آية سقاية الحاج في القرآن

من إمامةبيديا

آية سقاية الحاج

سورة التوبة (9): الآيات 19 الى 22

﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَ رِضْوانٍ وَ جَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ[١]

تمهيد

في هذه الآية الشريفة التي تعرف بين المفسّرين بآية «سقاية الحاج» نواجه فضيلة اخرى من فضائل الإمام علي (ع) حيث تفضي إلى إثبات إمامته وخلافته بعد رسول الله، وتبيّن أن الأشخاص الذين يرون أن سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام تساوي الإيمان بالله والهجرة والجهاد في سبيله، بعيدون عن طريق الصواب، وسيأتي تفصيل ذلك في طيّات البحث.[٢]

شأن النزول‌

إنّ آية «سقاية الحاج» تخبرنا عن حادثة وقعت في عصر الرسالة ولا تهدف إلى بيان‌ قانون كلّي في ذلك، أي أن هذه الحادثة والمقارنة المذكورة في الآية الشريفة وقعت عملًا في الواقع الخارجي، فللآية الشريفة شأن نزول خاصّ ولهذا ذكر لها موارد عديدة في شأن نزولها وخلاصة ما ورد في شأن النزول المعروف لها هو:

إنّ العبّاس ابن عبد المطلب وشيبة قعدا يفتخران في المسجد الحرام فقال العبّاس لشيبة:

أنا أشرف منك، أنا عمّ رسول الله ووصي أبيه وساقي الحجيج‌ [٣].

فقال شيبة: أنا أشرف منك أنا أمين الله على بيته وخازنه‌ [٤]، أ فلا ائتمنك كما ائتمنني؟

فاطلع عليهما عليّ ابن أبي طالب (ع) فأخبراه بما قالا فقال علي: أنا أشرف منكما، أنا أوّل من آمن وهاجر «و عليه فإنه لا افتخار في سقاية الحاج أو عمارة المسجد الحرام» بل الفخر بالإيمان بالله والهجرة في خطِّ الإيمان به والجهاد في سبيله.

فلما سمع العبّاس ذلك انطلق إلى رسول الله (ص) وذكر له ما جرى‌ بينه وبين الإمام علي (ع) وشكاه عنده على أساس أن الإمام علي (ع) قد ادحض حجّته وأهمل مقامه ومنزلته.

فأرسل النبي الأكرم (ص) شخصاً في طلب الإمام علي فعند ما حضر بين يديه سأله النبي عن الواقعة وقال له: ما ذا قلت لعمّك العبّاس حتّى أغضبته؟

فقال عليّ (ع): لم أقل سوى الحقّ ولكن عمّي غضب من كلام الحقّ، ثمّ بيّن لرسول‌ الله (ص) المحادثة التي جرت بينهم وأضاف إنني لم أكن في مقام التظاهر بالفخر والتعريف بنفسي بل أردت أن أقول أن سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام لا تعتبر أرقى‌ افتخار يناله الإنسان بل هناك مقامات أعلى وافتخارات أكبر من ذلك، وهنا نزلت الآية الشريفة محل البحث وأيّدت كلام الإمام علي (ع)‌ [٥].

وقد ورد شأن النزول هذا في اثني عشر كتاباً على الأقل معروفاً لدى‌ أهل السنّة تتحدّث عن تفسير القرآن، أو التاريخ الإسلامي، أو الروايات الشريفة فمن ذلك:

1.أسباب النزول لمؤلفه العلّامة الواحدي‌ [٦]. 5.الدرّ المنثور للعلّامة السيوطي‌ [٧]. 9.تاريخ الخطيب البغدادي‌ [٨].
2.تفسير العلّامة خازن البغدادي‌ [٩]. 6.تفسير أبو البركات النّسفي‌ [١٠]. 10.مناقب ابن المغازلي‌ [١١].
3.تفسير العلّامة القرطبي‌ [١٢]. 7.الفصول المهمّة للصبّاغ المالكي‌ [١٣]. 11.تاريخ ابن العساكر [١٤].
4.تفسير الفخر الرازي‌ [١٥]. 8.كفاية الطالب للگنجي الشافعي‌ [١٦]. 12.ربيع الأبرار للزمخشري‌ [١٧].

