الإمام الباقر في كتب الرجال والتراجم
نبذة
الإمام الخامس محمد الباقر(ع)[١] ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي، الهاشمي، خامس أئمة أهل البيت الطاهر، «أبو جعفر» المعروف بـ الباقر.
وُلد بالمدينة المنورة في مطلع رجب، وقيل في الثالث من صفر سنة سبع وخمسين، وقيل: ست وخمسين.
قال محيي الدين بن شرف النووي: سمّي بالباقر، لأنّه بقر العلم، أي شقّه، فعرف أصله وخفاياه.
وجاء عن جابر بن عبد الله الأنصاري. أنّه قال: لقد أخبرني رسول الله (ص) بأنّي سأبقى حتى أرى رجلاً من ولده، أشبه الناس به، وأمرني أن أُقرئه السلام، واسمه محمد يبقى العلم بقرا.
وذكر أن جابر كان يصيح في مسجد رسول الله (ص): يا باقر علم آل بيت محمّد.
وقد عاش الباقر (ع) في مطلع صباه، المحنة الكبرى التي مرّت على أهل البيت في كربلاء، وقتل فيها جده الإمام الحسين (ع)، وإخوته وأنصاره، وشاهد بعدها المصائب التي حلّت بأهل البيت، ومحبيهم من الحكام الطغاة الذين اتّبعوا الشهوات، واستباحوا الحرمات، وعلَوْا في الأرض، وأفسدوا فيها، فاتجه الإمام في ذلك الجو المشحون بالظلم إلى الدفاع عن مبادىَ الإسلام، ونشر تعاليمه، فالتفّ حول الإمام الآلاف من العلماء، وطلاب العلم لدراسة الفقه، والحديث، والتفسير، والفلسفة، والكلام، وغير ذلك من العلوم حتى أُطلق على تلك الحلقات التي كانت تجتمع في مسجد المدينة اسم الجامعة، التي نمت وتكاملت في عهد ولده الإمام جعفر الصادق (ع) وقيل: شاء الله لمذهب أهل البيت وفقههم، فقه علي بن أبي طالب (ع) الذي أخذه عن الرسول بلا واسطة، أن ينسبا إلى حفيده جعفر بن محمد الصادق، الذي اشترك مع أبيه في تأسيسها، واستقل بها بعد وفاته، لا لأنّ له رأياً في أُصول المذهب أو فقهه، يختلف فيهما عن آبائه وأحفاده، وهو القائل: «حَدِيثِي حَدِيثُ أَبِي وَ حَدِيثُ أَبِي حَدِيثُ جَدِّي وَ حَدِيثُ جَدِّي حَدِيثُ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ حَدِيثُ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ حَدِيثُ رَسُولِ اَللَّهِ وَ حَدِيثُ رَسُولِ اَللَّهِ قَوْلُ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ» وحديث رسول الله هو قول الله، لالذلك، بل لأنّه وأباه تهيأ لهما مالم يتهيأ لغيرهما، واستطاعا في تلك الفترة القصيرة المشحونة بالأحداث التي كانت كلّها لصالحهما، أن يملآ شرق الأرض وغربها، بآثار أهل البيت وفقههم، ويحقّقا ما لم يتيسر تحقّقه لمن سبقهما، ومن جاء بعدهما، لذلك نُسبا إلى الإمام الصادق، كما يبدو ذلك لكل من تتبع آراء أهل البيت في فقههم ومعتقداتهم.
وقد أُخذ معظم فقه أهل البيت (ع) من الإمامين الباقر وولده الصادق(ع)، وجهد الإمام الباقر (ع) على تربية جماعة، فغذّاهم بفقهه، وعلومه، فكانوا من مراجع الفتيا في العالم الإسلامي ومن مفاخر هذه الأمة، وذكر أنّ الشيعة هي أوّل من سبق إلى تدوين الفقه.
يقول مصطفى عبد الرزاق في كتابه [٢]: ومن المعقول أن يكون النزوع إلى تدوين الفقه، كان أسرع إلى الشيعة، لأنّ اعتقادهم العصمة في أئمتهم أو مايشبه العصمة، كان حرياً إلى تدوين أقضيتهم، وفتاواهم.
