آية سقاية الحاج
مقدّمة
﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾[١].
تشير هذه الآية الكريمة، المعروفة لدى المفسرين بآية سقاية الحاج، إلى إحدى فضائل الإمام علي (ع) التي يمكن من خلالها إثبات ولايته وخلافته. وتستنكر الآية على أولئك الذين يعتبرون «سِقَايَةَ الْحَاجِّ» و«عِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ» مساوية لـ «الإيمان بالله والهجرة في سبيله والجهاد بالنفس والمال».
شأن النزول
تخبر آية ﴿سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ عن حادثة وقعت في العصر النبوي، وليست مجرّد بيان لقانون عامّ. أي أنّ هذه المقارنة قد حدثت بالفعل. لذلك، فإنّ للآية الكريمة سبب نزول، وقد ذُكرت لها أسباب نزول متعدّدة، وفيما يلي ملخّص لأشهرها:
كان «العباس»، عمّ النبي، و«شيبة» من أبناء عبد المطلب، يتحدّثان في المسجد الحرام. قال العباس مخاطباً شيبة: «لقد منحني الله تعالى شرفاً لم يمنحه لأحد، وهو ﴿سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾[٢]. فأجابه «شيبة» قائلاً: «لقد منحني الله شرف ﴿عِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [٣]، ولا يوجد شرف أعلى من حمل مفاتيح الكعبة. لذا، فإنّ الشرف الذي نلتُه أعلى من شرفك.
مرّ علي (ع) بجوارهما وسمع حديثهما، فاقترب منهما وبعد إلقاء التحية وإظهار الاحترام، استأذن في الكلام، فأُذن له. فقال: «لقد منحني الله شرفاً أعلى من كلّ الشرف ولم يُمنح لأحد غيري!» فسألاه: «ما هو؟» فقال: «لقد آمنت قبلكما جميعاً، وهاجرت قبل الجميع لرضا الله، وجاهدت في سبيل الله بمالي ونفسي! وأنتما ومن هم مثلكما أسلمتم وقبلتم الإسلام ببركة جهادي وجهاد من هم مثلي! لذا، فإنّ أعلى شرف ليس سِقَايَةَ الْحَاجِّ أو عِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، بل «الإيمان بالله» و«الهجرة في سبيل رضاه» و«الجهاد في سبيله» هو أعلى شرف».
غضب العباس، عمّ النبي، وعلي (ع) من سماع هذا الكلام، فذهب إلى النبي الكريم (ص) وروى له ما حدث، واشتكى من علي قائلاً إنّه قد قلّل من شأني ومكانتي.
أرسل النبي شخصاً في طلب علي (ع)، وعندما وصل علي إلى حضرة النبي (ص)، طلب منه توضيحاً قائلاً: «ما الذي قلته حتى أغضبت عمّك العباس؟" فأجاب علي: «لقد قلت كلمة حق، وعمّي غضب من كلمة الحق التي قلتها»، ثمّ روى لرسول الله (ص) ما حدث. كما أشار إلى أنّه لم يكن في مقام مدح نفسه، بل أراد أن يقول لهم إنّ «سقاية الحاج» و«عمارة المسجد الحرام» ليست أعلى المفاخر، وأنّ هناك مفاخر أعلى منها. في هذه اللحظة، نزلت آية سقاية الحاج، وأيّد الله كلام علي (ع)[٤].
ورد سبب النزول المذكور أعلاه في اثني عشر كتاباً مشهوراً على الأقل من كتب أهل السنة، والتي كُتبت حول تفسير القرآن أو التاريخ أو الروايات: أسباب النزول العلامة الواحدي[٥]؛ تفسير العلامة الخازن البغدادي[٦]؛ تفسير العلامة القرطبي[٧]؛ تفسير الفخر الرازي[٨]؛ الدر المنثور للعلامة السيوطي[٩]؛ تفسير أبي البركات النسفي[١٠]؛ الفصول المهمة ابن الصباغ المالكي[١١]؛ كفاية الطالب الكنجي الشافعي[١٢]؛ تاريخ الخطيب البغدادي[١٣]؛ مناقب ابن المغازلي[١٤]؛ تاريخ ابن عساكر[١٥]؛ ربيع الأبرار الزمخشري[١٦]. لذلك، فإنّ سبب النزول المذكور لا يترك مجالاً للشك أو النقاش.
