الأذان
التعريف
المعنى اللغوي
الأذان من مادة «أذن» بمعنى العلم والإعلام. يقول ابن فارس في معنى هذه المفردة: الهَمزَةُ وَالذّالُ وَالنّونُ أصلانِ مُتَقارِبانِ فِي المَعنى، مُتباعِدانِ فِي اللَّفظِ. أحَدُهُما: أُذُنُ كُلِّ ذي أُذُنٍ... وَالأَصلُ الآخَرُ: العِلمُ والإِعلامُ. تَقولُ العَرَبُ: قَد أذِنتُ بِهذَا الأَمرِ: أي عَلِمتُ. وآذَنَني فُلانٌ: أعلَمَني... ومِنَ البابِ الأَذانُ، وهُوَ اسمُ التَّأذينِ، كَما أنَّ العَذابَ اسمُ التَّعذيبِ[١].[٢]
الأذان في القرآن والحديث
الأذان وما اشتقّ من مادّة «أذن»، ورد في القرآن بالمعنى اللُّغوي؛ كقوله تعالى:﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾[٣]
وقوله سبحانه: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾[٤]
وقوله: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾[٥]
والملفت أنّ كلمة «أذان» لم ترد في القرآن الكريم بالمصطلح الذي يعني الأذكار الخاصّة بإعلان وقت الصلاة في الإسلام، واُشير إليه في موضع واحد بقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾[٦].[٧]
بدء تشريع الأذان
إنّ نقد الروايات التي تتحدّث عن بدء تشريع الأذان ـ على أساس رؤيا عبد الله بن زيد بن عاصم ـ مسألة هامّة في هذه السُنّة الإسلاميّة الهامّة. لذا نبدأ أوّلاً بعرض ما يمكن قبوله من أحاديث بدء تشريع الأذان، ثمّ نذكر ما روي عن أهل البيت(ع) بشأن رفض رواية الرؤيا، ونحلّل بعد ذلك الرواية لنبيّن علميّاً عدم صحّتها.[٨]
حكمة الأذان
لقد ذُكرت بشأن حكمة تشريع الأذان أُمور عديدة يمكن أن نعزيها إلى أمرين أساسيّين:
- الحكمة الفرديّة: الأذان إعلام وقت الصلاة ودعوة المسلمين جميعاً إلى خير الأعمال؛ أعني الإرتباط بالله الواحد الأحد لبلوغ درجة الفلاح والفوز المطلق.
- الحكمة الأجتماعيّة: الأذان، إضافة إلى مهمّته الفرديّة، هو شعار سياسيّ واجتماعيّ أيضا، وما جاء في كلام الإمام الرضا(ع) في قوله: «مُجاهِرا بِالإيمانِ، مُعلِنا بِالإِسلامِ»[٩] إنّما يشير إلى هذا البعد إلهامّ من حكمة الأذان، أي إلى أنّ الإرتباط الفرديّ المنعزل بالله سبحانه غير كافٍ، بل لابُدَّ أن تصدح المآذن على مدى اليوم واللَّيلة في المجتمعات الإسلاميّة بشعار التوحيد ورفض الشرك والدعوة إلى القيم الدينيّة، فتكرار هذا الشعار يوفّر الأجواء اللازمة لاستمرار سيادة الإسلام في تلك المجتمعات، وتعميق القيم الدينيّة فيها، بل لانتقال هذا الجوّ الثقافيّ إلى المجتمعات الاُخرى أيضا.
كيفيّة الأذان
من المسائل الهامّة في تشريع الأذان، كيفيّته وعدد فصوله، وقد تناولنا هذه المسألة في الفصل الثاني استناداً إلى أحاديث أهل البيت(ع)، وأوضحنا ما طرأ على بعض فصول الأذان من تغيير بعد وفاة رسول الله(ص).[١٠]
تفسير حقيقة الأذان
إنّ مفاهيم الأذان السامية يمكن تفسيرها على نحوين: تفسير يتّجه نحو الظاهر، والآخر يتّجه إلى الحقيقة والباطن، والفصل الثالث يتناول الأحاديث التي تبيّن حقيقة الأذان، وفيها إيضاحاتٌ هامّة لأهل الذِّكْر، وفوائدُ تُهيّئ للمصلّي فرصة المزيد من بركات هذه الفريضة الهامّة..[١١]
مكانة الأذان والمؤذّن
إنّ لغة الحديث ترى الأذان مصباحاً يضيء القلوب، ويبعث في النفوس هدوءاً وطمأنينة بذكر الله، تُصيخ الملائكة لهذا النداء الروحي، فتستغفر لاُمّة محمّد(ص).
والأذان يجعل الملائكة يواكبون المصلّي في صلاته، وصفوفهم تمتدّ شرق العالم وغربه، وقد يملؤون ما بين السّماء والأرض.
وكفى المؤذّن فضيلة أنّه يؤدّي دور الأنبياء في دعوة الناس إلى الله، وهو أمين اُمّة الإسلام، وفوق رأسه يد الله الرؤوف الرحيم، وعندما يشهد بوحدانيّة الله تعالى يصدّقه كلّ رطب ويابس في هذا الكون.
الأذان من أسباب المعرفة الإلهيّة، وبه يستوجب المؤذّن الجنّة.
والمؤذّن لا يبلى في القبر، ويخرج يوم القيامة من قبره وهو يؤذّن، ويحشر فَخوراً مع الأنبياء والصدّيقين والشهداء والصالحين.