وعلى هذا الأساس فإن شأن النزول المذكور لا يدانيه شك ولا ريب.[١٨]

ملاحظة مهمّة!

بلا شكّ كان العبّاس ابن عبد المطلب عند نزول آية سقاية الحاج مؤمناً مجاهداً وهكذا الحال مع «شيبة» فقد كان مؤمناً وله سوابق جهادية، إذن فكيف افتخر الإمام علي (ع) بإيمانه وجهاده عليهما والحال أنهما يتصفان بصفة الإيمان والجهاد أيضاً؟

وجواب هذا السؤال هو أن الإمام علي (ع) أراد أن يقول لهما أنا أوّل شخص آمنت بالله وبرسوله من الرجال وأوّل شخص هاجر إلى المدينة بعد هجرة النبي الكريم (ص)، وأوّل مجاهد في سبيل الله ورسوله، وبهذا فقد سبقهما في الإسلام والهجرة والجهاد، وهذه الفضيلة منحصرة في عليّ بن أبي طالب.[١٩]

الشرح والتفسير: الإيمان بالله، أفضل الامور!

﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ[٢٠].

من هذا السياق للآية الشريفة يتّضح جيّداً وقوع مثل هذه المقارنة بين سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام من جهة، وبين الإيمان بالله والجهاد في سبيله من جهة اخرى، ولكن الله تعالى قرّر أنّ هذه المقارنة غير صحيحة وغير سليمة فإنّ الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله لا يقارن مع سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام لأن الإيمان والجهاد بلا شكّ أعلى وأفضل من السقاية والعمارة.

﴿وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ[٢١] ولعلّ هذا التعبير يشير إلى أن المقارنة المذكورة ليست فقط غير صحيحة بل هي نوع من الظلم للشخص الذي سبق الناس في الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيله.

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ[٢٢]فهؤلاء الذين تحركوا بهدف حفظ إيمانهم ونشر الدين والرسالة السماوية من موقع الهجرة وضحّوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وإعلاء كلمته هم أفضل عند الله وأعظم درجة.

وبعد أن يردّ الله تعالى في الآية الاولى أصل المقارنة المذكورة يعبّر عنها بأنها نوع من الظلم ويصرّح في هذه الآية بأن الإيمان والهجرة والجهاد أهم وأعظم من السقاية والعمارة.

﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ[٢٣] فبعد أن يردّ على المقارنة المذكورة ويصرح بأن الإيمان والجهاد والهجرة أفضل وأعظم يشير في الآيتين التاليتين إلى عاقبة أهل الإيمان والجهاد والهجرة ويبشّرهم بما يلي:

  1. إنّ الله تعالى يبشّر هؤلاء بأنهم مشمولين برحمته ومرتبة القرب منه.
  2. البشارة الاخرى هي أن الله تعالى قد رضي عنهم، وما أعظم النعمة في أن يعلم الإنسان بأن محبوبه ومعبوده راضٍ عنه!
  3. ﴿وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا[٢٤] وليست البشارة بجنّة واحدة بل ورد التعبير بجنّات ونِعم ومواهب خالدة في ذلك العالم، ومعلوم أن أحد معايب النِّعم الدنيوية هي أنها معرّضة للزوال والفناء ولكنّ النِّعم والمواهب الاخروية خالدة وباقية أبداً.

﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ[٢٥] فهل أن هذه الجملة بشارة إلى نعمة اخرى قد أعدّها الله تعالى لأهل الإيمان والجهاد والهجرة مضافاً إلى رحمة الله ورضوانه والجنّات الخالدة، وهي النعمة التي لا يمكن للإنسان أن يتصورها ولا يقدر على وصفها ولذلك أجملت الآية بيانها، أو أنها إشارة إلى النِّعم والمواهب المذكورة آنفاً وهي تأكيد لها.