نقطة مهمّة!
لا شكّ أنّ العباس بن عبد المطلب كان مؤمناً وقد جاهد عند نزول آية سقاية الحاج. وكذلك كان «شيبة» مؤمناً وله سابقة في الجهاد. فكيف يفتخر علي (ع) بإيمانه وجهاده عليهم، وهو شيء كانوا يمتلكونه أيضاً؟
الإجابة على هذا السؤال هي أنّ علياً (ع) يريد أن يقول إنّه أوّل رجل آمن برسول الله (ص)، وأوّل شخص هاجر بعد هجرة النبي (ص) إلى المدينة، وأوّل مجاهد في سبيل الله ورسوله. إنّ السبق في الإسلام والهجرة والجهاد، الذي لم يكن لـ «العباس» و«شيبة»، هو فضيلة فريدة لـ «علي» (ع).
شرح وتفسير
الإيمان بالله أعلى من كلّ شيء!
﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ﴾: من تعبير الآية الكريمة يتّضح أنّ مثل هذه المقارنة قد تمّت، وأنّ شخصاً مّا قد اعتبر سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ في مرتبة «الإيمان بالله» و«الجهاد في سبيل الله». لكنّ الله تعالى لا يعتبر هذه المقارنة صحيحة، ولا يعتبر «الإيمان بالله واليوم الآخر» و«الجهاد في سبيل الله» قابلين للمقارنة مع سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. لأنّه بلا شكّ الإيمان والجهاد أعلى من هذين الأمرين.
﴿وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: ربّما يشير هذا التعبير إلى أنّه ليس فقط أنّ المقارنة المذكورة غير صحيحة وأنّ «الإيمان» و«الجهاد» أعلى من سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، بل إنّ هذه المقارنة هي نوع من الظلم والجور على من سبق في الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله. بعد أن ينفي الله تعالى في الآية الأولى أصل تلك المقارنة ويعتبرها نوعاً من الظلم، يصرّح في هذه الآية بأنّ الإيمان والهجرة والجهاد أهمّ وأكثر قيمة.
﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ﴾: بعد أن رفض الله سبحانه وتعالى المقارنة بين «الإيمان» و«الجهاد» و«الهجرة» من جانب، وسِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ من جانب آخر، وأكّد أنّ الأمور الثلاثة الأولى أكثر قيمة، يبشّر في الآيتين التاليتين أولئك الذين هم من أهل الإيمان والجهاد والهجرة. انتبهوا إلى هذه البشارات:
- يبشّر الله هؤلاء الناس برحمته والقرب منه.
- البشارة الروحية الثانية لهؤلاء الأشخاص هي رضا الله، وأيّ نعمة أعظم من أن يعلم الإنسان أنّ محبوبه راضٍ عنه.
- ﴿وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾: ثوابهم الثالث هو حدائق من الجنة (لاحظوا أنّ التعبير جاء بصيغة الجمع «جنات» وليس حديقة واحدة) فيها أنواع من النعم التي لا تزول. إحدى مشاكل وعيوب نعم الدنيا هي عدم استمرارها؛ أمّا نعم الآخرة فليست متزعزعة ولا زائلة.
﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: هل تشير هذه الجملة إلى نعمة أخرى أعدّها الله لأهل الإيمان والجهاد والهجرة؛ نعمة بالإضافة إلى القرب من الله ورضاه وحدائق الجنة؛ نعمة لا تخطر على بال الإنسان ولا يستطيع أحد وصفها وشرحها، لذلك ذُكرت بشكل مبهم؟ أم أنّها تشير إلى النعم الثلاث السابقة وتؤكّد عليها؟ كلا الاحتمالين ليس ببعيد.
علاقة آية سقاية الحاج بالولاية
بما أنّ فضيلة السبق في الإيمان والجهاد هي لعلي (ع) ولا يملك أحد من الرجال المسلمين مثل هذه الفضيلة، فإنّ علياً (ع) هو أفضل المسلمين. ومن الواضح أنّه إذا أراد الله أن ينصب خليفة لنبيّه، فإنّه مع وجود «الأفضل» لن يذهب إلى «المفضول» أو حتّى «الفاضل»؛ لأنّ الله حكيم وتقديم «المفضول» على «الفاضل» و«الفاضل» على «الأفضل» يخالف الحكمة.