وكان الإمام الباقر (ع) مقصد العلماء من كل بلاد العالم الإسلامي. قال الشيخ محمد أبو زهرة: ومازار أحد المدينة إلاّ عرّج على بيت محمد الباقر يأخذ عنه، وكان ممّن يزوره من يتشيّعون لآل البيت في السر، ومن نبتت في نفوسهم نابتة الانحراف، إذا فرخت في خلايا الكتمان الذي ادرعوا به، آراء خارجة عن الدين، فكان يصدّهم، ويردّهم منبوذين، مذمومين. وكان يقصده أئمة الفقه الإسلامي، كـ سفيان الثوري، و سفيان بن عيينة[٣] و أبي حنيفة شيخ فقهاء العراق. وكان يرشد من يجيء إليه[٤]
وقد أحصى الشيخ الطوسي في رجاله ستاً وستين وأربعمائة ممّن روى عن الباقر (ع).
حدّث عنه: أبان بن تغلب الكوفي، و أبو حمزة ثابت بن أبي صفية الثمالي، و الحكم بن عُتيبة، و ربيعة الرأي، و الأعمش، و زرارة بن أعين، و عبد الله بن عطاء، و عبد الرحمن الأعرج، و الأوزاعي، و محمد بن علي بن النعمان الملقب بـ مؤمن الطاق، وخلق كثير.
ومن أجوبة الإمام (ع) ومناظراته، ما روي من «أَنَّ نَافِعَ بْنَ اَلْأَزْرَقِ[٥] جَاءَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْ مَسَائِلَ فِي اَلْحَلاَلِ وَ اَلْحَرَامِ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فِي عَرْضِ كَلاَمِهِ قُلْ لِهَذِهِ اَلْمَارِقَةِ بِمَا اِسْتَحْلَلْتُمْ فِرَاقَ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ قَدْ سَفَكْتُمْ دِمَاءَكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي طَاعَتِهِ وَ اَلْقُرْبَةِ إِلَى اَللَّهِ بِنُصْرَتِهِ فَسَيَقُولُونَ لَكَ إِنَّهُ حَكَّمَ فِي دِينِ اَللَّهِ فَقُلْ لَهُمْ قَدْ حَكَّمَ اَللَّهُ تَعَالَى فِي شَرِيعَةِ نَبِيِّهِ عَلَيهِ وَ آلِهِ السَّلامُ رَجُلَيْنِ مِنْ خَلْقِهِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾[٦] وَ حَكَّمَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ سَعْدَ بْنَ مُعَاذِ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَحَكَمَ فِيهِمْ بِمَا أَمْضَاهُ اَللَّهُ أَ وَ مَا عَلِمْتُمْ أَنَّ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِنَّمَا أَمَرَ اَلْحَكَمَيْنِ أَنْ يَحْكُمَا بِالْقُرْآنِ وَ لاَ يَتَعَدَّيَاهُ وَ اِشْتَرَطَ رَدَّ مَا خَالَفَ اَلْقُرْآنَ مِنْ أَحْكَامِ اَلرِّجَالِ وَ قَالَ حِينَ قَالُوا لَهُ حَكَّمْتَ عَلَى نَفْسِكَ مَنْ حَكَمَ عَلَيْكَ فَقَالَ مَا حَكَّمْتُ مَخْلُوقاً وَ إِنَّمَا حَكَّمْتُ كِتَابَ اَللَّهِ فَأَيْنَ تَجِدُ اَلْمَارِقَةُ تَضْلِيلَ مَنْ أَمَرَ بِالْحُكْمِ بِالْقُرْآنِ وَ اِشْتَرَطَ رَدَّ مَا خَالَفَهُ لَوْ لاَ اِرْتِكَابُهُمْ فِي بِدْعَتِهِمُ اَلْبُهْتَانَ فَقَالَ نَافِعُ بْنُ اَلْأَزْرَقِ هَذَا كَلاَمٌ مَا مَرَّ بِسَمْعِي قَطُّ وَ لاَ خَطَرَ مِنِّي بِبَالٍ وَ هُوَ اَلْحَقُّ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ».