كلا الاحتمالين واردان في مفهوم الآية الشريفة.[٢٦]

ارتباط آية سقاية الحاج مع الإمامة

بما أن الإمام علي (ع) يتمتع بفضيلة السبقة إلى الإيمان والجهاد وليس أحد من المسلمين غيره يتمتع بهذه الفضيلة، فعليه يكون الإمام علي (ع) أفضل المسلمين، ومن الواضح أن الله تعالى إذا أراد نصب خليفة لرسوله فإنه لا يتجاوز الأفضل فيختار المفضول بل وحتّى الفاضل، لأن الله تعالى حكيم وتقديم المفضول على الفاضل والفاضل على الأفضل يخالف مقتضى الحكمة الإلهية، ولو كانت مسألة الخلافة انتخابية فإنّ عقلاء الناس لا يتوجهون ويختارون الفاضل أو المفضول مع وجود الأفضل، وعليه فإنّ هذه الآية الشريفة يمكنها أن تكون دليلًا لإثبات إمامة أمير المؤمنين.[٢٧]

اعتراف أحد علماء السنّة

وقد ذكر أحد علماء السنّة أنه: «أنتم الشيعة يمكنكم إثبات جميع اصول الدين التي تعتقدون بها بواسطة الروايات الموجودة في كتبنا، لأن كتبنا ومصادرنا الروائية مليئة بالروايات التي تؤيد عقائدكم وآراءكم».

ثمّ أضاف يقول: «إنّ قدماءنا كانوا سطحيين وساذجين حيث كانوا ينقلون أيّة رواية تصل إليهم في كتبهم» [٢٨].

ونحن نتعجب من هذا التناقض، لأنهم يذكرون بالنسبة إلى كتبهم ومصادرهم وخاصّة «الصحاح الستة» على مستوى التعريف والثناء والمدح: «إنّ روايات هذه الكتب منتخبة بدقّة كبيرة وجميع الروايات المذكورة فيها معتبرة لأنه أحياناً يتمُّ انتخاب عدد قليل من الروايات من بين ألف رواية» [٢٩].

أ لا يتناقض هذا الكلام مع كلام ذلك العالم السنّي المذكور آنفاً؟ إنّ هذه الأشكال من التناقض هي نتيجة نوعية التفكير لدى‌ الإنسان الذي يؤمن أوّلًا ثمّ يتوجه نحو الآيات والروايات الشريفة ويحاول إسقاط عقائده عليها، ولو أن الإنسان حضر مقابل الآيات والروايات وجلس متتلمذاً عندها ومستوحياً من مضامينها ومرتوياً من منهلها فإنه سوف لا يواجه مثل هذا التناقض العجيب.[٣٠]

توصية الآية

الاتّباع العملي لأولياء الدين‌

إنّ بيان فضائل ومناقب الأئمّة الأطهار (ع) وخصوصيّاتهم الأخلاقية والاجتماعية والسياسية أمر جيّد وضروري ولكنه لا يكفي في مقام الاعتقاد والإيمان بل ينبغي على الإنسان أن يجعلهم اسوة وقدوة له في ممارساته وسلوكياته في حركة الحياة والواقع الاجتماعي، وفي الآيات مورد البحث نقرأ ثلاثة امور بعنوان أنها أركان الدين، وأن الإمام علي (ع) قد بلغ ما بلغ من المرتبة السامية بسبب حركته في خطّ هذه الأركان الثلاثة وهي:

الإيمان، الهجرة، الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس‌. فإذا أردنا الاقتداء بالإمام علي (ع) وبأولياء الدين فلا بدّ من تجسيد هذه الاصول الثلاثة في حياتنا العملية وإحيائها في أعماق وجودنا وقلوبنا.

و من أجل تقوية الإيمان في وجودنا هناك طريقان:

  1. مطالعة ودراسة الشي‌ء الذي نؤمن به، مثلًا لأجل تقوية إيماننا بالله وتعميقه في قلوبنا لا بدّ من النظر والتفكّر في أسرار عالم الخلقة والسعي إلى زيادة الآفاق العلمية في أسرار الكون وآيات الكتاب السماوي كما يحثّنا القرآن دائماً على ذلك، والخلاصة هي أن تعميق الإيمان بأي شي‌ء يحتاج إلى دراسة ذلك الشي‌ء والانفتاح الفكري على تفاصيله.
  2. هو طريق بناء الذات وتهذيب النفس وتطهير القلب من شوائب التعلّقات الدنيوية، لأن الإيمان نور يشرق على قلب الإنسان، وكلّما كانت مرآة القلب صافية وشفافة انعكس النور عليها بصورة أفضل، فلو كان القلب ملوثاً بالخطايا والذنوب فإنّ مرآة القلب لا تعكس نور الإيمان حينئذٍ بصورة جيّدة.