وحتّى لو كانت مسألة الخلافة انتخابية، فإنّ العقلاء أيضاً لن يذهبوا إلى «الفاضل» أو «المفضول» مع وجود «الأفضل». لذلك، يمكن إثبات ولاية الإمام علي (ع) من خلال هذه الآية أيضاً[١٧].
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة التوبة، الآيات ١٩ – ٢٢.
- ↑ يُطلق على سقاية الحجاج في «منى» و«عرفات» و«المشعر الحرام» خلال موسم الحج اسم «سقاية الحاج». لم تكن هذه الأراضي الثلاث المذكورة تملك مصادر مياه خاصة بها أبداً، وكان يتمّ توفير المياه دائماً من مناطق أخرى. حتّى اليوم، يتمّ توفير المياه المستخدمة من قبل الحجّاج في هذه الأماكن المقدّسة الثلاثة من مكة المكرمة أو مناطق أخرى عبر شبكة أنابيب. في العصور القديمة، كان الحجّاج مضطرّين لحمل المياه التي يحتاجونها من مكة معهم خلال الأيام التي يقضونها في منى وعرفات والمشعر الحرام. لهذا السبب، سُمّي اليوم الثامن من ذي الحجة بـ «يوم التروية» (يوم جمع الماء)، حيث كان الحجّاج في ذلك الوقت يجهّزون المياه اللازمة ويحملونها على الجمال في مثل هذا اليوم. على أيّ حال، كان العباس عمّ النبي مسؤولاً عن توفير المياه للحجّاج في زمانه، وكانت هذه المسؤولية مهمّة للغاية، خاصّة في ذلك العصر؛ لأنّ الماء كان أهمّ احتياجات الحجّاج في «منى» و«المشعر الحرام» و«عرفات».
- ↑ ونظراً للأهمّية الفائقة للمسجد الحرام، الذي يُعتبر حسب القرآن الكريم أوّل بيت وُضع للناس وأقدس مكان على وجه الأرض، حيث أنّ كلّ ركعة صلاة فيه _وفقًا لبعض الروايات_ تعادل مليون ركعة في أماكن أخرى، فإنّ مسألة «سدانة الكعبة» و«عمارة المسجد الحرام» تكتسب أهمّية خاصّة. كان سادن الكعبة مسؤولاً عن حفظ وحماية وترميم وإعادة بناء الكعبة المشرفة والمسجد الحرام.
- ↑ شواهد التنزيل ١: ٢٤٩ وما بعد.
- ↑ اسباب النزول: ١٨٢ (نقلاً من احقاق الحق ٣: ١٢٣).
- ↑ تفسير الخازن ٣: ٥٧ (نقلاً من احقاق الحق ٣: ١٢٣).
- ↑ تفسير القرطبي ٨: ٩١ (نقلاً من احقاق الحق ٣: ١٢٥).
- ↑ مفاتيح الغيب ١٦: ١٠ (نقلاً من احقاق الحق ٣: ١٢٥).
- ↑ الدرّ المنثور ٣: ٢١٨ (نقلاً من احقاق الحق ٣: ١٢٦).
- ↑ تفسير نسفي ٢: ٢٢١ (نقلاً من الغدير ٢: ٥٤).
- ↑ فصول المهمّة: ١٠٦ (نقلاً من احقاق الحق ٣: ١٢٦).
- ↑ كفاية الطالب: ١١٣ (نقلاً من احقاق الحق ٣: ١٢٥).
- ↑ نقلاً من الغدير ٢: ٥٤ و ٥٥.
- ↑ نقلاً من الغدير ٢: ٥٤ و ٥٥.
- ↑ نقلاً من الغدير ٢: ٥٤ و ٥٥.
- ↑ نقلاً من الغدير ٢: ٥٤ و ٥٥.
- ↑ مكارم الشيرازي، ناصر، آيات ولايت در قرآن: ٢٩٣ – ٢٩٩.