وروي «أَنَّ أَعْرَابِيّاً أَتَى جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ اَلصَّادِقَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ حِينَ عَبَدْتَهُ فَقَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَعْبُدَ رَبًّا لَمْ أَرَهُ فَقَالَ كَيْفَ رَأَيْتَهُ فَقَالَ لَمْ تَرَهُ اَلْأَبْصَارُ بِمُشَاهَدَةِ اَلْعِيَانِ بَلْ رَأَتْهُ اَلْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ اَلْإِيمَانِ لاَ يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ وَ لاَ يُقَاسُ بِالنَّاسِ مَعْرُوفٌ بِالْآيَاتِ مَنْعُوتٌ بِالْعَلاَمَاتِ لاَ يَجُورُ فِي قَضِيَّتِهِ ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾[٧] فَقَالَ اَلْأَعْرَابِيُّ ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾[٨]».
وأمّا ما قيل في حقّ الإمام (ع) من كلمات فهي كثيرة ننقل منها ما يلي:
عن عبد الله بن عطاء، قال: ما رأيت العلماء عند أحد أصغر علماً منهم عند أبي جعفر الباقر، لقد رأيت الحكم عنده كأنّه متعلّم. ويعني الحكم بن عتيبة.
وعن سلمة بن كهيل: في قوله ﴿لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾[٩]، قال: كان أبو جعفر منهم.
وقال ابن سعد: كان عالماً عابداً ثقة، وروى عنه الأئمة أبو حنيفة وغيره.
وقال ابن كثير: كان ذاكراً خاشعاً صابراً، وكان من سلالة النبوة، رفيع النسب، عالي الحسب، وكان عارفاً بالخطرات، كثير البكاء والعبرات، معرضاً عند الجدال والخصومات.
وقال الذهبي: وكان أحد من جمع العلم والفقه والشرف والديانة والثقة والسؤدد، وكان يصلح للخلافة.
وقال كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي: هو باقر العلم وجامعه، وشاهر علمه ورافعه،متفوق درّه وراضعه، ومنمق دُرّه وواضعه، صفا قلبه، وزكا عمله، وطهرت نفسه، وشرفت أخلاقه، وعمرت بطاعة الله أوقاته، ورسخت في مقام التقوى قدمه، فالمناقب تسبق إليه، والصفات تشرف به.
وممّا أثر عن الإمام (ع) من الحكم والمواعظ، قال: «عَالِمٌ يُنْتَفَعُ بِعِلْمِهِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ».
وقال: «إِنَّ اَللَّهَ خَبَأَ ثَلاَثَةَ أَشْيَاءَ فِي ثَلاَثَةِ أَشْيَاءَ خَبَأَ رِضَاهُ فِي طَاعَتِهِ فَلاَ تُحَقِّرَنَّ مِنَ اَلطَّاعَةِ شَيْئاً فَلَعَلَّ رِضَاهُ فِيهِ وَ خَبَأَ سَخَطَهُ فِي مَعْصِيَتِهِ فَلاَ تُحَقِّرَنَّ مِنَ اَلْمَعْصِيَةِ شَيْئاً فَلَعَلَّ سَخَطَهُ فِيهِ وَ خَبَأَ أَوْلِيَاءَهُ فِي خَلْقِهِ فَلاَ تُحَقِّرَنَّ أَحَداً فَلَعَلَّ اَلْوَلِيَّ ذَلِكَ».
وقال (ع) في وصف شيعته: «إِنَّمَا شِيعَةُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ اَلْمُتَبَاذِلُونَ فِي وَلاَيَتِنَا اَلْمُتَحَابُّونَ فِي مَوَدَّتِنَا اَلْمُتَزَاوِرُونَ لِإِحْيَاءِ أَمْرِنَا إِنْ غَضِبُوا لَمْ يَظْلِمُوا وَ إِنْ رَضُوا لَمْ يُسْرِفُوا بَرَكَةٌ لِمَنْ جَاوَرُوا وَ سِلْمٌ لِمَنْ خَالَطُوا».