وأما بالنسبة إلى الهجرة فقد يتصور البعض أن هذا الأصل المهم في أجواء الدين السماوي خاصٌّ بالمسلمين في صدر الإسلام، وبعد هجرة المسلمين إلى المدينة انتهى عهد الهجرة في حين أن روايات أهل البيت (ع) تقرر خلاف هذا المطلب، حيث نقرأ في الرواية الواردة عن الإمام علي (ع) قوله: «الْهِجْرَةُ قائِمَةٌ عَلى حَدِّها الْاوَّل».[٣١]

وتأسيساً على هذا فإنّ الهجرة مستمرّة كالإيمان والجهاد إلى يوم القيامة، والواجب على المسلمين أن يهاجروا في مختلف الظروف والأحوال، وطبعاً ففي الكثير من الحالات يختلف شكل الهجرة، ولذلك نقرأ قول الإمام علي (ع): «يَقُولُ الرَّجُلُ هاجَرْتُ وَ لَمْ يُهاجِرْ، انَّمَا الْمُهاجِرُ مَنْ هاجَرَ السَّيِّئاتِ وَ لَمْ يَأْتِ بِها» [٣٢].

أجل، فالمهاجر الحقيقي هو الشخص الذي ترك القبائح والرذائل والذنوب وتحرّك في خطّ الطاعة والعبودية والتقوى وهاجر من السيئات إلى الحسنات والأعمال الصالحة، والمهاجر الواقعي هو الشخص الذي يهجر أصدقاء السوء ورفاق مجالس البطالين والملوثين بالذنوب ويبتعد عنهم، الهجرة من المال الحرام، من المقام الحرام، من الذنوب، واجبة ولازمة، وبديهي أن هذا النمط من الهجرة لا يختصّ بالمسلمين في أوائل البعثة بل هو وظيفة جميع المسلمين إلى يوم القيامة.

وأمّا الأصل الثالث وهو الجهاد بالنفس والمال فذلك أيضاً مورد الابتلاء في كلّ عصر وزمان، فالجهاد بالنفس والمال لا يقبل التعطيل والنسخ وخاصّة مع وجود الأعداء الحاقدين الذين يعبّر عنهم القرآن الكريم‌ ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ[٣٣]، الأعداء

الذين لا يلتزمون بأي مبدأ إنساني وأصل أخلاقي ومستعدون لارتكاب كلّ جناية وجريمة في سبيل المحافظة على منافعهم اللامشروعة، ففي مقابل مثل هذا العدو الخطر ينبغي على المسلمين أن يكونوا مستعدين دائماً للتصدي له والجهاد ضده وأن يكونوا دائماً في حيوية ونشاط وحماسة، ولهذا السبب فنحن نعتقد بأن الأشخاص الذين يتحركون على مستوى تضعيف أو إماتة روحية الشجاعة والجهاد والتصدي للظالمين في نفوس المسلمين بذريعة الألعاب الملوّثة أو حتّى التسليات الدنيوية الرخيصة فإنّ هؤلاء يقومون بخيانة كبيرة لبلدهم ولأنفسهم ولدينهم.

ربّنا، زد في حرارة نور الإيمان في قلوبنا حتّى نتمكن بنور الإيمان أن نهاجر من أجواء الذنوب الظلمانية وننقذ أنفسنا والآخرين بسلاح الجهاد في سبيل الله.[٣٤]

بحثان‌

1- لما ذا لم يرد اسم الإمام علي (ع) في القرآن؟

سؤال: إذا كان الإمام علي (ع) هو المنصوب من الله لأمر الخلافة بعد رسول الله (ص) مباشرة- كما تعتقدون بذلك وتسعون لإثبات هذا المطلب من خلال الآيات القرآنية- إذن فلما ذا لم يرد اسم الإمام علي بصراحة في القرآن الكريم حتّى ننتهي من كلِّ هذه الأبحاث والاختلافات؟