نعم، إنّ الأذان له من الفضائل بحيث إنّ الناس لو نظروا إليه بعين برزخيّة ورأوا آثاره وبركاته المعنويّة، لسارعوا إلى نيل فضيلته، ولكن على الرّغم من كلّ ذلك فإنّ الأذان لم يتصدّ لرفعه على مرّ التّاريخ الإسلامي ـ كما تنبّأ الرسول(ص) ـ إلّا المستضعفون من الأفراد، وعلى رأسهم مؤذّن الرسول(ص) بلال الحبشيّ.[١٢]
حقّ المؤذّن
إنّ المؤذّن له حقّ مميّز في المجتمع الإسلاميّ؛ لأنّه يذكّر بالله تعالى ويقوم بخدمة أداء فريضة الصلاة في هذا المجتمع، وله حقّ الشكر والتقدير.[١٣]
بركات الأذان
إنّ حكمة تشريع الأذان قد ذكرناها في النقطة الثانية، غير أن ثَمّة بركات وافرة اُخرى ستُذكر في الفصل الخامس، إحدى أهمّ تلك البركات ـ كما جاء في الروايات ـ إبعاد الشيطان عن الإنسان، ومن هنا جاء التأكيد على ترديد الأذان في اُذُن الوليد.[١٤]
آداب الأذان
آداب الأذان وردت في أربع مجاميع:
المجموعة الاُولى: ينبغي اختيار المؤذّن من بين المؤمنين ذَوي الأخلاق الحسنة والفصاحة والأصوات العذبة.
المجموعة الثانية: الآداب الّتي يجب أن يتحلّى بها المؤذّن عند رفعه الأذان مثل: الطهارة، ورفع الصوت، ورعاية التجويد، والترتيل، والصلاة على النبيّ(ص) لدى الشهادة برسالته، والفصل بين الأذان والإقامة، والدعاء بالمأثور بعد انتهائه، والسجود بين الأذان والإقامة، واجتناب التطريبِ والتحدّثِ فيه وأخذِ الاُجرة عليه.
المجموعة الثالثة: آداب مستمع الأذان: مثل تكرار ما يقوله المؤذّن، والدعاء، والذكر، والصلاة على النبيّ(ص)، والإستجابة لنداء المؤذّن، وحضور الجماعة إذا كان خارج المسجد ، وعدم الخروج إذا كان داخله.
المجموعة الرابعة: آداب بناء المئذنة: حيث ينبغي أن لا يؤدّي ارتفاعها إلى إيذاء جيران المسجد، ولذلك جاء في الرواية أنّ أميرالمؤمنين(ع) رأى منارة مرتفعة فأمر بهدمها، كي لا يَكون ارتفاعها أعلى من سطح المسجد.
وفي الروايات أيضا أنّ المهديّ(ع) عند ظهوره يأمر بتخريب المنائر، وكما أشرنا فإنّ هذا الموقف من المنائر المرتفعة يرتبط طبعاً بالموارد التي تؤدّي إلى تضييع حقوق الآخرين.[١٥]
الأذان الحيّ في حياتنا المعاصرة
إنّ ما ورد في الأحاديث بشأن تشريع الأذان، وحكمته، وتفسيره، وفضيلته، وبركاته، يُبيّن بوضوح أنّ كلّ ذلك يرتبط بالأذان الحيّ ـ أي الّذي يُرفَع مباشرة من قِبَل مؤذّن المسجد في أوقات الصلاة ـ لا الأذان الذي يذاع مسجَّلاً عن طريق الأجهزة الصَّوتية.
ومع ضرورة إذاعة الأذان من وسائل الإعلام، فإنّ ذلك لا يعوّض عن الأذان الحيّ، لذلك لابدّ من الاهتمام برفع الأذان الحيّ خاصّة في المساجد والمراكز الدينيّة؛ لينعم المجتمع ببركات هذه السنّة الإلهيّة الكبرى.[١٦]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ معجم مقاييس اللغة: ج ١ ص ٧٥ ـ ٧٧ «أذن».
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١، ص ٥١١.
- ↑ سورة التوبة، الآية ٣.. قال الشيخ الطوسي في ذيل الآية الكريمة: الأذان: الإعلام في قول أبي زيد والزجَّاج والجبَّائي، تقول: أذنني فلان فأذنت؛ أي أعلمني فعلمت. وقال بعضهم: معناه النداء الذي يُسمع بالاُذن (التبيان في تفسير القرآن: ج ٥ ص ١٩٩).
- ↑ سورة يوسف، الآية ٧٠.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ٤٤.
- ↑ سورة الجمعة، الآية ٩.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١، ص ٥١١-٥١٢.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١، ص ٥١٢.
- ↑ كتاب من لا يحضره الفقيه: ج ١ ص ٢٩٩ ح ٩١٤، عيون أخبار الرضا عليه السلام: ج ٢ ص ١٠٥ ح ١، علل الشرائع: ص ٢٥٨ ح ٩ كلاهما نحوه وكلّها عن الفضل بن شاذان، بحار الأنوار: ج ٦ ص ٦٦ ح ١.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١، ص ٥١٣.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١، ص ٥١٣-٥١٤.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١، ص ٥١٤.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١، ص ٥١٥.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١، ص ٥١٥.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١، ص ٥١٥-٥١٦.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١، ص ٥١٦.