وقال: «إِنَّ أَسْرَعَ اَلْخَيْرِ ثَوَاباً اَلْبِرُّ وَ إِنَّ أَسْرَعَ اَلشَّرِّ عِقَاباً اَلْبَغْيُ وَ كَفَى بِالْمَرْءِ عَيْباً أَنْ يَنْظُرَ مِنَ اَلنَّاسِ إِلَى مَا يَعْمَى عَنْهُ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ يُعَيِّرَ اَلنَّاسَ مَا لاَ يَسْتَطِيعُ تَرْكَهُ أَوْ يُؤْذِيَ جَلِيسَهُ بِمَا لاَ يَعْنِيهِ».
قال ابن كثير الدمشقي: هذه كلمات جوامع موانع، لا ينبغي لعاقل أن يغفلها.
توفي (ع) بالمدينة في سابع ذي الحجة، وقيل في ربيع الأوّل أو الآخر سنة أربع عشرة ومائة، وقيل غير ذلك. ودفن بالبقيع مع أبيه زين العابدين وعم أبيه الحسن بن علي(ع).[١٠]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ الطبقات الكبرى لابن سعد ٥: ٣٢٠، التاريخ الكبير ١: ١٨٣ برقم ٥٦٤، المعارف ١٢٥، المعرفة والتاريخ ١: ٣٦٠، تاريخ أهل البيت (ع) لابن أبي الثلج١٣١، مروج الذهب ٤: ٤١ و٥٧ و٦٧، الكافي للكليني ٢: ٤٩٥ ـ ٥٠٠، مشاهير علماء الأمصار ١٠٣ برقم ٤٢٠، الثقات لابن حبان ٥: ٣٤٨، الفهرست لابن النديم ٥٦، الارشاد للمفيد ٢٦٥، حلية الأولياء ٣: ١٨٠، الرجال للطوسي ١٠٢، طبقات الفقهاء للشيرازي ٦٤، اعلام الورى بأعلام الهدى ٢٦٤، تهذيب الكمال ٢٦: ١٣٦، مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ٤: ١٧٨، الكامل في التاريخ ٥: ٦٢، تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي ٣٠٢، تهذيب الأسماء واللغات ١: ٨٧ برقم ١٨، كشف الغمة في معرفة الأئمّة ٢: ٣٢٨، مختصر تاريخ دمشق لابن منظور ٢٣: ٧٧، تاريخ الإسلام (سنة ١٠١ ـ ١٢٠) ٤٦٢، سير أعلام النبلاء ٤: ٤٠١، تذكرة الحفاظ ١: ١٢٤، الوافي بالوفيات ٤: ١٠٢ برقم ١٥٨٣، مرآة الجنان ١: ٢٤٧، البداية والنهاية ٩: ٣٢١، تهذيب التهذيب ٩: ٢٥٠، النجوم الزاهرة ١: ٢٧٣، الفصول المهمة ٢١٠، طبقات الحفاظ ٥٦ برقم١٠٧، طبقات المفسّـرين للداوودي ٢: ٢٠٠، شذرات الذهب ١: ١٤٩، جامع الرواة ١: ٩، بحار الأنوار ٤٦: ٢١٢، أعيان الشيعة ١: ٦٥٠، الذريعة إلى تصانيف الشيعة ١: ٣١٥، الصواعق المحرقة ٢٠١، سيرة الأئمة الاثني عشر ٢: ١٩٥، حياة الإمام محمد الباقر (ع) لباقر شريف القرشي ج ١ و٢.
- ↑ تمهيد لتاريخ الفلسفة: ٣٠٢.
- ↑ ولد ابن عيينة عام (١٠٧ هـ) فلا يتم ما ذكره أبو زهرة.
- ↑ تاريخ المذاهب الإسلامية: ٦٣٩.
- ↑ قال آية الله الشيخ السبحاني: ولعل المناظر هو عبد الله بن نافع الأزرق، لأنّ نافعاً قُتل عام (٦٥هـ) وللإمام عندئذ من العمر دون العشرة، وقد نقل ابن شهر آشوب بعض مناظرات الإمام مع عبد الله ابن نافع، فلاحظ. بحوث في الملل والنحل: ٤: ٢٠١.
- ↑ سورة النساء، الآية ٣٥.
- ↑ سورة الحشر، الآية ٢٢.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١٢٤.
- ↑ سورة الحجر، الآية ٧٥.
- ↑ جعفر السبحاني، موسوعة طبقات الفقهاء، ج ١، ص ٢٦١.