الجواب: نظراً إلى أن اسم «علي» لم يكن منحصراً بالإمام علي (ع) كما هو الحال في «أبو طالب» حيث لم تكن هذه الكنية منحصرة بوالده، بل هناك العديد من الأشخاص بين العرب يسمون باسم «علي» و«أبو طالب» وعلى هذا الأساس لو ورد اسم «علي» بصراحة في القرآن الكريم فإن هؤلاء الأشخاص الذين لم يروق لهم قبول هذه الحقيقة سيتحركون بذرائع مختلفة إلى تطبيق هذا الاسم على شخص آخر، ولهذا كان من الأفضل ذكر الصفات والخصائص المنحصرة بالإمام علي (ع) في القرآن الكريم وتعريفه للناس من هذا الطريق لكيلا يتم تطبيق هذه الصفات والخصائص على غيره من الأشخاص، ولهذا اختار الله تعالى في القرآن الكريم هذا المنهج والسبيل لإرشاد الناس إلى الإمام علي (ع) بعنوانه وليّ‌ المؤمنين وخليفة رسول الله (ص) بلا فصل، رغم أن الأشخاص الذين في قلوبهم مرض ويتحركون في خطّ الانحراف والزيغ يفسّرون هذه الآيات الكريمة بشكل آخر.

سؤال آخر: ورد في الحديث الشريف عن يونس بن عبد الرحمن قال: قلت لأبي الحسن الرضا (ع): إن قوماً طالبوني باسم أمير المؤمنين في كتاب الله عزّ وجلّ، فقلت لهم: من قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا[٣٥]. فقال: «صَدَقْتَ هُوَ هكَذا» [٣٦].

فهل أن هذه الرواية تتفق مع ما ذكرتم من عدم ذكر اسم الإمام علي (ع) صريحاً في القرآن الكريم؟

الجواب: بلا شكّ إنّ مفردة «عليّا» الواردة في الآية الشريفة هذه ليست اسم شخص معيّن (أي ليست اسم علم) بل هي وصف لكلمة «لسان»، وأما الرواية المذكورة فغير معتبرة من حيث السند، لأن أحد رواتها «أحمد بن محمّد السياري» وهو ضعيف جدّاً، وهو الشخص الذي نقل الكثير من روايات تحريف القرآن، ولهذا فالروايات التي يقع في سندها هذا الرجل غير مقبولة وغير معتبرة، ويقول العلّامة الاردبيلي في شرح حاله: «هو رجل ضعيف وفاسد المذهب ورواياته فارغة وغير قابلة للاعتماد» [٣٧] وعلى هذا الأساس فالرواية أعلاه غير معتبرة.[٣٨]

2- لما ذا لم يقضِ النبي (ص) على المنافقين؟

سؤال: إنّ المنافقين وجّهوا بلا شكّ في عصر النبي (ص) وبعد رحلته ضربات قاسية للدعوة الإسلامية وللمجتمع الإسلامي وهم الذين تبنوا الانحراف الذي حصل في مسألة الخلافة والإمامة، ولا شكّ أن النبي الأكرم (ص) كان يعرف هؤلاء الأشخاص ويعلم بنفاقهم، ومع الالتفات إلى هذا المعنى فلما ذا لم يتحرك النبي (ص) في حال حياته للقضاء عليهم ليضمن بذلك سلامة الدعوة الجديدة والامّة الإسلامية؟

الجواب: إنّ النبي الأكرم (ص) أجاب على هذا السؤال في حديث شريف حيث قال:

«لو لا إنّي أكره أن يقال: إن محمّداً استعان بقوم حتّى إذا ظفر بعدوّه قتلهم، لضربت أعناق قوم كثير» [٣٩].

ولكن مع الالتفات إلى هذا الاتّهام الذي يفضي في الواقع إلى اهتزاز عقيدة الناس بالنبوّة والدين الجديد، فمن أجل أن لا يثور هذا التوهم والتصور في أذهان الناس فإنّ النبي لم يحرك ساكناً ضد المنافقين بل كان يتحمل آذاهم ويصبر على مشاكساتهم.[٤٠]

