلى الرسول (ص) من قريش، والعكس، فأوضحه الرسول (ص) «مَنْ جَاءَهُمْ مِنَّا فَأَبْعَدَهُ اَللَّهُ وَ مَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ رَدَدْنَاهُ إِلَيْهِمْ فَلَوْ عَلِمَ اَللَّهُ اَلْإِسْلاَمَ مِنْ قَلْبِهِ جَعَلَ لَهُ مَخْرَجاً». فلا قيمة لإسلام وإيمان من يترك المسلمين ويهرب لاجئاً عند المشركين، إذ أنّه يؤكد بفعله أنّه لم يؤمن حقّاً بالإسلام، ولذا لم يكن هناك حاجة لقبوله في جماعتهم.

وهذا الميثاق يؤكد نزاهة الإسلام وروحه وحقيقة تعاليمه، وأنّه لم يُطلَب نشره بقوة وإجبار، كما يذكره الأجانب وغيرهم دوماً.

وبعد الإنتهاء من تلك المراسيم وعودة جماعة قريش، قام الرسول (ص) بنحر ما كان معه من الهدي في نفس ذلك المكان وحلق، وأدّى الآخرون نفس العملية، ثمّ عادوا إلى المدينة بعد ١٩ يوماً من البقاء في أرض الحديبية.

وكان لهذه المعاهدة نتائج وآثار بعيدة المدى، كان من أبرزها وأهمها:

  1. تهيّأت الأرضية لنشر الإسلام في المناطق المختلفة، بعد استقرار الأمن والسلام بين المسلمين وقريش، فقد كان يقضي (ص) أكثر وقته في العمل على إفشال المؤامرات والدفاع عن المدينة والدخول في حروب.
  2. كان لاعتراف قريش بالكيان الإسلامي رسمياً، دوره في منح القبائل حريتها في الانضمام إلى المسلمين إذا شاءوا.
  3. زال الستار الحديدي الذي ضربه المشركون حول المسلمين في المدينة، فتمكن الناس من الارتحال إلى المدينة والتعرف عليها وعلى تعاليم الإسلام العليا، ممّا فسح المجال لهم في اعتناق الإسلام كما تمكن المسلمون من السفر إلى مكة وأجزاء أُخرى، ممّا ساعد في نشر الإسلام في تلك الجهات.
  4. التحق عددٌ كبير من رؤوس الشرك والكفر كـ خالد بن الوليد و عمرو ابن العاص بالمسلمين واعتنقوا الإسلام قبل فتح مكة.
  5. زال الحاجز النفسي بين قريش والمسلمين، حين أثبت الرسول (ص) لهم بأنّه معدن عظيم من معادن الخلق الإنساني الكريم، بعد صبره وتجلده وتحمّله تصلّب قادة المشركين وتعنّتهم. فقد شاهدوا موقف النبي الأكرم (ص) في مخالفته لآراء المعرضين من جماعته لبعض البنود عند توقيع العقد، وذلك في رغبة صادقة منه لإقرار السلام بين الجانبين، فأبطل بذلك كلّ الدعايات والإشاعات المغرضة التي رُوِّجت ضدّه وضدّ دعوته المباركة، وأثبت أنّه حقّاً رجل سلام وداعية خير للبشرية، حتى لو سيطر على مقاليد الجزيرة العربية، فإنّه سيعامل أعداءه باللطف والحسنى والتسامح.

ويؤكد ذلك قول الإمام الصادق (ع) بعد ذلك: «وَ مَا كَانَتْ قَضِيَّةٌ أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْهَا». إذ لم يكد النبي (ص) أن يصل إلى المدينة حتى نزلت سورة الفتح التي وعدت المسلمين وبشّرتهم بالانتصار، ممّا اعتبر مقدمة لفتح مكة ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً[٦].[٧]

وكانت المادة الثانية من المعاهدة، والتي اختلف حولها المسلمون، هي التي تسبّبت في الفتح بعد ذلك، لأنّ قريشاً طلبت من النبي (ص) بعد فترة قصيرة من توقيع المعاهدة بإلغاء تلك المادة التي تنص: على الحكومة الإسلامية أن تعيد كلّ مسلم هارب من مكة إلى قريش، وليس عليها أن تعيد كلّ هارب من المسلمين.

ولما أثارت هذه المادة المسلمين، فإنّ النبي (ص) طمأنَهم حينما ذكر لأحدهم: «إِنَّ اللَّهَ جَاعِلُ لَكَ وَ لِمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَرَجاً وَ مَخْرَجاً».

ذلك أنّ بعض هؤلاء المسلمين الهاربين تمكّنوا من تأسيس عصابة خاصة في مراكز بعيدة عن مكة والمدينة، للنيل من قوافل قريش التجارية والتعرض لها وقتل من يقع في أيديهم، الأمر الذي أقلق بال قريش، فراسلوا النبي(ص) طالبين منه إلغاء هذه المادة للتخلص ممّا هم فيه من قلق وتوتر، فوافق الرسول الكريم (ص) على ذلك، ولذلك انضم هؤلاء المسلمون المتفرقون إلى جماعة المسلمين بالمدينة، إلاّ أنّ النبي (ص) لم يقبل بإعادة المسلمات، كما حدث لـ أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط التي هاجرت إلى المدينة فطلبوها، ولكن النبي (ص) قال: «إِنَّ اللَّهَ نَقْضُ الْعَهْدِ فِي النِّسَاءِ».[٨]

وقد جاء كلّ ذلك كما حكى القرآن الكريم في سورة الممتحنة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا[٩].[١٠]

المراجع والمصادر

  1.   جعفر السبحاني، السيرة المحمدية

الهوامش

  1. مجمع البيان: ٩\١٢٦.
  2. السيرة النبوية: ٢\٣١٥، كما أنّ بينه وبين أبي سفيان قرابة، فهو أموي.
  3. سورة الفتح، الآية ١٨.
  4. سورة الفاتحة، الآية ١.
  5. بحار الانوار: ٢٠\٣٥٢؛ السيرة الحلبية: ٣\٢١؛ مجمع البيان: ٩\١١٧.
  6. سورة الفتح، الآية ١.
  7. بحار الانوار: ٢٠\٢٦٣؛زاد المعاد: ٢\١٢٦.
  8. المغازي: ٢\٦٣١؛ السيرة النبوية: ٢\٣٢٣.
  9. سورة الممتحنة، الآية ١٠.
  10. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ١٦٠-١٦٧.