المراجع والمصادر

  1. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن

الهوامش

  1. سورة التوبة، الآية 19-22.
  2. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن،ص229.
  3. المراد من «سقاية الحاج» هو إيصال الماء إلى الحجاج في منى وعرفات والمشعر الحرام حيث لا يوجد في هذه الأمكنة الثلاثة ماء إطلاقاً، وحتّى في هذا الزمان يتم إيصال الماء إلى هذه المناطق بواسطة أنابيب من مناطق اخرى، وكان الحجاج في قديم الزمان مضطرين لحمل الماء معهم في أيّام الحجّ إلى هذه الأماكن، ولهذا قيل عن اليوم الثامن من ذي الحجّة «يوم التروية»، وعلى أيّة حال فقد كان العبّاس في ذلك الزمان مسئولًا عن إيصال الماء إلى الحجيج، وبديهي أن هذه المسئولية كانت مهمة جدّاً في ذلك الوقت لأن أهم حاجة للحجاج في تلك الأماكن هو الماء.
  4. نظراً إلى أهمية «المسجد الحرام» والذي يعبّر عنه القرآن الكريم أنه أوّل بيت وضع للناس ويعدّ أقدس مكان على ظهر الأرض بحيث ورد في الروايات أن ركعة واحدة عنده تعادل مليون ركعة في مناطق اخرى، فإنّ استلام مفاتيح هذا البيت المقدّس و«عمارة المسجد الحرام» لها أهمية خاصّة ومكانة مميزة حيث تكون لصاحب هذه المكانة مسئولية حفظ وحراسة الكعبة المشرّفة وترميم المسجد الحرام ورعايته.
  5. شواهد التنزيل: ج 1، ص 249 ببعد.
  6. أسباب النزول: ص 182 (نقلًا عن احقاق الحقّ: ج 3، ص 123).
  7. الدرّ المنثور: ج 3، ص 218 (نقلًا عن احقاق الحقّ: ج 3، ص 126).
  8. تاريخ الخطيب البغدادي: نقلًا عن الغدير: ج 2، ص 54 و55.
  9. تفسير الخازن: ج 3، ص 57 (نقلًا عن احقاق الحقّ: ج 3 ص 123).
  10. تفسير النّسفي: ج 2، ص 221 (نقلًا من الغدير: ج 2، ص 54).
  11. مناقب ابن المغازلي: نقلًا عن الغدير: ج 2، ص 54 و55.
  12. تفسير القرطبي: ج 8، ص 91 (نقلًا عن احقاق الحقّ: ج 3، ص 125).
  13. الفصول المهمّة: ص 106 (نقلًا عن احقاق الحقّ: ج 3، ص 126).
  14. تاريخ ابن العساكر نقلًا عن الغدير: ج 2، ص 54 و55.
  15. تفسير الفخر الرازي: ج 16، ص 10 (نقلًا عن احقاق الحقّ: ج 3، ص 125).
  16. كفاية الطالب: ص 113 (نقلًا عن احقاق الحقّ: ج 3، ص 125).
  17. ربيع الأبرار نقلًا عن الغدير: ج 2، ص 54 و55.
  18. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص229-232.
  19. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص232.
  20. سورة التوبة، الآية 19.
  21. سورة البقرة، الآية 258.
  22. سورة التوبة، الآية 20.
  23. سورة التوبة، الآية 21.
  24. سورة التوبة، الآية 21-22.
  25. سورة التوبة، الآية 22.
  26. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص232-233.
  27. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص234.
  28. ما هو المراد من هذا الكلام؟ هل أن مرادهم هو أن هذه الروايات معتبرة إلّا أنه لا ينبغي ذكرها لأنها تخالف ذوق هؤلاء الأشخاص؟ أو أن هذه الروايات غير معتبرة أساساً؟ وفي هذه الصورة فما هي الضمانة لاعتبار سائر الأحاديث والروايات الواردة في كتب الصحاح؟!
  29. يقول الإمام البخاري أحد أصحاب الصحاح الستة: «إنّ أحاديث هذا الكتاب (و التي تبلغ أكثر من سبعة آلاف حديثاً صحيحاً) قد استخلصها من بين ستمائة ألف رواية وفي مدّة 16 سنة»- انظر صحيح البخاري: ج 1، ترجمة الإمام البخاري-.
  30. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص234-235.
  31. ميزان الحكمة: ج 10، ص 302، باب 3989، ح 20755.
  32. بحار الأنوار: ج 97، ص 99.
  33. سورة آل عمران، الآية 118.
  34. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص235-237.
  35. سورة مريم، الآية 50.
  36. البرهان في تفسير القرآن: ج 3، ص 14.
  37. جامع الرواة: ج 1، ص 67.
  38. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص237-238.
  39. وسائل الشيعة: ج 18، باب 5 من أبواب حدّ المرتد، ح 3.
  40. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص238-239.